الدعاء عند أهل البيت عليهم السلام

الشيخ محمد مهدي الآصفي

الدعاء عند أهل البيت عليهم السلام

المؤلف:

الشيخ محمد مهدي الآصفي


الموضوع : العرفان والأدعية والزيارات
الناشر: المجمع العالمي لأهل البيت عليهم السلام
المطبعة: مطبعة أمير
الطبعة: ١
الصفحات: ٢٨٠
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

نزل بك ؟

قلت : الحسن بن زيد. فقال : اذن لا يقضي حاجتك ، ولا تسعف بطلبتك ، فعليك بمن يقدر علىٰ ذلك ، وهو اجود الاجودين ، فالتمس ما تؤمله من قبله ، فإني سمعت ابن عمي جعفر بن محمد يحدث عن ابيه عن جده عن أبيه الحسين بن علي عن أبيه علي بن أبي طالب عليه‌السلام عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : اوحى الله إلى بعض انبيائه في بعض وحيه : وعزتي وجلالي لاُقطّعن امل كل آمل أمّل غيري بالإياس ، ولأكسونه ثوب المذلة في الناس ، ولاُبعدنه من فرجي وفضلي ، ايأمل عبدي في الشدائد غيري والشدائد بيدي ؟ ويرجو سواي وانا الغني الجواد ؟ بيدي مفاتيح الابواب وهي مغلقة ، وبابي مفتوح لمن دعاني.

الم تعلموا أن من دهاه نائبة لم يملك كشفها عنه غيري ، فما لي اراه يأمله معرضاً عني ، وقد اعطيته بجودي وكرمي ما لم يسألني ؟

فأعرض عني ، ولم يسألني ، وسأل في نائبته غيري ، وانا الله ابتدئ بالعطية قبل المسألة.

أفاُسأل فلا أجود ؟ كلّا. اليس الجود والكرم لي ؟ اليس الدنيا والآخرة بيدي ؟ فلو أن أهل سبع سماوات وارضين سألوني جميعاً واعطيت كل واحد منهم مسألته ما نقص ذلك من ملكي مثل جناح البعوضة ، وكيف ينقص ملك انا قيّمه ، فيا بؤساً لمن عصاني ، ولم يراقبني.

فقلت له : يا بن رسول الله ، أعد علي هذا الحديث ، فأعاده ثلاثاً ، فقلت : لا والله ما سألت احداً بعدها حاجة ، فما لبث أن جاءني الله برزقٍ من عنده » (١).

__________________

(١) بحار الأنوار ٩٣ : ٣٠٣ ـ ٣٠٤.

٢١
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEDoa-Ahl-Baytimagesrafed.png

٢٢
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEDoa-Ahl-Baytimagespage0023.png

٢٣
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEDoa-Ahl-Baytimagesrafed.png

٢٤
 &



قيمتان للاستجابة :

للاستجابة من الله تعالیٰ لدعاء العبد قيمتان ، وليس قيمة واحدة. احداهما اعظم من الاُخریٰ.

اما القيمة الدنيا فهي انجاز المطلب والمسألة التي طلبها الانسان من الله تعالیٰ لدنياه أو آخرته ، أو لهما معاً.

واما القيمة العليا فهي نفس الاجابة من الله تعالیٰ لعبده فإن في كل (اجابة) اقبال من الله تعالیٰ علیٰ عبده ، كما ان في كل (دعاء) اقبال من العبد علیٰ الله تعالیٰ.

ومهما كان لشيء من ثمن وحساب وحدّ ، فلا حساب ولا حد لقيمة اقبال الله تعالیٰ علیٰ عبده.

ولا حد لسعادة العبد إذا كان موضع رعاية الله تعالیٰ وعنايته واقباله الخاص ، وتلك سعادة ليس فوقها سعادة ان يخص الله تعالیٰ عبداً من عباده فيقبل عليه ، ويسمع منه ، ويستجيب له ، ويشعره بالاستجابة مهما كانت قيمة المطلب والمسألة التي طلبها العبد من الله تعالیٰ ، روي عن الامام الصادق عليه‌السلام انه قال : « لقد دعوت الله مرة فاستجاب ، ونسيت الحاجة ، لأن استجابته بإقباله علیٰ عبده عند دعوته اعظم وأجل مما يريد منه العبد ، ولو كانت الجنّة ونعيمها الأبد ، ولكن لا يعقل ذلك إلّا العالمون ، المحبون ، العابدون ، العارفون ، صفوة الله ، وخاصته » (١).

