🚖

المحاضرات المنبريّة في المجالس الصفريّة

الشيخ عبدالأمير عبدالزهره « أبو علي البصري »

المحاضرات المنبريّة في المجالس الصفريّة

المؤلف:

الشيخ عبدالأمير عبدالزهره « أبو علي البصري »


الموضوع : سيرة النبي (ص) وأهل البيت (ع)
الناشر: انتشارات المكتبة الحيدريّة
ISBN: 964-8163-14-6
🚖 نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

الامام زين العابدين عليه‌السلام

لا خَبَت مرهفات آل عليّ

فهي النار والأعادي وقود

عقدوا بينها وبين المنايا

ودعواها هنا توفّى العقود

نزلوا عن خيولهم للمنايا

وقصارى هذا النزول صعود

سلبوهم برودهم وعليهم

يوم ماتوا من الحفاظ برود

تركوهم على الصعيد ثلاثاً

يا بنفسي ماذا يقلّ الصعيد

فوقه لو درىٰ هياكل قدس

هو للحشر فيهم محسود

تربة تعكف الملائك فيها

فركوع لهم بها وسجود

وعلى العيس من بنات عليّ

نوّح كل لفظها تعديد

سلبتها ايدي الجفاة حلاها

فخلا معصم وعطّل جيد

وعليها السياط لمّا تلّوت

خلّفتها أساور وعقود

عجباً لم تلن قلوب الأعادي

لحنين يلين منه الحديد

وقسوا حيث لم يعضّوا بناناً

لعليل عضّت عليه القيود (١)

* * *

______________________

(١) الامام علي بن الحسين ( زين العابدين ) ، القصيدة للسيد جعفر الحلي .

١٠١

من عادت البلمرض ينعاد

تزوره عمامه الراح والراد

واحد يسنده او يعدل اوساد

واحد لعند الشرب والزاد

ابّين اخوته يطلب اشما راد

ما ظن مثل محنه السجاد

عليه جامعه وغلال وگاد

هظيمه يطلب مجلس ابن زياد

والأعظم بعد للشام ينگاد

* * *

سمعنه العليل ايباشرونه

صباح او مسه يتفگدونه

مشفنه العلل اگدونه

وبحبال خشنه چتفونه

صحوا البني هاشم يجونه

وحبل البمتنه يحلّونه

* * *

مالي أراك ودمع عينك جامد

او ما سمعت بمحنة السجاد

* * *

دور الامام علي بن الحسين زين العابدين عليه‌السلام في اكمال المسيرة الحسينية :

أولاً : بثّه لمفاهيم الثورة الحسينية وتنبيهه على الانحرافات في الدولة آنذاك مع تأكيده على الخط الشرعي في القيادة . أيّ كان الامام زين العابدين عليه‌السلام يبيّن للأُمة وفي حواضر العالم الإسلامي آنذاك معنى خروج الحسين ، ومن هو الحسين وما هو موقعه وبعد ذلك يسعى لربطهم بمن يخلف الحسين لأكمال الشوط ومواصلة الدرب .

ثانياً : توزع تحرّك الامام بهذه القضية في المدن الإسلامية المهمة آنذاك الكوفة ، دمشق ، المدينة لتبليغ صوت الحق إلى أبعد مدى ممكن مع استعماله

١٠٢

للأُسلوب المناسب في كل مدينة فقد استعمل أُسلوب التقريع والتأنيب في الكوفة مع أهلها لأنهم يعرفون الحق بصورة تامة ويخالفوه . قال الامام عليه‌السلام : « أيّها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا أعرّفه بنفسي ، أنا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه‌السلام أنا ابن من انتهكت حرمته ، وسلبت نعمته ، وانتهب ماله ، وسبي عياله ، أنا ابن المذبوح بشط الفرات من غير ذحل وترات أنا ابن من قتل صبرا وكفى بذلك فخرا .

أيّها الناس ، فانشدكم الله هل تعلمون أنكم كتبتم إلى أبي وخدعتموه وأعطيتموه من نفسكم العهد والميثاق والبيعة وقاتلتموه فتباً لما قدمتم لأنفسكم وسوءة لرأيكم بأية عين تنظرون إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إذ يقول لكم ، قتلتم عترتي وأنتهكتم حرمتي فلستم من أُمتي » .

