🚘

كتاب المكاسب - ج ٣

الشيخ مرتضى الأنصاري

كتاب المكاسب - ج ٣

المؤلف:

الشيخ مرتضى الأنصاري


المحقق: لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم
الموضوع : الفقه
الناشر: مجمع الفكر الاسلامي
المطبعة: شريعت
ISBN: 964-5662-17-6
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

٥

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‌

الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على محمّدٍ وآله الطاهرين ، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

٦

كتاب البيع‌

البيع لغة

وهو في الأصل كما عن المصباح (١) ـ : مبادلة مالٍ بمال.

اختصاص المعوّض بالعين

والظاهر اختصاص المعوّض بالعين ، فلا يعمّ إبدال المنافع بغيرها ، وعليه استقرّ اصطلاح الفقهاء (٢) في البيع (٣).

نعم ، ربما يستعمل في كلمات بعضهم (٤) في نقل غيرها ، بل يظهر ذلك من كثيرٍ من الأخبار ، كالخبر الدالّ على جواز بيع خدمة المدبّر (٥) ، وبيع سكنى الدار التي لا يُعلم صاحبها (٦) ، وكأخبار بيع الأرض الخراجية وشرائها (٧) ، والظاهر أنّها مسامحة في التعبير ، كما أنّ‌

__________________

(١) المصباح المنير : ٦٩ ، مادّة : «بيع».

(٢) في «ص» ونسخة بدل «ن» ، «خ» ، «م» و «ع» زيادة : في تعيّن العوض والمعوّض.

(٣) لم ترد «في البيع» في «ف».

(٤) كالشيخ قدس‌سره في المبسوط ٦ : ١٧٢.

(٥) الوسائل ١٦ : ٧٤ ، الباب ٣ من أبواب التدبير ، الأحاديث ١ ، ٣ و ٤.

(٦) الوسائل ١٢ : ٢٥٠ ، الباب الأوّل من أبواب عقد البيع وشروطه ، الحديث ٥.

(٧) الوسائل ١١ : ١١٨ ، الباب ٧١ من أبواب جهاد العدوّ ، الحديث ١ و ٦ ، و ١٢ : ٢٧٥ ، الباب ٢١ من أبواب عقد البيع وشروطه ، الحديث ٩ و ١٠.

٧

لفظ الإجارة يستعمل عرفاً في نقل بعض الأعيان ، كالثمرة على الشجرة.

جواز كون العوض منفعة

وأمّا العوض ، فلا إشكال في جواز كونها منفعة ، كما في غير موضع من القواعد (١) ، وعن التذكرة (٢) وجامع المقاصد (٣) ، ولا يبعد عدم الخلاف فيه.

نعم ، نُسب (٤) إلى بعض الأعيان (٥) الخلاف فيه ؛ ولعلّه لما اشتهر في كلامهم : من أنّ البيع لنقل (٦) الأعيان ، والظاهر إرادتهم بيان المبيع (٧) ، نظير قولهم : إنّ الإجارة لنقل المنافع.

جعل عمل الحرّ عوضاً

وأمّا عمل الحرّ ، فإن قلنا : إنّه قبل المعاوضة عليه من الأموال ، فلا إشكال ، وإلاّ ففيه إشكال ؛ من حيث احتمال اعتبار كون العوضين في البيع «مالاً» قبل المعاوضة ؛ كما يدلّ عليه ما تقدّم عن المصباح.

أقسام الحقّ ، وما يقع منها عوضاً

وأمّا الحقوق (٨) ، فإن لم (٩) تقبل المعاوضة بالمال كحقّ الحضانة‌

__________________

(١) القواعد ١ : ١٣٦ و ٢٢٥.

(٢) التذكرة ١ : ٥٥٦ ٥٥٧ و ٢ : ٢٩٢.

(٣) جامع المقاصد ٧ : ١٠٣.

(٤) نسبه الشيخ الكبير قدس‌سره في شرحه على القواعد (مخطوط) : الورقة ٤٨.

(٥) هو الوحيد البهبهاني قدس‌سره في رسالته العملية الموسومة ب «آداب التجارة» (انظر هداية الطالب : ١٤٩).

(٦) في غير «ف» : نقل.

(٧) في «ش» : البيع.

(٨) في غير «ش» زيادة : «الأُخر». قال الشهيدي في شرحه (الصفحة ١٤٩) : الظاهر زيادة كلمة «الأُخر».

