تراثنا ـ العدد الخامس - ج ٥

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم

تراثنا ـ العدد الخامس - ج ٥

المؤلف:

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم

المحقق: المترجم:
الموضوع : مجلّة تراثنا الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
نسخة غير مصححة

١

تراثنا

العدد الخامس

السنة الاُولى

١٤٠٦ هـ ق

الفهرس

كلمة العدد

حول تحقيق نهج البلاغة..................................................................... ٧

مقدّمة في مصادر نهج البلاغة.................................. الشيخ حسن حسن زاده الآملي ١٢

المتبقّي من مخطوطات نهج البلاغة حتى نهاية القرن الثامن الهجري....... السيد عبدالعزيز الطباطبائي ٢٥

الشريف الرضيّ فقيهاً................................................ الشيخ رضا الاُستادي ١٠٣

أهل البيت ـ عليهم السلام ـ في نهج البلاغة................................ السيد علي الميلاني ١٢٥

ذكرى الشريف الرضيّ.......................................... الدكتور الشيخ أحمد الوائلي ١٤٨

الشريف الرضيّ في ذكراه الألفيّة........................................ الشيخ جعفر الهلالي ١٥٤

ما ينبغي نشره من التراث................................................................ ١٥٨

٢

وثائق تاريخية

رسائل..................................................................... هيئة التحرير ١٦٢

من ذخائر التراث

المفاضلة بين الرضيّ والهرويّ............................................ السيد أحمد الحسيني ١٧٦

ملف مؤتمر الشريف الرضيّ

الشاعر الطموح الدكتور السيد محمد بحرالعلوم.............................................. ١٩٧

الرضيّ والمرتضى كوكبان الشيخ جعفر السبحاني............................................. ٢٤٨

دفاع عن الشريف الرضيّ في عقيدته الدكتور الشيخ محمد هادي الاميني........................ ٢٦٣

أكذوبتان السيد جعفر مرتضى العاملي.................................................... ٢٦٨

أهل البيت ـ عليهم السّلام ـ في بعض شعر الشريف الرضيّ الدكتور حمودي..................... ٢٧٩

من أنباء التراث......................................................................... ٢٩٤

٣
٤

٥
٦

كلمة العدد

حول تحقيق نهج البلاغة

بسم الله الرحمن الرحيم

تاريخنا الاسلامي غني بالذكريات التي لو استغلت بجد وإخلاص وفق هدف واضح غايته نفع هذه الأمة وتمكين ماضيها في نفوس أبنائها ليكون عيش الحاضر وزاد المستقبل ... لو استغلت هكذا لجادت لعلى الأمة بشآبيب من خيرها ، ولا بانت لها السبيل بشموس من تلاميذ مدرسة محمد وآله صلوات الله عليهم أجمعين.

وفي هذا العالم المبارك ـ ١٤٠٦ ه ذكريات كثيرة للأمة ، منها الذكرى الألفية لوفاة الشريف الرضي ، جامع الكتاب الخالد ـ نهج البلاغة ـ مما وصله من كلام أمير المؤمنين علي عليه‌السلام.

والشريف ذلك الشاعر المبدع ، والأديب المتمكن ، والبليغ العارف بخفايا اللغة العربية وأسرارها ، المتذوق لها ، المعتني بها ، الذي يظهر ولوعه بها في مؤلفاته التي خصها بهذا الجانب مثل «تلخيص البيان من مجازات القرآن» و «المجازات النبوية».

وثلث هذين بجمعه مختارات تتسم بالبلاغة من كلام إمام البلغاء ـ أمير المؤمنين عليه‌السلام ـ وكان نظر الشريف في جمعه قاصدا هذه الناحية من الكلام العلوي الكريم.

هذه المختارات هي ما بقي مقرونا باسمه طوال القرون الماضية وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

وقد اعتنى العالم الاسلامي بهذه الذكرى ، فعقدت الندوات ، وجمعت الجامع ، وكتب الكاتبون ـ باحثين ودارسين ـ فيما يتعلق بالشريف الرضي ... حياته ... آثاره ...

٧

أدبه ... فقهه ... شعره ...

ولم ينسوا نهج البلاغة ، الكتاب الذي خلد الشريف على مر العصور ، فشهدت الأوساط العلمية والأندية الثقافية والأدبية عودة إلى الحديث عن ضرورة القيام بتحقيق كتاب نهج البلاغة وتقويم نصه وتصحيحه على أقدم مخطوطاته الموثوقة ، المعتمد عليها ـ وما أكثرها ـ وطبعه طبعة فنية محققة ، تتلاءم وقدسيته عند الشيعة ، ومكانته المرموقة في المكتبة العربية الإسلامية ، ومستواه الرفيع في النصوص الأدبية.

