شرح الحلقة الثّالثة

الشيخ حسن محمّد فيّاض حسين العاملي

شرح الحلقة الثّالثة

المؤلف:

الشيخ حسن محمّد فيّاض حسين العاملي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: شركة دار المصطفى (ص) لإحياء التراث
الطبعة: ١
الصفحات: ٤١٣

فهنا يجري استصحاب الكلّي لإثبات موضوع الأثر وهو صرف الوجود ؛ لتماميّة أركان الاستصحاب فيه من اليقين بالحدوث والشكّ في البقاء والأثر الشرعي.

ولا يجري استصحاب عدم الفرد الطويل في نفسه ؛ لأنّ الأثر الشرعي ليس مترتّبا على هذه الحصّة بالخصوص ليكون استصحاب عدمها منقّحا لعدم موضوع الأثر ، بل الأثر مترتّب على صرف الوجود وهو غير هذه الحصّة أو تلك.

ولا يمكن أيضا نفي موضوع الأثر بضمّ استصحاب عدم الفرد الطويل إلى عدم الفرد القصير الثابت بالوجدان ؛ لأنّ انتفاء صرف الوجود بانتفاء كلا الفردين لازم عقلي وليس لازما شرعيّا ، فيكون انتفاؤه من الأصل المثبت وهو ليس حجّة.

وأمّا النحو الثاني : وهو ما إذا كان الأثر مترتّبا على الكلّي بنحو مطلق الوجود ، فهنا لا يجري استصحاب الكلّي لعدم تماميّة أركانه ؛ وذلك لأنّ موضوع الأثر الشرعي هو الكلّي الموجود في هذه الحصّة أو تلك ، لا الكلّي بنحو صرف الوجود ، وهذا يعني أنّ الحصّة هي موضوع الأثر ، والمفروض أنّ الحصّة ضمن الفرد القصير يعلم بارتفاعها وجدانا ، والحصّة ضمن الفرد الطويل يعلم بارتفاعها تعبّدا بالتعبّد الاستصحابي.

ولذلك يكون استصحاب عدم الفرد الطويل منقّحا لنفي موضوع الأثر بعد ضمّ الوجدان إليه ؛ لأنّه إذا لفّقنا بينهما سوف ينتفي وجود الكلّي بنحو مطلق الوجود في هذه الحصّة وتلك ، وبالتالي ينتفي الأثر الشرعي لانتفاء موضوعه.

وأمّا استصحاب الكلّي بنحو صرف الوجود فهو لا ينقّح موضوع الأثر ، إذ لا يثبت الكلّي لا ضمن هذه الحصّة ولا ضمن تلك.

وبهذا يظهر : أنّنا إذا لاحظنا الكلّي بنحو صرف الوجود جرى استصحاب الكلّي وترتّب عليه الأثر ، وإذا لاحظناه بنحو مطلق الوجود جرى استصحاب عدم الفرد الطويل لنفي موضوع الأثر بعد ضمّ الوجدان إليه.

وبذلك يتّضح أنّه لا وجه للمعارضة أو لحكومة أحد الاستصحابين على الآخر ؛ لأنّهما لن يجتمعا معا في مورد واحد.

وأمّا الحالة الثانية من القسم الثاني فهي : أن يكون الشكّ في حدوث الفرد المسبّب للشكّ في بقاء الكلّي شكّا بدويّا.

٣٦١

ومثاله : أن يعلم بوجود الكلّي ضمن فرد ويعلم بارتفاعه تفصيلا ، ويشكّ في انحفاظ وجود الكلّي في ضمن فرد آخر يحتمل حدوثه حين ارتفاع الفرد الأوّل أو قبل ذلك ، ويسمّى هذا في كلماتهم بالقسم الثالث من استصحاب الكلّي ، وقد يتخيّل جريانه على أساس تواجد أركانه في العنوان الكلّي ، وإن لم تكن متواجدة في كلّ من الفردين بالخصوص.

الحالة الثانية : أن يكون الشكّ في بقاء الكلّي مسبّبا عن الشكّ في حدوث الفرد ، ولكنّ الشكّ في حدوث الفرد ليس شكّا مقرونا بالعلم الإجمالي ، بل شكّ بدوي بالحدوث.

مثاله : أن يعلم بدخول زيد إلى المسجد فيعلم بدخول كلّي الإنسان ، ثمّ يعلم بخروج زيد من المسجد ، ولكن يشكّ في ارتفاع كلّي الإنسان وبقائه من أجل الشكّ في أنّ عمرا هل دخل المسجد أيضا مع زيد أو قبله أو لم يدخل المسجد أصلا؟ فيشكّ في بقاء الكلّي ضمن فرد آخر غير الفرد الذي علم حدوثه ضمنه.

وهذا الشكّ في البقاء مسبّب عن الشكّ البدوي في الفرد ؛ إذ لا علم تفصيلا ولا إجمالا بدخول عمرو أيضا إلى المسجد.

وهذا القسم يسمّى في كلمات الأصوليّين بالقسم الثالث من استصحاب الكلّي.

وقد يقال : إنّ استصحاب الكلّي في هذا القسم يجري لتماميّة أركانه بلحاظ الكلّي ، إذ هو معلوم الحدوث ومشكوك البقاء فيستصحب ، نعم بلحاظ الفرد لا يجري الاستصحاب ؛ لأنّه بلحاظ الفرد الأوّل لا شكّ في البقاء للعلم بارتفاعه ، وبلحاظ الفرد الثاني لا يقين بالحدوث إذ هو مشكوك الحدوث ابتداء.

وهذا القول إنّما يتصوّر بناء على كون الكلّي له وجود مستقلّ عن الأفراد كما هي مقالة الرجل الهمداني ، ولذلك عبّر السيّد الشهيد عنه بالتخيّل.

ولكن يندفع هذا التخيّل بأنّ العنوان الكلّي وإن كان هو مصبّ الاستصحاب ولكن بما هو مرآة للواقع ، فلا بدّ أن يكون متيقّن الحدوث مشكوك البقاء بما هو فان في واقعه ومرآة للوجود الخارجي.

