الدعاء عند أهل البيت عليهم السلام

الشيخ محمد مهدي الآصفي

الدعاء عند أهل البيت عليهم السلام

المؤلف:

الشيخ محمد مهدي الآصفي


الموضوع : العرفان والأدعية والزيارات
الناشر: المجمع العالمي لأهل البيت عليهم السلام
المطبعة: مطبعة أمير
الطبعة: ١
الصفحات: ٢٨٠
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEDoa-Ahl-Baytimagespage0001.png

١
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEDoa-Ahl-Baytimagespage0002.png

٢
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEDoa-Ahl-Baytimagespage0003.png

٣
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEDoa-Ahl-Baytimagesrafed.png

٤
 &

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحيمِ

( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ) [ غافر : ٦٠ ].

٥
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEDoa-Ahl-Baytimagesrafed.png

٦
 &

كلمة المجلة

لقد مرت الامة الاسلامية بفترات حرجة من تأريخها ، ولعبت العوامل السياسية دورها البارز في إضفاء طابع الفئات الحاكمة وبصماتها علیٰ مسيرة الاحداث ، فكان نتيجة ذلك أن طفت علیٰ السطح معالم وطمست معالم اُخریٰ.

ولا يخفیٰ علیٰ متتبع في مسيرة الاحداث وتاريخ المسلمين بعد وفاة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن تدوين الحديث كان ممنوعاً ، واستمر المنع سنوات طويلة ، ولولا جهود أئمة أهل البيت عليهم‌السلام ، لضاع الكثير من الاحاديث واندرست معالم جانب كبير ومهم من الشريعة ، وقد حاول البعض تبرير وتسويغ أمر المنع بعلل لا تصمد أمام محكّ الواقع الذي يفرض نفسه ، والذي أثبت أن الأمة بأمس الحاجة إلیٰ من يفهم القران الكريم حق فهمه تفسيراً وتأويلا. وليس من أحد يستطيع الادعاء بأنه أهل للقيام بهذه المهمة إلّا من اختصهم الله واجتباهم ، وهو أهل البيت النبوي الكريم الراسخون في العلم وأهل الذكر كما صرّح الرسول الاكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بذلك في معرض تفسيره لقوله تعالیٰ : ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ).

ولقد تصدّیٰ أهل البيت عليهم‌السلام لتبيان حقائق القران الكريم ونشر علوم الشريعة الحقة ، فحفظوا بذلك للامة الاسلامية تراثها من الضياع ، ورسموا معالم المنهج الالهي الاصيل الذي أرسیٰ دعائمه رسول الانسانية قولاً وعملاً.

ولم يترك المناوئون لأهل البيت سانحة ، فقد عملوا جهدهم ، وبذلوا ما في وسعهم لإطفاء هذه الشعلة الوهاجة بكل ما يتسنیٰ لهم من الوسائل ، تارة بالقضاء مباشرة علیٰ مصدر الاشعاع ، وتارة بتحريف وتزوير معالمه وآثاره.

ومع كل ما تعرض له أهل البيت عليهم‌السلام علیٰ امتداد مسيرة حياتهم الشريفة

٧
 &

من اضطهاد وارهاب وتشريد وقتل ، فقد شاءت الارادة الربانية أن يبقیٰ هذا التراث الجليل محفوظاً ، مصداقاً لقول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « ولن يفترقا حتیٰ يردا عليّ الحوض ». فکما أن القران هو الدستور الخالد للأمة الاسلامية بنص قوله تعالیٰ : ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) فكذلك العترة الطاهرة ، ستبقیٰ خالدة مع خلود القرآن ، خالدة بوجودها الشريف ، متمثلة ببقية الله في أرضه الامام المهدي عليه‌السلام ، وخالدة بآثارها ومعالم مدرستها الأصيلة ، التي هي امتداد الرسالة المحمدية الخالدة.

وليس العمل علیٰ نشر معالم هذه المدرسة الشريفة إلّا عملاً علیٰ احياء رسالة السماء والنهوض بالشريعة الاسلامية إلیٰ تحقيق أهدافها في الوصول بالامة الیٰ شاطئ النجاة وسعادة الدارين « ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي ابدا ».