والشيعة ـ في هذا العصر ـ لا بد أن يعترفوا بتقصيرهم تجاه هذا التراث العظيم والمجد الخالد ، فقد كان الواجب عليهم ـ قبل غيرهم ـ أن يتولوا تحقيقه وإخراجه ـ كما يليق بشأنه ـ قبل يومنا هذا بعهد طويل.

ومن المؤسف حقا ، أن كتابا بهذه الأهمية لم يطبع إلى الآن ـ رغم كثرة طبعاته  ـ طبعة محققة تعتمد على مناهج تحقيق النص وأسسه ، من عرضه على مخطوطاته الأصلية ... وغير ذلك.

والغريب العجيب أن محققا كمحمد محيي الدين عبد الحميد ، على الرغم من مكانته العلمية وكونه في حاضرة كالقاهرة من حواضر التراث العربي الاسلامي المهمة ، يعتمد في تحقيق كتاب نهج البلاغة ـ الذي له عشرات المخطوطات القديمة النفيسة ـ (١) على ثماني طبعات سابقة ، ذكرها في المقدمة ، وذكر نسخة واحدة خطية من شرح البحراني ، ولكنها لم تبق عنده إلى نهاية المعارضة!!

وطبعات «نهج البلاغة» المصرية والبيروتية ، وإن كانت أجمل منظرا من الطبعات الإيرانية الحجرية ، إلا أنها لا يعتمد شئ منها على نسخ مخطوطة معتبرة ، ولذلك لا تجد نسخة مطبوعة خالية من التصحيف والتحريف والسقط والاسقاط والتلاعب ، لأن الأيدي التي تولت نشر نهج البلاغة أيد غير مأمونة على مثله.

ونذكر هنا نماذج من التصحيف والتحريف والسقط والزيادة التي مني بها النهج : (٢)

__________________

(١) أنظر : «المتبقي من مخطوطات نهج البلاغة حتى نهاية القرن الثامن» ، السيد عبد العزيز الطباطبائي ، المنشور في هذا العدد من النشرة.

(٢) أنظر : «تصحيح نهج البلاغة» ـ بالفارسية ـ ، السيد جواد مصطفوي ، مجلة مشكاة ، العدد الرابع ، سنة ١٣٦٣ ه. ش ، ص ٧٨ ـ ٩٣.

٨

١ ـ في الخطبة الأولى من نهج البلاغة ، في جميع النسخ المخطوطة ، قال عليه‌السلام : «فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه ، ومن قرنه فقد ثناه ، ومن ثناه فقد جزأه ، ومن جزأه فقد جهله ، ومن أشار إليه فقد حده ، ومن حده فقد عده ، ومن قال فيم فقد ضمنه».

وفي جميع النسخ المطبوعة زيادة [ومن جهله فقد أشار إليه] ، بعد قول عليه‌السلام : ومن جزأه فقد جهله.

وهذا تحريف للنص وزيادة مستنكرة.

٢ ـ في الخطبة (١٠٤) في جميع النسخ المخطوطة : «فهو أبلج المناهج ، واضح الولائج».

وفي النسخ المطبوعة ، أبدلت كلمة «واضح» بكلمة [أوضح].

٣ ـ في الحكمة (١٩٠) في جميع النسخ الخطية : «واعجباه! أتكون الخلافة بالصحابة ولا تكون بالصحابة والقرابة!؟».

وفي أكثر النسخ المطبوعة ، ومن جملتها نسخة محمد عبدة ، (وهي نسخة محمد محيي الدين عبد الحميد نفسها ، ونسخة صبحي الصالح : [واعجباه! أتكون الخلافة بالصحابة والقرابة!؟].

وعقب على هذه الحكمة الشريف الرضي بقوله : " وروي له عليه‌السلام شعر في هذا المعنى وهو :

فإن كنت بالشورى ملكت أمورهم

فكيف بهذا والمشيرون غيب

وإن كنت بالقربى حججت خصيمهم

فغيرك أولى بالنبي وأقرب ".

وهذا الشعر يناسب تمام المناسبة النسخ المخطوطة ، وجعله ذيلا لما حرفته النسخ المطبوعة يفقده معناه ، ويخالف المعروف المشهور من مذهبه عليه‌السلام ومذهب شيعته في الخلافة.

هذا ، وقد دأب الشراح السابقون ـ كابن أبي الحديد وميثم البحراني ـ على شرح هذه العبارة بما يتفق مع النسخة المخطوطة ، ويتنافر مع النسخة المطبوعة مع أن متن نهج البلاغة في هذه النسخ محرف.

وهذا من أوضح الأدلة على صحة المخطوطة.