(٩) في «ف» : فلو لم.

٨

والولاية (١) فلا إشكال ، وكذا لو لم تقبل النقل (٢) ، كحقّ الشفعة ، وحقّ الخيار ؛ لأنّ البيع تمليك الغير.

ولا ينتقض (٣) ببيع الدين على من هو عليه ؛ لأنّه لا مانع من كونه تمليكاً فيسقط ؛ ولذا جعل الشهيد في قواعده «الإبراء» مردّداً بين الإسقاط والتمليك (٤).

والحاصل : أنّه يعقل أن يكون مالكاً لما (٥) في ذمّته فيؤثّر تمليكه السقوط ، ولا يعقل أن يتسلّط على نفسه. والسرّ : أنّ هذا (٦) الحقّ سلطنة فعلية لا يعقل قيام طرفيها بشخص واحد ، بخلاف الملك ، فإنّها نسبة بين المالك والمملوك ، ولا يحتاج إلى من يملك عليه حتى يستحيل اتّحاد المالك والمملوك عليه ، فافهم.

وأمّا الحقوق القابلة للانتقال كحقّ التحجير ونحوه فهي وإن قبلت النقل وقوبلت بالمال في الصلح ، إلاّ أنّ في جواز وقوعها عوضاً للبيع إشكالاً ، من أخذ المال في عوضي المبايعة لغةً وعرفاً ، مع ظهور كلمات الفقهاء عند التعرّض لشروط العوضين ولِما يصحّ أن يكون اجرة في الإجارة في حصر الثمن في المال.

__________________

(١) عبارة «كحقّ الحضانة والولاية» من «ش».

(٢) كذا في «ف» و «ش» ونسخة بدل «ن» ، «خ» ، «م» و «ع» ، وفي غيرها : الانتقال.

(٣) النقض من صاحب الجواهر ، انظر الجواهر ٢٢ : ٢٠٩.

(٤) القواعد والفوائد ١ : ٢٩١.

(٥) لم ترد «لما» في «ش».

(٦) في «ش» وهامش «ن» : مثل هذا.

٩

تعاريف الفقهاء والمناقشة فيها

ثمّ الظاهر : أنّ لفظ «البيع» ليس له حقيقة شرعية ولا متشرّعية (١) ، بل هو باقٍ على معناه العرفي ، كما سنوضّحه إن شاء الله ، إلاّ أنّ الفقهاء قد اختلفوا في تعريفه ، ففي المبسوط (٢) والسرائر (٣) والتذكرة (٤) وغيرها (٥) : «انتقال عينٍ من شخصٍ إلى غيره بعوض مقدّر على وجه التراضي».

وحيث إنّ في هذا التعريف مسامحة واضحة ، عدل آخرون (٦) إلى تعريفه ب : «الإيجاب والقبول الدالّين على الانتقال» ، وحيث إنّ البيع من مقولة المعنى دون اللفظ مجرّداً أو بشرط قصد المعنى ، وإلاّ لم يعقل إنشاؤه باللفظ عدل جامع المقاصد إلى تعريفه ب : «نقل العين بالصيغة المخصوصة» (٧).

ويرد عليه مع أنّ النقل ليس مرادفاً للبيع ؛ ولذا صرّح في التذكرة : بأنّ إيجاب البيع لا يقع بلفظ «نقلت» ، وجعله من الكنايات (٨) ،

__________________

(١) في «ف» : متشرّعة.

(٢) المبسوط ٢ : ٧٦.

(٣) لم ترد «السرائر» في غير «ف» ، انظر السرائر ٢ : ٢٤٠.

(٤) التذكرة ١ : ٤٦٢.

(٥) في «ن» ، «ع» ، «ص» و «ش» : غيرهما ، انظر القواعد ١ : ١٢٣ ، والتحرير ١ : ١٦٤.

(٦) منهم : المحقّق في المختصر النافع : ١١٨ ، والشهيد في الدروس ٣ : ١٩١ ، والفاضل المقداد في التنقيح ٢ : ٢٤.

(٧) جامع المقاصد ٤ : ٥٥.

(٨) لم نعثر عليه بعينه ، نعم فيه بعد ذكر شرط التصريح ـ : «عدم انعقاده بمثل : أدخلته في ملكك أو جعلته لك» ، انظر التذكرة ١ : ٤٦٢.