فالدعاء والاجابة اذن علاقة متبادلة بين الله تعالیٰ وعبده ، من افضل ما تكون العلاقة وأشرفها ، وأي علاقة بين الله تعالیٰ وعباده افضل من ان يقبل العبد

__________________

(١) مصباح الشريعة : ١٤ ـ ١٥ ، بحار الانوار ٩٣ : ٣٢٣.

٢٥
 &

علیٰ ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالیٰ علیٰ عبده بالاجابة ويخصه بها.

علاقة الاستجابة بالدعاء :

( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ) (١).

ما هي علاقة الاستجابة بالدعاء ؟

وكيف تتم الاستجابة ؟

هذا ما نحاول أن نتحدث عنه إن شاء الله في هذا الفصل من هذه المقالة.

إن الاستجابة من عند الله تعالیٰ تجري ضمن قوانين وسنن إلٰهية ، كما هو شأنه تعالیٰ في سائر افعاله.

فليس في ساحة الله تعالیٰ انفعال ، كما هو الحال عندنا نحن البشر ، إذا غضبنا ، وإذا رضينا ، وإذا تذمرنا ، وإذا انشرحنا ، وإذا نشطنا ، وإذا مللنا.

وإنما فعل الله تعالیٰ قانون وسنّة ، ولا يختلف ذلك في رضاً أو غضب ، أو بسط أو قبض ، أو عطاء أو امساك ، كل ذلك يجري ضمن سنن وقوانين الٰهية ثابتة.

وهذه السنن الإلٰهية ، تجري في افق الغيب (الميتافيزيقا) كما تجري في الفيزياء والكيمياء والميكانيك من غير فرق.

( وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّـهِ تَبْدِيلً ) (٢).

( وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّـهِ تَحْوِيلًا ) (٣).

فما هي سنة الله تعالیٰ في استجابة الدعاء ؟

__________________

(١) غافر : ٦٠.

(٢) الاحزاب : ٦٢.

(٣) فاطر : ٤٣.

٢٦
 &

الدعاء مفتاح الرحمة :

وقد ورد في النصوص الاسلامية التعبير عن العلاقة بين الدعاء والاجابة بأن الدعاء مفتاح الاجابة ، وهذه الكلمة تقرر نوع العلاقة بين الدعاء والاستجابة.

عن الامام علي عليه‌السلام : « الدعاء مفتاح الرحمة » (١).

وفي وصية للإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام إلی ابنه الحسن : « ثم جعل في يدك مفاتيح خزائنه ، بما أذن فيه من مسألته ، فمتیٰ شئت استفتحت بالدعاء ابواب خزائنه » (٢).

وللتعبير ظلال واضحة في العلاقة بين الدعاء والاستجابة (فمتیٰ شئت استفتحت بالدعاء ابواب خزائنه).

إذن الدعاء هو المفتاح الذي نفتح به خزائن رحمة الله.

وخزائن رحمة الله لا نفاد لها ، ولكن ليس كلّ الناس يملكون مفاتيح خزائن رحمة الله ، وليس كل الناس يحسن فتح خزائن رحمة الله.

وقد روي عن الامام الصادق جعفر بن محمد عليهم‌السلام في قوله تعالیٰ : ( مَّا يَفْتَحِ اللَّـهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ) انه قال : « الدعاء » (٣).

أي إن الدعاء هو هذا المفتاح الذي به يفتح الله للناس ابواب رحمته ، والذي جعله الله بيد عباده.

وعن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « من فتح له من الدعاء منكم فتحت له ابواب الاجابة » (٤).

__________________

(١) بحار الانوار ٩٣ : ٣٠٠.

(٢) بحار الانوار ٧٧ : ٢٩٩.

(٣) بحار الانوار ٩٣ : ٢٩٩.

(٤) كنز العمال ح ٣١٥٦.

٢٧
 &

والله تعالیٰ هو الذي يفتح للعبد بالدعاء ، وهو الذي يفتح له ابواب الاجابة.

وعن أمير المؤمنين عليه‌السلام : « من قرع باب الله سبحانه فتح له » (١).