٩

٤ ـ في الخطبة (١٩٠) ـ الخطبة القاصعة ـ في جميع النسخ المخطوطة : «وضعني في حجره وأنا وليد يضمني إلى صدره».

وفي بعض النسخ المطبوعة ومنها نسخة صبحي الصالح أبدلت كلمة «وليد» بكلمة [ولد].

وهذا تحريف يفقد العبارة معناها ، فإنه عليه‌السلام يقصد تربية النبي صلى الله عليه وآله منذ الصغر ، وكلمة [ولد] لا تدل على ذلك.

٥ ـ في الحكمة (٢٥٢) في النسخ المخطوطة : «فرض الله الإيمان تطهيرا من الشرك ... والإمامة نظاما للأمة ، والطاعة تعظيما للإمامة ".

ولكن كلمة «الإمامة» تحرفت في نسخة صبحي الصالح إلى [الأمانة] ـ بالنون ـ ، وفي نسخة محمد عبدة (وهي نسخة محمد محيي الدين عبد الحميد) إلى الأمانات.

وهذا غيض من فيض مما ابتلي به كتاب نهج البلاغة من محققيه وناشريه ، وطابعيه ، فقد دخل عليه منهم الذوق الخاص ، في زمان فسد فيه الذوق ، وماتت السليقة.

ودخل عليه منهم ـ أيضا ـ الهوى والتعصب ، فحذفوا ما يخالف فرقهم ومذاهبهم ، ولو كان يخل بسياق النص ، الذي تولوا ضبطه وتحقيقه.

ودخل الجهل ـ والعياذ بالله من الجهل ـ فبدل الجاهلون ما لم يفهموه. وأنى لهم أن يفهموا مطالب العرفان السامية ودقائق الفلسفة المتعالية ، التي لم يصل الفكر البشري إلى بعض دقائقها إلا بعد ألف من السنين أو يزيد.

ونحن بهذه المناسبة نبتهل إلى العلي القدير أن يقيض لنهج البلاغة من يأخذ بناصره ، ويجلو عن زجاج مشكاته سواد أيدي من تلاعب به.

ولعل أهله يستفيقون من نومتهم ، ويأخذون عدتهم بأيديهم ، ويعطون القوس باريها ، وما ذلك على الله بعزيز.

وعودا على بدء ، فإننا في «تراثنا» قد خصصنا هذا العدد من النشرة ـ الذي هو آخر أعداد سنتها الأولى ـ لإحياء ذكرى هذا العلم الفذ ، متنقلين بين الشريف الرضي وبين آثاره الخالدة ، لما في الصلة بين الاثنين من إكمال صورة ذكراه الألفية.

وقد عقدنا في آخر النشرة ملفا خاصا لتغطية البحوث العربية التي قدمت إلى مؤتمر

١٠

الشريف الرضي ، الذي تولته مؤسسة نهج البلاغة في طهران ، باتفاق خاص مع المؤسسة.

والحمد لله رب العالمين

هيئة التحرير

١١

مقدمة في مصادر نهج البلاغة

الشيخ حسن حسن زاده الآملي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي هدانا للتمسك بولاية خير العتر ، عترة خاتم الأنبياء ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الذين أولهم آدم الأولياء وسيد الأوصياء ، وآخرهم قائمهم خاتم الأولياء ، خزائن الوحي ومفاتح الغيب.

قد قيض الفياض على الإطلاق لنا الغوص والخوض في طائفة من كلام الناطق بالصواب : «إنا لأمراء الكلام وفينا تنشبت عروقه وعلينا تهدلت غصونه» ، وقد نضد ما اقتني من دررها ولآلئها في سلك خمس مجلدات مرصفة مسماة ب «تكملة منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة» وقد طبعت غير طبعة.

وكان مما يهمنا في ذلك الشرح تحصيل إسناد ما في النهج وذكر مصادره ومآخذه من الجوامع الروائية والمجاميع التي ألفت ودونت قبل جامع النهج ، الشريف الرضي ـ رضوان الله تعالى عليه ـ مثل :

الجامع الكافي ، لثقة الإسلام الكليني ، المتوفى سنة ٣٢٨ ه ، على أحد قولي شيخ الطائفة الطوسي ـ قدس‌سره القدوسي ـ أو سنة ٣٢٩ ه ، على ما قاله النجاشي ـ رحمة الله عليه ـ.

والبيان والتبيين ، لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ، المتوفى سنة ٢٥٥ ه.

والكامل ، لأبي العباس محمد بن يزيد ، المعروف بالمبرد ، المتوفى سنة ٢٨٥ ه.