فلقد كانت مسيرتهم الطاهرة نبراساً يضيء للامة طريقها في جميع مناحي الحياة علماً وفكراً وسلوكاً وجهاداً ومواقف وإباء ، ورفضاً لجميع أشكال الهيمنة والاستعباد والانحراف عن الصراط القويم الذي أمر الله تعالیٰ عباده أن ينهجوه بقوله تعالیٰ : ( وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ ).

وانطلاقاً من وصية الامام الرضا عليه‌السلام لأتباع أهل البيت عليهم‌السلام في قوله : « رحم الله عبداً أحيا أمرنا ، قيل : وكيف يُحيا أمركم ؟ قال : يتعلم علومنا ويعلمها الناس فإن الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا » ، أخذت مجلة رسالة الثقلين علیٰ عاتقها القيام بهذه المسؤولية الفخمة بإحيائها للمعارف الاسلامية من منبعها الحقيقي منبع الثقلين ، ودفاعها عن حريم القران الكريم وسنة الرسول الشريفة ، وخط أهل بيته الطاهرين عليهم‌السلام بنشرها علیٰ صفحاتها بعض الابحاث المسلسلة ذات الموضوع أو العنوان الواحد ، والتي تصب في هذا المجال ، وتؤدي الدور الاساس في هذا المضمار.

٨
 &

ونظراً لأهمية هذه الابحاث ، وقيام كتابها بمراجعتها وتنقيحها وإكمالها بما يجعلها قابلة لاخراجها علیٰ شكل كتب متكاملة في مواضيعها ، فقد شرعت مجلة « رسالة الثقلين » بإصدار سلسلة کتب تحت عنوان « کتاب الثقلين » مفتتحة عملها المبارك بإصدار الكتاب الاول من هذه السلسلة وهو الكتاب الموسوم بـ « الدعاء عند أهل البيت عليهم‌السلام » لسماحة العلامة الشيخ محمد مهدي الآصفي ، الذي أوضح فيه حقيقة الدعاء وأنه روح العبادة وجوهرها ، وهو مفتاح الرحمة ، لأنه إقبال علیٰ الله ، فهو يشدّ الإنسان إلیٰ خالقه ، ويجعل ارتباطه به وثيقاً.

وليس في العبادات عبادة تقرب العبد إلیٰ الله أكثر من الدعاء ، وان فقر الانسان وحاجته يلجئانه إلیٰ الله ويزيدانه إقبالاً عليه ، فالدعاء من أهم الابواب والقنوات التي جعلها الله تعالیٰ لورود عباده عليه والارتباط به ، إذ إن قنوات الارتباط به تعالیٰ كثيرة منها : التوبة والاستغفار ، والخوف والخشية ، والحب والشوق ، والرجاء والشكر. والاعراض عن الدعاء إعراض عن الله تعالیٰ واستكبار عن عبادته ، قال تعالیٰ : ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ).

وانما يستعين الانسان علیٰ قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرّع إلیٰ الله سبحانه. وإن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد علیٰ ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالیٰ علیٰ عبده بالاجابة ويخصه بها ؟

وللدعاء آداب وشروط ينبغي للعبد أن يلتزم بها ولا يتخطاها ، كما أن للاستجابة معوقات وعقبات وموانع وهي الذنوب التي تنغلق بها القلوب ، ويفقد الانسان معها حلاوة الذكر.

ولقد كان لأئمة أهل البيت دورهم الريادي في إرساء قواعد الدعاء ، وتبيان

٩
 &

أثره الكبير والعميق في سلوك العبد تجاه نفسه وتجاه مجتمعه وخالقه ، ولم يترك أهل البيت عليهم‌السلام باباً من ابواب حياة الانسان إلّا ووضعوا له من الدعاء ما يختص به ، حيث عملوا علیٰ شد الانسان بخالقه في جميع تصرفاته ، في أي وقت كان وأينما حلّ.