١٠

وأنّ المعاطاة عنده (١) بيع مع خلوّها عن الصيغة ـ : أنّ النقل بالصيغة أيضاً لا يعقل إنشاؤه بالصيغة.

ولا يندفع هذا : بأنّ المراد أنّ البيع نفس النقل الذي هو مدلول الصيغة ، فجعله مدلول الصيغة إشارة إلى تعيين ذلك الفرد من النقل ، لا أنّه (٢) مأخوذ في مفهومه حتى يكون مدلول «بعت» : نقلت بالصيغة ؛ لأنّه إن أُريد بالصيغة خصوص «بعت» لزم الدور ؛ لأنّ المقصود معرفة مادة «بعت» ، وإن أُريد بها ما يشمل (٣) «ملّكت» وجب الاقتصار على مجرّد التمليك والنقل.

الأولى في تعريف البيع

فالأولى تعريفه بأنّه : «إنشاء تمليك عين بمال» ، ولا يلزم عليه شي‌ء ممّا تقدّم.

ماذا يرد على هذا التعريف

نعم ، يبقى عليه أُمور :

الإيراد الأوّل وجوابه

منها : أنّه موقوف على جواز الإيجاب بلفظ «ملّكت» ‌وإلاّ لم يكن مرادفاً له (٤).

ويردّه : أنّه الحقّ كما سيجي‌ء (٥).

الإيراد الثاني وجوابه

ومنها : أنّه لا يشمل بيع الدين على من هو عليه ؛ لأنّ الإنسان لا يملك مالاً على نفسه.

__________________

(١) أي عند المحقّق الثاني ، راجع جامع المقاصد ٤ : ٥٨.

(٢) في «ف» : لا لأنّه.

(٣) في «ف» : يشتمل.

(٤) في غير «ش» ومصحّحة «ن» : لها.

(٥) يجي‌ء في الصفحة ١٥ و ١٢٠.

١١

وفيه مع ما عرفت (١) وستعرف من تعقّل تملّك ما على نفسه (٢) ورجوعه إلى سقوطه عنه ، نظير تملّك ما هو مساوٍ لما في ذمّته ، وسقوطه بالتهاتر ـ : أنّه لو لم يعقل التمليك لم يعقل البيع ؛ إذ ليس للبيع لغةً وعرفاً معنى غير المبادلة والنقل والتمليك وما يساويها من الألفاظ ؛ ولذا قال فخر الدين : إنّ معنى «بعت» في لغة العرب : «ملّكت غيري» (٣) ، فإذا لم يعقل ملكيّة (٤) ما في ذمّة نفسه لم يعقل شي‌ء ممّا يساويها ، فلا يعقل البيع.

الايراد الثالث وجوابه

ومنها : أنّه يشمل التمليك بالمعاطاة ، مع حكم المشهور ، بل دعوى الإجماع على أنّها ليست بيعاً (٥).

وفيه : ما سيجي‌ء من كون المعاطاة بيعاً (٦) ؛ وأنّ (٧) مراد النافين نفي صحّته.

الايراد الرابع وجوابه

ومنها : صدقه على الشراء ؛ فإنّ المشتري بقبوله للبيع يملّك ماله بعوض المبيع.

__________________

(١) راجع الصفحة ٩ ، قوله : «والحاصل : أنّه يعقل ..».

(٢) في «ف» : «ما في ذمّة نفسه». وفي مصحّحة «ن» ونسخة بدل «ش» : ما في ذمّته.

(٣) قاله في شرح الإرشاد ، على ما حكاه عنه السيّد العاملي في مفتاح الكرامة ٤ : ١٥٢.

(٤) في «ف» : ملكيّته.

(٥) كما ادّعاه ابن زهرة في الغنية : ٢١٤.

(٦) يأتي في الصفحة ٤٠.

(٧) في «ش» : لأنّ.

١٢

وفيه : أنّ التمليك فيه ضمنيّ ، وإنّما حقيقته التملّك بعوض ؛ ولذا لا يجوز الشراء بلفظ «ملّكت» ، تقدّم على الإيجاب أو تأخّر. وبه يظهر اندفاع الإيراد بانتقاضه بمستأجر العين بعين (١) ؛ حيث إنّ الاستئجار يتضمّن تمليك العين بمالٍ ، أعني : المنفعة.