والكتاب المعروف بتاريخ اليعقوبي ، لأحمد بن أبي يعقوب الكاتب ، المتوفى سنة

١٢

٢٤٦ ه كما في الكنى والألقاب للمحدث القمي ، أو حدود سنة ٢٩٢ ه على قول آخر.

وتاريخ الأمم والملوك ، المعروف بتاريخ الطبري ، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري الآملي ، المتوفى سنة ٣١٠ ه.

وكتاب صفين ، للشيخ الأقدم أبي الفضل نصر بن مزاحم المنقري التميمي الكوفي ، من جملة الرواة المتقدمين ، بل هو في درجة التابعين ، كان من معاصري الإمام محمد بن علي بن الحسين عليهم‌السلام ، باقر العلوم ، وكأنه كان من رجاله عليه‌السلام ، وأدرك الإمام علي بن موسى الرضا عليهما‌السلام كما في «الخرائج» للراوندي رحمه‌الله تعالى ، وكانت وفاة نصر سنة ٢١٢ ه.

وكتب الشيخ الأجل المفيد ـ رضوان الله عليه ـ المتوفى ٤١٣ ه ، لا سيما ما نقل في كتبه بإسناده عن المؤرخ المشهور محمد بن عمر بن واقد الواقدي المدني ، المتوفى سنة ٢٠٧ ه.

وكتاب الإمامة والسياسة ، المعروف بتاريخ الخلفاء ، من مؤلفات عبد الله بن مسلم ابن قتيبة الدينوري ، المتوفى سنة ٢٧٦ ه.

ومروج الذهب ومعادن الجوهر في التاريخ ، لأبي الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي ، المتوفى سنة ٣٤٦ ه.

وكتب أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي ، المشتهر بالشيخ الصدوق ـ رضوان الله تعالى عليه ـ ، المتوفى سنة ٣٨١ ه.

وكتاب الغارات ، لأبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن سعيد الثقفي الكوفي الأصبهاني ، المتوفى سنة ٢٨٣ ه.

وغيرها من الكتب الأصيلة المعتمد عليها للعلماء الأقدمين الذين كانوا قبل الرضي جامع النهج ببضع سنين إلى فوق مائتين ، وهو رضوان الله عليه توفي سنة ٤٠٦ ه من هجرة خاتم النبيين.

وما هذه المصادر إلا أنموذج لكثير مما يمكن أن يندرج معها.

وإنما حدانا على ذلك طعن بعض المعاندين من السابقين واللاحقين بل المعاصرين على النهج بأنه ليس من كلام أمير المؤمنين عليه‌السلام بل هو مما وضعه الرضي أو أخوه المرتضى فنبه إليه!

وقد نقل القاضي نور الله الشهيد ـ رحمه‌الله تعالى ـ في «مجالس المؤمنين» ـ عند ترجمة

١٣

الشريف المرتضى علم الهدى أخي الرضي جامع النهج ـ من تاريخ اليافعي ما نصه : «وقد اختلف الناس في كتاب نهج البلاغة المجموع من كلام علي بن أبي طالب عليه‌السلام ، هل هو جمعه ، أو أخوه الرضي؟ وقد قيل إنه ليس من كلام علي بن أبي طالب ، وإنما أحدهما هو الذي وضعه ونسبه إليه».

أقول : الظاهر أن اليافعي أخذ هذا الطعن من القاضي ابن خلكان في «وفيات الأعيان» ونقله بألفاظه في تاريخه والقائل واحد ، وقد قاله القاضي عند ترجمة علم الهدى ، واليافعي توفي سنة ٧٦٧ ه ، وابن خلكان توفي سنة ٦٨١ ه ، إلا أن ابن خلكان قال ـ بعد قوله في اختلاف الناس أنه ليس من كلامه ـ : وإنما الذي جمعه ونسبه إليه هو الذي وضعه.

أقول : والفرق بينهما أن الواضع على عبارة اليافعي هو علم الهدى أو أخوه الرضي ، وأما على ما في الوفيات فيمكن أن يكون غيرهما.

ثم إن تلك الشبهة الواهية ليست بتلك المثابة التي قال فيها اليافعي : «وقد اختلف الناس» ، بل تفوه بها معاند هتاك لم يتفحص في الجوامع الروائية والصحف العتيقة ، ولم يكن عارفا بأنحاء الكلام ... وإلا فكيف يجترئ العالم الخبير المتتبع الباحث عن فنون الكلام أن ينحل الكلام الذي هو دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق إلى من نسبة منشآته وأشعاره وسائر كلماته إلى ما أفاضه أمير المؤمنين عليه‌السلام كنسبة السها إلى البيضاء!؟

وقد كلت الألسن أن تتمجمج بإتيان خطبة من خطب النهج لفظا أو معنى ، والخطباء الذين يشار إليهم بالبنان ، وتثنى عليهم الخناصر في المحاضر ، كلهم عياله عليه‌السلام ، ومن الآخذين عنه.

