الأساس في التفسير - ج ٥

سعيد حوّى

الأساس في التفسير - ج ٥

المؤلف:

سعيد حوّى


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٤٣

المقدمة :

وهي آية واحدة وهذه هي :

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (١))

التفسير :

في هذه المقدمة ثلاثة معان :

١ ـ (المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ) تلك إشارة إلى آيات هذه السورة ، والمراد بالكتاب ـ والله أعلم ـ في هذا المقام هذا الجزء منه ، وهو هذه السورة من باب ذكر العام وإرادة الخاص ، والإشارة بتلك تفيد التفخيم والتعظيم. والمعنى : تلك الآيات آيات السورة الكاملة العجيبة في بابها. فهذا هو المعنى الأول ، وفيه تنبيه على جلالة هذه السورة في هذا القرآن الجليل.

٢ ـ (وَالَّذِي أُنْزِلَ) أي القرآن كله (إِلَيْكَ) يا محمد (مِنْ رَبِّكَ) الله (الْحَقُ) فالقرآن كله حق ، وهو منزل من الله على محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فهذا هو المعنى الثاني

٣ ـ (وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ) بأن هذا القرآن من عند الله أنزله على محمد عبده ورسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، دل ذلك على أن الأقل هم الذين يؤمنون ، أربط ذلك بمحور سورة الرعد من سورة البقرة : (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ) وهكذا جاءت المقدمة مشيرة إلى موضوع السورة ، ورابطة إياه بالمحور ، ثم بعد ذلك تأتي المقاطع الثلاثة في السورة ، داعية إلى الإيمان ، مبرهنة على أن هذا القرآن حق ، مقيمة الحجة على الكفر وأهله.

٣٢١

المقطع الأول

ويمتد من الآية (الثانية) حتى نهاية الآية (السابعة) وهذا هو :

(اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤) وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنَّا تُراباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٥) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ (٦) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ (٧))

٣٢٢

التفسير :

(اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ) أي خلقها مرفوعة (بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها) أي هي مرفوعة بغير عمد كما ترونها ، أي ترون السموات مرفوعة بغير عمد فلا حاجة إلى البرهان على ذلك مع الرؤية ، وذلك دليل قدرته عزوجل وحكمته (ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ) استواء يليق بجلاله. قال ابن كثير : من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تمثيل. (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) لمنافع عباده ، ومصالح بلاده ، وذكر الشمس والقمر لأنهما أظهر في الدلالة على التسخير الذي فيه المصلحة للخلق (كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى) وهو انقضاء الدنيا بقيام الساعة (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ) قال النسفي : أمر ملكوته وربوبيته (يُفَصِّلُ الْآياتِ) أي يبينها ، وآياته هنا كتابه المنزل (لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ) أي لعلكم توقنون بأن هذا المدبر والمفصل لابد لكم من الرجوع إليه ، وهكذا عرفنا أن الله عزوجل جعل تدبيره وتفصيل آياته علامتين تدلان على الرجوع إليه ، فمن لم ير في كمال تدبيره في خلقه ، وفي كمال تفصيله في آياته ، ما يدل على الرجوع إليه ، فإنه لم يعرف حكمة التدبير والتفصيل. وهكذا عرفنا أن التدبير والتفصيل علامتان على اليوم الآخر ، فلم يكن التدبير عبثا ، ولم يكن التفصيل عبثا ، بل من أجل أن تعرف أيها الإنسان أنك راجع إليه فمحاسب.

(وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ) قال ابن كثير : أي جعلها متسعة ممتدة في الطول والعرض (وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ) أي جبالا راسيات ، أي ثابتات في أمكنتهن (وَأَنْهاراً) أي وأجرى فيها الأنهار والجداول والعيون (وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ) أي وجعل فيها من كل الثمرات المختلفة الألوان والأشكال والطعوم والروائح (جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) أي ومن كل الثمرات جعل فيها الصغير والكبير ، والحلو والحامض ، هكذا فسر النسفي في هذا المقام الزوجية ، وقال ابن كثير : أي من كل شكل صنفان. ولم يفسر ما المراد بالصنف. وفي فوائد هذا المقطع كلام عن هذا الموضوع فإنه من المواضيع التي لثقافة العصر تأثير في تبيانها (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ) أي يلبسه مكانه فيصير أسود مظلما بعد ما كان أبيض منيرا ، وقد رأينا في سورة الأعراف كيف دل مثل هذا التعبير على دوران الأرض (إِنَّ فِي ذلِكَ) أي في الأرض بما هي عليه والجبال ورسوها ، والأنهار وجريانها ، والثمرات والزوجية فيها ، وغشيان الليل النهار (لَآياتٍ) أي لدلالات وعلامات على أن لها صانعا عليما حكيما قادرا (لِقَوْمٍ