ومن الواضح أنّه بما هو كذلك ليس جامعا للأركان ، إذ ليس هناك واقع خارجي يمكن أن نشير إليه بهذا العنوان الكلّي ونقول بأنّه متيقّن الحدوث مشكوك

٣٦٢

البقاء لنستصحبه بتوسّط العنوان الحاكي عنه وبمقدار حكايته ، خلافا للحالة السابقة التي كانت تشتمل على واقع من هذا القبيل.

والصحيح : عدم جريان الاستصحاب حتّى على ما اخترناه في حقيقة الكلّي من كونه العنوان الحاكي عن الواقع ، فضلا عن كون الكلّي هو الحصّة.

والوجه في ذلك : أنّنا إذا قلنا : إنّ الكلّي عبارة عن الحصّة فالحصّة التي يعلم بحدوث الكلّي فيها يعلم بارتفاعها ، والحصّة التي يشكّ في بقاء الكلّي فيها مشكوكة الحدوث ، فلم تتمّ أركان الاستصحاب لا في هذه الحصّة ولا في تلك.

وأمّا على ما ذكرناه من كون الكلّي هو العنوان الحاكي إجمالا عن الواقع ، فالاستصحاب إنّما يجري فيه بقدر حكاية هذا العنوان عن الواقع ، إذ من الواضح أنّ الاستصحاب لا يجري بلحاظ العنوان بما هو أمر ذهني كما تقدّم سابقا.

وعليه فالعنوان الكلّي يحكي حدوثا عن الفرد الذي علم تفصيلا بارتفاعه ، وهذا يعني أنّ حكايته بلحاظ الحدوث لا شكّ في بقائها ؛ لأنّه يعلم بارتفاعها ، وأمّا حكايته عن الفرد المشكوك حدوثه فهي غير معلومة الحدوث ؛ لأنّ هذا الفرد لا يقين بحدوثه.

ولذلك فلا يصدق على المقام أنّه يوجد حكاية معلومة الحدوث ومشكوكة البقاء ليجري استصحابها.

وبتعبير آخر : إنّ العنوان الكلّي الذي يكون مجرى للاستصحاب هو العنوان الحاكي عن الخارج ، فلا بدّ أن تكون الحكاية متيقّنة الحدوث ومشكوكة البقاء لكي تستصحب ، وهنا الحكاية بمقدار الحدوث وإن كانت معلومة إلا أنّها معلومة الارتفاع أيضا ؛ لأنّ الفرد الذي علم بحدوثه علم بارتفاعه أيضا ، فلم يبق إلا الفرد الآخر والحكاية عنه مشكوكة الحدوث ابتداء ، فلم يصدق أنّه يوجد عنوان متيقّن الحدوث مشكوك البقاء.

وهذا خلافا للحالة السابقة فإنّه كان يصدق لدينا وجود عنوان متيقّن الحدوث ومشكوك البقاء ، إذ لا علم بارتفاع الفرد الذي كان حادثا تفصيلا ؛ لأنّه لا يعلم أيّ الفردين هو الحادث ، ولذلك يعلم بأصل الحدوث إجمالا ضمن أحد الفردين ، ويشكّ في ارتفاعه عند ارتفاع أحد الفردين وبقاء الآخر ، فيستصحب لتماميّة أركان الاستصحاب بلحاظ العنوان الكلّي دون الفرد ، كما تقدّم.

* * *

٣٦٣
٣٦٤

الاستصحاب

في الموضوعات المركّبة

٣٦٥
٣٦٦

٤ ـ الاستصحاب في الموضوعات المركّبة

إذا كان الموضوع للحكم الشرعي بسيطا وتمّت فيه أركان الاستصحاب جرى استصحابه بلا إشكال. وأمّا إذا كان الموضوع مركّبا من عناصر متعدّدة ، فتارة نفترض أنّ هذه العناصر لوحظت بنحو التقيّد أو انتزع منها عنوان بسيط وجعل موضوعا للحكم كعنوان ( المجموع ) أو ( اقتران هذا بذاك ) ، ونحو ذلك.

وأخرى نفترض أنّ هذه العناصر بذواتها أخذت موضوعا للحكم الشرعي بدون أن يدخل في الموضوع أيّ عنوان من ذلك القبيل.

تارة يكون الموضوع بسيطا أي ليس أمرا مركّبا من أجزاء كالعدالة مثلا ، وأخرى يكون الموضوع مركّبا من أجزاء كطهارة الماء ونجاسته والصلاة ، ونحو ذلك.

فإن كان الموضوع بسيطا جرى الاستصحاب لتماميّة أركانه ، فعدالة زيد إن كانت متيقّنة الثبوت وشكّ في بقائها جرى استصحابها ، وإن كانت متيقّنة الارتفاع وشكّ في حدوثها جرى استصحاب عدمها. وهذا المقدار ممّا لا إشكال فيه أصوليّا.

وإن كان الموضوع مركّبا من أجزاء وعناصر متعدّدة ومتغايرة كطهارة الماء ونجاسته ، فإنّ موضوع الحكم بالنجاسة مركّب من جزءين الماء والملاقاة ، وكذا الحكم بالانفعال للماء القليل فإنّه مركّب من الملاقاة والرطوبة ، وهكذا.

فهنا توجد حالتان :

الأولى : أن تكون هذه العناصر والأجزاء لوحظت بنحو التقيّد والاتّصاف ، أي تقيّد هذا الجزء بذاك ، أو انتزع منها عنوان بسيط وجعل موضوعا للحكم كعنوان اقتران هذا بذاك ، أو عنوان مجموع الجزءين أو الأجزاء ، والتي هي نسبة منتزعة من ضمّ هذا الجزء إلى ذاك أو انضمامه إليه.

كأن يقال مثلا : إنّ ملاقاة الماء للرطب النجس توجب الانفعال.

٣٦٧

الثانية : أن تكون هذه العناصر والأجزاء لوحظت بذواتها أي بما هي في نفسها من دون ملاحظة اتّصافها بالجزء الآخر أو اقترانها به ، وإنّما كان وجود هذا الجزء بذاته ووجود ذاك الجزء الآخر بذاته في زمان واحد تمام الموضوع للحكم الشرعي ، كأن يقال : إن وجد ماء قليل وكانت الملاقاة مع النجس متحقّقة أيضا في نفس الزمان فيحكم بالانفعال.