وعن الامام الصادق عليه‌السلام : « اكثر من الدعاء ، فإنه مفتاح كل رحمته ، ونجاح كل حاجة ، ولا ينال ما عند الله إلّا بالدعاء ، وليس باب يكثر قرع إلّا يوشك أن يفتح لصاحبه » (٢).

وعن أمير المؤمنين عليه‌السلام : « الدعاء مفاتيح النجاح ، ومقاليد الفلاح ، وخير الدعاء ما صدر عن صدر نقي وقلب تقي » (٣).

وعن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « ألا ادلكم علیٰ سلاح ينجيكم من اعدائكم ، ويدرّ ارزاقكم ؟ قالو : بلیٰ ، قال : تدعون ربكم بالليل والنهار ، فإن سلاح المؤمن الدعاء » (٤).

العمل والدعاء مفتاحان لرحمة الله

والله تعالیٰ جعل في ايدينا مفتاحين نستفتح بهما خزائن رحمة الله ، ونطلب بهما رزقه وفضله ، وهذان المفتاحان هما : (العمل) و (الدعاء).

وكل منهما لا يغني عن الآخر.

فلا العمل يغني عن الدعاء ، ولا الدعاء يغني عن العمل ، فلا يصح أن يكتفي الانسان بالدعاء عن العمل.

وقد روي عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في وصيته لابي ذر (رضوان الله عليه) : « يا اباذر ،

__________________

(١) غرر الحكم.

(٢) بحار الانوار ٩٣ : ٢٩٥ ، وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦.

(٣) وسائل الشيعة ٤ : ١٠٩٤ ، ح ٨٦٥٧ ، واصول الكافي : ٥١٧.

(٤) وسائل الشيعة ٤ : ١٠٩٥ ، ح ٨٦٥٨.

٢٨
 &

مثل الذي يدعو بغير عمل كمثل الذي يرمي بغير وتر » (١).

وعن الامام الصادق عليه‌السلام : « ثلاثة ترد عليهم دعوتهم : رجل جلس في بيته ، وقال يا ربِّ ارزقني ، فيقال له : الم اجعل لك السبيل إلی طلب الرزق ؟ ... » (٢).

ولا يصح أن يكتفي الانسان بالعمل عن الدعاء.

روي عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « إنّ لله عباداً يعملون فيعطيهم ، وآخرين يسألونه صادقين فيعطيهم ، ثم يجمعهم في الجنة. فيقول الّذين عملوا : ربّنا ، عملنا فأعطيتنا ، فبما اعطيت هؤلاء ؟ فيقول : هؤلاء عبادي ، اعطيتكم اُجوركم ولم ألتكم من اعمالكم شيئاً ، وسألني هٰؤلاء فأعطيتهم واغنيتهم ، وهو فضلي اُوتيه من اشاء » (٣).

وقد جعل الله تعالیٰ الدعاء جابراً لعجز الانسان في العمل ، لئلا يعتمد الانسان علیٰ نفسه ، ويغتر بما اُوتي من حول وقوة ، وبما يقوم به من عمل.

إذن العمل والدعاء هما مفتاحان من اعظم المفاتيح التي يستفتح الانسان بها رحمة الله.

ولسنا الآن بصدد البحث عن (العمل) وعلاقته بـ (رحمة الله) في مقابل العلاقة بين (الدعاء) و (خزائن رحمة الله) ، وعلاقة (العمل) بـ (الدعاء) فإن هذه العلاقة من امهات المسائل الاسلامية.

والله تعالیٰ يعطي عباده بهما معاً (العمل والدعاء). ومعنیٰ ذلك أن الله يعطي عباده (بما عندهم) و (ما ليس عندهم) ، وما عندهم هو جهودهم واعمالهم ، وما يقدّمون إلیٰ الله من جهد وانفاق من انفسهم واموالهم وهو (العمل) ، وما ليس

__________________

(١) وسائل الشيعة ، ابواب الدعاء ، باب ٣٢ ، ح ٣.

(٢) وسائل الشيعة ، كتاب الصلاة ، أبواب الدعاء ، باب ٥٠ ، ح ٣.

(٣) وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٤ ، ح ٨٦٠٩.

٢٩
 &

عندهم هو فقرهم وحاجتهم إلی الله ، وعرض الفقر والحاجة علیٰ الله.

وكل منهما من مفاتيح رحمة الله في حياة الانسان ، وبكل منهما يستنزل الانسان رحمة الله ، بما يرفع إلی الله من جهده وعمله ونفسه وماله ، وبما يرفع إلی الله من حاجته وفقره وعدمه واضطراره.