٣٢٣

يَتَفَكَّرُونَ) أما الذين لا يتفكرون فإنهم عمي عن رؤية الآيات (وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ) أي أراض يجاور بعضها بعضا ، ثم هي مع التجاور مختلفة ، فهذه طيبة تنبت ما ينفع الناس ، وهذه سبخة مالحة لا تنفع الناس ، وهذه تربتها حمراء ، وهذه بيضاء ، وهذه صفراء ، وهذه سوداء ، وهذه محجرة ، وهذه سهلة ، وهذه مرملة ، وهذه سميكة ، وهذه رقيقة ، بقاع مختلفة مع كونها متجاورة متلاحقة ، ما بين كريمة إلى زهيدة ، وما بين صلبة إلى رخوة ، وذلك دليل على قادر مريد مدبر موقع لأفعاله على وجه دون وجه (وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ) أي وفي الأرض حدائق وبساتين من أعناب (وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ) الصنوان : جمع صنو وهي الشجرة لها رأسان وأصلها واحد ، فالصنوان : هو الأصول المجتمعة في منبت واحد ، كالرمان والتين وبعض النخيل ونحو ذلك ، وغير الصنوان ما كان على أصل واحد كسائر الأشجار ، أي وفي الأرض أنواع الزروع ، وأنواع النخيل ذات الساق الواحدة ، أو السيقان المتعددة (يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ) أي في الثمر ، فهذا الاختلاف في أجناس الثمرات والزروع في أشكالها وألوانها ، وطعومها ورائحها وأوراقها ؛ فهذا في غاية الحلاوة ، وهذا في غاية الحموضة ، وهذا في غاية المرارة ، وهذا بين بين ، وهذا اجتمع فيه هذا وهذا ، وهذا أصفر ، وهذا أبيض ، وهذا أسود ، وكذلك الزهورات مع أنها كلها تستمد من طبيعة واحدة وهو الماء ، ثم يكون هذا الاختلاف الكثير ، الذي يكاد لا ينحصر ولا ينضبط (إِنَّ فِي ذلِكَ) أي في اختلاف الأراضي وجنات الأعناب والزروع والنخيل المتعدد الأصل وغير المتعدد ، واختلاف الثمرات مع كون الماء الذي به نماء النبات واحدا (لَآياتٍ) لدلالات على الخالق المختار المريد العظيم (لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) أما الذين لا عقول لهم فإنهم لا يرون هذه الآيات رؤية عاقلة ، تدلهم على الله ، ثم إنه بعد أن أقام النص القرآني الحجة على وجود الله ، وعلى قدرته ، وعلى اليوم الآخر ، فإنه بعد ذلك يعرض علينا بطريقة القرآن المعجزة ثلاثة مواقف للكافرين هي : إنكارهم لليوم الآخر ، واستعجالهم العذاب ، واقتراحهم الآيات ، وهذه المواقف الثلاثة تعرض بعد أن تقدم الرد عليها فيما سبق من الآيات ، فالله المدبر للأمر المفصل للآيات ، الرافع للسموات ، المسيطر على العرش ، المسخر للشمس والقمر ، الجاعل الأرض على ما هي عليه ، الخالق للجبال بما تؤدي به مهمتها ، الخالق الأنهار ، الخالق الثمار ، الخالق الليل والنهار ، الجاعل الأرض أنواعا ، المخرج من الماء الواحد أنواع الثمار ، هذا الإله لا يعجزه أن يعيد خلق الإنسان وأن يبعثه

٣٢٤

من جديد ، ولا يعجزه أن يعاقب من كفر بأنواع العذاب الدنيوي ، ثم إن آياته أكثر وأكبر وأبهر من أن يقترح عليه آيات أخرى تدل عليه ، كيف ومن آياته ما رأيناه لمن تفكر وعقل ، فإذا اتضح هذا فلنر كيف عرض القرآن هذه المواقف للكافرين في السياق الذي تبطل فيه هذه المواقف قبل عرضها

الموقف الأول :

(وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنَّا تُراباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) أي فقولهم هذا حقيق بأن يتعجب منه ؛ لأن من قدر على إنشاء ما عدد عليك كانت الإعادة أهون شىء عليه وأيسره ، فكان إنكارهم أعجوبة من الأعاجيب ، كيف وقد شاهدوا من آياته وآثار صفاته ما هو أعجب مما كذبوا به ، وهكذا بين لنا القرآن أن البعث بديهية من البديهيات لمن عرف الله وعرف آياته ، ثم بين أن هؤلاء الذين يستبعدون البعث ولا يؤمنون باليوم الآخر إنما هم كفار بالله أصلا ، ومن ثم قال : (أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ) إذ لو كانوا يؤمنون بالله ويعرفونه حق المعرفة لآمنوا بالبعث ، دل ذلك على أن الإيمان بالله يستتبع ـ بالضرورة ـ الإيمان باليوم الآخر ، فمن عرف قدرة الله لا يستكثر عليها أن تعيد الخلق ، ومن عرف عدله عرف ضرورة وجود اليوم الآخر ، ومن عرف حكمته عرف ضرورة وجود اليوم الآخر ، ومن عرف عزته وانتقامه وكرمه ورحمته عرف ضرورة اليوم الآخر ، (وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ) جزاء لهم على كفرهم بالله واليوم الآخر (وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) أي ماكثون فيها أبدا ، لا يحولون عنها ولا يزولون ، وقد دل تكرار (أولئك) على تعظيم الأمر. هذا هو الموقف الأول من مواقف الكافرين ، وقد رأينا كيفية عرضه ، وعرفنا أن العجب هو عدم الإيمان باليوم الآخر وليس الإيمان به ، وأي عجب أعجب من أن يدعي الإنسان معرفة الله ثم لا يرتب على ذلك ما تقتضيه هذه المعرفة.

الموقف الثاني :

(وَيَسْتَعْجِلُونَكَ) أي هؤلاء الكافرون المكذبون (بِالسَّيِّئَةِ) أي بالعقوبة (قَبْلَ الْحَسَنَةِ) أي قبل العافية ، من شدة كفرهم (وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ) أي عقوبات أمثالهم من المكذبين ، فما لهم لم يعتبروا بها؟ والمثلة : العقوبة ، لما بين العقاب والمعاقب عليه من المماثلة ، لقد أوقع الله نقمته بالأمم المكذبة الخالية ، وجعلهم عبرة وعظة لمن اتعظ بهم ، ومع ذلك فهؤلاء يستعجلون العذاب وما استعجالهم إلا لعدم إيمانهم ولكفرهم.

٣٢٥

(وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ) أي إنه تعالى ذو عفو وصفح وستر للناس ، مع أنهم يظلمون ويخطئون بالليل والنهار ، وهذا سر عدم إيقاع ما رغبوا به من الاستعجال بالعقوبة (وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ) ومن ثم فإنه لا يفوته هارب ولا مسىء ، فهو يمهل ولا يهمل.

الموقف الثالث :

(وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ) فهم لا يكتفون بالآيات المنزلة على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عنادا مع كثرتها ، وكفى بهذا القرآن معجزة تضمنت معجزات لا تنتهي ، ومن ثم قيل لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم في مقابلة اقتراحاتهم المتعنتة (إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ) أي أنت رجل أرسلت منذرا مخوفا لهم من سوء العاقبة ، وناصحا كغيرك من الرسل ، وما عليك إلا الإتيان بما يصح به أنك رسول منذر ، وصحة ذلك حاصلة بأي آية كانت ، والآيات كلها سواء في حصول صحة الرسالة بها (وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ) أي من الأنبياء يهديهم إلى الدين ويدعوهم إلى الله بآية خص بها ، لا بما يريدون ، فلست بدعا من الرسل ، إذن فكما أن كل أمة أرسل لها رسول فأنت رسول لهذه الأمة ، ويحتمل أن يكون المراد بالهادي في الآية (الله عزوجل) فهو الذي يهدي من يستحق الهداية ، وإنما مهمة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم الإنذار ، فهؤلاء الذين لم يؤمنوا ويقترحوا الآيات ، عليك إنذارهم ، والله هو الهادي من يستحق الهداية ، وهؤلاء لا يستحقون الهداية ، وهذا الاتجاه الثاني في التفسير هو الذي نرجحه لانسجامه مع محور المقطع في سورة البقرة كما سنرى.