والحاصل : أنّ تركّب الموضوع على نحوين :

١ ـ أن تلحظ الأجزاء بما هي مقترنة ومتّصفة ومقيّدة بعضها بالبعض الآخر.

٢ ـ أن تلحظ الأجزاء بما هي في نفسها من دون ملاحظة اتّصافها واقترانها بالأجزاء الأخرى.

ففي الحالة الأولى لا مجال لإجراء الاستصحاب في ذوات الأجزاء ؛ لأنّه إن أريد به إثبات الحكم مباشرة فهو متعذّر ؛ لترتّبه على العنوان البسيط المتحصّل ، وإن أريد به إثبات الحكم بإثبات ذلك العنوان المتحصّل فهو غير ممكن ؛ لأنّ عنوان الاجتماع والاقتران ونحوه لازم عقلي لثبوت ذوات الأجزاء فلا يثبت باستصحابها.

فالاستصحاب في هذه الحالة يجري في نفس العنوان البسيط المتحصّل ، فمتى شكّ في حصوله جرى استصحاب عدمه حتّى ولو كان أحد الجزءين محرزا وجدانا ، والآخر معلوم الثبوت سابقا ومشكوك البقاء فعلا.

أمّا في الحالة الأولى : وهي حالة أخذ الاقتران أو التقيّد أو الاتّصاف بين الجزءين أو الأجزاء موضوعا للحكم ـ فهنا لا يجري استصحاب ذات الجزء ، والوجه في ذلك هو : أنّه إن أريد باستصحاب ذات الجزء إثبات الحكم الشرعي ابتداء ومباشرة من دون إثبات ذلك العنوان البسيط المنتزع والمتحصّل من مجموع الأجزاء والذي هو عنوان الاتصاف أو الاقتران أو التقيّد ، فهذا غير ممكن بحسب الفرض ؛ إذ المفروض أنّ الحكم مترتّب على العنوان البسيط المنتزع والمتحصّل لا على ذوات الأجزاء ، فاستصحاب الجزء بذاته لا يجري ؛ لأنّه لا يترتّب عليه أثر تنجيزي أو تعذيري.

وإن أريد بذلك إثبات ذاك العنوان البسيط المتحصّل الذي هو موضوع الحكم فهذا معقول في نفسه ، إلا أنّ ترتّب ذلك العنوان على استصحاب ذات الجزء لازم عقلي

٣٦٨

وليس لازما شرعيّا ، فيكون ثبوته على أساس الملازمة العقليّة من الأصل المثبت ، حيث إنّ انضمام هذا الجزء إلى ذاك ينتزع منه عقلا عنوان الاقتران والاتّصاف والتقيّد.

نعم ، يمكن جريان الاستصحاب بلحاظ نفس العنوان المتحصّل ، أي عنوان الاتّصاف والتقيّد بأحد نحوين :

الأوّل : أن يكون الاتّصاف والتقيّد ثابتا سابقا وشكّ في بقائه وارتفاعه فيستصحب بقاؤه.

الثاني : ألاّ يكون هذا العنوان ثابتا في السابق وشكّ في حصوله فيستصحب عدمه.

وبذلك ظهر أنّه لو كان أحد الجزءين ثابتا بالوجدان فلا يكفي ثبوت الجزء الآخر بالتعبّد الاستصحابي حتّى لو كانت أركانه فيه تامّة من اليقين بالحدوث سابقا والشكّ في البقاء لاحقا ؛ وذلك لأنّ الحكم ليس مترتّبا على نفس عنوان الجزءين بذاتيهما ، وإنّما مترتّب على عنوان الاتّصاف والاقتران والتقيّد المنتزع من ضمّ هذا إلى ذاك ، وهذا العنوان لازم عقلي لثبوت ذات الجزءين.

فمثلا إذا كان لدينا ماء قليل وشكّ في الملاقاة للنجس جرى استصحاب عدمها ، وكذا لو كان لدينا شيء ملاق للنجس وشكّ في كون الملاقاة مع الرطوبة جرى استصحاب عدمها ، وبالتالي لا يحكم بالانفعال والتنجّس ، وإنّما يحكم بالطهارة على أساس قاعدة الطهارة أو على أساس استصحاب الطهارة إن كانت متيقّنة سابقا.

وأمّا في الحالة الثانية فلا بأس بجريان الاستصحاب في الجزء ثبوتا أو عدما إذا تواجد فيه اليقين بالحالة السابقة والشكّ في بقائها.

وأمّا في الحالة الثانية : وهي حالة ما إذا كان الحكم مترتّبا على نفس عنوان الأجزاء ـ أي ذات الأجزاء ـ فهنا يجري الاستصحاب بأحد نحوين :

الأوّل : أن يكون أحد الجزءين معلوما وجدانا والجزء الآخر مشكوك ، ويفترض أنّ حالته السابقة هي عدم الثبوت ، فهنا يجري استصحاب عدم حصوله ، وبالتالي ينتفي الحكم لانتفاء موضوعه.

الثاني : أن يكون أحد الجزءين معلوما وجدانا والجزء الآخر مشكوك ، ولكن حالته السابقة هي الثبوت والشكّ في بقائه ، فهنا يجري استصحاب بقائه ، وبالتالي يثبت

٣٦٩

الحكم لثبوت موضوعه المركّب من جزءين ، حيث إنّ أحدهما ثابت بالوجدان والآخر ثابت بالتعبّد ، فبضمّ الوجدان إلى التعبّد يثبت الموضوع ويترتّب عليه حكمه ، حيث إنّ الحكم مترتّب على ذات الجزءين لا على ذاك العنوان المتحصّل منهما كعنوان الاتّصاف أو التقيّد أو الاقتران.

ومن هنا يعلم بأنّ الاستصحاب يجري في أجزاء الموضوع المركّب وعناصره بشرط ترتّب الحكم على ذوات الأجزاء أوّلا ، وتوفّر اليقين بالحدوث والشكّ في البقاء ثانيا.

وبهذا يعلم أنّ جريان الاستصحاب في الأجزاء بالنسبة للموضوع المركّب أو بالنسبة للعناصر التي تركّب منها الموضوع موقوف على تحقّق أمرين :

١ ـ أن يكون الحكم مترتّبا على ذوات الأجزاء لا على العنوان المنتزع منها.

