الدعاء عند أهل البيت عليهم السلام

الشيخ محمد مهدي الآصفي

الدعاء عند أهل البيت عليهم السلام

المؤلف:

الشيخ محمد مهدي الآصفي


الموضوع : العرفان والأدعية والزيارات
الناشر: المجمع العالمي لأهل البيت عليهم السلام
المطبعة: مطبعة أمير
الطبعة: ١
الصفحات: ٢٨٠
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

منه ، وإذا كانت سيآتنا ومعاصينا تحجبنا عن برّه ورحمته ، فإن حبّه لنا يشفع لنا عنده ، ويضعنا في مواضع بره ورحمته.

والوسيلة الثانية : حبنا له ، وهو وسيلة ناجحة كحبّه لنا ، فقد توسّل الامام عليه‌السلام الىٰ الله تعالىٰ في الوسيلة الاولىٰ بحبّه تعالىٰ لنا ، ثم توسل بعد ذلك بحبّنا له وهو سيلة ناجحة ومؤثرة عند الله كحبّه لنا. فإن للحب قيمة كبيرة لا تضاهيها قيمة عند الحبيب ، ومهما شككنا نحن في شيء ، فلا نشك في حبّنا لله تعالىٰ ، واوليائه والحبّ بضاعة لا يردها الله تعالىٰ.

وفي سياق هذه الوسيلة يأتي توحيدنا له تعالىٰ وخشوعنا بين يديه ، وصلاتنا وسجودنا وذكرنا وشهادتنا واعترافنا له بالربوبية ، وعلىٰ انفسنا بالعبودية.

ونرجع ذلك كله الىٰ اثنين : الىٰ حبّنا له ، وتوحيدنا ايّاه ، ونحن علىٰ يقين أن (الحب) و (التوحيد) بضاعتان لا يردهما الله تعالیٰ. ومهما شككنا في شيء فلا نشك ولا نتردد لحظة واحدة في هذا ولا ذاك.

يقول الامام عليه‌السلام في التوسل بهذه الوسيلة :

« اتراك معذبي بنارك بعد توحيدك ، وبعد ما انطوىٰ عليه قلبي من معرفتك ، ولهج به لساني من ذكرك ، واعتقده ضميري من حبّك ، وبعد صدق اعترافي ودعائي خاضعاً لربوبيتك ».

وفي التعليق علىٰ هذه الفقرة من الدعاء تحضرني قصة :

يقال : إن يوسف عليه‌السلام لما آتاه الله الملك والسلطان في مصر كان يطل ذات يوم علىٰ المدينة من شرفة بيته ، وكان معه علىٰ الشرفة عبد صالح من عباد الله ممن آتاه الله علماً ونوراً ، فمر شاب من تحت الشرفة عابراً ، فقال ذلك العبد الصالح ليوسف عليه‌السلام : أتعرفه ؟ قال : كلّا.

١٢١
 &

قال : هذا هو الطفل الذي شهد ببراءتك يوم اتهمتك امرأة العزيز.

( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ ).

وقد بلغ ذلك الطفل الرضيع الذي شهد لك في المهد مبلغ الشباب ، وهو ذا.

فاستدعاه يوسف عليه‌السلام ، وأجلسه الىٰ جنبه وأكرمه وخلع عليه ، وبالغ في اكرامه. وذلك العبد الصالح ينظر الىٰ ما يصنع يوسف عليه‌السلام متعجباً.

فقال له يوسف عليه‌السلام : أتعجب مما صنعت بهذا الشاب ؟ فقال : لا ، ولكن هذا الشاب لم يكن له من الجميل عندك غير الشهادة لك بالبراءة ، وقد أنطقه الله تعالىٰ بها ، ولم يكن له من فضل في ذلك ، ومع ذلك فقد أكرمته بهذه الصورة وبالغت في اكرامه.

فكيف يمكن أن يحرق الله بالنار وجه عبد طال سجوده بين يديه ، أو يحرق قلب عبد ، انطوىٰ علىٰ حبه ، أو يحرق لساناً طالما ذكره ، وشهد بتوحيده ، ونفي الشرك عنه ؟!

والامام عليه‌السلام يقول من هذا الصدد :

« وليت شعري يا سيدي والهي ومولاي ، أتسلط النار علىٰ وجوه خرت لعظمتك ساجدة ، وعلىٰ السن نطقت بتوحيدك صادقة ، وبشكرك مادحة ، وعلىٰ قلوب اعترفت بإلهيتك محققة ، وعلىٰ ضمائر حوت من العلم بك حتىٰ صارت خاشعة ، وعلىٰ جوارح سعت الىٰ اوطان تعبدك طائعة ، واشارت باستغفارك مذعنة ... ما هكذا الظن بك ، ولا اخبرنا بفضلك عنك يا كريم ».