والكتاب الذي بين أيدينا سياحة في رياض الدعاء ، وكشف لأسرار مروجه الزاهرة الخضراء ، من خلال ما وضعه أهل البيت عليهم‌السلام من أدعية ومناجاة تسمو بالعبد إلیٰ قمة الخضوع والخشوع والذوبان في الساحة الالهية المقدسة. وقد ابدع الكاتب فيه إذ سلّط الاضواء علیٰ جوانب وزوايا قلّما تناولتها اقلام علمائنا الابرار بهذا التفصيل والبيان ، خصوصاً في باب الحب الالهي في ادعية اهل البيت عليهم‌السلام. ونترك لقرائنا الافاضل أمر التجوال في فصوله وفقراته ليلمسوا هذه القيمة ويتفاعلوا معها علیٰ طريق رحلة العبودية لله وفي رحاب حبه ورحمته.

هيئة التحرير مجلة رسالة الثقلين

١٠
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEDoa-Ahl-Baytimagespage0011.png

١١
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEDoa-Ahl-Baytimagesrafed.png

١٢
 &



( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ) (١).

الدعاء اقبال العبد علی الله ، والاقبال علیٰ الله هو روح العبادة ، والعبادة هي الغاية من خلق الانسان.

هذه النقاط الثلاثة تستطيع ان تجسد قيمة الدعاء وتوضح لنا حقيقته ولنبدأ بالنقطة الاخيرة ، ومنها نتدرج إلیٰ الثانية ثم الاولیٰ.

إن القران الكريم صريح وواضح في أن العبادة هي الغاية من خلق الانسان. يقول تعالیٰ :

( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) (٢) وهذه هي الحقيقة الاولیٰ ، وهي ذات اهمية كبيرة في هذا الدين.

وقيمة العبادة أنها تشد الانسان إلیٰ الله وتربطه به تعالیٰ.

ولذلك فان قصد التقرب إلیٰ الله في العبادة امر جوهري في تحقيقها. ومن دونه لا تكون العبادة ، فالعبادة في حقيقتها حركة الی الله ، واقبال علیٰ الله ، وقصد لوجه الله ، وابتغاء لمرضاته.

وهذه الحقيقة الثانية ، وهي توضح الحقيقة الاولیٰ.

والحقيقة الاولیٰ أن الدعاء اقبال علیٰ الله ، ومن ابرز مصاديقه الانشداد والارتباط بالله ... ولا يوجد في العبادات عبادة تقرب الانسان إلیٰ الله أكثر من

__________________

(١) المؤمن : ٦٠.

(٢) الذاريات : ٥٦.

١٣
 &

الدعاء.

روي عن سيف التمار أنه قال سمعت ابا عبدالله الصادق عليه‌السلام يقول : « عليكم بالدعاء ، فانكم لا تتقربون بمثله » (١).

وكلما تكون حاجة الانسان إلیٰ الله اعظم ، وفقره إليه تعالیٰ اشد ، واضطراره إليه أكثر يكون اقباله في الدعاء علیٰ الله اكثر.

والنسبة بين فقر الانسان إلیٰ الله واضطراره إليه تعالیٰ ، وبين اقبال الانسان عليه سبحانه في الدعاء نسبة طردية. فإن الحاجة والاضطرار يلجئان الانسان إلیٰ الله ، وبقدر ما يشعر بهذه الحاجة يكون اقباله علیٰ الله ، كما ان العكس أيضاً كذلك.

يقول تعالیٰ : ( كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ ) (٢).

إن الانسان ليطغیٰ ويعرض عن الله بقدر ما يتراءیٰ له أنه قد استغنیٰ ، ويقبل علیٰ الله بقدر ما يعي من فقره وحاجته إلیٰ الله. وتعبير القران دقيق ( أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ ). فلا غنىٰ للانسان عن الله ، بل الانسان فقر كله إلیٰ الله : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّـهِ وَاللَّـهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) ولكنه يتراءیٰ له أنه قد استغنیٰ ، وغرور الانسان هو الذي يخيل إليه ذلك.