ولسنا الآن بصدد البحث عن تفاصيل علاقة العمل بخزائن رحمة الله ، ولا عن علاقة (العمل) بـ (الدعاء).

وإنما نريد أن نكتشف ، إن شاء الله ، علاقة الدعاء بما يرزق الله تعالیٰ عباده من خزائن رحمته.

الحاجة والفقر إلی الله :

إن وعي الحاجة والفقر هو السر الذي نستطيع من خلاله أن نكتشف علاقة الدعاء بالاستجابة ، ونفهم كيف يكون الدعاء مفتاحاً لرحمة الله ، وكيف يستنزل الدعاء رحمة الله تعالیٰ.

فإن كل دعاء يجسّد درجة من وعي الفقر ، ويعبرّ عن مرتبة من مراتب وعي الحاجة إلی الله.

وبقدر ما يكون وعي العبد لحاجته إلی الله اكثر يكون دعاؤه اقرب إلی الاستجابة ، وتكون رحمة الله اقرب إليه.

فليس من شح ولا بخل في رحمة الله تعالیٰ ، وانما يختلف حظّ الناس من رحمة الله لاختلاف أواني نفوسهم وأوعيتها.

ومن عجب أن الحاجة والفقر ، ووعي الحاجة والفقر هو وعاء الانسان الذي ينال به رحمة الله ، وكلما يكون وعيه لفقره إلی الله اكثر يكون وعاؤه الذي ينال به رحمة الله اكبر.

٣٠
 &

والله تعالىٰ يعطي كلاً بقدر وعائه. وكلّ ينال من رحمة الله بقدر ما يتسع له وعاؤه ، وكلما كان وعاؤه اكبر كان حظّه من رحمة الله اعظم ، يقول تعالىٰ : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّـهِ وَاللَّـهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) (١).

ويمكننا أن نختصر الدعاء في ثلاث كلمات :

١ ـ الفقر إلى الله.

٢ ـ وعي الفقر.

٢ ـ رفعه ونشره وبثه بين يدي الله.

والكلمة الثالثة تختلف عن الثانية والثانية تختلف عن الاولىٰ.

فإن الفقر غير وعي الفقر. فقد يكون فقيراً إلى الله تعالىٰ ، وهو غير واع لفقره إلى الله.

وقد يكون واعياً لفقره إلى الله ، ولكنه لا يحسن ان يرفع فقره إلىٰ الله وينشره ويبثه بين يديه ، ولا يحسن السؤال والطلب والدعاء من الله.

وعندما تجمتع هذه الكلمات الثلاثة يتحقق الدعاء. والفقر هنا من الناحية الفلسفية ليس فقراً في الحدوث فقط ، كما يفتقر البِناء الىٰ المهندس والبنّاء ، وإنما هو فقر في الحدوث والبقاء ، كما في حاجة المصابيح الكهربائية إلىٰ السيال الالكتروني ، فإن المصباح يضيء ما دام السيال الالكتروني متصلاً ، فإذا انقطع السيال لحظة واحدة انقطع الضوء في نفس تلك اللحظة.

وفقر الانسان الىٰ الله من هذا القبيل في الحدوث والاستمرار ، ووجود الانسان ومواهبه وحركته وحياته كلها ترتبط بالله تعالىٰ. وتفتقر إلى الله لحظة بعد لحظة ، وبصورة مستمرة ومتصلة.

__________________

(١) فاطر : ١٥.

٣١
 &

يقول تعالىٰ : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّـهِ وَاللَّـهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) (١).

والحاجة والفقر تستنزلان رحمة الله تعالىٰ وعاهما الانسان ام لم يعهما ، ورفعهما الانسان إلىٰ الله وعرضهما عليه تعالىٰ ام لم يرفعهما ، إلا أن الحاجة والفقر الذين يعيهما الانسان ، ويرفعهما إلیٰ الله ، وينشرهما بين يدي الله تعالیٰ اقویٰ في اجتذاب رحمة الله.

وعليه فنحن نتحدث عن (الفقر) وعلاقته بـ (رحمة الله) قبل الوعي والرفع إلىٰ الله ، وبعد الوعي والرفع إلى الله.