وقد تحيرت دون كتبه ورسائله وخطبه وحكمه العقول ، وخضعت لها أفكار الفحول ، لاشتمالها على اللطائف الحكمية ، والحقائق العقلية ، والمسائل الإلهية في توحيد الله التي لا يصل إلى شاهق معرفتها إلا كلام الوصي ، «سبحان الله عما يصفون إلا عباد الله المخلصين» (١).

وهذا عبد الحميد الذي قال فيه ابن خلكان في وفيات الأعيان : «أبو غالب

__________________

(١) الصافات : ١٦٠.

١٤

عبد الحميد بن يحيى بن سعيد ـ الكاتب البليغ المشهور ـ كان كاتب مروان بن الحكم الأموي آخر ملوك بني أمية ، وبه يضرب المثل في البلاغة حتى قيل : فتحت الرسائل بعبد الحميد وختمت بابن العميد. وكان في الكتابة وفي كل فن من العلم والأدب إماما ، وعنه أخذ المترسلون ولطريقته لزموا ولآثاره اقتفوا. وهو الذي سهل سبيل البلاغة في الترسل. ومجموع رسائله مقدار ألف ورقة. وهو أول من أطال الرسائل ، واستعمل التحميدات في فصول الكتاب ، فاستعمل الكتاب ذلك بعده ، قال : (حفظت سبعين خطبة من خطب الأصلع ففاضت ثم فاضت) ويعني بالأصلع أمير المؤمنين عليا عليه‌السلام».

وهذا ابن نباتة منشئ الخطبة المنامية ، الذي قال فيه ابن خلكان أيضا في الوفيات : «أبو يحيى عبد الرحيم بن محمد بن إسماعيل بن نباتة صاحب الخطب المشهورة كان إماما في علوم الأدب ، ورزق السعادة في خطبه التي وقع الإجماع على أنه ما عمل مثلها. وفيها دلالة على غزارة علمه وجودة قريحته ، قال : (حفظت من الخطابة كنزا لا يزيده الإنفاق إلا سعة وكثرة ، حفظت مائة فصل من مواعظ علي بن أبي طالب) وتوفي ابن نباتة سنة ٣٩٤ ه. وهو من أساتذة الشريف الرضي».

وهذا أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الكناني الليثي البصري ، المعروف بالجاحظ ، العالم المشهور ، صاحب التصانيف في كل فن ، كما وصفه بذلك ابن خلكان في الوفيات أيضا وقد تقدم ذكره. ومن تصانيفه كتاب «البيان والتبيين» وهذا الكتاب هو أحد الكتب الأربعة التي هي أئمة الكتب الأدبية ، والثلاثة الأخرى هي الأمالي للقالي ، وأدب الكاتب لابن قتيبة الدينوري ، والكامل للمبرد. ومن كلامه في البيان والتبيين ما هذا لفظه : «قال علي رحمه‌الله : (قيمة كل امرئ ما يحسن) فلو لم نقف من هذا الكتاب إلا على هذه الكلمة لوجدناها شافية كافية ، ومجزئة مغنية ، بل لوجدناها فاضلة عن الكفاية ، وغير مقصرة عن الغاية. وأحسن الكلام ما كان قليله يغنيك عن كثيره ، ومعناه في ظاهر لفظه. وكان الله عزوجل قد ألبسه من الجلالة وغشاه من نور الحكمة على حسب نية صاحبه وتقوى قائله» (٢).

ومن تصانيف الجاحظ رسالة حافلة اشتملت على مائة كلمة من كلمات

__________________

(٢) البيان والتبيين ١ : ٨٣ ، طبعة مصر.

١٥

أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وقد شرحها بالفارسية الرشيد الوطواط وسماها «مطلوب كل طالب من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب». وقال الجاحظ في وصفها ـ ونعم ما قال ـ : «كل كلمة منها تفي بألف من محاسن كلام العرب».

وهذا أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي ، المتوفى سنة ٣٤٦ ه ، وتاريخ وفاته سابق لولادة الشريف الرضي بزهاء ثلاث عشرة سنة ، لأن ولادة الرضي كانت سنة ٣٥٩ ه ، قد نص في «مروج الذهب» بما هذا لفظه فيه : «والذي حفظ الناس عنه عليه‌السلام ـ يعني به أمير المؤمنين عليا ـ من خطبه في سائر مقاماته أربعمائة خطبة ونيف وثمانون خطبة يوردها على البديهة وتداول الناس ذلك عنه قولا وعملا» (٢).