قال الراوي : فارتفعت الأصوات من كل ناحية ويقول بعضهم لبعض هلكتم وما تعلمون ، فقال عليه‌السلام رحم الله امرءاً قبل نصيحتي وحفظ وصيتي في الله وفي رسوله وأهل بيته فأنا لنا في رسول الله أُسوة حسنة ، فقالوا بأجمعهم نحن كلنا يا ابن رسول الله سامعون مطيعون حافظون لذمامك ... الخ .

وأُسلوب الإقناع الهادئ مع الشاميين ، كما في مسألة الشيخ الذي حاوره الامام عليه‌السلام في الشام وذكر له الآيات التي نزلت في أهل البيت فاعتذر من الامام ولعن يزيد وتبرء منه .

واستعمل الامام علي بن الحسين عليه‌السلام أُسلوباً وسطياً مع أهل المدينة يتناسب وموقفهم الوسطي ، فلما رجع إلى المدينة ، يقول الراوي فخرج علي بن الحسين من فسطاطه وهو خارج المدينة ومعه خرقة يمسح بها دموعه وخلفه خادم معه كرسي فوضعه له وجلس عليه وهو لا يتمالك عن العبرة وارتفعت أصوات الناس بالبكاء وحنين النسوان والجواري والناس يعزّونه من كل ناحية فضجّت تلك

١٠٣

البقعة ضجّة شديدة فأومأ بيده ان اسكتوا فسكنت فورتهم فقال الحمد لله ربّ العالمين مالك يوم الدين ، بارئ الخلائق أجمعين الذي بعد فارتفع في السماوات العلى ، وقرب فشهد النجوى ، نحمده على عظائم الأُمور وفجائع الدهور وألم الفجائع ومضاضة اللواذع ، وجليل الرزء ، وعظيم المصائب الفاظعة الكاظة الفادحة الجائحة ، أيّها القوم أن الله وله الحمد ابتلانا بمصائب جليلة في الإسلام عظيمة قتل ابو عبد الله الحسين عليه‌السلام وعترته وسبي نساءه وصبيته وداروا برأسه في البلدان من فوق عالي السنان وهذه الرزية التي لا مثلها رزية أيّها الناس . فأي رجالات منكم يسرون بعد قتله ، أم أي فؤاد لا يحزن من أجله ، أم أية عين منكم تحبس دمعها وتضنّ عن انهمالها ، فلقد بكت السبع الشداد لقتله ، وبكت البحار بأمواجها والسماوات بأركانها والأرض بأرجائها والأشجار بأغصانها والحيتان ولجج البحار والملائكة المقربون وأهل السماوات أجمعون يا أيها الناس : أي قلب لا يتصدّع لقتله أم أيّ فؤاد لا يحن هليه أم أي سمع يسمع هذه الثلمة التي ثلمت في الإسلام ولا يصمّ . أيها الناس : أصبحنا مطرودين مشردّين مذودين وشاسعين عن الامصار كأنا اولاد ترك وكابل من غير جرم اجترمناه ولا مكروه ارتكبناه ... الخ الخطبة .

ثالثاً : تفنيد مزاعم السلطة بأن قتل الحسين وأهل بيته وأصحابه وسبي عياله أمر إلهي وتبيانه ان ما حصل نتيجة لانحراف الحكومة وابتعاد الناس عن الاسلام . وهذا ما نجده واضحاً في المحاورة التي جرت بين يزيد والامام علي بن الحسين عليهما‌السلام في الشام حيث قال يزيد للامام عليه‌السلام : كيف رأيت صنع الله يا علي بأبيك الحسين ؟ فقال : رأيت ما قضاه الله عزّ وجل قبل أن يخلق السماوات والأرض ! وشاور يزيد من كان حاضراً عنده في أمره فأشاروا عليه قتله ! فقال زين العابدين عليه‌السلام يا يزيد لقد أشار عليك هؤلاء بخلاف ما أشار به جلساء فرعون

١٠٤

عليه حين شاورهم في موسى وهارون فانهم قالوا له أرجه وأخاه ولا يقتل الأدعياء اولاد الأنبياء وأبناءهم فأمسك يزيد مطرقاً ثم قال يزيد لزين العابدين عليه‌السلام : ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ، قال علي بن الحسين : ما هذه فينا نزلت انما نزل فينا ، ( مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّـهِ يَسِيرٌ * لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ) فنحن لا نأس على ما فاتنا ولا نفرح بما أتانا فأنشد يزيد قول الفضل بن العباس بن عتبة :

مهلاً بني عمّنا مهلاً موالينا

لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا

* * *

رابعاً : مواصلة الامام لإحياء ذكر أبي عبد الله عن طريق الزيارة واستعمال التربة والمسبحة الحسينية وعن طريق البكاء لترسيخ القضية في ضمير الأُمة .