٢ ـ أن يكون لهذا الجزء حالة سابقة متيقّنة ويشكّ في بقائها.

فإذا تحقّق هذان الأمران جرى الاستصحاب ، وتنقّح بذلك الموضوع للحكم نفيا أو إثباتا ، وإذا اختلّ أحدهما لم يجر الاستصحاب.

هذا على نحو الإجمال ، وأمّا تحقيق المسألة على وجه كامل فالبحث في ثلاث نقاط :

إحداهما : في أصل هذه الكبرى القائلة بجريان الاستصحاب في أجزاء الموضوع ضمن الشرطين.

والنقطة الثانية : في تحقيق صغرى الشرط الأوّل ، وأنّه متى يكون الحكم مترتّبا على ذوات الأجزاء؟

والنقطة الثالثة : في تحقيق صغرى الشرط الثاني ، وأنّه متى يكون الشكّ في البقاء محفوظا؟

وتحقيق الحال بالنسبة للحالة الثانية يقع ضمن ثلاث نقاط :

النقطة الأولى : في أصل الكبرى القائلة بأنّ الاستصحاب يجري في أجزاء الموضوع ضمن الشرطين السابقين ، أي :

١ ـ أن يكون الحكم مترتّبا على ذوات الأجزاء.

٢ ـ أن يكون للجزء المشكوك حالة سابقة متيقّنة ويشكّ في بقائها.

٣٧٠

والبحث هنا في أصل إثبات هذه الكبرى في مقابل إنكارها ، حيث توجد شبهة تعترض هذه الكبرى لا بدّ من حلّها أوّلا.

النقطة الثانية : في تحقيق حال صغرى الشرط الأوّل أي كون الموضوع هو ذوات الأجزاء ، فالبحث هنا يقع في إعطاء الضابطة الكلّيّة التي على أساسها نميّز كون الموضوع هو ذوات الأجزاء ، وهذا البحث صغروي.

النقطة الثالثة : في تحقيق حال صغرى الشرط الثاني ـ أي تماميّة أركان الاستصحاب من اليقين بالحدوث والشكّ في البقاء ـ حيث يقع البحث هنا حول انحفاظ الشكّ في البقاء وعدمه ، وهذا بحث صغروي أيضا.

أمّا النقطة الأولى : فالمعروف بين المحقّقين أنّه متى كان الموضوع مركّبا وافترضنا أنّ أحد جزأيه محرز

بالوجدان أو بتعبّد ما ، فبالإمكان إجراء الاستصحاب في الجزء الآخر ؛ لأنّه ينتهي إلى أثر عملي وهو تنجيز الحكم المترتّب على الموضوع المركّب.

أمّا النقطة الأولى : فالمعروف بين الأصوليّين جريان الاستصحاب هنا ، أي فيما إذا كان الموضوع مركّبا وكان الحكم منصبّا على ذوات الأجزاء ، فإذا افترضنا أنّ أحد جزأي الموضوع ثابت ومحرز إمّا وجدانا وإمّا بتعبّد ما جرى الاستصحاب في الجزء الآخر ؛ لتماميّة أركانه فيه من اليقين بالحدوث والشكّ في البقاء ، والانتهاء إلى أثر عملي وهو تنجيز الحكم الشرعي في المقام ، حيث إنّ المفروض أنّ الحكم مترتّب على الموضوع المركّب من ذوات الأجزاء.

فمثلا إذا أحرز كون الماء قليلا إمّا وجدانا بأن علمنا بذلك ، وإمّا تعبّدا بأن أخبر الثقة بذلك ، وشككنا في حصول الجزء الآخر كالملاقاة وكانت متيقّنة سابقا جرى استصحابها ، ويترتّب على ذلك تنجّز الحكم بالانفعال والنجاسة.

وقد يواجه ذلك باعتراض وهو : أنّ دليل الاستصحاب مفاده جعل الحكم المماثل للمستصحب ، والمستصحب هنا ـ وهو الجزء ـ ليس له حكم ليجعل في دليل الاستصحاب مماثله ، وما له حكم ـ وهو المركّب ـ ليس مصبّا للاستصحاب.

ويشكل على استصحاب الجزء ـ بناء على أنّ مفاد دليل الاستصحاب جعل الحكم المماثل للمستصحب ـ بأنّ المستصحب ـ وهو الجزء ـ لا يترتّب عليه حكم

٣٧١

لكي يجعل حكم مماثل له بدليل الاستصحاب ؛ لأنّ المفروض أنّ الحكم مترتّب على الموضوع المركّب من الجزءين لا على خصوص هذا الجزء أو ذاك ، وهذا يعني أنّ المستصحب ليس فيه أثر عملي فلا يجري استصحابه.

وما يترتّب عليه الحكم ـ وهو الموضوع المركّب ـ لم يجر استصحابه بحسب الفرض ؛ لأنّه غير متيقّن سابقا.

والحاصل : أنّ ما جرى استصحابه ليس له أثر عملي ، وما له أثر عملي لم يجر استصحابه.

وهذا الاعتراض يقوم على الأساس القائل بجعل الحكم المماثل للمستصحب في دليل الاستصحاب ، ولا موضع له على الأساس القائل بأنّه يكفي في تنجيز الحكم وصول كبراه ( الجعل ) وصغراه ( الموضوع ) كما عرفت سابقا ، إذ على هذا لا نحتاج في جعل استصحاب الجزء ذا أثر عمليّ إلى التعبّد بالحكم المماثل ، بل مجرّد وصول أحد الجزءين تعبّدا مع وصول الجزء الآخر بالوجدان كاف في تنجيز الحكم الواصلة كبراه ؛ لأنّ إحراز الموضوع بنفسه منجّز لا بما هو طريق إلى إثبات فعليّة الحكم المترتّب عليه ، وبهذا نجيب على الاعتراض المذكور.

والجواب : أنّ هذا الإشكال نشأ من المبنى القائل بأنّ المجعول في دليل الاستصحاب هو الحكم المماثل ، فإنّه على هذا المبنى لا بدّ أن يكون للمستصحب أثر عملي يترتّب عليه لكي يعقل جعل الحكم المماثل له بدليل الاستصحاب ، وحيث إنّ الجزء وحده لا يترتّب عليه أثر فالتعبّد الاستصحابي به غير ممكن ؛ إذ لا يمكن جعل حكم مماثل للحكم المجعول على هذا الجزء ؛ لأنّ المفروض أنّه لا يترتّب على هذا الجزء أيّ حكم ، وإنّما الحكم مترتّب على الموضوع المركّب من الجزءين.

