بحار الأنوار

الشيخ محمّد باقر بن محمّد تقي المجلسي

بحار الأنوار

المؤلف:

الشيخ محمّد باقر بن محمّد تقي المجلسي


الموضوع : الحديث وعلومه
الناشر: مؤسسة الوفاء
الطبعة: ٢
الصفحات: ٤١٩
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣ الجزء ٤ الجزء ٥ الجزء ٦ الجزء ٧ الجزء ٨ الجزء ٩ الجزء ١٠ الجزء ١١ الجزء ١٢ الجزء ١٣ الجزء ١٤ الجزء ١٥ الجزء ١٦ الجزء ١٧ الجزء ١٨ الجزء ١٩ الجزء ٢٠ الجزء ٢١ الجزء ٢٢ الجزء ٢٣ الجزء ٢٤ الجزء ٢٥ الجزء ٢٦ الجزء ٢٧ الجزء ٢٨ الجزء ٢٩ الجزء ٣٠ الجزء ٣١ الجزء ٣٥ الجزء ٣٦ الجزء ٣٧ الجزء ٣٨ الجزء ٣٩ الجزء ٤٠ الجزء ٤١ الجزء ٤٢ الجزء ٤٣ الجزء ٤٤ الجزء ٤٥ الجزء ٤٦ الجزء ٤٧ الجزء ٤٨ الجزء ٤٩ الجزء ٥٠ الجزء ٥١ الجزء ٥٢ الجزء ٥٣ الجزء ٥٤ الجزء ٥٥ الجزء ٥٦ الجزء ٥٧ الجزء ٥٨ الجزء ٥٩ الجزء ٦٠ الجزء ٦١ الجزء ٦٢ الجزء ٦٣ الجزء ٦٤ الجزء ٦٥ الجزء ٦٦ الجزء ٦٧ الجزء ٦٨ الجزء ٦٩ الجزء ٧٠ الجزء ٧١ الجزء ٧٢ الجزء ٧٣ الجزء ٧٤ الجزء ٧٥ الجزء ٧٦ الجزء ٧٧ الجزء ٧٨ الجزء ٧٩ الجزء ٨٠ الجزء ٨١ الجزء ٨٢ الجزء ٨٣ الجزء ٨٤ الجزء ٨٥ الجزء ٨٦ الجزء ٨٧ الجزء ٨٨ الجزء ٨٩ الجزء ٩٠ الجزء ٩١ الجزء ٩٢ الجزء ٩٣ الجزء ٩٤ الجزء ٩٥ الجزء ٩٦   الجزء ٩٧ الجزء ٩٨ الجزء ٩٩ الجزء ١٠٠ الجزء ١٠١ الجزء ١٠٢ الجزء ١٠٣ الجزء ١٠٤

كذا فهمه الاكثر ، ويخطر بالبال أن المعنى أنه يحسن إلى غيره سواء وعده الاحسان أو لم يعده كما فسرت الاية المتقدمة في كثير من الاخبار بخلف الوعد وفي النهج « وكان يقول ما يفعل ، ولايقول مالا يفعل » وفي بعض نسخه في الاول « وكان يفعل ما يقول ».

« كان إذا ابتزه أمران » كذا في أكثر النسخ بالباء الموحدة والزاي على بناء الافتعال ، أي استلبه وغلبه وأخذه قهرا ، كناية عن شدة ميله إليهما وحصول الدواعي في كل منهما ، في القاموس البز الغلبة ، وأخذ الشئ بجفاء وقهر كالابتزاز ، وبزبز الشئ سلبه كابتزه ، ولايبعد أن يكون في الاصل : « انبراه » بالنون والباء الموحدة على الحذف والايصال أي اعترض له ، وفي النهج « وكان إذا بدهه أمران نظر أيهما أقرب إلى الهوى فخالفه » يقال بدهه أمر كمنعه أي بغته وفاجأه.

وهذا الكلام يحتمل معنيين الاول أن يكون المعنى إذا عرضت له طاعتان كان يختار أشقهما على نفسه ، لكونها أكثر ثوابا ، كالوضوء بالماء البارد والحار في الشتاء ، كما ورد ذلك في فضائل أميرالمؤمنين عليه‌السلام والثاني أن يكون معيارا لحسن الاشياء وقبحها ، كما إذا ورد عليه فعل لايدري فعله أفضل أو تركه فينظر إلى نفسه وكلما تهواه يخالفها كما ورد لاتترك النفس وهواها ، فان رداها في هواها وهذا هو الغالب ، لكن جعلها قاعدة كلية كما تقوله المتصوفة مشكل ، لما نقل عن بعضهم أنه مر بعذرة فعرصها على نفسه فأبت فأكلها ، والظاهر أن أكلها كان عين هواها لتعده الرعاع (١) من الناس شيخا كاملا ، ولكل عذرة آكلا.