فوائد :

١ ـ في كتابنا عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أثناء الكلام عن المعراج قلنا إن السماء في القرآن تطلق ويراد بها مطلق العلو ، وتطلق ويراد بها الكون مما سوى الأرض ، وتطلق ويراد بها السموات السبع التي سقفها عرش الرحمن ، وفي سورة البقرة عند قوله تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ ...) رجحنا أن المجرات والنجوم قد خلقت قبل الأرض ، وأن الأرض قد خلقت قبل السموات السبع التي هي غيبية ـ على الأكثر ـ وفي سورة هود بينا أن أول مخلوق هو العرش ثم الماء ، وههنا في سورة الرعد بمناسبة قوله تعالى : (اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها) نرجح أن المراد في السموات هنا ليست السموات السبع الغيبية التي نؤمن بها غيبا ، ولكن المراد بها ما سوى الأرض بقرينة (تَرَوْنَها) فنحن لا

٣٢٦

نرى إلا هذه النجوم والمجرات والكواكب ، وقد رجحنا من قبل أن هذه مخلوقة قبل الأرض والسموات السبع ، وللموضوع تتمة ستأتي في مناسباتها.

٢ ـ في كتابنا عن الله عزوجل : إن في ظاهرة الحكمة ، أو في ظاهرة الإرادة ، أو في ظاهرة العناية ، فصلنا بما يخدم قوله تعالى : (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) وبما يرينا كيف أن مثل هذا التسخير المدهش لصالح الحياة على الأرض دليل على الخالق عزوجل بما لا يقبل شكا ولا نقضا. فليراجع

٣ ـ قد يفهم كثير من الخاطئين قوله تعالى (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ) فهما خاطئا ، فيظن أن المراد بالمد هنا التسطيح الذي يقابل الكروية ، والكروية ثابتة في القرآن في أكثر من آية ـ كما نرى في هذا التفسير ـ فاقتضى التنبيه. وقد رأينا كيف فسر ابن كثير المد في الآية ، وفي كتابنا عن الله عزوجل نقلنا ما يدل على أن الأرض لو كانت أصغر مما هي عليه لما أمكن في قوانين هذا الكون أن تنشأ عليها الحياة ، فالله عزوجل يشير إلى هذه النعمة التي هي مظهر علمه وحكمته وقدرته في هذا المقام ؛ ليدلل بآثار صفاته على صفاته وأسمائه التي تدل على ذاته جل جلاله

٤ ـ في عصرنا هذا أدرك الإنسان ـ أكثر من أي عصر مضى ـ معنى قوله تعالى : (وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ) إذ كتب الجغرافيا والجيولوجيا مليئة بالنص على أنه لو لا الجبال لكانت القشرة الأرضية معرضة بشكل هائل للتشققات والزلازل والاضطرابات بما يستحيل معه نشوء الحياة وهو موضوع سيمر معنا في محله بشكل أكثر تفصيلا

٥ ـ بمناسبة قوله تعالى (وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) قال صاحب الظلال : (والمشهد الأول يتضمن حقيقة لم تعرف للبشر من طريقة علمهم وبحثهم إلا قريبا ، هي أن كل الأحياء ـ وأولها النبات ـ تتألف من ذكر وأنثى ، حتى النباتات التي كان مظنونا أن ليس لها من جنسها ذكور ، تبين أنها تحمل في ذاتها الزوج الآخر ، فتضم أعضاء التذكير وأعضاء التأنيث مجتمعة في زهرة ، أو متفرقة في العود وهي حقيقة تتضامن مع المشهد في إثارة الفكر إلى تدبر أسرار الخلق بعد تملي ظواهره.)

٦ ـ عند قوله تعالى (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ) قال النسفي (وهي أرجى آية في كتاب الله حيث ذكر المغفرة مع الظلم وهو بدون التوبة ، فإن التوبة تزيلها وترفعها) ا ه ولنلاحظ أنه اجتمع في الآية اقتران ذكره المغفرة بشدة العقاب لتربية الرجاء والخوف في القلب ، فهما جناحا القلب في سيره إلى الله. روى ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب قال : لما نزلت هذه الآية (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ

٣٢٧

لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ) الآية قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لو لا عفو الله وتجاوزه ما هنأ أحدا العيش ، ولو لا وعيده وعقابه لا تكل كل أحد»

٧ ـ عند قوله تعالى : (وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ) يذكر ابن كثير حديثا رواه الترمذي بإسناد حسن غريب عن أبي هريرة عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ) قال : «الدقل والفارسي والحلو والحامض».

٨ ـ رجحنا أن السموات المذكورة في قوله تعالى : (اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها) أن المراد ما سوى الأرض ، وليس المراد فيها السموات السبع ، خصوصا لأننا لا نراها ، وقد ذهب ابن كثير أن المراد بها السموات السبع وسننقل لك من قوله لنرى تصوره للسموات السبع ، ثم لنرى من خلال ذلك صحة ما ذهبنا إليه :

قال : «فالسماء الدنيا محيطة بجميع الأرض ، وما حولها من الماء والهواء من جميع نواحيها وجهاتها ، وأرجائها ، مرتفعة عليها من كل جانب على السواء ، وبعد ما بينها وبين الأرض من كل ناحية مسيرة خمسمائة عام ، وسمكها في نفسها مسيرة خمسمائة عام ، ثم السماء الثانية محيطة بالسماء الدنيا وما حوت ، وبينهما من بعد المسير خمسمائة عام ، وسمكها خمسمائة عام ، وهكذا الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة كما قال تعال : (اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَ) الآية (الطلاق : ١٢) وفي الحديث : «ما السموات السبع وما فيهن وما بينهن في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة ، والكرسي في العرش المجيد. كتلك الحلقة في تلك الفلاة». وفي رواية : «والعرش لا يقدر قدره إلا الله عزوجل) ا ه.