فإذا تراءیٰ له أنه قد استغنیٰ عن الله اعرض ونأیٰ بجانبه وطغیٰ.

فإذا مسه الضر ، وأحس بالاضطرار إلی الله عاد واقبل عليه.

اذن الدعاء في حقيقته اقبال علیٰ الله.

ومن يدع الله تعالیٰ ، ويتضرع إليه فلابدّ ان يقبل عليه تعالیٰ.

وهذا الاقبال هو حقيقة الدعاء وجوهره وقيمته.

__________________

(١) بحار الانوار ٩٣ : ٢٩٣.

(٢) العلق : ٦ ـ ٧.

١٤
 &

المناهل الاربعة للورود علیٰ الله في القرآن

والدعاء من اهم المناهل التي جعلها الله تعالیٰ لعباده للورود عليه.

وقد بيّن الله تعالیٰ لنا في القرآن اربعة مناهل للورود عليه ، في جملة المناهل التي ورد ذكرها في القرآن والسنّة.

عن أبي عبدالله الصادق عليه‌السلام : « اربعة للمرء لا عليه : (الايمان) و (الشكر) ، فإن الله تعالیٰ يقول : ( مَّا يَفْعَلُ اللَّـهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ) (١).

و (الاستغفار) فإنه تعالیٰ يقول : ( وَمَا كَانَ اللَّـهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّـهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) (٢).

و (الدعاء) فإنه تعالیٰ يقول : ( قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ ) (٣).

وعن معاوية بن وهب عن أبي عبدالله الصادق عليه‌السلام قال : « يا معاوية ، من اُعطي ثلاثة لم يُحرم ثلاثة : من اُعطي الدعاء اُعطي الاجابة ، ومن اُعطي الشكر اُعطي الزيادة ، ومن اُعطي التوكل اُعطي الكفاية ؛ فان الله تعالیٰ يقول في كتابه : ( وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ).

ويقول : ( لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ).

ويقول : ( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) (٤).

وعن عبدالله بن وليد الوصافي عن أبي عبدالله الصادق عليه‌السلام قال : « ثلاث لا يضر معهن شيء : الدعاء عند الكربات ؛ والاستغفار عند الذنب ؛ والشكر عند النعمة » (٥).

__________________

(١) النساء : ١٤٧.

(٢) الانفال : ٣٣.

(٣) الفرقان : ٧٧. بحار الانوار ٩٣ : ٢٩١.

(٤)خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي : ٣ ، الكافي : ٦ في ٤ : ١١ من جهاد النفس.

(٥) امالي الشيخ الطوسي : ١٢٧.

١٥
 &

وهذه قنوات للارتباط بالله ، وقنوات الارتباط بالله كثيرة منها التوبة ؛ ومنها الخوف والخشية ؛ ومنها الحب والشوق إلى الله ؛ ومنها الرجاء ؛ ومنها الشكر ؛ ومنها الاستغفار.

وعلاقة الانسان بالله يجب أن تنظم طبق مجموعة متناسقة من هذه القنوات ؛ ولا يصحح الاسلام نظرية وحدة طريق الارتباط.

والدعاء من اهم وسائل الارتباط بالله والاقبال علىٰ الله.

ذلك لأنه لا شيء يلجئ الناس إلى الله كما تلجئهم إليه حاجتهم وفقرهم.

فالدعاء من اوسع ابواب الارتباط والعلاقة بالله.

الدعاء جوهر العبادة

اذن الدعاء جوهر العبادة وروحها ؛ فإن الغاية من خلق الانسان العبادة ؛ والغاية من العبادة الانشداد إلىٰ الله. والدعاء يحقق هذا الانشداد والارتباط من اوسع الابواب ، وباقویٰ الوسائل.

وقد روي عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « الدعاء مخ العبادة ؛ ولا يهلك مع الدعاء احد » (١).

وروي عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أيضاً : « افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه ؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلّا استجاب ؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا ؛ ما لم يدع بمأثم » (٢).