والوسيلة الثالثة : ضعفنا عن تحمل العذاب ، ورقة جلودنا ، ودقة عظامنا ، وقلة صبرنا وتحملنا. والضعف وسيلة ناجحة الىٰ القوي المتين ، وفي كل ضعف ما يجذب القوي ، ويستعطفه ، ويكسب عطفه ورحمته.

١٢٢
 &

وإن في الضعف سراً يطلب القوي دائماً ، وفي القوة سر يطلب الضعيف دائماً ، فكل منهما يطلب الآخر.

وإن الطفل الرضيع في ضعفه يطلب حنان الاُم ، كما أن حنان الاُم يطلب ضعف الطفل ورقته.

وليس سلاح امضى لدى القوي من البكاء والرجاء الذي هو وسيلة الضعيف وسلاحه. يقول أمير المؤمنين علي عليه‌السلام في هذا الدعاء :

« يا من اسمه دواء ، وذكره شفاء ... ارحم من رأس ماله الرجاء ، وسلاحه البكاء ».

إن رجاء الفقير للغني رأس ماله ، وإن بكاء الضعيف لدى القوي سلاحه ، ومن لا يفهم سنن الله تعالىٰ في الكون في علاقة الضعيف بالقوي والقوي بالضعيف ، لا يفهم هذه الفقرات المؤثرة من كلام الامام عليه‌السلام في دعاء كميل.

يقول الامام علي بن أبي طالب عليه‌السلام في مناجاة له اخرىٰ :

« انت القوي وانا الضعيف وهل يرحم الضعيف إلّا القوي ».

والامام عليه‌السلام في هذا الدعاء يتوسل الىٰ الله تعالىٰ بضعف العبد ، وقلة حيلته ، وسرعة نفاد صبره وتحمله ، ورقة جلده ، ودقة عظمه.

يقول عليه‌السلام :

« يا رب ارحم ضعف بدني ، ورقة جلدي ، ودقة عظمي ».

وإننا لتوشكنا الشوكة ، وتمسّنا الجمرة ، ويلم بنا المرض إلمامة خفيفة في الدنيا فتسلبنا النوم والراحة والقرار والاستقرار ، وهو بلاء قصير مدته ، خفيف وزنه ، جعله الله تعالىٰ لامتحان عبادة واختبارهم وابتلائهم رحمة بهم ، فكيف بنا إذا سِقنا الىٰ العذاب الاليم وقيل لملائكة العذاب : ( خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ *

١٢٣
 &

ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ ) (١).

يقول الامام : « وأنت تعلم ضعفي عن قليل من بلاء الدنيا وعقوباتها ، وما يجري فيها من المكاره علىٰ اهلها ، علىٰ أن ذلك بلاء ومكروه قليل مكثه ، يسير بقاؤه ، قصير مدته ، فكيف احتمالي لبلاء الآخرة وجليل وقوع المكاره فيها ، وهو بلاء تطول مدته ، ويدوم مقامه ، ولا يخفف عن أهله ، لأنه لا يكون إلّا عن غضبك وانتقامك وسخطك ، وهذا ما لا تقوم له السموات والارض. يا سيدي ، فكيف لي وانا عبدك الضعيف الذليل الحقير المسكين المستكين ، يا الهي وربي وسيدي ومولاي ».

والوسيلة الرابعة التي يتوسل بها الامام عليه‌السلام في هذا الدعاء هي اضطرار العبد الىٰ الله ، والاضطرار وسيلة ناجحة إلىٰ من يضطر إليه الانسان ، ولا يجد إلّا عنده نجاح حاجته.

واقصد بالاضطرار ألّا يجد العبد موضعاً لقضاء حاجته إلّا عند الله ، ولا مهرباً إلّا إليه ، ولا مجلأً إلّا عنده ، وعندما يكون فرار العبد وهروبه من الله ، ولا يجد ملجأ ومهرباً يلجأ إليه ويحتمي به إلّا الله ، يكون هذا المشهد من ادعىٰ المشاهد الىٰ استنزال رحمة الله تعالىٰ ورأفته.

إن الطفل الصغير لا يرىٰ في عالمه الصغير غير امّه وأبيه من يحميه ويدافع عنه ويقضي حاجته ويلبي طلباته ، ويمنحه من رحمته وعطفه ، فيأنس بوالديه ، ويجد عندهما في اُفقه الصغير كل مطالبه وما يحتاج إليه من الرحمة والرأفة والشفقة ، فإذا المت به ملمة ، وإذا نابته نائبة ، وإذا خاف من شيء لجأ الىٰ أبيه وأمّه ، ووجد عندهما الأمن والرحمة والشفقة ، وقضاء حاجته ، والامن مما يخاف منه.