الايراد الخامس وجوابه

ومنها : انتقاض طرده بالصلح على العين بمالٍ ، وبالهبة المعوّضة.

وفيه : أنّ حقيقة الصلح ولو تعلّق بالعين ليس هو التمليك على وجه المقابلة والمعاوضة ، بل معناه الأصلي هو التسالم ؛ ولذا لا يتعدّى بنفسه إلى المال. نعم ، هو متضمّن للتمليك إذا تعلّق بعينٍ ، لا أنّه نفسه.

حقيقة الصلح

والذي يدلّك على هذا : أنّ الصلح قد يتعلّق بالمال عيناً أو منفعة ، فيفيد التمليك. وقد يتعلّق بالانتفاع به (٢) ، فيفيد فائدة العارية ، وهو مجرّد التسليط (٣) ، وقد يتعلّق بالحقوق ، فيفيد الإسقاط أو الانتقال ، وقد يتعلّق بتقرير أمرٍ بين المتصالحين كما في قول أحد الشريكين لصاحبه : «صالحتك على أن يكون الربح لك والخسران عليك» فيفيد مجرّد التقرير.

فلو كانت (٤) حقيقة الصلح هي عين كلٍّ من (٥) هذه المفاداة الخمسة لزم كونه مشتركاً لفظيّاً ، وهو واضح البطلان ، فلم يبقَ إلاّ أن يكون مفهومه معنىً آخر ، وهو التسالم ، فيفيد في كلِّ موضع (٦) فائدة من‌

__________________

(١) لم ترد «بعين» في «ف».

(٢) لم ترد «به» في غير «ف».

(٣) في «ف» : التسلّط.

(٤) في غير «ش» : كان.

(٥) لم ترد «كلٍّ من» في «ف».

(٦) في هامش «ف» زيادة : من المواضع.

١٣

الفوائد المذكورة بحسب ما يقتضيه متعلّقه.

فالصلح على العين بعوضٍ : تسالمٌ عليه (١) ، وهو يتضمّن التمليك ، لا أنّ مفهوم الصلح في خصوص هذا المقام وحقيقته هو إنشاء التمليك ، ومن هنا لم يكن طلبه من الخصم إقراراً (٢) ، بخلاف طلب التمليك.

حقيقة الهبة المعوّضة

وأمّا الهبة المعوّضة والمراد بها هنا : ما اشترط فيها (٣) العوض فليست إنشاء تمليكٍ بعوض على جهة المقابلة ، وإلاّ لم يعقل تملّك أحدهما لأحد العوضين من دون تملّك الآخر للآخر (٤) ، مع أنّ ظاهرهم عدم تملّك العوض بمجرّد تملّك الموهوب الهبة (٥) ، بل غاية الأمر أنّ المتّهب لو لم يؤدِّ العوض كان للواهب الرجوع في هبته ، فالظاهر أنّ التعويض المشترط في الهبة كالتعويض الغير المشترط فيها في كونه تمليكاً (٦) مستقلا يقصد به وقوعه عوضاً ، لا أنّ حقيقة المعاوضة والمقابلة مقصودة في كلٍّ من العوضين ؛ كما يتّضح ذلك بملاحظة التعويض الغير المشترط في ضمن (٧) الهبة الاولى (٨).

__________________

(١) في «ف» زيادة : به.

(٢) في «ش» زيادة : له.

(٣) في «ص» : فيه.

(٤) لم ترد «للآخر» في «ف».

(٥) في «ش» و «م» ونسخة بدل «ن» ، «خ» و «ع» : بالهبة.

(٦) في «ف» : تملّكاً.

(٧) في «ف» بدل «ضمن» : إنشاء.

(٨) في غير «ف» و «ش» زيادة ما يلي : «وممّا ذكرنا تقدر على إخراج القرض من التعريف ؛ إذ ليس المقصود الأصلي منه المعاوضة والمقابلة ، فتأمّل» ، لكن شطب عليها في «م» وكتب عليها في «ن» : زائد.

١٤

فقد تحقّق ممّا ذكرنا : أنّ حقيقة تمليك العين بالعوض ليست إلاّ البيع ، فلو قال : «ملّكتك كذا بكذا» كان بيعاً ، ولا يصحّ صلحاً ولا هبة معوّضة وإن قصدهما ؛ إذ التمليك على جهة المقابلة الحقيقيّة ليس صلحاً ، ولا هبة ، فلا يقعان به.