الحاجة قبل الوعي والرفع إلىٰ الله :

إن الحاجة الىٰ الله ، بحدّ ذاتها تستنزل رحمة الله حتّىٰ قبل الوعي والرفع إلىٰ الله. ومثلها مثل الأرض الواطئة الهشة التي تجتذب المياه ، وتمتصها.

كما أن مثل الاستكبار عن الله والغرور مثل الارض الناتئة الصلدة التي تردّ الماء. كذلك المستكبرون عن عبادة الله ودعائه يردون رحمة الله تعالىٰ فلا ينالهم منها شيء ، وإن وسعت السماوات والارضين.

إن بين الفقر والرحمة علاقة تكوينية ، كل منهما يطلب الآخر ويسعىٰ إليه.

الفقر إلىٰ الله يسعىٰ الىٰ رحمة الله ، ورحمة الله تطلب مواضع الحاجة والفقر.

كما أن بين ضعف الطفل وحاجته وبين حنان الاُم وعطفها علاقة وصلة ، كل منهما يطلب الآخر ، ضعف الطفل يطلب حنان الاُم ، وحنان الاُم ورحمتها يطلبان ضعف الطفل لرعايته.

بل في دائرة الممكنات كل منهما يحتاج الآخر ، وليست حاجة الاُم الىٰ

__________________

(١) فاطر : ١٥.

٣٢
 &

رعاية ضعف الطفل بأقل من حاجة الطفل الىٰ حنان الاُم.

كذلك العالم يطلب الجاهل ليعلمه ، كما أن الجاهل يطلب العالم ليتعلم منه ، وليست حاجة العالم الىٰ تعليم الجاهل بأقل من حاجة الجاهل الى التعلم من العالم.

والطبيب يطلب المريض ليداويه ، ويعلن عن مهنته واختصاصه ليدعو المرضىٰ إليه ، كما أن المريض يطلب الطبيب ، وليست حاجة الطبيب الىٰ المريض بأقل من حاجة المريض الىٰ الطبيب.

والقوي يبحث عن الضعيف ليحميه ، كما أن الضعيف يبحث عن القوي ليحتمي به ، وليست حاجة القوي الىٰ أن يحمي الضعيف بأقل من حاجة الضعيف الىٰ الاحتماء بالقوي.

إنها سنة الله في كل شيء.

وكذلك في رحمة الله تعالىٰ وفقر عباده ، فكما أن الفقر يطلب الرحمة كذلك الرحمة تطلب الفقر ، والله تعالىٰ تتنزّه صفاته الحسنىٰ عن الحاجة ، فلا حاجة في ساحة الله تعالىٰ ، ولكن رحمة الله تطلب مواضع الحاجة والفقر.

ولا شح ، ولا بخل في ساحة الله ، واختلاف مراتب الرحمة تتبع اختلاف مراتب الحاجة والفقر.

إن الطفل الرضيع الذي لا يعي من نفسه شيئاً ليعطش ويشتد به العطش فيعلمه الله تعالىٰ أن يبكي ويصرخ ، ويعطف عليه قلب اُمه وابيه ليدركاه ويسقياه ، وعطش الرضيع وجوعه يستنزلان رحمة الله تعالیٰ وعطفه ، من دون طلب ودعاء ويتألم المريض ويعاني من المرض فيستنزل مرضه والمه رحمة الله تعالىٰ.

واننا لنعصي تعالیٰ ونرتكب الذنوب والمعاصي ، فتطلب ذنوبنا

٣٣
 &

ومعاصينا عفو الله تعالىٰ ومغفرته بالسؤال والدعاء ، ومن دون سؤال ودعاء احياناً ، ما لم يتمرد العبد علىٰ مولاه ويقسو قلبه ويطرد عن ساحة رحمة الله.

وهذه العلاقة بين العفو والرحمة من الله والذنوب والمعاصي منا ، وبين قوة الله تعالىٰ وضعفنا ، وبين غنىٰ الله تعالىٰ وفقرنا ، وبين شفاء الله لنا وأمراضنا ، وبين انقاذ الله تعالىٰ لنا واضطرارنا إليه ، وبين علم الله تعالىٰ وجهلنا وشططنا حتىٰ عن غير سؤال وطلب ودعاء ... اقول : إن هذه العلاقة من اسرار هذا الدين كما هي من اسرار هذا الكون وقوانينه. وما لم يفهم الانسان هذا القانون في الكون ، وفي علاقة الإنسان بالله تعالىٰ ، لا يستطيع أن يدرك طائفة واسعة من معارف هذا الدين واسراره.