أما الزيارة فكان يحثّ الناس على زيارة الحسين عليه‌السلام وفي محاورته مع زائدة بن قدامة الثقفي شاهد على ذلك قال الامام عليه‌السلام : « بلغني يا زائدة أنّك تزور قبر أبي عبد الله الحسين عليه‌السلام أحياناً ، فقلت : إنّ ذلك لكما بلغك ، فقال لي : فلماذا تفعل ذلك ولك مكان عند سلطانك الذي لا يحتمل أحداً على محبتنا وتفضيلنا وذكر فضلنا والواجب على هذه الأُمة من حقّنا فقلت والله ما أُريد بذلك إلّا الله ورسوله ولا أحفل بسخط من سخط ولا يكبر في صدري مكروه ينالي بسببه فقال والله ان ذلك لكذلك فقلت والله آنذاك لكذلك يقولها ثلاثاً وأقولها ثلاثاً فقال عليه‌السلام أبشر ثم أبشر ثم أبشر ... الخ » (١) .

______________________

(١) بلاغة الامام : ٩١ .

١٠٥

كما أنّ سجوده على التربة الحسينية واتخاذه لمسبحةٍ مصنوعة من تراب أرض الحسين وما شاكل لأمثلة على سعي الامام السجاد في تعميق ذكرى الحسين في القلوب عن مناقب آل طالب عن مصباح المتهجد قال : كان للإمام زين العابدين عليه‌السلام خريطة فيها تربة الحسين فإذا قام إلى الصلاة تغير لونه فإذا سجد لم يرفع رأسه حتى يرفض عرقاً .

كما أنّ لبكائه على الحسين كما في بعض النصوص (٢٠) سنة وفي بعضها (٣٥) سنة وفي بعضها أربعين سنة وهو في الغالب صائماً نهاره قائماً ليله فإذا حضر الإفطار وجاء غلامه بطعامه وشرابه فيضَعه بين يديه فيقول كل يا مولاي فيقول قتل ابن رسول الله جائعاً قتل ابن رسول الله عطشاناً فلا يزال يكرر ذلك ويبكي حتى يبتل طعامه من دموعه ثم يمزج شرابه بدموعه فلم يزل كذلك حتى الحق بالله عزّ وجل .

وحدّث مولىً له أنه برز يوماً إلى الصحراء قال : فتبعته فوجدته قد سجد على حجارة خشنة فوقفت وأنا أسمع شهيقه وبكائه وأحصيت عليه ألف مرّة يقول لا إله إلّا الله حقاً حقاً لا إله إلّا الله تعبّداً ورقّا لا إله إلّا الله إيماناً وتصديقا .

ثم رفع رأسه من سجوده وأن لحنينه قد غمر بالماء من دموع عينيه فقلت يا سيدي أما أن لحزنك أن ينقضي ولبكائك أن يقل فقال لي ويحك أن يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم كان نبى ابن نبي له اثني عشر ابناً فغيّب الله واحدً منهم فشاب رأسه من الحزن واحدودب ظهره من الغم وذهب بصره من البكاء وابنه حي في دار الدنيا وأنا رأيت ابي وأخي وسبعة عشر من أهل بيتي صرعى مقتولين فكيف ينقضي حزني ويقل بكائي (١) .

______________________

(١) اللهوف : ٨٨ .