__________________

(١) الحاقة : ٣٠ ـ ٣٢.

١٢٤
 &

فإذا كان قد ارتكب ما يستحق العقوبة منهما ، وخافهما علىٰ نفسه ، نظر الىٰ يمينه ويساره فلم يجد من يلجأ إليه ، ولا من يهرب منه ، ولا من يجد عنده الأمن إلّا هما ، فيلجأ اليهما ويلقي بنفسه في احضانهما مستغيثاً بها ، وهما يريدان عقوبته ومؤاخذته.

وهذا المشهد من أكثر المشاهد التي تستدر عطف الوالدين وتكسبه حبهما وعطفهما.

والامام عليه‌السلام في هذا الدعاء الشريف يشير الىٰ هذا المعنىٰ ، فهو قد تعلّم في اُفقه الواسع الكبير أن يلجأ الىٰ الله تعالىٰ في كلّ شيء ، وكلّما ألّمت به ملمة ، أو نابته نائبة ، أو داهمته مصيبة فزع الىٰ الله ولم يجد لحاجته قضاء ، ولا لما يلم به مفزعاً غير الله. وها هو يرىٰ العبد قد تعرّض لغضب الله تعالىٰ الذي يرجو رحمته ، ولعقوبة الله الذي يرجو الأمن من عنده.

فلا يرىٰ ، وقد تعرض العبد لعقوبة الله ملجأ له غير الله ، ولا مهرباً يهرب إليه غير الله تعالىٰ ، ولا من يحتمي به ويسأله غيره تعالىٰ.

فيضجّ إليه تعالىٰ وقد ساقه ملائكة العذاب الىٰ جهنم ، يطلب من الله الأمن ، ويعوذ برحمته من غضبه ، ويستغيثه ، ويستصرخه ، ويطلب الرحمة لنفسه منه تعالىٰ ، كالطفل الذي يتعرض لغضب والديه فلا يفر منهما إلّا اليهما ، ولا يجد من يحتمي به منهما إلّا هما.

ولنسمع الإمام عليه‌السلام في هذه الكلمات الشفافة الرقيقة التي تعبر عن روح التوحيد والدعاء :

« فبعزتك يا سيدي ومولاي أقسم صادقاً لئن تركتني ناطقاً ، لأضجن اليك بين أهلها ضجيج الآملين ، ولأصرخن اليك صراخ المستصرخين ، ولأبكينّ عليك بكاء الفاقدين ولاُنادينك أين كنت يا ولي المؤمنين ، يا غاية آمال العارفين ، يا غياث المستغيثين ، يا حبيب قلوب الصادقين ، ويا إله العالمين ».

١٢٥
 &

وهذا هو الوجه الاول من القضية. والوجه الثاني كالوجه الأوّل في البداهة والوضوح في علاقة الله تعالىٰ بعبده.

فقد كان الوجه الأوّل يتلخص في علاقة العبد بالله في اضطراره إليه ولجوئه إلىٰ امنه ورحمته.

والوجه الآخر في علاقة الله تعالىٰ بعبده عند ما يحتمي بحماه وامنه ، ويستغيث برحمته ويهرب منه إليه ، ويستصرخ رحمته وفضله وهو يتعرض لعقوبته وانتقامه.

فهل يمكن أن يسمع الله تعالىٰ ، وهو ارحم الراحمين ، استغاثة عبد ساقه جهله وطيشه الیٰ نار جهنم ، يستغيثه ، ويستصرخه ، ويناديه بلسان أهل توحيده ، ويسأله النجاة من النار ، ويضج إليه ... فيتركه في عذابها يحرقه لهيبها ، ويشتمل عليه زفيرها ، ويتقلقل بين اطباقها ، وتزجره زبانيتها ، وهو تعالیٰ يعلم صدقه في حبه له ، وتوحيده له ، ولجوئه إليه ، واضطراره إليه.