وكم من مريض شفي برحمة الله من غير سؤال ( وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ). وكم من فقير جائع رزقه الله تعالیٰ واطعمه من جوع من غير سؤال ولا دعاء. وكم من مضطر في لجج البحار أو تحت الانقاض أو تحت ظلال السيوف أو في وسط الحريق ادركته رحمة الله تعالىٰ وانقذته من غير سؤال ولا دعاء. وكم من ظمآن بلغ به الظمأ مبلغاً استنفد مقاومته فأدركته رحمة الله تعالىٰ وأروته من غير سؤال ولا طلب. وكم من إنسان واجه الاخطار ، وكان علیٰ قاب قوسين منها وهو يعلم أو لا يعلم ، فجاءه (ستر الله) فانقذه منها. وكم من إنسان وصل إلى طريق مسدود في حياته ففتح الله تعالىٰ له الف طريق ، وكل ذلك من غير سؤال ولا طلب ولا دعاء ، بل دون أن يعرف صاحبه الله تعالىٰ كثيراً ، فضلاً عن أن يعرفه فلا يطلب منه.

وكم من رضيع تدركه رحمة الله تعالىٰ دون أن يطلب من الله ، ودون أن

٣٤
 &

يسأل الله تعالیٰ (١).

وقد ورد في دعاء الافتتاح :

(فكم يا الهي من كربة قد فرجتها ، وهموم قد كشفتها ، وعثرة قد اقلتها ، ورحمة قد نشرتها ، وحلقة بلاء قد فككتها).

وورد في ايام رجب :

(يا من يعطي من سأله ، يا من يعطي من لم يسأله ومن لم يعرفه تحنناً منه ورحمة).

وفي المناجاة الرّجبيّة :

(ولكن عفوك قبل عملنا).

ان عفو الله تعالىٰ يقبل سيّئاتنا بل يطلب سيّئاتنا.

اذن الحاجة والفقر من منازل رحمة الله تعالىٰ ، وحيث يكون الفقر وتكون الحاجة تجد رحمة الله تعالىٰ.

وللعارف الرّومي الشهير بيت من الشعر في هذا الباب اذكر ترجمته.

يقول العارف الرّومي : « لا تطلب الماء واطلب الظمأ حتّىٰ يتفجّر الماء من كل اطرافك وجوانبك ».

وقد وردت الاشارة الىٰ هذه العلاقة بين رحمة الله تعالىٰ وحاجة عباده وفقرهم ، في مناجاة بليغة ومؤثرة لامير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه‌السلام ، نورد

__________________

(١) وهذا لا يعني أن الناس لا يموتون تحت الأنقاض في الزلازل ، ولا يحترقون في الحرائق ، ولا يهلكون في لجج البحار ، ولا يموت انسان من المرض والألم ، ولا يموت طفل رضيع. فقد صمم الله تعالىٰ هذا الكون بموجب (الرحمة) و (الحكمة) ، فإذا كانت حكمة الله تقتضي وقوع كارثة في انسان أو حيوان أو نبات فلا يعني ذلك أن ننفي البعد الآخر من فضل الله تعالىٰ وصفاته الحسنىٰ ، وهو الرحمة. ومن الناس ممن يخضع لسنن الله تعالىٰ وحكمته في البلاء والضراء ، لم يلمس رحمة الله تعالىٰ الواسعة في اليسر والعسر ، وفي اللحظات الحرجة من حياته ، ومن الناس من لم يتعرف علىٰ رحمة الله تعالىٰ الواسعة في لحظات الاضطرار القصویٰ في حياته.

٣٥
 &

فيما يلي طرفاً منها : « مولاي يا مولاي ، أنت المولىٰ وأنا العبد ، وهل يرحم العبد إلا المولىٰ ؟ مولاي يا مولاي ، انت المالك وانا المملوك ، وهل يرحم المملوك الا المالك ؟ مولاي يا مولاي ، انت العزيز وانا الذليل ، وهل يرحم الذليل الا العزيز ؟ مولاي يا مولاي ، انت الخالق وانا المخلوق ، وهل يرحم المخلوق إلا الخالق ؟ مولاي يا مولاي ، انت القوي وانا الضعيف ، وهل يرحم الضعيف إلا القوي ؟ مولاي يا مولاي ، انت الغني وانا الفقير ، وهل يرحم الفقير إلا الغني ؟ مولاي يا مولاي ، انت المعطي وانا السائل ، وهل يرحم السائل إلا المعطي ؟ مولاي يا مولاي ، انت الحي وانا الميت ، وهل يرحم الميت إلا الحي ؟ ».