١٠٦

گلبي يبو حمزة تراه اتفطر او ذاب

او مثل المصيبة اللية دهتني امحد انصاب

ذيچ البدور اللّي ابمنازلنا يزهرون

والليل كلّه امن العباده ما يفترون

سبعة او عاشره عاينتهم كلهم اغصون

فوگ الوطيه امعفرين ابحرّ التراب

لو شفت جسم العلى المسناة مطروح

وذاك الشباب اللي ابصباح العرس مذبوح

لو شفت الأكبر ما لمتني ابكثرة النوح

وكلما طلع بالمعركة من خيمته غاب

ابعيني رأيت احسين بيده الطفل منحور

وأُمه الرباب اتعاينه واعيونه اتدور

فت ابونينه اگلوبنه وعيونه اتدور

ما خلتنه كربلا شيخ ولا شاب

واعظم مصيبة الهيّجت حزني عليه

داست على صدر العزيز خيول أُميه

حرگوا اخيامنه وسيّروا زينب سبيّه

شحچي وشعددلك يبو حمزه امن امصاب

ما نكّست راسي لجل فگد الاماجد

ما گصّروا بالغاضريه زلزلوا البيد

نكسّه الراسي ادخول زينب مجلس ايزيد

حسره او من عظم المصايب راسها شاب

* * *

١٠٧

انه ويني او وين الدواوين

مَنّي امخدرة عباس واحسين

واولاد عمي الهاشميين

شسوي وهلي عني بعيدين

* * *

وأعظم ما يشجي الغيور دخولها

إلى مجلس ما بارح اللهو والخمرا

* * *

١٠٨

دور السبايا بعد شهادة الحسين عليه‌السلام

يا وقعة الطفّ كم عين بك انذرفت

وكم إلى الدين من ركن بك انهارا

تزلزلت فيك ارض الله وانسكبت

عين السماء دماً والعرش قد مارا

أفيك يقضون آل المصطفى عطشاً

والماء طام فليت الماء قد غارا

ويصبح السبط شلواً فيك تصهره

شمس الهجير على الرمضاء إصهارا

وحوله آله صرعى كأنّهم

جزر الأضاحي علها الترب قد ثارا

لله من فتية شدّوا ميازرهم

على القتال وكأس الموت قد دارا

جادوا بأنفسهم في حبّ سيدهم

وقد رأوا لبثهم من بعده عارا

يا للرجال لمقتولين ما كبدٌ لهم

تحنّ ولا نعش لهم سارا

نائين رهن الفيافي لا ترى لهم

إلّا السوافي ووحش البرّ زوارا

يا أقبراً بعراص الطف هجت لنا

حزناً يؤجّج في أحشاءنا نارا

ما زرت أرضك إلّا هيجت شجناً

ومدمعاً فاض من عينيّ مدرار

لهفي لزينب إذ قالت مودّعة

والحزن باد ودمع العين قد فارا

هلا تمرون بالقتلى نودعهم

ونقضِ من ترب الخدين أوطار (١)

______________________

(١) رياض المدح والرثاء .

١٠٩

أنه غصبن علي يحسين امشي اميسره عنك

لاچن تدري مو بيدي وريد المعذره منك

كون ابگه آنه ويّاك بالحومه وغسلنّك

ابدمعي مو تظل يحسين او غسلك من نجيع ادماك

* * *

انه ماشيه يحسين عنّك

گطعت الرجه وأيست منّك

لو يحصل بيديه لغسلنّك

او مشيت اميسّره غصبن عليّه

* * *

مشت وعيونها اعلى احسين تربه

وخذت من دم عزيز الگلب تربه

الاخت ويه الأخو امن الزغر تربه

اشلون تعوف جسمه اعلى الوطيه

* * *

مرّوا بهنّ على القتلى مطرّحة

ما بين منعفر في جنب مصطلم

* * *

ما هو دور السبايا بعد شهادة الحسين عليه‌السلام :

المقدمة :

خطط الحسين عليه‌السلام ، أن تكون لثورته بعداً تاريخياً في الأُمة ، ومناراً يقتدىٰ به من قبل الأُمة على طول المسيرة الإسلامية ، للوقوف بوجه الظلم والانحراف والطغاة .

ومن جانب آخر كان هناك عملاً مضاداً يستهدف طمس معالم الثورة وامتصاص انعكاستها وآثارها والتي كانت تقوم به السلطة الحاكمة ، فكانت تحاول القضاء على الثورة بأسرع وقت ممكن خوفاً من تأثيراتها على الأُمة .

١١٠

وكانت السلطة تعمل من جانب آخر على تشويه أهداف الثورة ومسخها وتحويل الثائرين إلى مجموعة خارجة عن الدين لتسحب الشرعية منهم وبالتالي هي تكسب الشرعية وهذا يؤدي إلى تغيير محتوى الثورة ومعالمها وبالتالي تكون انعكاستها ضعيفة وغير مؤثرة .

لهذا كان عمل الأئمة الأطهار عليهم‌السلام عملاً مكثفاً تجاه الثورة وكان تعاملهم معها ومع قائد الثورة تعاملاً خاصاً لا نجد له مثيلاً . ونستطيع أن نقسم دور الأئمة عليهم‌السلام تجاه الثورة إلى ما يلي :

أولاً : دور السبايا :

ملاحظة : أدرجنا دور السبايا ضمن دور الأئمة عليهم‌السلام باعتبار أن الامام السجاد عليه‌السلام كان ضمن السبايا ولا اشكال أن التخطيط ومنهج التحرك كان يشرف عليه عليه‌السلام . لقد خطط الامام الحسين عليه‌السلام لثورته واعتبر دور السبايا جزءاً مكملاً لها وهذا الدور يعتبر دوراً كبيراً في الثورة .