فإذا كانت السموات السبع كما ذكر والله عزوجل قال (تَرَوْنَها) وهو يرجح أن ترونها عائدة إلى السموات فهو يقول : أي هي مرفوعة بغير عمد كما ترونها ، وهذا هو الأكمل في القدرة. ونحن لا نرى هذه السموات السبع التي ذكرها ، وإنما نرى ما سوى الأرض من الأكوان المنظورة ، فدل ذلك على أن ما ذهبنا إليه هو الأرجح ، والذي نحب أن نلفت نظرك إليه هنا أنك ترى ابن كثير كغيره من المفسرين يرون أن ما بين الأرض والسماء الدنيا خمس مائة سنة ، وهكذا النسبة بين كل سماء ، وهذا يرجح ما ذهبنا إليه أن المراد بالسموات السبع المذكورة ، والتي يتحدث عنها القرآن والسنة ، ويتكلم عنها المفسرون ، أنها سموات غيبية مغيبة عنا ، إذ لو لم تكن كذلك وكانت النجوم والمجرات داخل السماء الدنيا ـ كما يذهب بعضهم ـ لكان البعدبين الأرض والسماء أكثر من خمسمائة سنة ، مهما كان نوع السنة التي يقاس بها هذا البعد ، وهو

٣٢٨

موضوع سنرى حيثياته فيما يأتي من هذا التفسير.

٩ ـ فهم الحسن البصري من قوله : (وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ ....) الآية : أن الآية تلفت النظر إلى معنى آخر غير المعنى الحرفي ، واعتبر أن في الآية مثلا بدليل ختمها بقوله تعالى (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) فقد مثل اختلاف القلوب فى آثارها وأنوارها وأسرارها باختلاف قطع الأرض في أنهارها وأزهارها وثمارها

كلمة في السياق :

نلاحظ أن هذا المقطع عرفنا على الله بلفت نظرنا إلى أفعاله ـ عزوجل ـ ومظاهر قدرته ، ثم عدد لنا مواقف للكافرين تتنافى مع معرفة الله عزوجل ، وختم المقطع بقوله تعالى (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ) فإذا تذكرنا قوله تعالى من سورة البقرة (إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً ...) وتذكرنا أن هذا النص تأسيس لموضوع الآية اللاحقة من سورة البقرة (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ ...) ثم تأملنا معاني سورة الرعد ، فإننا نجد أن المقطع الأول من سورة الرعد تأسيس لمعاني المقطعين اللاحقين بما يفصل آيتي سورة البقرة ، إذ سورة الرعد كلها تعريف على الله وأفعاله ، وعرض لأقوال الكافرين ومواقفهم ، ورد عليها ، وتبيان لقضية الضلال والهداية ، ومن يستحق الهداية ، ومن يستحق الضلال ، وإقامة حجة على مسارب الضالين. والمقطع الأول من سورة الرعد يضع أساسا في إقامة الحجة على منكري ، البعث وعلى المستعجلين بالعذاب ، وعلى مقترحي الآيات ، فليس لهؤلاء حجة ، بل الحجة قائمة عليهم ، فالمقطع الأول في سورة الرعد يفصل معاني في الآية الأولى من الآيتين اللتين تشكلان محور سورة الرعد من سورة البقرة ، لكنه تفصيل على طريقة القرآن المعجزة في التفصيل ، ولنر المقطع الثاني في سورة الرعد ، وسنجد فيه تفصيلا واضحا لمحور السورة من سورة البقرة :

٣٢٩

المقطع الثاني من سورة الرعد

ويمتد من الآية (٨) إلى نهاية الآية (٢٥) وهذا هو :

(اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ (٨) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ (٩) سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ (١٠) لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ (١١) هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ (١٢) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ (١٣) لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ (١٤) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (١٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ

٣٣٠

وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (١٦) أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ (١٧) لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٨) أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (١٩) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ (٢١) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤) وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ

٣٣١

اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥))

التفسير :

كما بدأ المقطع الأول بالتعريف على الله ، ثم بنى على هذه المعرفة ، كما هو الحال في الآيتين اللتين هما محور هذه السورة من سورة البقرة ، وبما فصل بعضا من معاني الآيتين فكذلك هذا المقطع : فتأمله : (اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى) يخبر تعالى عن تمام علمه الذي لا يخفي عليه شىء ، وأنه محيط بما تحمله الحوامل من كل إناث الحيوانات ، سواء كانت تحمل ذكرا أو أنثى ، تماما أو خداجا ، حسنا أو قبيحا ، طويلا أو قصيرا إلى غير ذلك (وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ) أي وما تغيضه الأرحام أي وما تنقصه (وَما تَزْدادُ) أي وزيادتها ويحتمل الغيض والزيادة بعدد الولد ، فإنها تشتمل على واحد واثنين وثلاثة وأربعة ، وأحيانا يكون سقطا. ويحتمل أن يكون الغيض والزيادة بجسد الولد ، فإنه يكون تاما ومخدجا ، ويحتمل أن يكون الغيض والزيادة بمده الولادة ، فإنها تكون أقل من تسعة أشهر وأزيد عليها إلى سنتين عند الحنفية وإلى أربع عند الشافعي ، وإلى خمس عند مالك ، ويحتمل أن يكون المعنى ويعلم غيض الأرحام وازديادها بمعنى قلتها وكثرتها (وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ) أي بقدر وحد لا يجاوزه ولا ينقص عنه ، ومن كان هذا شأنه فإنه يعلم الحق ويهدي إليه (عالِمُ الْغَيْبِ) أي ما غاب عن الخلق (وَالشَّهادَةِ) أي ما يشاهده الخلق أي يعلم كل شىء مما يشاهده العباد ، ومما يغيب عنهم ، ولا يخفي عليه منه شىء (الْكَبِيرُ) العظيم الشأن الذي كل شىء دونه ، فهو أكبر من كل شىء (الْمُتَعالِ) على كل شىء (سَواءٌ) أي في علمه (مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ) أي سواء في علمه من أسر قوله أو جهر به ، فإنه يسمعه ويعلمه لا يخفى عليه شىء (وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ) أي متوار مختف في مقر بيته في ظلام الليل (وَسارِبٌ بِالنَّهارِ) أي ذاهب في سربه نهارا ، أو ذاهب في طريقه ووجهه نهارا ، فكلاهما في علم الله سواء ، المختفي في ظلام الليل والظاهر الماشي في بياض النهار وضيائه (لَهُ) أي لمن أسر ومن جهر ، ومن استخفى ومن سرب (مُعَقِّباتٌ) أي جماعات من الملائكة تعتقب في حفظه. (مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ) أي قدامة ووراءه (يَحْفَظُونَهُ) فمهمتهم إذن الحفظ (مِنْ أَمْرِ اللهِ) أي من أجل أن الله تعالى أمرهم بحفظه ، والتقدير على هذا : له