« إلا عند من يرجو عنده البرء » أي ربه تعالى فانه الشافي حقيقة ، أو المراد به الطبيب الحاذق الذي يرجو بمعالجته البرء فانه حينئذ ليس بشكاية ، بل هو طلب لعلاجه ، فلاستثناء منقطع ، وفي النهج « وكان لايشكو وجعا إلا عند برئه »

____________________

(١) الرعاع بالفتح : سقاط الناس وسفلتهم وغوغاؤهم ، الواحد رعاعة ، وقيل : لاواحد له من لفظه.

٣٠١

أي يحكيه بعد البرء للشكر والتحدث بنعمة الله ، فالاستثناء منقطع ، أو اطلقت الشكاية عليها على المشاكلة ، وقيل أي كان يكتم مرضه عن إخوانه لئلا يتجشموا زيارته.

« ولا يستشير » في المصباح شاورته في كذا واستشرته راجعته لارى رأيه فيه ، فأشار علي بكذا : أراني ما عنده فيه من المصلحة ، فكانت إشارته حسنة والاسم المشورة ، وفيه لغتان سكون الشين وفتح الواو ، والثانية ضم الشين وسكون الواو وزان معونة ، ويقال : هي من شار الدابة إذا عرضه في المشوار ، ويقال : من أشرت العسل شبه حسن النصيحة بشري العسل « إلا من يرجو عنده النصيحة » أي خلوص الرأي ، وعدم الغش وكمال الفهم.

« كان لايتبرم » كأن إعادة تلك الخصال مع ذكرها سابقا للتأكيد وشدة الاهتمام بترك تلك الخصال ، أو المراد بها في الاول تشهي الدنيا والتسخط من فقدها ، والتبرم بمصائب الدنيا ، والشكاية عن الوجع ، والمراد هنا التبرم من كثرة سؤال الناس وسوء أخلاقهم والتسخط بما يصل إليه منهم ، وتشهي ملاذ الدنيا والتشكي عن أحوال الدهر ، أو عن الاخوان ، والشكاية والتشكي والاشتكاء بمعنى ويمكن الفرق بامور اخر يظهر بالتأمل فيما ذكرنا.

« ولاينتقم » أي من العدو حتى ينتقم الله له كما مر « ولا يغفل عن العدو » أي الاعداء الظاهرة والباطنة كالشيطان والنفس والهوى.

« فعليكم بمثل هذه الاخلاق » في النهج « فعليكم بهذه الخلائق فالزموها وتنافسوا فيها ، فان لم تستطيعوها فاعلموا أن أخذ القليل خير من ترك الكثير » أقول : لما كان الغرض من ذكر صفات الاخ أن يقتدي السامعون به في الفضائل المذكورة ، أمرهم عليه‌السلام بلزومها والتنافس فيها ، أو في بعضها إن لم يمكن الكل.

قوله عليه‌السلام « من ترك الكثير » أي الكل.

وأقول : في رواية النهج ترك بعض تلك الخصال وفيها زيادة أيضا وهي قوله « وكان إن غلب على الكلام لم يغلب على السكوت ، وكان على ما يسمع أحرص منه

٣٠٢

على أن يتكلم » والمراد بالفقرة الاولى أنه إن غلبه أحد بالجدال والخروج عن الحق عدل إلى السكوت وترك المراء ، فكان هو الغالب حقيقة لعدم خروجه عن الحق أو المراد أن سكوته كان أكثر من غيره ، فالكلام أعم مما هو في معرض الجدال وأما الثانية فالحرص على الاستماع لاحتمال الانتفاع ، وقيل : صيغة التفضيل هنا مثلها في قوله تعالى « أذلك خير أم جنة الخلد » (١).

٢٥ ـ كا : عن العدة ، عن البرقي ، عن ابن محبوب ، عن عبدالله بن سنان عن معروف بن خربوذ ، عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : صلى أميرالمؤمنين عليه‌السلام بالناس الصبح بالعراق فلما انصرف وعظهم فبكى وأبكاهم من خوف الله ، ثم قال : أما والله لقد عهدت أقواما على عهد خليلي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وإنهم ليصبحون ويمسون شعثا غبرا خمصا ، بين أعينهم كركب المعزى ، يبيتون لربهم سجدا وقياما يراوحون بين أقدامهم وجباههم ، يناجون ربهم ويسألونه فكاك رقابهم من النار والله لقد رأيتهم على هذا وهم خائفون مشفقون (٢).