فاستمع إليه :

« أفتراك سبحانك يا إلهي وبحمدك تسمع فيها صوت عبد مسلم سجن فيها بمخالفته ، وذاق طعم عذابها بمعصيته ، وحبس بين اطباقها بجرمه وجريرته ، وهو يضج اليك ضجيج مؤمل لرحمتك ، ويناديك بلسان أهل توحيدك ، ويتوسل اليك بربوبيتك ، يا مولاي فكيف يبقیٰ في العذاب ، وهو يرجو ما سلف من حلمك ، أم كيف تؤلمه النار وهو يأمل فضلك ورحمتك ، ام كيف يحرقه لهيبها وأنت تسمع صوته وتریٰ مكانه ، أم كيف يشتمل عليه زفيرها وأنت تعلم ضعفه ، أم كيف يتقلقل بين اطباقها وأنت تعلم صدقه ، أم كيف تزجره زبانيتها وهو يناديك يا ربه ، أم كيف يرجو فضلك في عتقه منها فتتركه فيها ، هيهات ما ذلك الظن بك ، ولا المعروف من فضلك ، ولا مشبه لما عاملت به الموحدين من برك واحسانك ».

١٢٦
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEDoa-Ahl-Baytimagespage0127.png

١٢٧
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEDoa-Ahl-Baytimagesrafed.png

١٢٨
 &



هذان سؤالان لها أهميّة كبيرة في الدعاء.

ماذا ينبغى لنا أن نطلب من الله تعالىٰ في الدعاء ؟

وماذا لا ينبغي لنا أن نطلبه في الدعاء ؟

أ ـ ما ينبغي من الدعاء ؟

ولنبدأ بالسؤال الأوّل : « ما ينبغي أن نطلب من الله تعالىٰ في الدعاء ».

إن الدعاء هو حاجة العبد الىٰ الله تعالىٰ.

ولا حدّ لفقر العبد وحاجته كما لا حدّ لغنیٰ الرب وسلطانه وكرمه ، واجتماع هاتين غير المتناهيتين هو الدعاء :

عدم تناهي حاجة العبد ، وعدم تناهي غنیٰ الله تعالیٰ وكرمه.

فلا نفاد لخزائن ملكه ، ولا حدّ لسلطانه وقوته ، ولا حدّ لجوده وكرمه ، ولا حدّ لفقر العبد وحاجته وضعفه وقصوره وتقصيره.

ومن خلال هذا الوجه نحاول أن نعرف ماذا نطلب من الله تعالىٰ في الدعاء.

أولاً : الصلاة علىٰ محمّد وآل محمّد في الدعاء :

اهم نقطة في الدعاء ، بعد الحمد والثناء علىٰ الله تعالىٰ هو الصلاة علىٰ محمّد وآل محمّد أولياء أمور المسلمين. وتحتل الصلاة علىٰ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل بيته مساحة واسعة جداً من الأدعية ، وقد ورد في النصوص الاسلامية تركيز وتأكيد كبيران علىٰ هذه الصلوات. ولهذا الاهتمام سبب واضح ، فإن الله تعالىٰ يريد أن

١٢٩
 &

نجعل من الدعاء وسيلة لارتباط المسلمين بأولياء أمورهم ، واعتصامهم بحبل الولاء الذي جعله الله تعالىٰ عصمة للمسلمين. والصلوات من أهم أسباب هذا الارتباط النفسي ، فإن حلقات الولاء ممتدة بين الله تعالىٰ وعباده ، وولاء رسول الله وأهل بيته من أهم هذه الحلقات.

ويقع الولاء لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في امتداد الولاء لله ، والولاء لأهل البيت عليهم‌السلام امتداد الولاء لرسول الله ، وتأكيد هذا الولاء وتعميقه من تأكيد الولاء لله ، ومن تعميق الولاء لله تعالىٰ وتثبيته. وهذا باب واسع من المعرفة لا يمكن ايجازه في هذا الموضع ولا يمكن أن نبسط الكلام فيه ، كما ينبغي ، ولعل الله تعالىٰ يوفقني للحديث عن هذه النقطة الهامة والحساسة في الثقافة الاسلامية ، وفي تكوين الامة الاسلامية في موضع آخر.

وقد ورد في النصوص الاسلامية تأكيد بليغ وكثير علىٰ ذلك. وفيما يلي نورد بعض النصوص ذات العلاقة بهذا الموضوع.

واعظمها نص من كتاب الله. يقول تعالىٰ :

( إِنَّ اللَّـهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) (١).

وروي عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « الصلاة عليّ نور علىٰ الصراط » (٢).

وعنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « إن أبخل الناس من ذكرت عنده ، ولم يصلّ عليّ » (٣).

وروىٰ عبدالله بن نعيم ، قال : « قلت لأبي عبدالله عليه‌السلام : إني دخلت البيت ، ولم يحضرني شيء من الدعاء إلّا الصلاة علىٰ محمّد وآله. فقال : أما إنه لم يخرج أحد

__________________

(١) الاحزاب : ٥٦.