إلا أنّ هذا المبنى غير صحيح ، بل الصحيح ما تقدّم من أنّ المجعول في دليل الاستصحاب هو التعبّد ببقاء اليقين بأحد المعاني الثلاثة المتقدّمة ، وعليه فيكفي الانتهاء إلى الأثر العملي التنجيزي أو التعذيري على المستصحب.

مضافا إلى أنّ التنجيز يكفي فيه وصول الكبرى والصغرى ، أي الجعل والموضوع.

وفي مقامنا الكبرى واصلة أي ( الجعل ) حيث نعلم بأنّ الماء القليل إذا لاقى النجاسة فإنّه ينفعل بملاقاتها ، يبقى وصول الصغرى أي ( الموضوع ) وهنا أحد جزأي

٣٧٢

الموضوع واصل إمّا وجدانا وإمّا تعبّدا ككون الماء قليلا إمّا بالعلم وإمّا بالأمارة ، والجزء الآخر ثابت ومحرز بالاستصحاب ، وبذلك يتحقّق وصول الموضوع ، والمفروض أنّ الجعل واصل فتتحقّق المنجّزيّة.

ولا نحتاج إلى أن يكون المستصحب ذا أثر عمليّ لكي يجعل حكم مماثل له.

وبهذا يظهر : أنّ وصول الموضوع كاف لحصول المنجّزيّة ، ولكن وصول الموضوع كذلك إنّما يثبت المنجّزيّة لأنّ الكبرى واصلة أيضا ، لا أنّ الموضوع نفسه هو الذي يثبت المنجّزيّة والفعليّة للحكم ، وإلا لكان الاستصحاب بالنسبة للجزء الآخر من الأصل المثبت ؛ لأنّ الفعليّة لا تترتّب على هذا الجزء بخصوصه ، بل بعد ضمّ الجزء الآخر إليه يحكم العقل بالفعليّة ، كما هو مسلك المحقّق النائيني.

وأمّا إذا أخذنا بفكرة جعل الحكم المماثل في دليل الاستصحاب فقد يصعب التخلّص الفنّي من الاعتراض المذكور ، وهناك ثلاثة أجوبة على هذا الأساس :

وأمّا إذا أخذنا بمسلك جعل الحكم المماثل ، فيشترط أن يكون المستصحب ذا أثر عمليّ يترتّب عليه لكي يؤدّي التعبّد الاستصحابي به إلى جعل حكم مماثل للحكم المترتّب عليه ، وبذلك يكون الاعتراض واردا على هذا المسلك ، ويصعب التخلص منه فنّيّا.

وما ذكر جوابا على ذلك غير تامّ ، ونذكر هنا ثلاثة أجوبة على أساس هذا المسلك هي :

الجواب الأوّل : أن الحكم بعد وجود أحد جزأي موضوعه وجدانا لا يكون موقوفا شرعا إلا على الجزء الآخر ، فيكون حكما له ، ويثبت باستصحاب هذا الجزء ما يماثل حكمه ظاهرا.

ونلاحظ على ذلك : أنّ مجرّد تحقّق أحد الجزءين وجدانا لا يخرجه عن الموضوعيّة وإناطة الحكم به شرعا ؛ لأنّ وجود الشرط للحكم لا يعني بطلان الشرطيّة ، فلا ينقلب الحكم إلى كونه حكما للجزء الآخر خاصّة.

الجواب الأوّل : أنّ الحكم الشرعي وإن كان مترتّبا على ذات الجزءين لا على أحدهما بالخصوص ، إلا أنّه بعد أن كان أحد الجزءين ثابتا ومحرزا بالوجدان أو بالتعبّد صار الحكم الشرعي موقوفا على حصول الجزء الآخر ، فيكون الحكم حكما للجزء

٣٧٣

الآخر ، وعليه فباستصحاب الجزء الآخر يثبت الحكم المماثل لهذا الحكم الموقوف على هذا الجزء ، فكان الاستصحاب ممّا يمكن جعل الحكم المماثل على المستصحب.

وفيه : أنّ هذا مبني على أنّ الحكم المشروط ينقلب إلى الحكم المطلق بعد تحقّق شرطه ، وهذا باطل كما تقدّم بيانه في بحث الحكم المشروط ، وعليه فمجرّد ثبوت أحد الجزءين بالوجدان لا يعني أنّ هذا الجزء خرج عن كونه جزءا من موضوع الحكم الشرعي ، وبالتالي فالحكم الشرعي لا يزال مترتّبا على ذات الجزءين لا على الجزء الآخر فقط ، فاستصحاب الجزء الآخر ممّا لا يترتّب عليه حكم شرعي فكيف يجعل الحكم المماثل له بالاستصحاب؟!

الجواب الثاني : أنّ الحكم المترتّب على الموضوع المركّب ينحل تبعا لأجزاء موضوعه ، فينال كلّ جزء مرتبة وحصّة من وجود الحكم ، واستصحاب الجزء يقتضي جعل الحكم المماثل لتلك المرتبة التي ينالها ذلك الجزء بالتحليل.

ونلاحظ على ذلك : أنّ هذا التقسيط تبعا لأجزاء الموضوع غير معقول ؛ لوضوح أنّ الحكم ليس له إلا وجود واحد لا يتحقّق إلا عند تواجد تلك الأجزاء جميعا.

الجواب الثاني : أنّ الحكم وإن كان مترتّبا على الموضوع المركّب ، إلا أنّه ينحلّ تبعا لأجزاء الموضوع ، فكلّ جزء من الموضوع يناله حصّة ومرتبة من الحكم ، وعليه فالجزء الآخر الذي يراد إجراء استصحابه ـ بناء على جعل الحكم المماثل ـ يثبت باستصحابه مرتبة من الحكم مماثلة لتلك المرتبة التي حصل عليها عند انحلال الحكم.