الحسين عليه‌السلام كان يعلم ان المعركة مع الأعداء قد تستمر عدة ساعات تنتهي خبرها بين الناس كما حاولوا فعلاً وصف رجال الثورة بالخوارج وهذه تؤدي إلى ضعف انعكاسات الثورة وتأثيرها على الأُمة .

بينما كان الامام الحسين عليه‌السلام يهدف في ثورته إلى تحريك الأُمة وهز ضميرها وإعادة إرادتها وبالتالي تقويض الحكم الأموي والقضاء عليه . لذا قرّر الامام الحسين عليه‌السلام اصطحاب أهل بيته معه . هذا القرار انعكس على القريبين والبعيدين مسبباً حالة من الاستغراب والاستفهام ، علماً إنّ الظرف لم يكن يسمح للإمام الحسين عليه‌السلام لأن يُشخِّص لهم دور أهل بيته ؟ أو لعلهم لا يفهمون ذلك أصلاً لذا ربط هذا العمل بالغيب فقال : « شاء الله ان يراهنّ سبايا » .

١١١

السبايا كانوا يركّزون على ثلاثة خطوط ضمن دورهم الكلّي :

أولاً : اظهار اسلامية الثورة : كانت هناك مؤامرة تستهدف طمس معالم الثورة وتفريغ محتواها الحقيقي وبالتالي القضاء على آثارها ، وسلب الثورة قداستها هذه المؤامرة كانت تريد أن تقول أن هؤلاء جماعة من الخوارج خرجوا على أمير المؤمنين . وكانت هذه المقولة لها أرضية في المناطق البعيدة عن تحرك الإمام الحسين عليه‌السلام كما حدث بالنسبة لأهل الشام . وكشاهد على ذلك ، عندما دخلت السبايا الشام دنا شيخ من نساء الحسين وعياله وهم مقيمون على درج باب المسجد ، فقال : الحمد لله الذي قتلكم وأهلككم وأراح البلاد من رجالكم وأمكن أمير المومنين منكم . وهنا تصدّ له الإمام زين العابدين ليبيّن له الحقيقة ، فقال : يا شيخ هل قرأت القرآن ؟ قال : نعم ، فقال له : هل قرأت هذه الآية : ( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ) قال الشيخ : قد قرأت ذلك ، فقال له الإمام عليه‌السلام : فنحن القربى ، واستمرّ الإمام زين العابدين يذكر له الآيات التي نزلت في حقّهم ثم رفع الشيخ رأسه إلى السماء وقال اللهمّ إني ابرأ إليك من عدو آل محمد من جن وانس ، فبلغ يزيد بن معاوية حديث الشيخ فأمر به فقتل (١) .

والإمام الحسين عليه‌السلام كان يعلم بهذه المؤامرة لهذا كان يؤكد في خطبه على أنه من بيت النبوة والوحي . من هنا جاء دور السبايا لترسيخ اسلامية هذه الثورة وانها صادرة من بيت النبوة والرسالة وإن قادتها هم أهل البيت الذين طهّرهم الله وأذهب عنهم الرجس .

الشاهد الثاني : أكّد الامام زين العابدين عليه‌السلام في خطبته مخاطباً لأهل الكوفة : « ... بأي عين تنظرون إلى رسول الله إذ يقول لكم قتلتم عترتي وأنتهكتم حرمتي فلستم من أُمتي ... » .

______________________

(١) بحار ٤٥ : ١٢٩ .

١١٢

الشاهد الثالث : وقد أكّدت زينب عليها‌السلام في كربلاء على أن الحجة عليكم هو الحسين عليه‌السلام وبالتالي ثورته ثورة اسلامية قالت : « ... وكيف ترحضون قتل سبط خاتم النبوة ومعدن الرسالة ومدار حجتكم ومنار محجتكم وهو سيد شباب أهل الجنة » .

الشاهد الرابع : في خطبته زين العابدين عليه‌السلام في الشام أشار إلى هذه المسألة قائلاً : « أيها الناس : أنا ابن مكة ومنى ، أنا ابن زمزم والصفا ، أنا ابن من حمل الركن بأطراف الردا ، أنا ابن خير من ائتزر وارتدى ... أنا ابن من ضرب بين يدي رسول الله بسيفين وطعن برمحين ، وهاجر الهجرتين ، وبايع البيعتين وقاتل ببدر وحنين ... » .