نعم ، لو قلنا بوقوعهما بغير الألفاظ الصريحة توجّه تحقّقهما مع قصدهما ، فما قيل من أنّ البيع هو الأصل في تمليك الأعيان بالعوض ، فيقدّم على الصلح والهبة المعوّضة (١) ، محلّ تأمّل ، بل منع ؛ لما عرفت من أنّ تمليك الأعيان بالعوض هو البيع لا غير.

نعم ، لو اتي بلفظ «التمليك بالعوض» واحتمل إرادة غير حقيقته كان [مقتضى (٢)] الأصل اللفظي حمله على المعنى

الحقيقي ، فيحكم بالبيع ، لكنّ الظاهر أنّ الأصل بهذا المعنى ليس مراد القائل المتقدّم ، وسيجي‌ء توضيحه في مسألة المعاطاة في غير البيع إن شاء الله (٣).

الإيراد الأخير وجوابه

حقيقة القرض

بقي (٤) القرض داخلاً في ظاهر الحدّ ، ويمكن إخراجه بأنّ مفهومه ليس نفس المعاوضة ، بل هو تمليك على وجه ضمان المثل (٥) أو القيمة ، لا معاوضة للعين بهما ؛ ولذا لا يجري فيه ربا المعاوضة (٦) ، ولا الغرر‌

__________________

(١) انظر الجواهر ٢٢ : ٢٤٦.

(٢) لم ترد «مقتضى» في النسخ ، إلاّ أنّها زيدت في «ن» ، «ص» و «ش» تصحيحاً أو استظهاراً.

(٣) يجي‌ء في الصفحة ٩١ عند قوله : الخامس في حكم جريان المعاطاة ..

(٤) في «ف» و «ن» : وبقي.

(٥) في «ف» : الضمان للمثل.

(٦) في «ف» : المعاوضات.

١٥

المنفي فيها ، ولا ذكر العوض ، ولا العلم به ، فتأمّل (١).

استعمال البيع في معانٍ اُخر

ثمّ إنّ ما ذكرنا ، تعريفٌ للبيع المأخوذ في صيغة «بعت» وغيره (٢) من المشتقّات ، ويظهر من بعض من قارب عصرنا (٣) استعماله في معانٍ أُخر غير ما ذكر‌ (٤) :

أحدها : التمليك المذكور ، لكن (٥) بشرط تعقّبه بتملّك المشتري ، وإليه نظر بعض مشايخنا (٦) ، حيث أخذ قيد التعقّب (٧) بالقبول (٨) في تعريف البيع المصطلح ؛ ولعلّه لتبادر التمليك المقرون بالقبول من اللفظ ، بل وصحّة السلب عن المجرّد ؛ ولهذا لا يقال : «باع فلان ماله» ، إلاّ بعد أن يكون قد اشتراه غيره ، ويستفاد من قول القائل : «بعت مالي» ، أنّه اشتراه غيره ، لا أنّه أوجب (٩) البيع فقط.

__________________

(١) عبارة «بقي القرض إلى فتأمّل» لم ترد في «خ» ، وكتب عليها في غير «ف» و «ش» : «زائد» ، وقد تقدّم (في الصفحة ١٤ ، الهامش ٨) زيادة عبارةٍ عن بعض النسخ ترتبط بإخراج القرض ، والظاهر أنّ المؤلف قدس‌سره كتب أوّلاً تلك العبارة ثمّ أعرض عنها وبيّنها هنا بلفظٍ أوفى ، فصار ذلك منشأً لاختلاف النسخ.

(٢) في «ف» : غيرها.

(٣) انظر مقابس الأنوار : ١٠٧ (كتاب البيع) ، و ٢٧٥ (كتاب النكاح).

(٤) عبارة «غير ما ذكر» من «ف» و «ش» ومصحّحة «ن».

(٥) في «ف» : لكنّه.

(٦) لم نعثر عليه ، ولعلّه المحقّق النراقي ، انظر المستند ٢ : ٣٦٠.

(٧) في «ف» : التعقيب.

(٨) في غير «ش» زيادة : «مأخوذاً» ، وشطب عليها في «ن».

(٩) في «ف» : وجب.