وتكاد الرواية ترينا طريقة حركة الانسان إلى الله في الدعاء واقباله عليه.

__________________

(١) بحار الانوار ٩٣ : ٣٠٠.

(٢) بحار الانوار ٩٣ : ٣٠٢.

١٦
 &

تأمّلوا :

(افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه).

وفي رواية اُخرىٰ عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « الدعاء سلاح المؤمن وعماد الدين » (١).

وإنما كان الدعاء (عماد الدين) ؛ لأنه قوام الدين وهو التحرك إلى الله والدعاء اقبال علىٰ الله.

ولما كانت حقيقة الدعاء هي الاقبال علىٰ الله كان الدعاء أحب شيء الىٰ الله واكرم شيء عنده.

عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « ما من شيء اكرم علىٰ الله تعالىٰ من الدعاء » (٢).

وعن حنان بن سدير عن ابيه ، قال : « قلت للباقر عليه‌السلام : أي العبادة افضل ؟ فقال : ما من شيء احب إلىٰ الله من ان يسأل ويطلب ما عنده ؛ وما أحد ابغض إلى الله عزوجل ممن يستكبر عن عبادته ولا يسأله ما عنده (٣).

الاعراض عن الدعاء اعراض عن الله

يقول تعالىٰ : ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ).

والاستكبار عن العبادة في هذه الآية الكريمة هو الاعراض عن الدعاء ، فإن السياق يدعو إلى الدعاء. يقول تعالىٰ : ( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) وبعد ذلك

__________________

(١) بحار الانوار ٩٣ : ٢٨٨.

(٢) مكارم الاخلاق : ٣١١.

(٣) مكارم الاخلاق : ٣١١ ونفس المضمون في المحاسن للبرقي : ٢٩٢.

(٤) غافر : ٦٠.

١٧
 &

مباشرة يقول : ( إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ).

اذن الاعراض عن الدعاء في هذه الآية الكريمة يحكم الاستكبار عن العبادة ؛ لأنّه اعراض عن الله.

وروي بهذا المعنىٰ عن الامام الصادق عليه‌السلام في تفسير الآية الكريمة : « هي والله العبادة ؛ هي والله العبادة ».

وعن حماد بن عيسىٰ عن الصادق عليه‌السلام : « إنّ الدعاء هو العبادة ؛ إن الله عزّوجلّ يقول : ( إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ) (١).

ولا قيمة للانسان عند الله إلّا بالدعاء ، وبمقدار الدعاء ، ولا يعبأ الله تعالىٰ بعبده إلّا بقدر ما يدعوا الله ويقبل عليه ( قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ ) (٢).

وذلك لأن الدعاء في الحقيقة يساوي الاقبال علىٰ الله ، كما أن الاعراض عن الدعاء اعراض عن الله ، ومن يعرض عن الله فلا يعبأ الله به ، ولا قيمة له عند الله.

عن أبي جعفر الباقر عليه‌السلام في حديث : « وما أحد أبغض إلى الله عزّوجلّ ممن يستكبر عن عبادته ، ولا يسأل ما عنده » (٣).

وعن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « لتسألن الله أو ليغضبن عليكم ، إن لله عباداً يعملون فيعطيهم داخرين ، يسألونه صادقين فيعطيهم ، ثم يجمعهم في الجنة ، فيقول الذين عملوا : ربنا عملنا فأعطيتنا ، فبما اعطيت هؤلاء ؟ فيقول : هؤلاء عبادي اعطيتكم اجوركم ولم التكم من اعمالكم شيئاً ، وسألني هؤلاء فاعطيتهم واغنيتهم ، وهو

__________________

(١) وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٣.

(٢) الفرقان : ٧٧.

(٣) وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٤ ، ح ٨٦٠٤.

١٨
 &

فضلي اوتيه من اشاء » (١).

إن الله يشتاق إلى دعاء عبده :

فإذا أقبل العبد بالدعاء علىٰ الله أحبّه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله.

وقد يؤجل الله تعالىٰ إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه ، ويطول اقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته.