وفيه : أنّه وقع خلط بين انحلال الحكم بلحاظ الموضوع وبلحاظ المتعلّق ، فالحكم ينحلّ إلى أحكام متعدّدة بلحاظ المتعلّق أي أنّه كلّما تحقّق المتعلّق كان له حكم خاصّ به ، ففي قولنا : ( أكرم العالم ) يتعدّد وجوب الإكرام بتعدّد وجود العالم في الخارج ، وكذا في قولنا : ( لا تشرب الخمر ) تتعدّد الحرمة بتعدّد الشرب.

وأمّا بلحاظ الموضوع فلا يتعدّد الحكم ؛ لأنّ الحكم واحد وهو بحسب الفرض مترتّب على ذات الجزءين لا على أحدهما بالخصوص ، وهذا يعني أنّه إذا وجدت الأجزاء جميعا ثبت الحكم وإن لم تثبت لم يكن للحكم وجود أصلا ، لا أنّه يوجد بعض الحصص والمراتب من الحكم ، وإلا لصار الحكم مترتّبا على كلّ جزء جزء بخصوصه وهو خلف المفروض.

٣٧٤

الجواب الثالث : أنّ كلّ جزء موضوع لحكم مشروط ، وهو الحكم بالوجوب مثلا على تقدير تحقّق الجزء الآخر ، فاستصحاب الجزء يتكفّل جعل الحكم المماثل لهذا الحكم المشروط.

ونلاحظ على ذلك : أنّ هذا الحكم المشروط ليس مجعولا من قبل الشارع ، وإنّما هو منتزع عن جعل الحكم على الموضوع المركّب ، فيواجه نفس الاعتراض الذي واجهه الاستصحاب في الأحكام المعلّقة.

الجواب الثالث : أنّ الحكم وإن كان مترتّبا على الموضوع المركّب ، إلا أنّه ينحلّ إلى الحكم المشروط بتعدّد الأجزاء ، فيقال : إنّ الملاقاة توجب النجاسة بشرط كون الماء قليلا ، والماء القليل يحكم بانفعاله بشرط تحقّق الملاقاة للنجس ، وهكذا. فكلّ جزء من أجزاء الموضوع يثبت له حكم مشروط.

وعليه ، فاستصحاب الجزء الآخر يترتّب عليه حكم مماثل لهذا الحكم المشروط فيجري استصحابه.

وفيه : أوّلا : أنّ الحكم المشروط هنا ليس مجعولا من الشارع ، بل هو أمر منتزع من جعل الحكم على موضوعه المركّب ، وهذا يعني أنّه لم يثبت الحكم المشروط لكلّ جزء من الأجزاء شرعا.

وثانيا : لو سلّمنا بالحكم المشروط لكلّ جزء من الأجزاء إلا أنّ ترتّب الحكم الفعلي على استصحاب الجزء يبتلي بنفس الإشكال المتقدّم في الاستصحاب التعليقي ـ بناء على كون الفعليّة والمنجّزيّة تابعة لتحقّق الموضوع في الخارج ـ حيث إنّه باستصحاب الجزء يثبت الحكم المشروط فقط ، وهذا وحده لا يكفي للمنجّزيّة والفعليّة ، وإنّما تثبت المنجّزيّة والفعليّة بعد ضمّ الجزء الآخر إليه فينتزع من المجموع تحقّق الموضوع والفعليّة ، وهذا لازم عقلي فيكون من الأصل المثبت.

وبهذا يظهر أنّ هذا الإشكال لا يمكن الجواب عنه إلا بإنكار مسلك جعل الحكم المماثل.

وأمّا النقطة الثانية : فقد ذكر المحقّق النائيني رحمه‌الله (١) : أنّ الموضوع تارة يكون مركّبا من العرض ومحلّه كالإنسان العادل ، وأخرى مركّبا من عدم العرض

__________________

(١) فوائد الأصول ٤ : ٥٠٤ ـ ٥٠٥.

٣٧٥

ومحلّه كعدم القرشيّة والمرأة ، وثالثة مركّبا على نحو آخر كالعرضين لمحلّ واحد مثل الاجتهاد والعدالة في المفتي ، أو العرضين لمحلّين كموت الأب وإسلام الابن.

وأمّا النقطة الثانية ـ وهي إعطاء الضابط الكلّي لكون الحكم مترتّبا على ذوات الأجزاء لا على العنوان الانتزاعي المتحصّل منها ـ فقد ذكر المحقّق النائيني أنّ النسبة بين الأجزاء لا تخلو من أحد أمور ثلاثة هي :

أوّلا : أن تكون النسبة بين الجزءين نسبة العرض إلى محلّه ، كالإنسان العالم أو العادل ، كما إذا قيل : أكرم الإنسان العالم أو العادل ، فهنا الحكم منصبّ على الموضوع المركّب من الجزءين ، والنسبة بينهما نسبة العرض إلى محلّه ؛ لأنّ الإنسان محلّ لعروض العلم والعدالة.

ثانيا : أن تكون النسبة بين الجزءين نسبة عدم العرض إلى محلّه ، كالمرأة وعدم القرشيّة بالنسبة للحيض ورؤية الدم بعد الخمسين ، فالحكم بعدم كون ما يخرج من الدم بعد الخمسين حيضا موضوعه المرأة وعدم القرشيّة ، وهنا المرأة محلّ لعروض عدم القرشيّة.

ثالثا : أن تكون النسبة بين الجزءين أو الأجزاء نسبة العرضين لمحلّ واحد ، أو نسبة العرضين لمحلّين مختلفين.

أمّا الأوّل فمثاله اشتراط العدالة والاجتهاد في المفتي ، فإنّ العدالة والاجتهاد عرضان على المفتي.

أمّا الثاني فمثاله اشتراط موت الأب وإسلام الابن للحكم بإرث الولد من أبيه ، فهنا الموت عرض على الأب والإسلام عرض على الابن ، فهما عرضان لمحلّين مختلفين ، وهكذا بالنسبة للبلوغ ووقت الصلاة على المكلّف ، فإنّ البلوغ عرض للمكلّف ووقت الصلاة كزوال الشمس عرض على الزمان ، فهنا ثلاث حالات من التركيب بين الأجزاء.