٣٣٢

أمر الله يحفظونه ، أي له معقبات من نظام هذا العالم ـ الذي هو بأمره ـ يحفظونه ، فللإنسان معقبات يحفظونه بأمر الله ، قال أبو أمامة : ما من آدمي إلا ومعه ملك يذود عنه حتى يسلمه للذي قدر له (إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ) من العافية والنعمة (حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ) من الحال الجميلة بكثرة المعاصي ، فحفظ الملائكة نعمة يغيرها الله إذا تغيرت الأنفس نحو الشر (وَإِذا أَرادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً) أي عذابا (فَلا مَرَدَّ لَهُ) أي لا يدفعه شىء (وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ) أي من دون الله (مِنْ والٍ) أي من يلي أمرهم ويدفع عنهم ، وإذا كان هذا شأن الله فإنه يعلم الحق ويهدي إليه ويطالب به (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ) قال ابن كثير : البرق وهو ما يرى من النور اللامع ساطعا من خلل السحاب (خَوْفاً وَطَمَعاً) أي خائفين من وقوع الصواعق عند لمع البرق ، وطامعين في الغيث. (وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ) بالماء أي ويخلقها منشأة جديدة وهي لكثرة مائها ثقيلة قريبة إلى الأرض (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ) كما يسبح له كل شىء (وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ) أي ويسبح الملائكة من هيبته وإجلاله (وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ) الصاعقة معروفة (فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ) أي يرسلها نقمة ينتقم بها ممن يشاء ، كما قال ابن كثير ، (وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللهِ) أي يشكون في عظمته وأنه لا إله هو (وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ) أي شديد الأخذ أو شديد القوة ، والمماحلة في الأصل : شدة المماكرة والمكايدة ، ومنه تمحل لكذا إذا تكلف لاستعمال الحيلة واجتهد فيه ، وإذن فالمعنى الحرفي : أنه شديد المكر والكيد لأعدائه ، يأتيهم بالهلكة من حيث لا يحتسبون في مقابلة مكرهم وكيدهم (لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِ) الحق ضد الباطل والمعنى : أن الله سبحانه يدعى فيستجيب الدعوة ، ويعطي الداعي سؤاله ، بخلاف مالا ينفع ولا يجدي دعاؤه ، ويحتمل أن يكون المراد بدعوة الحق دعوة التوحيد ، فدعوة التوحيد دعوته وحده (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ) أي والآلهة الذين يدعونهم الكفار من دون الله ، أو ومثل الذين يعبدون آلهة غير الله (لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ) من طلباتهم (إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ) أي فمه (وَما هُوَ بِبالِغِهِ) أي وما الماء ببالغ فاه والتقدير : والذين يدعون من دونه لا يستجيبون إلا كاستجابة الماء لمن بسط كفيه إليه ، أي كاستجابة الماء لمن بسط كفيه إليه يطلب منه أن يبلغ فاه ، والماء جماد لا يشعر ببسط كفيه ولا بعطشه وحاجته إليه ، ولا يقدر أن يجيب دعاءه ويبلغ فاه ، وكذلك ما يدعونه من جماد لا يحس بدعائهم ، ولا يستطيع إجابتهم ، ولا يقدر على نفعهم قال مجاهد : (كباسط كفيه : يدعو الماء بلسانه ويشير إليه فلا يأتيه أبدا). تصور الآن

٣٣٣

رجلا فوق بئر عميق يمد يده إلى الماء من بعيد فهل يستجيب له الماء ليشرب؟! فكذلك دعاء هؤلاء لآلهتهم ، أو فكذلك هؤلاء المشركون الذين يعبدون مع الله إلها آخر ، لا ينتفعون بهم أبدا في الدنيا ولا في الآخرة ، ولهذا ختم الآية بقوله : (وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ) أي في ضياع لا منفعة فيه ، لأنهم إن دعوا الله لم يجبهم ، وإن دعوا غيره لم يستطع الاستجابة ، ثم أخبر تعالى عن سلطانه الذي قهر كل شىء ودان له كل شىء ، ولهذا يسجد له كل شىء. فقال : (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) سجود تعبد وانقياد (طَوْعاً) أي طائعين كسجود الملائكة والمؤمنين (وَكَرْهاً) أي وكارهين كما يفعل المنافقون والكافرون في حال الشدة والضيق ، أو بخضوعهم لقهر الله وسننه (وَظِلالُهُمْ) أي تسجد معهم لله (بِالْغُدُوِّ) أي بالبكر (وَالْآصالِ) جمع أصيل : وهو آخر النهار ، فظلالهم خاضعة لسنن الله ، وفي ذلك سجودها ، فمن كان هذا شأنه في خلق البرق والرعد ، وإنشاء السحاب وإرسال الصواعق ، وشدة المحال ، واستجابة الدعاء ، وخضوع كل شىء له ، فإنه يعلم الحق ويهدي إليه ، ويطالب به ، وهو حري أن يعبد ويطاع ، ويتبع شرعه ورسله ، ثم قرر الله تعالى أنه لا إله إلا هو ، وأنهم معترفون بأنه هو الذي خلق السموات والأرض وهو ربها ومدبرها ، وهم مع هذا قد اتخذوا من دونه أولياء ، يعبدونهم ، وأولئك الآلهة لا تملك لنفسها ولا لعابديها ـ بطريق الأولى ـ نفعا ولا ضرا ، فهي لا تحصل لهم منفعة ، ولا تدفع عنهم مضرة ، فهل يستوي من عبد هذه الآلهة مع الله ، ومن عبد الله وحده لا شريك له! ، فهذا على نور من ربه ومن ثم قال : (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللهُ) هذا هو الجواب الوحيد على السؤال ، إذ من الواضح أن السموات والأرض مربوبة مقهورة مسيرة مسخرة ، فمن ربها ومسيرها وقاهرها ومسخرها ، إنه ليس إلا جواب واحد هو : أن فاعل ذلك هو الله ، ولأنه لا جواب إلا هذا الجواب ، أجاب به ، وأقام الحجة عليهم به ، لأنه من الواضح والظاهر أنه ما من شىء مما يعبدون يمكن أن يكون ربا للسموات والأرض (قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ) أي أبعد أن علمتموه رب السموات والأرض اتخذتم من دونه آلهة (لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا) أي لا يستطيعون أن ينفعوا أنفسهم أو يدفعوا ضررا عنها ، فكيف يستطيعونه لغيرهم! فكيف آثرتموهم على الخالق الرازق المثيب المعاقب؟ فما أبين ضلالتكم (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ) أي الكافر والمؤمن؟ أو من لا يبصر شيئا ومن لا يخفى عليه شىء؟ (أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ) أي ملل الكفر بأنواعه واتجاهاته ،