والعجب أن الشريف الرضي مع قرب عهده من المسعودي أتى في النهج ـ من خطبه عليه‌السلام ـ بما يبلغ نصف العدد الذي نص عليه صاحب المروج أو أقل منه.

ونحو الطعن المومى إليه ما افتراه بعض المخالفين على الرضي من أن الخطبة الشقشقية ـ وهي الخطبة الثالثة من النهج ، وقد رواها الفريقان بطرق عديدة ـ من مجعولات الرضي وموضوعات ، نسبها إلى علي وأدرجها في أثناء خطب النهج.

وأنا أقول ، ما جرى بين مصدق بن شبيب وشيخه ابن الخشاب ـ فيها ـ معروف مشهور ، قد نقله الشارحان ، ابن أبي الحديد ، والبحراني ، فالأول في آخر شرحه عليها ، والآخر في أوله. وقد أتى بها ابن أبي جمهور الأحسائي في «المجلى» أيضا (٤). وهي ـ كما قلنا ـ قد رويت بطرق كثيرة روتها الخاصة والعامة (٥).

وأما ما في الوفيات وتاريخ اليافعي من أن الناس قد اختلفوا في النهج هل المرتضى جمعه أو الرضي؟ فيدفعه يما قاله جامع النهج في مقدمته له : «فإني كنت في عنفوان السن وغضاضة الغصن ابتدأت بتأليف كتاب في خصائص الأئمة عليهم‌السلام يشتمل على محاسن أخبارهم وجواهر كلامهم ...».

وكذا قال في آخر الخطبة ٢١ من النهج ما هذا لفظه : «وقد نبهنا في كتاب الخصائص على عظم قدرها وشرف جوهرها» ، ولا كلام في أن خصائص الأئمة من

__________________

(٣) مروج الذهب ٢ : ٤٣١ ، طبعة مصر.

(٤) المجلى : ٣٩٣ ، الطبعة الأولى.

(٥) أنظر بحار الأنوار ٨ : ١٦٠ ، الطبعة الأولى.

١٦

كتب الرضي رحمه‌الله (٦).

أقول : نسخة من خصائص الأئمة للرضي موجودة في المكتبة الرضائية في رامپور تاريخ كتابتها القرن السادس من الهجرة.

على أن ثقات المحدثين وكبار المؤرخين ـ من الفريقين ـ قد أطبقوا قاطبة على أن النهج مما جمعه الشريف الرضي من كلمات أمير المؤمنين علي عليه الصلاة والسلام ، وارتياب من لا خبرة له فيه أمر لا يعبأ به.

ثم إن سلسلة أسانيد مشايخ الإجازة والاستجازة في نهج البلاغة ، وانتهاؤها إلى الرضي ، بلغت من الكثرة إلى حد التواتر الذي لا يشوبه في ذلك ريب ، ولا يعتريه عيب ، ونحن نكتفي في المقام بما في نسخة كريمة عتيقة من النهج عورضت بنسخة الرضي وقد تضمنت فوائد تامة هي حجة قاطعة لأهل اللجاج والعناد ، والنسخة لها شأن من الشأن وهي من جملة كتب مكتبة الحبر الكريم السيد مهدي الحسيني اللاجوردي ـ مد ظله العالي ـ في دار العلم مدينة قم. وقد أنعم لنا وتفضل علينا من سجيته السخية بالاطلاع عليها وأتم إحسانه بإعطائها إيانا على سبيل الأمانة برهة من الزمان. ولما رأينا نفاستها وقداستها عزمنا بعون الله تعالى على مقابلة نسخة عتيقة من نسخ النهج التي في تملكنا بها حرفا بحرف وأضفنا إليها ما حازت النسخة الأولى من تلك الفوائد الرائقة. فقد برزت أيضا بحمد الله سبحانه وحسن توفيقه نسخة موثوقا بها ومعتمدا عليها. وقد فرغنا من مقابلتها بها ليلة الاثنين لأربع خلون من ذي الحجة من سنة خمس وثمانين وثلاثمائة بعد الألف من هجرة خاتم النبيين صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في دار العلم قم. وإليك أهم تلك الفوائد وغررها :

آ ـ في نسخة الرضي بعد كلام أمير المؤمنين عليه‌السلام : «إذا احتشم المؤمن أخاه فقد فارقه» ، وهذا الكلام هو آخر ما في النهج ، وقد جاءت عبارة الرضي هكذا : «وهذا حين انتهاء الغاية بنا إلى قطع المختار (المنتزع ـ خ ل) من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه حامدين الله (لله ـ معا) سبحانه على ما من به من توفيقنا لضم ما انتشر من أطرافه ، وتقريب ما بعد من أقطاره ، ومقررين العزم كما شرطنا أولا على تفضيل أوراق من البياض في آخر كل باب من الأبواب لتكون لاقتناص

__________________

(٦) أنظر بحار الأنوار ٩ : ٥٦٦ ، الطبعة الأولى.