ما : عن المفيد ، عن ابن قولويه ، عن أبيه ، عن سعد ، عن ابن عيسى ، عن ابن محبوب مثله (٣).

توضيح : العراق هنا الكوفة ، والعراقان الكوفة والبصرة « لقد عهدت » أي لقيت أو هو في ذكري وفي بالي ، وفي المصباح عهدته بمكان كذا لقيته ، وعهدي به قريب أي لقائي ، وعهدت الشئ ترددت إليه وأصلحته وحقيقته تجديد العهد به وفي القاموس : العهد : الالتقاء والمعرفة ، منه عهدي به بموضع كذا ، والشعث بالضم جمع الاشعث ، كالغبر بالضم جمع الاغبر ، والشعث تفرق الشعر وعدم إصلاحه ومشطه وتنظيفه ، والاغبر المتلطخ بالغبار ، قال في المصباح : شعث الشعر شعثا فهو شعث من باب تعب تغير وتلبد لقلة تعهده بالدهن ، ورجل أشعث وامرأة شعثاء ، والشعث

____________________

(١) الفرقان : ١٥.

(٢) الكافى ج ٢ ص ٢٣٦.

(٣) أمالى الطوسى ج ١ ص ١٠٠.

٣٠٣

أيضا الوسخ ، ورجل شعث : وسخ الجسد ، وشعث الرأس أيضا وهو أشعث أغبر من غير استحداد (١) ولاتنظف ، والشعث أيضا التفرق وتلبد الشعر انتهى.

فان قيل : التمشط والتدهن والتنظف كلها مستحبة مطلوبة للشارع ، فكيف مدحهم عليه‌السلام بتركها؟ قلنا : يحتمل أن تكون تلك الاحوال لفقرهم ، وعدم قدرتهم على إزالتها ، فالمدح على صبرهم على الفقر ، أو المعنى أنهم لايهتمون بازالتها زائدا على المستحب أو يقال : إذا كان تركها لشدة الاهتمام بالعبادة ، وغلبة خوف الاخرة يكون ممدوحا.

« خمصا » جمع الاخمص ، وقيل الخميص أي بطونهم خالية إما للصوم أو للفقر أو لا يشبعون لئلا يكسلوا في العبادة ، وقد مر. « كركب المعزى » أي من أثر السجود لكثرته وطوله ، وفي القاموس الركبة بالضم مابين أسافل أطراف الفخذ وأعالي الساق ، أو موضع الوظيف والذراع أو مرفق الذراع من كل شئ والجمع ركب كصرد ، وقال : المعز بالفتح وبالتحريك والمعزى ويمد خلاف الضأن من الغنم ، والماعز واحد المعز للذكر والانثى ، وفي المصباح المعز اسم جنس لاواحد من لفظه ، وهي ذوات الشعر من الغنم الواحدة شاة ، والمعزى ألفها للالحاق لاللتأنيث ، ولهذا تنون في النكرة ، والذكر ماعز ، والانثى ماعزة انتهى.

« يبيتون لربهم » تضمين لقوله تعالى في الفرقان « والذين يبتون لربهم سجدا وقياما » (٢) قال البيضاوي : وتأخير القيام للروى ، وهو جمع قائم أو مصدر اجري مجراه انتهى (٣) وقيل : في تقديم الاقدام على الجباه مع التأخير في الاية إشارة إلى أن تقديم السجود فيها لزيادة القرب فيه ، ولرعاية موافقة الفواصل وفي النهاية فيه إنه كان يراوح بين قدميه من طول القيام ، أي يعتمد على إحداهما مرة وعلى الاخرى مرة ، ليوصل الراحة إلى كل منهما ، ومنه حديث ابن مسعود

____________________

(١) الاستحداد : الحلق بالحديد.

(٢) الفرقان : ٦٤.

(٣) أنوار التنزيل ص ٣٠٥.

٣٠٤

إنه أبصر رجلا صافا قدميه ، فقال : لو راوح كان أفضل ، ومنه حديث بكر بن عبدالله : كان ثابت يراوح ما بين جبهته وقدميه أي قائما وساجدا يعني في الصلاة.