١٦

الثاني : الأثر الحاصل من الإيجاب والقبول ، وهو الانتقال ، كما يظهر من المبسوط (١) وغيره (٢).

الثالث : نفس العقد المركّب من الإيجاب والقبول ، وإليه ينظر من عرّف البيع بالعقد (٣). قال (٤) : بل الظاهر اتّفاقهم على إرادة هذا المعنى في عناوين أبواب المعاملات ، حتى الإجارة وشبهها التي ليست هي في الأصل (٥) اسماً لأحد طرفي العقد (٦).

المناقشة في هذه الاستعمالات

أقول : أمّا البيع بمعنى الإيجاب المتعقّب للقبول ، فالظاهر أنّه ليس مقابلاً للأوّل ، وإنّما هو فردٌ انصرف إليه اللفظ في مقام قيام القرينة على إرادة الإيجاب المثمر ؛ إذ لا ثمرة في الإيجاب المجرّد ، فقول المخبر : «بعت» ، إنّما أراد الإيجاب المقيّد ، فالقيد مستفاد من الخارج ، لا أنّ البيع مستعمل في الإيجاب المتعقّب للقبول ، وكذلك لفظ «النقل» و «الإبدال» و «التمليك» وشبهها ، مع أنّه لم يقل (٧) أحد بأنّ تعقّب القبول له دخل في معناها.

نعم ، تحقّق القبول شرط للانتقال في الخارج ، لا في نظر الناقل ؛ إذ‌

__________________

(١) المبسوط ٢ : ٧٦.

(٢) السرائر ٢ : ٢٤٠.

(٣) مثل الحلبي في الكافي : ٣٥٢ ، وابن حمزة في الوسيلة : ٢٣٦ ، واختاره العلاّمة في المختلف ٥ : ٥١.

(٤) أي بعض من قارب عصر المؤلّف قدس‌سره ، المشار إليه آنفاً.

(٥) لم ترد «هي في الأصل» في «ف».

(٦) انظر مقابس الأنوار : ١٠٧ و ٢٧٥.

(٧) في «ف» : لم ينقل.

١٧

لا ينفكّ التأثير عن الأثر (١) ، فالبيع وما يساويه معنىً من قبيل الإيجاب والوجوب ، لا الكسر والانكسار كما تخيّله بعض (٢) فتأمّل. ومنه يظهر ضعف أخذ القيد المذكور في معنى البيع المصطلح ، فضلاً عن أن يجعل أحد معانيها (٣).

وأمّا البيع بمعنى الأثر وهو الانتقال ، فلم يوجد في اللغة ولا في العرف (٤) ، وإنّما وقع في تعريف جماعة تبعاً للمبسوط (٥). وقد يوجّه (٦) : بأنّ المراد بالبيع المحدود المصدر من المبنيّ للمفعول ، أعني : «المبيعيّة» ، وهو تكلّف حسن.

وأمّا البيع بمعنى العقد ، فقد صرّح الشهيد الثاني رحمه‌الله : بأنّ إطلاقه عليه مجاز ؛ لعلاقة السببية (٧).

والظاهر أنّ المسبّب هو الأثر الحاصل في نظر الشارع ؛ لأنّه المسبّب عن العقد ، لا النقل الحاصل من فعل الموجِب ؛ لما عرفت من أنّه حاصل بنفس إنشاء الموجِب من دون توقّف على شي‌ءٍ ، كحصول وجوب الضرب في نظر الآمر (٨) بمجرّد الأمر وإن لم يَصر واجباً في‌

__________________

(١) كذا في «ف» ومصحّحة «ن» ، وقد وردت العبارة في سائر النسخ مع اختلاف غير مخلّ في التقديم والتأخير.

(٢) المراد به ظاهراً الشيخ أسد الله التستري ، راجع مقابس الأنوار : ١٠٧.

(٣) كذا في النسخ ، والمناسب : معانيه.

(٤) العبارة في «ف» هكذا : فلم يوجد له أثر في اللغة ولا العرف.

(٥) راجع الصفحة ١٠.

(٦) وجّهه المحقّق التستري في مقابس الأنوار : ٢٧٤.

(٧) المسالك ٣ : ١٤٤.

(٨) في «ف» : في نفس الآمر.

١٨

الخارج (١) في نظر غيره.

وإلى هذا نظر جميع ما ورد في النصوص والفتاوى من قولهم : «لزم البيع» ، أو «وجب» ، أو «لا بيع بينهما» ، أو «أقاله في البيع» ونحو ذلك.