(٢) كنز العمّال : ح ٢١٤٩.

(٣) كنز العمّال : ح ٢١٤٤.

١٣٠
 &

بأفضل مما خرجت به ».

وعن الباقر والصادق عليه‌السلام : « اثقل ما يوضع في الميزان يوم القيامة الصلاة علىٰ محمّد وعلىٰ أهل بيته » (١).

وعن أمير المؤمنين عليه‌السلام برواية الشريف في نهج البلاغة :

« إذا كان لك الىٰ الله سبحانه حاجة فابدأ بمسألة الصلاة علىٰ رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثم سل حاجتك ؛ فإن الله اكرم من أن يسأل حاجتين ، فيقضي إحداهما ويمنع الأخرىٰ » (٢).

والدعاء للانبياء والمرسلين وأوصيائهم من هذا الدعاء.

وقد ورد الصلاة والسّلام علىٰ الأنبياء وأوصيائهم عموماً ، أو علىٰ نحو التشخيص والتعيين والتسمية كثيراً في نصوص الأدعية المأثورة عن أهل البيت ، ومن ذلك الدعاء الوارد في (عمل أمّ داود) في الأيّام البيض من شهر رجب ، وهو دعاء مروي عن الامام الصادق.

نموذج من الصلاة علىٰ محمّد وآل محمّد :

وهو من أدعية الصحيفة السجادية : « ربّ صلّ علىٰ محمّد وآل محمّد ، المنتجب ، المصطفیٰ ، المكرّم ، المقرّب أفضل صلواتك وبارك عليه أتمّ بركاتك ، وترحم عليه امتع رحماتك.

ربّ صلّ علىٰ محمّد وآله صلاة زاكية ، لا تكون صلاة ازكىٰ منها ، وصلّ عليه صلاة نامية ، لا تكون صلاة انمىٰ منها ، وصلّ عليه صلاة راضية ، لا تكون صلاة فوقها ، ربّ صلّ علىٰ محمّد صلاة ترضيه ، وتزيد علىٰ رضاه ، وصلّ عليه

__________________

(١) بحار الأنوار ٧١ : ٣٧٤.

(٢) نهج البلاغة ، قسم الحكم ، حكمة رقم ٣٦١.

١٣١
 &

صلاة ترضيك ، وتزيد علىٰ رضاك ، وصلّ عليه صلاة لا نرضىٰ له إلّا بها ، ولا ترىٰ غيره لها أهلاً ... ربّ صلّ علىٰ محمّد وآله صلاة تنتظم صلوات ملائكتك وانبيائك ورسلك وأهل طاعتك ».

ثانياً : الدعاء للمؤمنين :

وهو من أعظم مطالب الدعاء بعد حمد الله تعالىٰ وثنائه وبعد الصلاة علىٰ محمّد وآله والانبياء واوصيائهم ، وهذا الدعاء من أهم أبعاد (الدعاء) فهو يربط الفرد المسلم بالامة المسلمة في عمق التاريخ وعلىٰ وجه الارض ، كما أن الصلاة علىٰ محمّد وآله تربط المؤمن بحبل الولاء النازل من عند الله.

وهذه العلاقة التي ينسجها الدعاء بين الفرد والامة من جانب ، وبين الفرد والافراد الذين يتعامل معهم ويرتبط بهم بنحو من الانحاء من أفضل أنواع العلاقة ؛ لأنّ هذه العلاقة تتكون بين يدي الله ، وفي امتداد العلاقة بالله ، ولا يعرفها أحد إلّا الله ، وهي استجابة لدعوة الله تعالىٰ.

وهذا الدعاء يأتي علىٰ نحوين : علىٰ نحو التعميم من غير تسمية وتشخيص ؛ وعلىٰ نحو التخصيص والتسمية.

ونتحدث نحن إن شاء الله عن كلّ منهما :

أ ـ التعميم في الدعاء للمؤمنين :

وهو دعاء يحبه الله تعالىٰ ، ويستجيب له ، كما يستجيب لما يليه ويلحقه من الأدعية ، فإن الله تعالىٰ اكرم من أن يبعض في الاستجابة ، فيستجيب لبعض الدعاء ويرد بعضاً.

وهذا اللون من الدعاء لعموم المؤمنين الحاضرين ، والذين سبقونا بالايمان ،

١٣٢
 &

يشعر المؤمن بالارتباط التاريخي والفعلي (العمودي والافقي) بالاسرة المؤمنة في التاريخ ، وعلىٰ وجه الأرض ، وبوحدة هذه الاسرة ، وبالعلاقة الوشيجة والقوية التي تربطنا بهذه الاسرة ، ويكون للدعاء في حياتنا بعدان : البعد الاول منهما يربطنا بالله تعالىٰ ، والبعد الثاني يربطنا بالامة المسلمة ممّن آمن بالله تعالىٰ في اعماق التاريخ وعلىٰ وجه الارض.