وهذه هي الحاجة قبل الوعي والطلب (الفقر غير الواعي).

الحاجة بعد الوعي والطلب (الفقر الواعي) :

وهي الحاجة التي يعيها الإنسان ويرفعها إلىٰ الله.

فقد يعي الانسان فقره إلىٰ الله ويرفعه وينشره بين يدي الله ، ويسأل الله تعالىٰ ويدعوه ويطلب منه ، وهو الفقر الواعي.

وهذه الحاجة المقترنة بالوعي والطلب تستنزل رحمة الله أكثر من الشطر الاول من الحاجة غير المقترنة بالدعاء.

ورحمة الله تنزل هنا وهناك ، ولكن الحاجة إذا اقترنت بالطلب والدعاء تكون اقوىٰ في اجتذاب رحمة الله تعالىٰ ، ورحمة الله تستجيب لها اكثر مما تستجيب لغيرها.

وإلىٰ هذه الحاجة تشير الآية الكريمة من سورة النمل :

( أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ).

والآية الكريمة تركز علىٰ نقطتين اثنتين : (اضطرار) و (دعاء) ، ( الْمُضْطَرَّ إِذَا

٣٦
 &

دَعَاهُ ) ، وكل منهما يجذب الرحمة : الاضطرار والدعاء ، فإذا اجتمع الاضطرار والدعاء فلابد أن تهبط عندهما رحمة الله تعالىٰ.

وقد ورد تأكيد بليغ في الاسلام علىٰ الدعاء والسؤال من الله ، والاهتمام برفع الحاجة إلىٰ الله ، ونشرها بين يديه عز شأنه ، وابتغاء رحمته.

وتقترن الاستجابة بالدعاء في النصوص الاسلامية : ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ).

ويؤكدّ القرآن أن قيمة العبد عند الله تعالىٰ بدعائه : ( قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْ لَا دُعَاؤُكُمْ ).

ويؤكّد القرآن أن الصدود عن الدعاء استكبار عن عبادة الله تعالىٰ : ( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ).

وواضح أن الاستكبار عن عبادة الله استكبار عن الله.

والذي يستكبر عن الله يطرد من رحمة الله ويدخل جهنم ( سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ).

ونتساءل لماذا يكون هبوط الرحمة أشد إذا اقترنت الحاجة بالدعاء والسؤال ، ولماذا تتأكد العلاقة بين الدعاء والاستجابة اكثر مما هي في الحالة السابقة بين الحاجة غير المقترنة بالدعاء ورحمة الله ؟

إن الاجابة علىٰ هذا التساؤل في الحقيقة إجابة علىٰ السؤال الذي استفتحنا به هذا الفصل عن سر العلاقة بين الدعاء والاستجابة وتحليل هذه العلاقة.

وللاجابة علىٰ هذا السؤال نقول : إن الدعاء يستنزل رحمة الله تعالىٰ من خلال ثلاثة قوانين :

٣٧
 &

القانون الاول : هو علاقة رحمة الله بالفقر والحاجة ، وقد شرحنا هذا القانون فلا نعيد. وكل حالة من حالات الدعاء تتضمن حالة الحاجة والفقر إلى رحمة الله. وهذا هو المنزل الاول من منازل رحمة الله.

القانون الثاني : في علاقة الفقر والحاجة بعد الوعي برحمة الله تعالىٰ.

والفقر بعد الوعي يختلف عن الفقر قبل الوعي.

وكل منهما فقر وحاجة ، وكل منهما يجتذب رحمة الله تعالىٰ ويستنزلها ، ولكن احدهما من الفقر غير الواعي والآخر من الفقر الواعي.

والفقر غير الواعي أن يفتقر الانسان إلىٰ الله وهو لا يعي فقره وحاجته إلىٰ الله ، بل قد لا يعرف الله.

والفقر الواعي أن يعي صاحبه فقره وحاجته إلى الله ، وهذا الوعي يخرج الفقر إلىٰ الله من دائرة الظلمة إلىٰ النور والوعي ، بينما الفقر غير الواعي يبقی في دائرة الظلمة ، لا يشعر به صاحبه.