ففي الحالة الأولى : يكون التقيّد مأخوذا ؛ لأنّ العرض يلحظ بما هو وصف لمحلّه ومعروضه وحالة قائمة به ، فالاستصحاب يجري في نفس التقيّد إذا كان له حالة سابقة.

أمّا الحالة الأولى : وهي ما إذا كانت النسبة بين الأجزاء نسبة العرض إلى محلّه

٣٧٦

كالعدالة والإنسان ، فهنا يكون الموضوع المركّب مأخوذا بنحو التقيّد والاتّصاف.

والوجه في ذلك : أنّ العرض يلحظ في معروضه بما هو حالة قائمة به ووصف يحلّ فيه ، فلا يرى ذات العرض وذات المعروض ، وإنّما يرى التقيّد والاتّصاف المنتزع منهما وهو الإنسان العادل لا الإنسان بذاته ولا العدالة بذاتها ، بل الحصّة الخاصّة من الإنسان والعدالة ، فلا الإنسان بأيّ وصف كان ولا العدالة في أيّ محلّ كانت.

ومن هنا لا يجري الاستصحاب بلحاظ ذات الجزء ؛ لأنّه ليس هو موضوع الحكم ، إذ الموضوع هو ذاك العنوان المنتزع والمتحصّل ، وهذا لا يثبت باستصحاب ذات الجزء إلا بالملازمة العقليّة والأصل المثبت.

نعم ، إذا كان التقيّد له حالة سابقة متيقّنة ثمّ شكّ في بقائها وارتفاعها جرى استصحابها ، كما إذا كانت عدالة زيد متيقّنة وشكّ في بقائها فيجري استصحاب اتّصاف زيد بالعدالة ويترتّب عليها الحكم ؛ لأنّ المستصحب هو اتّصاف زيد بالعدالة وتقيّده بها لا العدالة ذاتها ولا زيد ذاته.

وفي الحالة الثانية : يكون تقيّد المحلّ بعدم العرض مأخوذا في الموضوع ؛ لأنّ عدم العرض إذا أخذ مع موضوع ذلك العرض لوحظ بما هو نعت ووصف له ، وهو ما يسمّى بالعدم النعتي تمييزا له عن العدم المحمولي الذي يلاحظ فيه العدم بما هو ، ويترتّب على ذلك أنّ الاستصحاب إنّما يجري في نفس التقيّد والعدم النعتي ؛ لأنّه الدخيل في موضوع الحكم ، فإذا لم يكن العدم النعتي واجدا لركني اليقين والشكّ ، وكان الركنان متوفّرين في العدم المحمولي لم يجر استصحابه ؛ لأنّ العدم المحمولي لا أثر شرعي له بحسب الفرض.

وأمّا الحالة الثانية : وهي ما إذا كانت النسبة بين الجزءين نسبة عدم العرض إلى محلّه ، كالمرأة مع عدم القرشيّة ، فهنا أيضا يكون الموضوع المركّب مأخوذا بنحو التقيّد والاتّصاف.

والوجه في ذلك هو : أنّ عدم العرض كعدم القرشيّة إذا أخذ قيدا في الموضوع الذي يحلّ فيه العرض وهو المرأة التي تعرض عليها القرشيّة ، فهذا معناه أنّ عدم العرض مأخوذ وصفا ونعتا للمحلّ ، فكما تلحظ المرأة مع العرض ويكون العرض وصفا لها كذلك عند ما تلحظ المرأة مع عدم العرض يكون العدم وصفا لها ، وهذا ما يسمّى بالعدم النعتي.

٣٧٧

وهناك عدم آخر يسمّى بالعدم المحمولي ، والفرق بينهما هو : أنّ العدم النعتي يلحظ فيه العدم بما هو وصف للمحلّ ، ولذلك لا بدّ من افتراض الموضوع والمحلّ أوّلا ثمّ يعرض عليه العدم ، من باب القضيّة المعدولة المحمول ، فيقال : المرأة غير القرشيّة ، وهذا العدم لا يثبت إلا بعد فرض تحقّق الموضوع.

وأمّا العدم المحمولي فهو ملاحظة العدم بما هو في نفسه غير مأخوذ وصفا للمحلّ ، وبذلك يثبت هذا العدم سواء كان الموضوع متحقّقا أم لا ، فيقال : ليست المرأة قرشيّة بنحو القضيّة السالبة التي تصدق حتّى مع عدم وجود الموضوع ، ولذلك يكون مرادفا للعدم الأزلي الثابت منذ القدم.

ويترتّب على ذلك : أنّ الاستصحاب إنّما يجري في نفس التقيّد والاتّصاف بالعدم النعتي ؛ لأنّه هو الدخيل في موضوع الحكم ، ولا يجري في العدم المحمولي أو العدم الأزلي.

فإذا كانت أركان الاستصحاب متوفّرة بلحاظ العدم النعتي جرى الاستصحاب ويترتّب عليه الحكم لثبوت موضوعه.

كما إذا قيل : أكرم الإنسان غير الفاسق ، وكان زيد متّصفا بعدم الفسق سابقا وشكّ في بقائه وارتفاعه ، فهنا يستصحب اتّصافه بعدم الفسق والذي هو العدم النعتي ، ويترتّب عليه وجوب الإكرام.

وأمّا إذا لم تكن أركان الاستصحاب متوفّرة في العدم النعتي فلا يجري استصحاب اتّصافه بهذا العدم ، كما إذا لم يكن عدم الفسق متيقّنا سابقا بل كان مشكوكا ، فهنا لا يجري استصحاب العدم النعتي لعدم اليقين بحدوثه.

وأمّا العدم المحمولي فاستصحابه لا يجري سواء كانت أركان الاستصحاب فيه تامّة أم لا ، أمّا إذا لم تكن تامّة فواضح ، وأمّا إذا كانت تامّة فلأنّ المفروض أنّ الأثر الشرعي مترتّب على العدم النعتي لا العدم المحمولي فيختلّ الركن الرابع.

ومن هنا ذهب المحقّق النائيني (١) إلى عدم جريان استصحاب عدم العرض المتيقّن قبل وجود الموضوع ، ويسمى باستصحاب العدم الأزلي.

فإذا شكّ في نسب المرأة وقرشيّتها لم يجر استصحاب عدم قرشيّتها الثابت

__________________

(١) فوائد الأصول ٤ : ٥٠٧.