وقد ورد في النصوص الاسلامية تأكيدات بليغة علىٰ هذا اللون من الدعاء وورد أن الله تعالىٰ يثيب صاحب الدعاء بعدد كل مؤمن يشمله دعاؤه بالحسنات ، وأن كل مؤمن يشمله هذا الدعاء يشفع له يوم القيامة بين يدي الله تعالىٰ ، عندما يأذن سبحانه للصالحين من عباده بالشفاعة للمذنبين منهم.

عن أبي عبدالله الصادق ، قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

« ما من مؤمن دعا للمؤمنين والمؤمنات إلّا ردّ الله عليه مثل الذي دعا لهم به من كل مؤمن ومؤمنة ، مضىٰ من أوّل الدهر ، أو هو آت الىٰ يوم القيامة.

وإن العبد ليؤمر به الىٰ النار يوم القيامة فيسحب ، فيقول المؤمنون والمؤمنات : يا رب ، هذا الذي كان يدعو لنا فشفّعنا فيه ، فيشفّعهم الله عزّوجلّ ، فينجو » (٢).

وعن أبي عبدالله عليه‌السلام : قال : « من قال كل يوم خمساً وعشرين مرّة : اللّهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات ، كتب الله له بعدد كل مؤمن مضىٰ ، وبعدد كل مؤمن ومؤمنة بقي الىٰ يوم القيامة حسنة ، ومحا عنه سيئة ، ورفع له درجة » (٣).

وعن أبي الحسن الأوّل عليه‌السلام أنه كان يقول :

__________________

(١) أصول الكافي : ٥٣٥ ، امالي الطوسي ٢ : ٩٥ ، وسائل الشيعة ٤ : ١١٥١ ، ح ٨٨٨٩.

(٢) ثواب الأعمال : ٨٨ ، وسائل الشيعة ٤ : ١١٥٢ ، ح ٨٨٩١.

١٣٣
 &

« من دعا لإخوانه من المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات وكّل الله به عن كل مؤمن ملكاً يدعو له » (١).

وعن أبي الحسن الرضا عليه‌السلام : « ما من مؤمن يدعو للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات ، الاحياء منهم والأموات ، إلّا كتب الله له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة ، منذ بعث الله آدم الىٰ أن تقوم الساعة » (٢).

عن الامام الصادق عليه‌السلام عن آبائه عليهم‌السلام عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

« ما من مؤمن أو مؤمنة ، مضى من أوّل الدهر ، أو هو آت الىٰ يوم القيامة ، إلّا وهم شفعاء لمن يقول في دعائه : اللّهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات ، وإن العبد ليؤمر به الىٰ النار يوم القيامة ، فيسحب فيقول المؤمنون والمؤمنات : يا ربنا ، هذا الذي كان يدعو لنا فشفّعنا فيه ، فيشفّعهم الله ، فينجو » (٣).

وعن أبي الحسن الرضا عليه‌السلام قال : « ما من مؤمن يدعو للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الاحياء منهم والاموات ، إلّا ردّ الله عليه من كل مؤمن ومؤمنة حسنة منذ بعث الله آدم الىٰ أن تقوم الساعة » (٤).

وعن الصادق عليه‌السلام عن آبائه عليهم‌السلام عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله :

« ما من عبد دعا للمؤمنين والمؤمنات إلّا ردّ الله عليه مثل الذي دعا لهم من كل مؤمن ومؤمنة ، مضىٰ من أوّل الدهر ، أو هو آت الىٰ يوم القيامة. إن العبد ليؤمر به الىٰ النار يوم القيامة ، ويسحب ، فيقول المؤمنون والمؤمنات : يا ربنا ، هذا الذي كان يدعو لنا فشفّعنا فيه ، فيشفّعهم الله ، فينجو من النار » (٥).

__________________

(١) وسائل الشيعة ٤ : ١١٥٢ ، ح ٨٨٩٣.

(٢) وسائل الشيعة ٤ : ١١٥٢ ، ح ٨٨٩٤.

(٣) امالي الصدوق : ٢٧٣ ، بحار الأنوار ٩٣ : ٣٨٥.

(٤) ثواب الأعمال : ١٤٦ ، بحار الأنوار ٩٣ : ٣٨٦.