روي عن العالم عليه‌السلام : « إنّ الله عزّوجلّ ليؤخر اجابة المؤمن شوقاً إلى دعائه ، ويقول : صوت اُحب أن اسمعه ، ويعجل دعاء المنافق ، ويقول : صوت اكرهه » (٢).

وعن أبي عبدالله الصادق عليه‌السلام : « اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة » (٣).

وعن امير المؤمنين عليه‌السلام : « احب الاعمال إلى الله عزّوجلّ في الأرض الدعاء » (٤).

وروي أن أبا جعفر الباقر عليه‌السلام كان يقول : « إن المؤمن ليسأل الله عزّوجلّ حاجة ، فيؤخر عنه تعجيل اجابته حباً لصوته واستماع نحيبه » (٥).

وعن أبي عبدالله الصادق عليه‌السلام : « إن العبد ليدعو فيقول الله عزّوجلّ للملكين : قد استجبت له ، ولكن احبسوه بحاجته ، فإني اُحب أن اسمع صوته ، وإن

__________________

(١) وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٤ ، ح ٨٦٠٩.

(٢) بحار الأنوار ٩٧ : ٢٩٦.

(٣) وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦.

(٤) وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٩ ، ح ٨٦٣٩.

(٥) قرب الاسناد : ١٧١ ، اصول الكافي : ٥٢٦.

١٩
 &

العبد ليدعو فيقول الله تبارك وتعالىٰ : عجلوا له حاجته فإني ابغض صوته » (١).

وعن أبي عبدالله الصادق عليه‌السلام : « إن العبد الولي لله ليدعو الله عزّوجلّ في الامر ينوبه ، فيقال للملك الموكل به : اقض لعبدي حاجته ، ولا تعجلها فإني اشتهي أن اسمع صوته ونداءه ، وإن العبد العدو لله عزّوجلّ يدعو الله عزّوجلّ في الامر ينوبه ، فيقال للملك الموكل به : اقض حاجته ، وعجلها فإني اكره أن اسمع صوته ونداءه » (٢).

والله تعالی يكره سؤال الناس بعضهم لبعض ، ويحب للمؤمن ان يكرم نفسه ويده عن السؤال ، ولكنه تعالىٰ يحب سؤال المؤمنين منه ، ويحب تضرعهم ودعاءهم عنده.

عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « إن الله احب شيئاً لنفسه وابغضه لخلقه ، ابغض لخلقه المسألة ، واحب لنفسه أن يسأل ، وليس شيء احب الله عزّوجلّ من أن يسأل ، فلا يستحي احدكم من أن يسأل الله من فضله ، ولو شسع نعل » (٣).

وعن أبي عبدالله الصادق عليه‌السلام : « إن الله يحب العبد أن يطلب إليه في الجرم العظيم ، ويبغض العبد أن يستخف بالجرم اليسير » (٤).

روي عن محمد بن عجلان قال : « اصابتني فاقة شديدة واضاقة ، ولا صديق لمضيق ، ولزمني دين ثقيل وعظيم ، يلح في المطالبة ، فتوجهت نحو دار الحسن بن زيد ، وهو يومئذ أمير المدينة لمعرفة كانت بيني وبينه ، وشعر بذلك من حالي محمّد بن عبدالله بن علي بن حسين عليهم‌السلام ، وکان بيني وبينه قديم معرفة ، فلقيني في الطريق فاخذ بيدي وقال : قد بلغني ما أنت بسبيله ، فلن تؤمّل لكشف ما

__________________

(١) وسائل الشيعة ٤ : ١١١٢ ، ح ٨٧٣١ ، اصول الكافي : ٥٢٦.

(٢) اصول الكافي : ٥٢٧ ، وسائل الشيعة ٤ : ١١١٢ ، ح ٨٧٣٢.

(٣) فروع الكافي ١ : ١٩٦ ، من لا يحضره الفقيه ١ : ٢٣.

(٤) المحاسن للبرقي : ٢٩٣ ، بحار الأنوار ٩٣ : ٢٩٢.

٢٠