١٧

الشارد واستلحاق الوارد ما عساه أن يظهر لنا بعد الغموض ، ويقع إلينا بعد الشذوذ وما توفيقنا إلا بالله عليه وتوكلنا وهو حسبنا ونعم الوكيل ، (نعم المولى ونعم النصير ـ نسخة) وذلك في رجب من سنة أربعمائة والحمد لله وصلواته على سيدنا محمد وآله أجمعين».

أقول : بعض نسخ النهج عارية من هذه العبارة الشارقة المفيدة جدا ، وألحق إلحاقها به وجعلها من تتمة كلام الرضي في بيان ما عمل من نضد المنتزع من كلام مولانا أمير المؤمنين عليه‌السلام كما في هذه النسخة وفي نسخ أخرى.

ب ـ آخر النسخة كان مزدانا بهذه العبارة : «في آخر المنتسخ منه المنقول عنه :

«فرغت من قراءته على مولاي وسيدي الإمام الكبير العالم النحرير زين الدين جمال الإسلام فريد العصر محم بن أبي نصر ـ أدام الله ضله ، وكثر في أهل الإسلام والفضل مثله ـ في شهر ربيع الأول من شهور سنة سبع وثمانين وخمسمائة هجرية. وبعد القراءة عرضت هذه النسخة على نسخته المقروءة على السيد الكبر العلامة ضياء الدين علم الهدى ـ قدس الله روحه ونور ضريحه ـ ، ونقلت إليها ما وجدته فيها من النكت الغريبة والنتف العجيبة وصححتها غاية التصحيح فصحت إلا ما زل عن النظر أو تهارب عن إدراك البصر ، ولله الحمد والمنة ، وهو حسبي ونعم الحسيب».

ج ـ وفيها :

«بلغت المقابلة بنسخة السيد الإمام رضي‌الله‌عنه والحمد لله على ذلك ، وصلواته على سيدنا محمد وآله الطاهرين.

أقول : يعني بالسيد الإمام السيد ضياء الدين علم الهدى المنوه بذكره آنفا وآتيا.

د ـ وفيها :

«كل ما هو بالحمرة على حواشي هذا الكتاب وفي متنه فهو نسخة السيد الرضي رضي‌الله‌عنه وأرضاه وجعل الجنة منقلبه ومثواه.

وبحمد الله وحسن توفيقه وجزيل نعمائه وشمول عواطفه نقلت ما في المنتسخ منه من الحواشي في نسختي هذه على الهيئة التي كانت فيه سواد أو حمرة بعد ما كتبت أصلها منه مراعيا لما كتب فيه بالحمرة كذلك متنا إلا خمسة كراريس أشرت إليها في آخر كل كراس لما عرضتها عليها كما راعيته حاشية. وبذلت جهدي في مطابقة نسختي لتلك النسخة متنا وحاشية في أثناء كتابتي وأنا أقل الأقلين ابن باباجان الشيرازي غفر الله له ولوالديه بعلي وحسنيه عليهم‌السلام. ثم عرضت نسختي هذه متنا عليها وقد كتب في آخر

١٨

كل كراس عورض وصحح وقرئ بالحمرة والسواد كما كتبته هنا إشارة إلى أنها عرضت ... السيد بعد تصحيحها بنسخة غيره وق ... نسختي عليها في مجالس ... والحمد لله ا ... ظ ...» إنتهى.

أقول : مواضع البياض قد خرمت وميت كتابتها.

ه ـ ثم قال الناسخ المذكور ـ ابن بابا جان الشيرازي ـ ما هذا لفظه : صورة ما في المنتسخ كتبت أمامه قبل الشروع إلى أصله ، أحببت إيرادها ونقلها ليعرف الناظر البصير قدر نسختي التي نقلتها منه وهو حسبي ونعم الوكيل وهي هذه :

قرأ وسمع علي كتاب نهج البلاغة الأجل الإمام العالم الوالد الأخص الأفضل جمال الدين زين الإسلام شرف الأئمة علي بن محمد بن الحسين المتطبب ـ أدام الله جماله وبلغه في الدارين آماله ـ قراءة وسماعا يقتضيهما فضله. وأجزت له أن يرويه عني عن المولى السعيد والدي سقاه الله صوب الرضوان عن أبي معبد الحسني عن الإمام أبي جعفر الطوسي عن السيد الرضي رضي‌الله‌عنه.