(٥) ثواب الأعمال : ١٤٧ ، بحار الأنوار ٩٣ : ٣٨٦.

١٣٤
 &

وعن أبي عبدالله الصادق عليه‌السلام عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

« إذا دعا احدكم فليعمّ ؛ فإنه اوجب للدعاء » (١).

وعن أبي عبدالله الصادق عليه‌السلام : « إذا قال الرجل : اللّهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات ، الأحياء منهم وجميع الأموات ردّ الله عليه بعدد ما مضیٰ ومن بقیٰ من كل انسان دعوة » (٢).

نماذج من التعميم في الدعاء :

وفيما يلي نذكر نماذج من التعميم في الدعاء من نصوص ادعية أهل البيت عليهم‌السلام. من هذه النماذج :

« اللّهم أغنِ كل فقير ، اللّهم أشبع كل جائع ، اللّهم اكسُ كل عريان ، اللّهم اقضِ دين كل مدين ، اللّهم فرج عن كل مكروب ، اللّهم ردّ كل غريب ، اللّهم فك كلّ أسير ، اللّهم أصلح كل فاسد من امور المسلمين ، اللّهم اشف كل مريض ، اللّهم سدّ فقرنا بغناك ، اللّهم غير سوء حالنا بحسن حالك ، وصلّ اللّهم علىٰ محمّد وآله الطاهرين ».

ومن هذه النماذج :

« اللّهم وتفضل علىٰ فقراء المؤمنين والمؤمنات بالغنىٰ والثروة ، وعلىٰ مرضىٰ المؤمنين والمؤمنات بالشفاء والصحة ، وعلىٰ أحياء المؤمنين والمؤمنات باللطف والكرامة ، وعلىٰ أموات المؤمنين والمؤمنات بالمغفرة والرحمة ، وعلىٰ مسافري المؤمنين والمؤمنات بالرد الىٰ أوطانهم سالمين غانمين ، برحمتك يا أرحم الراحمين ، وصلّى الله علىٰ سيدنا محمّد خاتم النبيين وعترته الطاهرين وسلّم تسليماً كثيراً ».

__________________

(١) ثواب الأعمال : ١٤٧ ، بحار الأنوار ٩٣ : ٣٨٦.

(٢) فلاح السائل : ٤٣ ، بحار الأنوار ٩٣ : ٣٨٧.

١٣٥
 &

ومن ادعية الصحيفة السجادية للامام زين العابدين عليه‌السلام :

« اللّهم وصل علىٰ التابعين من يومنا هذا والىٰ يوم الدين ، وعلىٰ ازواجهم ، وعلىٰ ذرّياتهم ، وعلىٰ من اطاعك منهم ، صلاة تعصمهم بها من معصيتك ، وتفسح لهم في رياض جنتك ، وتمنعهم بها من كيد الشيطان ، وتعينهم بها علىٰ ما استعانوك عليه من برّ ، وتقيهم طوارق الليل والنهار إلّا طارقاً يطرق بخير».

الدعاء لحماة ثغور بلاد المسلمين :

ومن هذه النماذج الدعاء لحياة ثغور بلاد المسلمين وهو من ادعية الصحيفة السجادية :

« اللّهم صلّ علىٰ محمّد وآله ، وحصّن ثغور المسلمين بعزتك ، وأيّد حماتها بقوتك ، وأسبغ عطاياهم من جدتك ، اللّهم صلّ علىٰ محمّد وآل محمّد ، واشحذ اسلحتهم ، واحرس حوزتهم وامنع حومتهم ، وألّف جمعهم ودبر امرهم ، وواتر بين ميَرِهم ، وتوحّد بكفاية مؤنهم ، واعضدهم بالنصر ، وأعنهم بالصبر ، والطف لهم بالمكر.

اللّهم صلّ علىٰ محمّد وآله ، وعرّفهم ما يجهلون ، وعلّمهم ما لا يعلمون ، وبصّرهم ما لا يبصرون ».

ومن الدعاء للمجاهدين الرساليين من المسلمين ، وهو من أدعية الصحيفة السجادية :

« اللّهم وأيّما مسلم أهمه أمر الاسلام ، وأحزنه تحزّب أهل الشرك عليهم ، فنوىٰ غزواً ، أو همّ جهاد ، فقعد به ضعف ، أو أبطأت به فاقه ، أو أخّره عنه حادث أو عرض له دون ارادته مانع فاكتب اسمه في العابدين ، واوجب له ثواب المجاهدين ، واجعله في نظام الشهداء والصالحين ».