والحاصل : أنّ البيع الذي يجعلونه من العقود يراد به النقل بمعنى اسم المصدر مع اعتبار تحقّقه في نظر الشارع ، المتوقّف على تحقّق الإيجاب والقبول ، فإضافة العقد إلى البيع بهذا المعنى ليست بيانيّة ؛ ولذا يقال : «انعقد البيع» ، و «لا ينعقد البيع».

البيع ونحوه من العقود اسم للصحيح أو للأعم؟

اختيار الشهيدين كونه للصحيح

ثمّ إنّ الشهيد الثاني نصّ في «كتاب اليمين» من المسالك على أنّ عقد البيع وغيره من العقود حقيقة في الصحيح ، مجاز في الفاسد ؛ لوجود خواصّ الحقيقة والمجاز ، كالتبادر وصحّة السلب. قال : ومِن ثَمّ حُمل (٢) الإقرار به عليه ، حتى لو ادّعى إرادة الفاسد لم يسمع إجماعاً ، ولو كان مشتركاً بين الصحيح والفاسد لقبل تفسيره بأحدهما كغيره من الألفاظ المشتركة ، وانقسامه إلى الصحيح والفاسد أعمّ من الحقيقة (٣) ، انتهى.

وقال الشهيد الأوّل (٤) في قواعده : الماهيّات الجعليّة كالصلاة والصوم وسائر العقود لا تطلق على الفاسد إلاّ الحجّ ؛ لوجوب المضيّ فيه (٥) ، انتهى. وظاهره إرادة الإطلاق الحقيقي.

المناقشة فيما أفاده الشهيدان

ويشكل ما ذكراه بأنّ وضعها للصحيح يوجب عدم جواز التمسّك‌

__________________

(١) لم ترد «في الخارج» في «ف» ، وشطب عليها في «ن».

(٢) في غير «ش» : «قبل» ، وصحّح في أكثر النسخ بما في المتن.

(٣) المسالك (الطبعة الحجرية) ٢ : ١٥٩.

(٤) لم ترد «الأوّل» في «ف».

(٥) القواعد والفوائد ١ : ١٥٨.

١٩

بإطلاق نحو (وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ) (١) ، وإطلاقات (٢) أدلّة سائر العقود في مقام الشكّ في اعتبار شي‌ءٍ فيها ، مع أنّ سيرة علماء الإسلام التمسّك بها في هذه المقامات.

توجيه ما أفاده الشهيدان

نعم ، يمكن أن يقال : إنّ البيع وشبهه في العرف إذا استعمل في الحاصل من المصدر الذي يراد من قول القائل (٣) : «بعت» عند الإنشاء ، لا يستعمل حقيقة إلاّ في ما كان صحيحاً مؤثّراً ولو في نظر القائل (٤) ، ثمّ إذا كان مؤثّراً في نظر الشارع كان بيعاً عنده ، وإلاّ كان صورة بيع ، نظير بيع الهازل عند العرف.

فالبيع الذي يراد منه ما حصل عقيب قول القائل : «بعت» عند العرف والشرع حقيقة في الصحيح المفيد للأثر ، ومجاز في غيره ، إلاّ أنّ الإفادة وثبوت الفائدة مختلف في نظر العرف والشرع.

وجه التمسّك بإطلاق أدلّة البيع ونحوه

وأمّا وجه تمسّك العلماء بإطلاق أدلّة البيع ونحوه ؛ فلأنّ الخطابات لمّا وردت على طبق العرف ، حمل لفظ «البيع» وشبهه في الخطابات الشرعيّة على ما هو الصحيح المؤثّر عند العرف ، أو على المصدر الذي يراد من لفظ «بعت» ، فيستدلّ بإطلاق الحكم بحلّه أو بوجوب الوفاء على كونه مؤثّراً في نظر الشارع أيضاً ، فتأمّل فإنّ للكلام محلاّ آخر.

__________________

(١) البقرة : ٢٧٥.

(٢) في «ف» : إطلاق.

(٣) كلمة «القائل» من «ش» ومصحّحة «ن».

(٤) في «ف» : «نظر الفاعل» ، وفي «ش» : «نظرهم» ، وفي سائر النسخ جُمع بين ما أثبتناه وما في «ش».

٢٠