ثانياً : تقريع أهل الكوفة :

المتتبع لمواقف السبايا وخطبهم وتصريحاتهم في الكوفة والشام يلاحظ أنهم خصوا أهل الكوفة بتقريع شديد ، وتوبيخ على الذنب الذي ارتكبوه تجاه الحسين عليه‌السلام . وليس ذلك إلّا لأنّ أهل الكوفة كانوا من أكثر المناطق في العالم الإسلامي معارضة للنظام الأموي فعندما استشهد الامام الحسن عليه‌السلام كتب أهل الكوفة إلى الإمام الحسين عليه‌السلام يطالبوه بالثورة على معاوية . ثم انهم تعرضوا أيضاً للظلم فترة طويلة من معاوية وولاته ، بالإضافة إلى تربية أمير المؤمنين علي عليه‌السلام قد أوجدت أرضية صالحة للتحرك ولو مستقبلاً . ثم إنّ أهل الكوفة عندما جاءهم نبأ وفاة معاوية وتولي يزيد على الحكم ارسلوا الرسائل الكثيرة إلى الحسين عليه‌السلام يدعوه للقدوم إلى العراق ليكونوا له جنوداً وثائرين على الطاغية يزيد بخلاف المناطق الأُخرى التي لم تتحرك اصلاً ، ولم يُحرِّكها هذا الحدث الهام . كما أن أهل

١١٣

العراق كانوا يؤمنون بقيادة الإمام الحسين عليه‌السلام وبالخصوص أهل الكوفة إلّا ان المرض الذي أصاب الأُمة الإسلامية أصاب أهل العراق وأهل الكوفة وهو فقدان الإرادة وموت روح التضحية والتحدي للطغاة . لهذه الأسباب ينفع فيهم التقريع وإشعارها بالذنب .

الشاهد الأول على ذلك : قول الامام زين العابدين عليه‌السلام معاتباً أهل الكوفة في إحدى خطبه :

« أيها الناس ناشدتكم الله هل تعلمون انكم كتبتم إلى أبي وخدعتموه واعطيتموه من أنفسكم العهد والميثاق والبيعة وقاتلتموه ؟ فتباً لكم لما قدمتم لأنفسكم وسوأة لرأيكم بأي عين تنظرون إلى رسول الله إذ يقول لكم قتلتم عترتي وانتهكتم حرمتي فلستم من أُمتي » (١) .

الشاهد الثاني : الحوراء زينب عليها‌السلام لما خطبت أمام أهل الكوفة فقالت : « أما بعد يا أهل الكوفة أتبكون ، فلا سكنت العبرة ولا هدأت الرنة ، انما مثلكم مثل التي نقضت غزلها من بعد قوة إنكاثاً تتخذون ايمانكم دخلاً بينكم ألا ساء ما تزرون أي والله فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً فلقد ذهبتم بعارها وشنارها ، فلن ترحضوها بغسل ابداً وكيف ترحضون قتل سبط خاتم النبوة ومعدن الرسالة ومدار حجتكم ومنار محجتكم وهو سيد شباب أهل الجنة ... . لقد أتيتم بها حزقاء شوهاء أتعجبون لو أمطرت السماء دماً ... ألا ساء ما سولت لكم أنفسكم أنّ سخط الله عليكم وفي العذاب انتم خالدون ... أتدرون أي كبد فريتم ؟ وأي دم له سفكتم ؟ وأي كريمة أبرزتم لقد جئتم إدّاً تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال » ... فضجّ الناس بالبكاء والعويل .

______________________

(١) البحار ٤٥ : ١١٣ .

١١٤

وحدثنا التأريخ ان أهل الكوفة بدأوا يلومون أنفسهم على موقفهم هذا وبدأ المحبين لأهل البيت يجمع السلاح والاستعداد للثورة من ذلك اليوم ، وفعلاً أول تحرك للأُمة وأول تأثير لثورة الحسين عليه‌السلام انطلق من الكوفة .