١٣٦
 &

ومن الدعاء للمساندين خلف الجبهة ، وهو من أدعية الصحيفة :

« اللّهم وأيما مسلم خلف غازياً أو مرابطاً في داره ، أو تعهّد خالفيه في غيبته أو اعانه بطائفة من ماله ، وأمدّه بعتاد ، أو رعىٰ له من ورائه حرمة ، فأجر له مثل أجره وزناً بوزن ، ومثلاً بمثل ».

الصيغ الثلاثة للدعاء في القرآن

صيغ الدعاء في القرآن ثلاثة :

١ ـ دعاء الفرد لنفسه.

٢ ـ دعاء الفرد لغيره.

٣ ـ دعاء الجميع للجميع.

وفيما يلي نستعرض هذه الطوائف الثلاثة من الدعاء ، لنتعرف علىٰ أساليب القرآن في الدعاء للمؤمنين.

١ ـ دعاء الفرد لنفسه :

وهو اسلوب معروف من الدعاء ، ونجد في القرآن نماذج من هذا الدعاء علىٰ لسان الانبياء والصالحين ، أو من تعليم الله تعالىٰ لعباده ومن ذلك قوله تعالىٰ :

( رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ) (١).

( رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا ) (٢).

__________________

(١) يوسف : ١٠١.

(٢) الاسراء : ٨٠.

١٣٧
 &

( رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي ) (١).

( رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ) (٢).

( رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلًا مُّبَارَكًا وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ ) (٣).

( رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ ) (٤).

( رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ * وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ * وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ ) (٥).

٢ ـ دعاء الفرد لغيره :

وهو نحو آخر من الدعاء له نماذج وشواهد في القرآن ومن ذلك قوله تعالىٰ :

( وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ) (٦).

ومنه دعاء حملة العرش للمؤمنين : ( رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) (٧).

٣ ـ دعاء الجميع للجميع :

__________________

(١) طه : ٢٥ ـ ٢٨.

(٢) الأنبياء : ٨٩.

(٣) المؤمنون : ٢٩.

(٤) المؤمنون : ٩٧ ـ ٩٨.

(٥) الشعراء : ٨٣ ـ ٨٥.

(٦) الاسراء : ٢٤.

(٧) غافر : ٧ ـ ٩.

١٣٨
 &

وهو أشهر أساليب الدعاء في القرآن. واکثر ادعية القرآن من هذا القبيل ، ومن ذلك قوله تعالیٰ :

( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ) (١).

( رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) (٢).

( رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) (٣).

( رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ) (٤).

( رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ) (٥).

( رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ ) (٦).

( رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ ) (٧).

( رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ ) (٨).

__________________

(١) الفاتحة : ٦ ـ ٧.

(٢) البقرة : ١٢٧.

(٣) البقرة : ٢٠١.

(٤) البقرة : ٢٥٠.

(٥) البقرة : ٢٨٦.

(٦) آل عمران : ٨.

(٧) آل عمران : ١٩٣ ـ ١٩٤.

(٨) الاعراف : ١٢٦.

١٣٩
 &

( رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ) (١).

( رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ) (٢).

( رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (٣).

*       *      *

تحليل وتفسير للنوع الثالث من الدعاء :

وما يعنينا في هذا التقسيم هما النحوان النحو الثاني والثالث ؛ وكلاهما دعاء للمؤمنين ، إلّا أن النحو الثاني من الدعاء دعاء الفرد للجميع ، والنحو الثالث من الدعاء دعاء الجميع للجميع ، وفي هذا النحو من الدعاء :

١ ـ المدعو له هو الجميع ، فلا يدعو الفرد لنفسه ، وإنما يدعو الفرد للجميع ، وقد لا يكون دعاء الفرد لنفسه نافعاً ، كما لو كان البلاء نازلاً علىٰ الجميع (الامّة) فيكون الفرد مشمولاً للبلاء ، حتىٰ لو لم يدخل فيما دخل فيه الآخرون من الظلم ، يقول تعالىٰ : ( وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ).

وفي هذا المجال لا ينفع الفرد دعاؤه واستغفاره لنفسه ، وعليه ان يستغفر ويدعو للجميع ، فإذا رفع الله تعالىٰ العذاب عن الجميع ارتفع عنه أيضاً ( رَّبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ ).

٢ ـ والداعي أيضاً يمثل الجميع ، وينوب عنهم في هذا الدعاء ، فإن هذا النحو من الدعاء يتصدر غالباً بكلمة (ربنا) ، وكأن الفرد الداعي ينوب عن الجميع في

__________________

(١) المؤمنون : ١٠٩.

(٢) الفرقان : ٦٥.

(٣) التحريم : ٨.

١٤٠