٣٣٤

ودين الله ، وشرعه وهدايته؟ (أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ) أي أجعل هؤلاء المشركون مع الله آلهة تناظر الرب وتماثله في القدرة على الخلق ، بسبب من اشتباه مخلوق الله بمخلوق الشركاء حتى يقولوا : قدر هؤلاء على الخلق ، كما قدر الله عليه ، فاستحقوا العبادة ، فنتخذهم له شركاء ، ونعبدهم كما يعبد؟ فإذ لم يكن الأمر كذلك ـ من أنه ليس لله شركاء خلقوا مثل خلق الله ـ فقد قامت عليهم الحجة إذ اتخدوا له شركاء عاجزين لا يقدرون على ما يقدر عليه الخلق فضلا أن يقدروا على ما يقدر عليه الخالق ، فالاستفهام إنكاري (قُلِ اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) فلا خالق غيره ، ولا يستقيم في منطق الحق أن يكون له شريك في العبادة ، وليس له شريك في الخلق ، وهذا من أعظم الأدلة لأهل السنة والجماعة على أن الله خالق أفعال العباد ، لا كما يقول المعتزلة ، فمن قال إن الله لم يخلق أفعال الخلق وهم خلقوها فإنه يلزم على قوله أن يتشابه الخلق على المخلوقين (وَهُوَ الْواحِدُ) أي المتوحد بالربوبية (الْقَهَّارُ) أي الذي يغلب ولا يغالب ، والذي ما عداه مربوب ومقهور ، ومن كان هذا شأنه فهو الحري وحده بالطاعة والعبادة ، فهو وحده يعلم الحق ويقرره ويبينه ويطالب به ، ويلزم به ، ويعاقب عليه. وهذا كله مقتضى ربوبيته ووحدانيته وقهره ، ومن ثم قال تعالى : (أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً) قال النسفي في معناها : أنزل من السحاب مطرا (فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها) أي كل واد بحسبه ، فهذا كبير وسع كثيرا من الماء ، وهذا صغير وسع بقدره ، والأودية جمع واد : وهو الموضع الذي يسيل فيه الماء بكثرة ، وفي تنكير الأودية نكتة : وذلك أن المطر لا يأتي إلا على طريق المناوبة بين البقاع ، فيسيل بعض أودية الأرض دون بعض. قال ابن كثير عن هذا المثل : وهو إشارة إلى القلوب وتفاوتها ، فمنها ما يسع علما كثيرا ، ومنها من لا يسع الكثير من العلوم بل يضيق عنها (فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً) أي فجاء على وجه الماء الذي سال في هذه الأودية زبد عال عليه ، والزبد : هو ما على وجه الماء من الرغوة ، والرابي : هو المنتفخ المرتفع على وجه السيل ، هذا هو المثل الأول في هذه الآية ، إذ اشتملت هذه الآية على مثلين مضروبين للحق في ثباته وبقائه ، والباطل في اضمحلاله وفنائه ، والمثل الثاني قوله تعالى (وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ) هذا هو المثل الثاني وهو ما يسبك في النار من ذهب أو فضة ابتغاء حلية ، أي ليجعل حلية ، أو ابتغاء متاع من الحديد والنحاس والرصاص يتخذ منها الأواني وما يتمتع به في الحضر والسفر ، فإنه يعلوه زبد منه كما يعلو ذلك زبد منه ، والحلية : هي الزينة من ذهب أو

٣٣٥

فضة ... والمعنى : أن لهذه الفلذات عند غليانها زبدا مثل زبد الماء (كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ) أي كذلك يضرب الله مثل الحق والباطل (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً) أي متلاشيا أي لا ينتفع به ، بل يتفرق ويتمزق ويذهب في جانبي الوادي ويعلق بالشجر وتنسفه الرياح ، وكذلك خبث الذهب والفضة والحديد والنحاس ، يذهب ولا يرجع منه شىء (وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ) من الماء والحلي والأواني (فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) أي فيثبت (كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ) أي ليظهر الحق من الباطل ، قال ابن كثير : قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى (أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها) الآية. هذا مثل ضربه الله احتملت منه القلوب على قدر يقينها وشكها ، فأما الشك فلا ينفع معه العمل ، وأما اليقين فينفع الله به أهله وهو قوله (فَأَمَّا الزَّبَدُ) وهو الشك (فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) وهو اليقين ، وكما يجعل الحلي في النار فيؤخذ خالصه ويترك خبثه في النار ، فكذلك يقبل الله اليقين ويترك الشك. قال النسفي : (قال الجمهور : وهذا مثل ضربه الله تعالى للقرآن والقلوب ، والحق والباطل ، فالماء القرآن نزل لحياة الجنان كالماء للأبدان ، والأودية للقلوب ، ومعنى بقدرها بقدر سعة القلب وضيقه ، والزبد هواجس النفس ووساوس الشيطان ، والماء الصافي المنتفع به مثل الحق ، فكما يذهب الزبد باطلا ويبقى صفو الماء ، كذلك تذهب هواجس النفس ويبقى الحق كما هو ، وأما حلية الذهب والفضة فمثل للأحوال السنية والأخلاق الزكية ، وأما متاع الحديد والنحاس والرصاص فمثل للأعمال الممدة بالإخلاص المعدة للخلاص ، فإن الأعمال جالبة للثواب دافعة للعقاب ، كما أن تلك الجواهر بعضها أداة النفع للكسب ، وبعضها آلة الدفع في الحرب ، وأما الزبد فالرياء والخلل والملل والكسل).