ثالثاً : اظهار روح التحدي والتضحية :

إنّ الأُمة في وقت الامام الحسين عليه‌السلام وبفعل الطغاة من بني أُمية فقدت إرادتها لذلك قدّم الامام الحسين عليه‌السلام دمه ومن كان معه من أهل بيته وأصحابه من أجل ان يعيدوا للأُمة إرادتها وحاول الامام زين العابدين عليه‌السلام ومن معه من بنات الرسالة ان يظهروا للأُمة بشكل عام وللطواغيت بشكل واضح انّهم على روح وخط الحسين عليه‌السلام وإن كانوا في أسر الطغاة وهذا ما نجده واضحاً من خلال هذين المثالين ، وأحدهما كلام الامام زين العابدين عليه‌السلام مع عبيد الله بن زياد في الكوفة والآخر كلام الحوراء زينب عليهما‌السلام مع يزيد في الشام .

الشاهد الأول : كلام الامام زين العابدين عليه‌السلام مع عبيد الله بن زياد ، حينما حاول ابن زياد لعنه الله أن يصوّر للناس بأن الله هو الذي قتل الحسين وأهل بيته ، وبذلك يكون نصر الله إلى جانب يزيد ولكن الامام بيّن الحقيقة . قال الراوي : ثم التفت ابن زياد إلى علي بن الحسين عليهما‌السلام فقال من هذا ؟ فقيل علي بن الحسين ، فقال أليس قد قتل الله علي بن الحسين ؟ فقال علي عليه‌السلام قد كان لي أخ يقال له علي بن الحسين قتله الناس ، فقال بل الله قتله فقال علي عليه‌السلام : ( اللَّـهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ) فقال ابن زياد ألك جرأة على جوابي أذهبوا به فأضربوا عنقه ، فسمعت به عمته زينب فقالت يابن زياد ، انك لم تبق منّا أحداً فان كنت عزمت على قتله فأقتلني معه فقال علي عليه‌السلام لعمته اسكتي يا عمه

١١٥

حتى أُكلمه ، ثم أقبل عليه‌السلام فقال : أبالقتل تهددني يا ابن زياد ؟ أما علمت أنّ القتل لنا عادة وكرامتنا الشهادة (١) . وهذا الشاهد واضح على إظهار روح التحدي أمام الظلمة ، وكان لهذا الموقف من الامام عليه‌السلام قد أجّج المشاعر عند أهل الكوفة ولعلّ تحرك عبد الله بن عفيف الأزدي مصداق ونوع من التأثر الذي أحدثه موقف الامام عليه‌السلام حيث صرخ عبد الله بن عفيف وقال لابن زياد : « يا ابن زياد الكذاب ابن الكذاب انت وأبوك ومن استعملك وأبوه يا عدو الله أتقتلون ابناء النبيين وتتكلمون بهذا الكلام على منابر المؤمنين ... إلى أن قال وا غوثاه أين أولاد المهاجرين والأنصار لينتقموا من طاغيتك اللعين عن لسان رسول ربّ العالمين » .

الشاهد الثاني : موقف العقيلة بالشام ، وذلك لما خطبت بتلك الخطبة البليغة أمام يزيد لعنه الله ولم تكترث بما عليه من المقام وزهو الملك ، بل أهانته في عقر داره حينما قالت :

« أمِنَ العدل يابن الطلقاء تخديرك حرائرك وايماءك وسوقك بنات رسول الله سبايا قد هتكت ستورهن وأبديت وجههن تحدو بهن الأعداء من بلد إلى بلد ، ويتشرفهن أهل المناهل والمناقل ويتصفح وجوههن القريب والبعيد والدني والشريف ليس معهن من رجالهن ولي ، ولا لهنّ من حماتهن حمي ... » ، وكأني بلسان الحال :

لا والد لي ولا عم ألوذ به

ولا أخ لي بقي أرجوه ذو رحمي

أخي ذبيح ورحلي قد أُبيح وبي

ضاق الفسيح وأطفالي بغير حمي

* * *

______________________

(١) اللهوف في قتلى الطفوف : ٦٨ .