ولكن الفقير الذي يعي فقره الىٰ الله ، يستدعي من رحمة الله وفضله ما لا يستدعيه الفقير الذي لا يعي فقره وحاجته الىٰ الله.

وكأنما وعي الفقر يركّز ويكرّس حالة الفقر ، وكلما كان الفقر اكبر واركز واكثر تكريساً كان وعاء النفس لتقبل رحمة الله أوسع ، وقد ذكرنا من قبل أن خزائن رحمة الله تعالىٰ لا شح فيها ولا عجز ، وانما اوعية الناس تختلف في تقبل رحمة الله ، فمن كان وعاؤه اكبر كان حظّه من رحمة الله اكثر ، والوعاء هنا الفقر ولكن يتكرس الفقر ويتركز كلما كان الانسان اوعیٰ لفقره وحاجته الىٰ الله.

إن المجرم الخاطئ الذي يؤخذ لينفّذ به حكم الاعدام وهو يعلم بذلك ، يستعطف قلوب الناس والحكام اكثر من المجرم الذي يؤخذ لتنفيذ حكم الاعدام

٣٨
 &

به وهو لا يعلم إلى اين يذهب ، علماً بانهما يؤخذان إلى الاعدام علىٰ نحو سواء ، إلا أن المجرم المعترف بجريمته يستعطف الناس أكثر من غيره ، لوعيه للجريمة وعدم وعي الاول بها.

امارات وعي الفقر الىٰ الله :

ولوعي الفقر الیٰ الله في دعاء الانسان امارات وعلامات ، فكلما يكون وعي الانسان لفقره وحاجته الىٰ الله اكثر تظهر هذه الامارات في دعائه بشكل اوضح.

ومن اهم هذه الامارات الخشوع والخضوع والبكاء والتضرع والاقبال علىٰ الله ، وحالة الاضطرار واللجوء في الدعاء الىٰ الله.

وقد ورد التأكيد في النصوص الاسلامية علىٰ هذه الحالات والامارات في الدعاء ، وتأكيد دورها في استجابة الدعاء.

وفي الحقيقة إن هذه الامارات تكشف عن تركيز العامل الثاني والثالث في الدعاء ، وهما عامل (وعي الفقر) وعامل (الطلب والسؤال) ، وكلما كان تضرع الانسان وخشوعه واضطراره في الدعاء اكثر كان ذلك دليل وجود عمق اكثر للطلب والسؤال اولاً ، ولوعي العبد لحاجته وفقره الىٰ الله ثانياً.

وهما سبب تأكيد استجابة الدعاء في هذه الاحوال. وقد ورد الامر بهذه الحالات والترغيب اليها في القرآن الكريم نذكر جانبا منها.

يقول تعالىٰ :

١ ـ ( تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ) (١).

__________________

(١) الانعام : ٦٣.

٣٩
 &

٢ ـ ( وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّـهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ ) (١).

والتضرّع ، والخوف حالتان تؤكّدان وعي الانسان لفقره الىٰ الله وحاجته الىٰ الامن من جانب الله.

والطمع حالة تؤكد وعي الانسان لرغبته فما عند الله.

والخفية في الدعاء تمنح الانسان الاقبال علىٰ الله.

٣ ـ ( وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَـٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ ) (٢).

وفيه اعتراف واقرار بالظلم من العبد بين يدی الله تعالىٰ ( سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ).

والاعتراف بالظلم من وعي الظلم ، وهو يعمق حالة الاستغفار واللجوء الیٰ الله في نفس العبد المذنب ، وكلما كان العبد اوعیٰ لظلمه وذنبه كان اضطراره ولجوؤه الىٰ الله واستغفاره لله تعالىٰ اكثر.

٤ ـ ( وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ) (٣).

والرغبة ، والرهبة ، والخشوع حالات نفسيّة تؤكّد وعي الانسان لفقره الىٰ الله ، وخوفه من عقوبة الله ورغبته فيما عند الله من الرزق الحسن والثواب.

٥ ـ ( أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ) (٤).

والاضطرار حالة نفسيّة تؤكّد وعي الانسان لحاجته وفقره الىٰ الله ، ووعيه

__________________

(١) الاعراف : ٥٦.

(٢) الانبياء : ٨٧ ـ ٨٨.

(٣) الانبياء : ٩٠.

(٤) النمل : ٦٢.

٤٠