كلمة في السياق :

لقد قلنا : إن محور سورة الرعد هو آيتا سورة البقرة : (إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ) بدأت هاتان الآيتان بالحديث عن الله وضربه الأمثال ، وموقف الناس من المثل ، وانقسامهم بذلك إلى قسمين : مهتدين ،

٣٣٦

وضالين ، وأن الذين استحقوا الضلال هم الموصوفون بالصفات المذكورة ، وههنا في سورة الرعد بدأ المقطع الثاني بالحديث عن الله ، وعلمه المحيط ، وعظمته وعنايته بالإنسان ، وقانونه العادل في خلقه. ثم تحدث عن مظاهر من قدرته وعظمته وانتقامه ، ثم ضرب مثلا لمن يعبده ويعبد غيره ، ثم قرر خضوع الخلق كلهم له ، ثم قرر ربوبيته ووحدانيته وقهره ، ثم ضرب مثلا للحق الذي أنزله ووقعه في القلوب ، وحال القلوب معه ، واستحقاق هذا الحق للبقاء والمكث في الأرض ، ليوصلنا بذلك كله إلى ما أعد للمسلمين له ، وما أعد للرافضين هداه ، ثم ليقارن بين الذين علموا الحق والذين لا يعلمونه ، وبين صفات الذين علموا الحق واستجابوا له ، وصفات الذين رفضوا الحق ولم يستجيبوا له ، وهي نفس الصفات المذكورة في سورة البقرة (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ ...) فالمقطع إذن تفصيل لآيتي سورة البقرة اللتين هما محور هذه السورة ، إن معرفة الله توصل إلى أنه هو وحده الذي يعلم الحق ، وهو الذي ينزله ويبينه. ولكن الناس يختلفون في موقفهم منه ، فيقبله بعضهم ويرفضه آخرون ، والبقاء الحقيقي للحق وحده ، والثواب الحقيقي والجزاء الصارم إنما يكونان يوم القيامة ، والذين يستجيبون للحق لهم مواصفاتهم ، والذين لا يستجيبون لهم مواصفاتهم. فلنر كيف عرضت المعاني فيما تبقى من المقطع :

(لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى) أي : الجنة ورضوان الله تعالى للذين أطاعوا الله ورسوله ، وانقادوا لأوامره وصدقوا وحيه (وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ) برفضهم هديه (لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ) أي لو ملكوا أموال الدنيا وملكوا معها مثلها لبذلوه ليدفعوا عن أنفسهم عذاب الله ، وأنى لهم ذلك ، ومع بعد ذلك عنهم فإن الله لا يتقبل منهم (أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ) أي في الدار الآخرة ، أي يناقشون على النقير والقطمير والجليل والحقير ، ومن نوقش الحساب عذب (وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ) أي ومرجعهم بعد المحاسبة النار (وَبِئْسَ الْمِهادُ) أي وبئس المكان الممهد جهنم ، ثم قارن الله عزوجل بين الفريقين فقال : (أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى) أي لا يستوي من يعلم من الناس أن الذي أنزل إليك يا محمد من ربك هو الحق الذي لا شك فيه ولا مرية ولا لبس فيه ولا اختلاف فيه ، بل هو كله حق يصدق بعضه بعضا ، لا يضاد شىء منه شيئا آخر ، فأخباره كلها حق ، وأوامره ونواهيه عدل ، لا يستوي من كان كذلك ومن هو أعمى لا يهتدي إلى خير ولا يفهمه ، ولو فهمه ما انقاد له ولا صدقه

٣٣٧

ولا اتبعه ، أفهذا كهذا؟ لا استواء. فالاستفهام في الآية إنكاري ، أي إنه لمستنكر بعد كل هذا وبعد ما ضرب الله من المثل وما جاء به من الهدى أن تقع شبهة لا يعرف فيها الحق ، إنه ليس إلا العمى وحده هو السبب في عدم رؤية الحق ، ثم ختم الله الآية بقوله : (إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ) أي إنما يتعظ ويعتبر ويعقل أولوا العقول السليمة الصحيحة الذي يعملون على قضايا عقولهم فينظرون ويستبصرون ، فمن لا عقل له لا يتذكر ، ومن لم يتذكر فهو أعمى ، وقد دل ذلك على أن العقول السليمة مركوز فيها الحق ، فإذا نزل عليها الوحي تذكرت ، أما القلوب التي لا تتذكر فإنها وصلت إلى العمى الكامل ، ولذلك كله علاماته ، ومن ثم فإن الله عزوجل ذكر بعد هذه الآية خصائص الفريقين ، مقدما صفات أهل الحق ، فمن وجد من نفسه صفات أهل الحق فإنه من المهتدين ، ومن وجد من نفسه صفات أهل الباطل فإنه من الظالمين. أول هذه الصفات : (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ) وعهد الله ما أوثقوه على أنفسهم من الشهادة بربوبيته ، فهم يفون لله بعهده أنه الرب وهم عبيد ، ثم هم لا ينقضون ما أوثقوه على أنفسهم من المواثيق بينهم وبين الله ، أو بينهم وبين العباد. خصص الوفاء بعهد الله ثم عمم ليدخل فيه كل عهد واجب الوفاء شرعا. وثاني هذه الصفات : (وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ) ويدخل في ذلك صلة الأرحام والإحسان إليهم ، وإلى الفقراء والمحاويج وبذل المعروف. قال النسفي : (ويدخل فيه وصل قرابة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقرابة المؤمنين الثابتة بسبب الإيمان .. إنما المؤمنون إخوة ، بالإحسان إليهم على حسب الطاقة ، ونصرتهم والذب عنهم ، والشفقة عليهم ، وإفشاء السلام عليهم ، وعيادة مرضاهم ، ومنه مراعاة حق الأصحاب والخدم والجيران والرفقاء في السفر) الصفة الثالثة : (وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ) لمعرفتهم به وبجلاله. الصفة الرابعة : (وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ) في الدار الآخرة فيحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا ، ويراقبون الله فيما يأتون ويذرون من الأعمال ، فيكون أمرهم على السداد والاستقامة ، في جميع حركاتهم وسكناتهم وجميع أحوالهم. الصفة الخامسة : (وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ) صبروا عن المحارم والمآثم ، وصبروا على المصائب في النفوس والأموال ومشاق التكاليف لله وحده ، لا ليقال ما أصبره وأحمله للنوازل ، وأوقره عند الزلازل ، ولا لئلا يعاب في الجزع ، قال صاحب الظلال : (والصبر ألوان. وللصبر مقتضيات. صبر على تكاليف الميثاق من عمل وجهاد ودعوة واجتهاد ..... الخ ، وصبر على النعماء والبأساء. وقل من يصبر على النعمة فلا يبطر ولا يكفر. وصبر على