١١٦

انه تمنيت حي حامي الظعينه

ما چان تتجسّر علينه

او لا تطب ديوانك اسكينه

نسوان وابلوه ابتلينه

* * *

شسوي لون عباس عندي

ما چان هذا عليّ يسدي

ولا ورموا بالسوط زندي

* * *

انه امنين ابو فاضل اجيبه

ويشوف حال اخته الغريبه

الما من مصيبتها مصيبه

* * *

أقلّب طرفي لا حميٌ ولا حمى

سوى هفوات السوط من فوق عاتق

* * *

١١٧

الحوراء زينب عليها‌السلام دور العبادة في تزكية النفس

أبا حسن ابناؤك اليوم حلّقت

بقادمة الأسياف عن خطّة الخسف

ثنت عطفها نحو المنية مذ أبت

بأن تغتدي للذلّ مثنية العطف

مشوا تحت ظلّ المرهفات جميعهم

بأفئدة حرّى إلى مورد الحتف

فتلك على الرمضاء صرعى رجالهم

ونسوتهم هاتيك أسرى على العجف

سل الطفّ عنهم أين بالأمس طنبّوا

واين استقلّوا اليوم عن عرصة الطف

وهل زحف ذاك اليوم أبقى لحيِّهم

عميد وغى يستنهض الحيّ للزحف

فلا وأبيك الخير لم يبق منهم

قريع وغى يقري القنا مهجع الصّف

وهل يملك الموتور قائم سيفه

ليدفع عنه الضيم وهو بلا كفّ

خذي يا قلوب الطالبيين قرحة

تزول الليالي وهي دامية القرف

فانّ التي لم تبرح الخدر أُبرزت

عشية لا كهف فتأوي إلى كهف

لقد رفعت عنها يد القوم سجفها

وكان صفيح الهند حاشية السجف

وقد كان من فرط الخفارة صوتها

يغضّ فغضّ اليوم من شدّة الضعف

لقد فزعت من هجمة الخيل ولهاً

إلى ابن أبيها وهو فوق الثرى مغفي

١١٨

فنادت عليه حين الفته عارياً

على جسمه تسفي صبا الريح ما تسفي (١)

* * *

يخويه جيت كون اخبر جنابك

يخويه بالعده نهبو اطنابك

يخويه القيت بالمنحر اصوابك

يخويه انشلت ايده اشلون صابك

* * *

اجت والهه والعين تدمع

للمعركة او شافت المصرع

مگصودها منّه تودع

تقله يبو السجاد تسمع

يردونه للشام نگطع

وحنه حرم وطفال رضع

على بلوتي كل قلب يخشع

لونها ابجبل مرمر تصدع

لونها ابني مرسل تجزّع

* * *

حملت الرزايا قبل يومك كلها

فما انقضت ظهري ولا أوهنت كتفي

* * *

دور العبادة في تزكية النفس :

روى عن الامام زين العابدين عليه‌السلام إنه قال : « إنّ عمتي الحوراء زينب عليها‌السلام ما تركت تهجّدها الليلي حتى في ليلة الحادي عشر من المحرّم » .

المقدّمة :

العبادة حاجة ماسّة في شخصية الإنسان المؤمن ، وذلك لأنّ الانسان نسيج من

______________________

(١) السيد حيدر الحلي ، ديوانه : ٢٨٣ .

١١٩

مادة وهي التراب وروح ، فكما أنّ الجسد يحتاج إلى الغذاء والطعام المادي كذلك الروح تحتاج إلى غذاء وغذاءها العبادة .

نلاحظ الإنسان الغربي والأُوربي مع توفير كل الجوانب الماديّة والغريزية له وأرخى العنان لشهواته فلم يمنع أي حاجة يريدها ولكنّه لا زال يشعر بفراغ ويشعر أنّ هناك نقصاً لم يسد إلى الآن وهذا الشيء هو الجانب الروحي لم يعط حقّه .

الشريعة الإسلامية لم تهمل هذا الجانب في حياة الإنسان المسلم لذلك علت بعض التكاليف الغرض منها سدّ الفراغ للجانب الروحي ، وربطت الانسان بعالم الغيب من خلال برامج وضعت للإنسان نذكر على سبيل المثال منها الصلاة اليومية ، وصوم شهر رمضان المبارك ، وفريضة الحج لمن كان مستطيعاً لأدائها ... الخ . والغرض من هذه التكاليف لأجل إحداث حالة التوازن عند الإنسان لكي لا يطغىٰ الجانب المادي على الجانب الروحي وذلك لطبيعة انشغال الإنسان في إعمار الكون والطبيعة وتوفير حالة الحياة الكريمة الهنيئة له ، وهذه الممارسات العبادية التي جعلها الإسلام سواء اليومية منها او الأُسبوعية أو الشهرية او الموسمية من شأنها أن تسد الفراغ عند الإنسان المسلم وتحدث حالة التوازن بين الجانب المادي والروحي .

دور الصلاة والصوم في مقابلة الشدائد :

حينما نرجع إلى حياة الأنبياء والأولياء نجدهم عند الشدائد يفزعوا إلى الصلاة وإلى الصيام عملاً بآيات القرآن الكريم قال تعالى : ( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ) .

١٢٠