٣٧٨

قبل وجودها ؛ لأنّ هذا عدم محمولي وليس عدما نعتيّا ؛ إذ إنّ العدم النعتي وصف والوصف لا يثبت إلا عند ثبوت الموصوف ، فإذا أريد إجراء استصحاب العدم المحمولي لترتيب الحكم عليه مباشرة فهو متعذّر ؛ لأنّ الحكم مترتّب بحسب الفرض على العدم النعتي لا المحمولي ، وإذا أريد بذلك إثبات العدم النعتي ـ لأنّ استمرار العدم المحمولي بعد وجود المرأة ملازم للعدم النعتي ـ فهذا أصل مثبت.

ومن هنا ذهب المحقّق النائيني إلى عدم جريان استصحاب العدم النعتي ، وإلى عدم جريان استصحاب العدم الأزلي فيما إذا كان عدم العرض متيقّنا قبل وجود الموضوع.

ففي مثال المرأة وعدم القرشيّة بحيث كان عدم القرشيّة وصفا ونعتا للمرأة ، فالحكم مترتّب على الموضوع الموصوف بهذا العدم ، فإذا فرضنا عدم القرشيّة قبل وجود المرأة فهذا العدم لا يجري استصحابه لا بلحاظ العدم النعتي ولا بلحاظ العدم المحمولي.

أمّا عدم جريان الاستصحاب بلحاظ العدم النعتي فلأنّ المفروض أنّ العدم النعتي لا يثبت إلا بعد ثبوت الموضوع ووجوده ، فقبل وجود الموضوع لا يكون هذا العدم نعتيّا ، بل يكون أزليّا وهو مرادف للعدم المحمولي.

والوجه في ذلك : أنّ العدم النعتي وصف للموضوع والوصف لا يثبت إلا بعد ثبوت الموصوف لا قبله ، كما هو الحال بالنسبة للقضيّة المعدولة : ( المرأة غير القرشيّة ) ، فإنّ ثبوت ( غير القرشيّة ) يفترض مسبقا ثبوت المرأة ، وهي في الفرض غير ثابتة.

وأمّا عدم جريان الاستصحاب بلحاظ العدم الأزلي فلأنّ هذا العدم الأزلي يثبت لنا العدم المحمولي ، أي يثبت لنا تحقّق العدم في نفسه من دون ملاحظة الموضوع ، أي سواء كان الموضوع موجودا أم لا.

وحينئذ نتساءل عن الأثر المترتّب عليه ، وعمّا يراد بالعدم المحمولي الذي ثبت باستصحاب العدم الأزلي الثابت قبل ثبوت الموضوع؟ فإن أريد به إثبات الحكم الشرعي مباشرة وابتداء فهو خلف المفروض ؛ إذ المفروض أنّ الحكم مترتّب على العدم النعتي لا على العدم المحمولي فلا يجري استصحابه ؛ لأنّه لا أثر شرعي له.

وإن أريد باستصحاب العدم الأزلي وثبوت العدم المحمولي التوصّل بذلك إلى إثبات العدم النعتي ، على أساس أنّ العدم إذا كان ثابتا قبل ثبوت الموضوع فهو مستمرّ

٣٧٩

أيضا حتّى بعد ثبوته تعبّدا ، فهذا من الأصل المثبت ؛ لأنّ ثبوت العدم النعتي بعد تحقّق الموضوع بهذا الاستصحاب لازم عقلي ، إذ ما دام العدم ثابتا منذ الأزل فباستصحابه يثبت أيضا إلى ما بعد تحقّق الموضوع ؛ لأنّه عند تحقّق الموضوع لا يعلم بارتفاع هذا العدم فيبقى ، ولازم بقائه إلى حين تحقّق الموضوع كون الموضوع متّصفا به.

وهذه الملازمة عقليّة لما تقدّم من كون الملازمة بين مفاد كان التامّة وكان الناقصة عقليّة لا شرعيّة.

وأمّا في الحالة الثالثة : فلا موجب لافتراض أخذ التقيّد واتّصاف أحد جزأي الموضوع بالآخر ؛ لأنّ أحدهما ليس محلاّ وموضوعا للآخر ، بل بالإمكان أن يفرض ترتّب الحكم على ذات الجزءين ، وفي مثل ذلك يجري استصحاب الجزء لتوفّر الشرط الأوّل.

وأمّا الحالة الثالثة : وهي ما إذا كانت النسبة بين الأجزاء أو الجزءين نسبة العرضين إلى المحلّ الواحد أو نسبة العرضين إلى المحلّين المختلفين ، فهنا كما يمكننا فرض أخذ التقيّد والاتّصاف في الموضوع المركّب من الأجزاء ، كذلك يمكننا فرض كون ذوات الأجزاء هي تمام الموضوع المركّب من دون أخذ الاتّصاف والتقيّد.

والوجه في ذلك : أنّ العرضين الملحوظين في محلّ واحد أو في محلّين ليس أحدهما محلاّ للآخر ، فالعدالة ليست محلاّ للاجتهاد ولا العكس ، وكذا الموت والإسلام ليس أحدهما محلاّ للآخر ، ولذلك لا موجب للتقيّد والاتّصاف بل هو أمر ممكن ، بأن كان أحد العرضين مأخوذا في طول اتّصاف المحلّ بالعرض الأوّل فيكون العرض الثاني وصفا وقيدا للمحلّ المتّصف والمقيّد بالعرض الأوّل ، ويمكن أن يكون الموضوع مركّبا من ذوات الأجزاء أيضا بأن كانت في عرض واحد جميعا حين عروضها على المحلّ ، فيكون المحلّ مركّبا من ذوات الأجزاء.

وبذلك يكون جريان الاستصحاب في الجزء وعدم جريانه متوقّفا على استظهار التقيّد والاتّصاف أو عدم استظهار ذلك.

فإن استظهر التقيّد والاتّصاف لم يجر استصحاب ذات الجزء ؛ لأنّه لا يثبت الاتّصاف والتقيّد إلا بالملازمة العقليّة والأصل المثبت.

وإن استظهر التركيب من ذوات الأجزاء جرى استصحاب ذات الجزء إذا كانت

٣٨٠