ورويته له عن الشيخ الإمام عبد الرحيم بن الأخوة البغدادي عن الشيخ أبي الفضل محمد بن يحيى الناتلي عن أبي نصر عبد الكريم بن محمد سبط بشر الديباجي عن السيد الرضي رضي‌الله‌عنه.

وروى لي السيد الإمام ضياء الدين علم الهدى سقى الله ثراه عن الشيخ مكي بن أحمد المخلطي عن أبي الفضل الناتي (كذا ـ الناتلي ظ ـ كما تقدم في السند المقدم) عن أبي نصر عن الرضي رحمهم‌الله.

ورواه لي أبي ـ قدس الله روحه ـ عن الشيخ الإمام أبي جعفر محمد بن علي بن الحسن المقري النيسابوري عن الحسن بن يعقوب الأديب عمن سمعه من الرضي رضي الله عنه. كتبه علي بن فضل الله الحسني حامدا مصليا في رجب سنة تسع وثمانين وخمسمائة.

وفيها : قرأ علي الولد الأعز الأنجب جمال الدين أبو نصر علي بن محمد بن الحسين المتطبب ـ أبقاه الله طويلا وآتاه من فضله جزيلا ـ كتاب نهج البلاغة نسخته هذه من أولها إلى آخرها وأجزت له روايته عني عن السيد الإمام العالم العارف ضياء الدين تاج الإسلام علم الهدى أبي الرضا فضل الله بن علي بن عبد الله الحسني الراوندي ـ بوأه الله في جواره جنانه ، وثقل بالحسنات ميزانه ـ قراءة عليه عن ابن معبد عن أبي جعفر محمد ابن الحسن بن علي الطوسي عن الرضي الموسوي رضي‌الله‌عنه ، وعني عن الأستاذ

١٩

السعيد أمين الدين أبي القاسم المرزبان بن الحسين المدعو ابن كميح ، وعن خال أبوي الأديب أبي الحسن محمد بن الأديب أبي محمد الحسن بن إبراهيم عن الشيخ جعفر الدوريستي عن الرضي رضي‌الله‌عنه وعنهم وعنا جميعا. وكتب محمد بن أبي نصر بن محمد بن علي سلخ شهر الله المرجب رجب سنة سبع وثمانين وخمسمائة هجرية نبوية حامدا ومصليا ومسلما على نبيه محمد وعترته أجمعين.

وفيها : يقول العبد الضعيف أبو نصر علي بن أبي سعد بن الحسن بن أبي سعد الطبيب أسعده الله في الدارين بحق النبي سيد الثقلين عليه وعلى أهل بيته أفضل الصلوات وأمثل التحيات ، أجاز لي السيد الإمام الكبير ضياء الدين علم الهدى ـ رحمه‌الله ـ كتاب نهج البلاغة للسيد الإمام الرضي ذي الحسبين أبي الحسن محمد بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي ابن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه‌السلام عن السيد المرتضى بن الداعي الحسيني عن الشيخ أبي عبد الله جعفر بن محمد الدوريستي عنه رضي‌الله‌عنه. و «الغريبين» عن الشيخ زاهر بن طاهر النيسابوري المستملي عن أبي عثمان الصابوني عن أبي عبيد الهروي المؤدب مصنفه ـ رحمه‌الله ـ.

و «غرر الفوائد ودرر القلائد» عن السيد حمزة بن أبي الأغر نقيب مشهد الحسين صلوات الله عليه عن ابن قدامة عن علم الهدى رضي‌الله‌عنه.

و «غريب الحديث» لأبي عبيد القاسم بن سلام البغدادي عن أبي علي الحسن بن أحمد بن الحسن الحداد عن أبي نعيم الحافظ عن سليمان الطبراني الشامي عن علي بن عبد العزيز البغوي عن أبي عبيد رحمهم‌الله. وكذلك أجاز لي رواية جميع ما له روايته من منقول أو معقول (أو مقول ـ أصل). وكتب في رجب سنة سبع وثمانين وخمسمائة هجرية محمدية حامدا لله تعالى مصليا على سيدنا محمد وآله الطاهرين وهو حسبي ونعم الحسيب.

وفيها : لكاتبها العبد الضعيف الراجي عفو ربه الخائف من عظيم ذنبه أبي نصر علي ابن أبي سعد الطبيب أسعده الله في الدارين :

نهج البلاغة مشرع الفصحاء

ومعشش البلغاء والعلماء

درج عقود رقاب أرباب التقى

في درجه من غير ما استثناء

في طيه كل العلوم كأنه

الجفر المشار إليه في الأنباء

من كان يسلك نهجه متشمرا

أمن العثار وفاز بالعلياء

٢٠