٣٣٨

حماقات الناس وجهالاتهم وهي تضيق الصدور .. وصبر وصبر وصبر .. كله ابتغاء وجه ربهم لا تحرجا من أن يقول الناس : جزعوا ، ولا تجملا ليقول الناس : صبروا. ولا رجاء في نفع من وراء الصبر. ولا دفعا لضر يأتي به الجزع. ولا لهدف واحد غير ابتغاء وجه الله والصبر على نعمته وبلواه. صبر التسليم لقضائه والاستسلام لمشيئته والرضى والاقتناع ..) الصفة السادسة : (وَأَقامُوا الصَّلاةَ) أي داوموا على إقامتها بحدودها ومواقيتها وركوعها وسجودها وخشوعها على الوجه الشرعي المرضي. الصفة السابعة : (وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ) أي على الذين يجب عليهم الإنفاق لهم من زوجات وقرابات وأجانب ، من فقراء ومحاويج ومساكين (سِرًّا وَعَلانِيَةً) أي في السر والجهر لم يمنعهم من ذلك حال من الأحوال آناء الليل وأطراف النهار. وصدقة السر في النفل أفضل ، وصدقة الجهر في الفرض أفضل نفيا للتهمة. الصفة الثامنة : (وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ) أي يدفعون القبيح بالحسن ، فإذا آذاهم أحد قابلوه بالجميل صبرا واحتمالا وصفحا وعفوا ، يدفعون بالحسن من الكلام ما يرد عليهم من سىء غيرهم ، وإذا حرموا أعطوا ، وإذا ظلموا عفوا ، وإذا قطعوا وصلوا ، وإذا أذنبوا تابوا ، وإذا هربوا أنابوا ، وإذا رأوا منكرا أمروا بتغييره ، قال صاحب الظلال : (والمقصود أنهم يقابلون السيئة بالحسنة في المعاملات اليومية لا في دين الله ، ولكن التعبير يتجاوز المقدمة إلى النتيجة. فمقابلة السيئة بالحسنة تكسر شرة النفوس ، وتوجهها إلى الخير وتطفىء جذوة الشر وترد نزغ الشيطان ، ومن ثم تدرأ السيئة وتدفعها في النهاية. فعجل النص بهذه النهاية وصدر بها الآية ترغيبا في مقابلة السيئة بالحسنة وطلبا لنتيجتها المرتقبة .. ثم هي إشارة خفية إلى مقابلة السيئة بالحسنة عند ما يكون في هذا درء السيئة ودفعها لا إطماعها واستعلاؤها فأما. حين تحتاج السيئة إلى القمع ويحتاج الشر إلى الدفع فلا مكان لمقابلتها بالحسنة لئلا ينتفش الشر ويتجرأ ويستعلي ، ودرء السيئه بالحسنة يكون غالبا في المعاملة الشخصية بين المتماثلين فأما في دين الله فلا .. إن المستعلي الغاشم لا يجدي معه إلا الدفع الصارم ، والمفسدين في الأرض لا يجدي معهم إلا الأخذ الحاسم ، والتوجيهات القرآنية متروكة لتدبر المواقف واستثارة الألباب والتصرف بما يرجح أنه الخير والصواب) وبعد فهذه مجموعة صفات ذكرها الله عزوجل ، فمن استجمع هذا الصفات والخصائص فهو الجدير بالحق ، البصير به ، المهتدي بهداية الله ، المستحق لما أعده الله لأهل الحق (أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ) أي عاقبة الدنيا وهي الجنة ؛ لأنها التي أرادها الله أن تكون عاقبة الدنيا ومرجع أهلها (جَنَّاتُ عَدْنٍ) أي جنات إقامة يخلدون فيها (يَدْخُلُونَها

٣٣٩

وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ) قال ابن كثير : (أي يجمع بينهم وبين أحبابهم فيها ، من الآباء والأهلين والأبناء ممن هو صالح لدخول الجنة من المؤمنين لتقر أعينهم بهم ، حتى أنه ترفع درجة الأدنى إلى درجة الأعلى امتنانا من الله وإحسانا من غير تنقيص للأعلى عن درجته ..) قال النسفي : (ووصفهم بالصلاح ليعلم أن الأنساب لا تنفع بنفسها. والمراد (أي بقوله : من آبائهم) أبواكل واحد منهم ، فكأنه قيل من آبائهم وأمهاتهم) (وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ) بالهدايا وبشارات الرضا (مِنْ كُلِّ بابٍ) قائلين (سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ) أي هذا الثواب بسبب صبركم عن الشهوات وعلى أمر الله. دل ذلك على أن الصبر هو الخلق الجامع (فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) أي الجنة. قال ابن كثير في تفسير الآية : (أي وتدخل عليهم الملائكة من ههنا ومن ههنا للتهنئة بدخول الجنة ، فعند دخولهم إياها تفد عليهم الملائكة مسلمين مهنئين لهم بما حصل لهم من الله من التقريب والإنعام والإقامة في دار السلام في جوار الصديقين والأنبياء والرسل الكرام) وبهذا تم وصف أهل الحق وخصائصهم ومواصفاتهم : الذين يتذكرون ، والذين يهتدون ويقبلون هدى الله ، والذين لهم العاقبة في الدنيا والآخرة ، وتأتي الآية الأخيرة في المقطع لتحدد صفات الأشقياء العمي الذين لا يعرفون الحق ولا يهتدون إليه ؛ بسبب من أعمالهم التي هي على النقيض من أعمال أولئك (وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ) أي من بعد ما أوثقوه به من الاعتراف والقبول (وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ) من رحم وإيمان (وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ) بالكفر والظلم ، وتطبيق شرائع الجاهلية والصد عن سبيل الله (أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ) وهي الإبعاد من الرحمة (وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) أي سوء عاقبة الدنيا إن أريد بالدار الدنيا ، ويحتمل أن يراد جهنم وبسوئها عذابها.

فائدة :

بمناسبة قوله تعالى (أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ) قال صاحب الظلال : (إن هنالك علاقة وثيقة بين الفساد الذي يصيب حياة البشر في هذه الأرض وبين ذلك العمى عن الحق الذي جاء من عند الله لهداية البشر إلى الحق والصلاح والخير ، فالذين لا يستجيبون لعهد الله على الفطرة ، ولا يستجيبون للحق الذي جاء من عنده ويعلمون أنه وحده الحق .. هم الذين يفسدون في الأرض ؛ كما أن الذين يعلمون أنه الحق ويستجيبون له هم الذين يصلحون في الأرض وتزكو بهم الحياة : (أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما

٣٤٠