وأقول : ظاهر أكثر أصحابنا استحباب أن يكون اعتماده على قدميه مساويا وأما هذه الاخبار مع صحتها يمكن أن تكون مخصوصة بالنوافل أو بحالي المشقة والتعب ، والمناجاة المسارة « وهم خائفون » من رد أعمالهم للاخلال ببعض شرائطها « مشفقون » من عذاب الله ، والحاصل أنهم مع هذا الجد والمبالغة في العمل كانوا يعدون أنفسهم مقصرين ، ولم يكونوا بأعمالهم معجبين.

٢٦ ـ كا : عن العدة ، عن البرقي ، عن إسماعيل بن مهران ، عن سيف بن عميرة ، عن سليمان بن عمرو النخعي قال : وحدثني الحسين بن سيف ، عن أخيه علي ، عن سليمان ، عمن ذكره ، عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : سئل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله عن خيار العباد فقال : الذين إذا أحسنوا استبشروا ، وإذا أساؤا استغفروا ، وإذا اعطوا شكروا ، وإذا ابتلوا صبروا ، وإذا أغضبوا غفروا (١).

ل ، لى : عن ابن الوليد ، عن الصفار ، عن البرقي ، عن ابن مهران ، عن ابن عميرة ، عن سليمان بن جعفر ، عن محمد بن مسلم وغيره ، عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : سئل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وذكر نحوه (٢).

بيان : الاحسان فعل الحسنة ، ويحتمل الاحسان إلى الغير ، وكذا الاساءة يحتملهما ، والاستبشار الفرح والسرور.

٢٧ ـ كا : بالاسناد المتقدم ، عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : إن خياركم اولوالنهى ، قيل : يا رسول الله ومن اولوالنهى؟ قال : هم اولوالاخلاق الحسنة ، والاحلام الرزينة ، وصلة الارحام ، والبررة بالامهات والاباء والمتعاهدين للفقراء ، والجيران واليتامى ، ويطعمون الطعام ، ويفشون السلام

____________________

(١) الكافى ج ٢ ص ٢٤٠.

(٢) الخصال ج ١ ص ١٥٣ ، أمالى الصدوق ص ٨.

٣٠٥

في العالم ، ويصلون والناس نيام غافلون (١).

بيان : « اولوالنهى » في القاموس النهية بالضم العقل كالنهى ، وهو يكون جمع نهية أيضا وقال الراغب : النهية العقل الناهي عن القبائح جمعها نهى ، قال عزوجل « إن في ذلك لايات لاولي النهى » انتهى (٢) والاحلام جمع حلم بالكسر بمعنى العقل ، أو الاناة ، وعدم التسرع إلى الانتقام ، وهو هنا أظهر وفي القاموس الرزين الثقيل وترزن في الشئ توقر « وصلة الارحام » عطف على الاحلام ، ويمكن أن يكون الواو جزء الكملة والصاد مفتوحة جمع واصل « والمتعاهدين » في أكثر النسخ بالنصب فيكون نصبا على المدح ، كما قالوا في قوله تعالى في سورة النساء « والمقيمين الصلوة والمؤتون الزكوة » (٣) ويمكن على الاحتمال الثاني في « وصلة الارحام » نصب الوصلة على المدح.

« والناس نيام غافلون » نيام جمع نائم ، وغافلون خبر بعد خبر ، أي بعضهم نيام ، وبعضهم غافلون ، أو صفة كاشفة أي المراد بالنيام الغافلون ، كماورد : الناس نيام فاذا ماتوا انتبهوا.

٢٨ ـ كا : عن علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن محمد بن عرفة ، عن أبي عبدالله عليه‌السلام قال : قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : ألا اخبركم بأشبهكم بي؟ قالوا : بلى يا رسول الله قال : أحسنكم خلقا ، وألينكم كنفا ، وأبركم بقرابته ، وأشدكم حبا لاخوانه في دينه ، وأصبركم على الحق ، وأكظمكم للغيظ ، وأحسنكم عفوا ، وأشدكم من نفسه إنصافا في الرضا والغضب (٤).

بيان : « وألينكم كنفا » أي لايتأذى من مجاورتهم ومجالستهم ومن ناحيتهم أحد ، في القاموس : أنت في كنف الله محركة : في حرزه وستره ، وهو الجانب والظل

____________________

(١) الكافى ج ٢ ص ٢٤٠.

(٢) مفردات غريب القرآن ص ٥٠٧ ، والاية في طه : ١٢٨ و ٤٥.

(٣) النساء : ١٦٢.

(٤) الكافى ج ٢ ص ٢٤٠.

٣٠٦

والناحية ، ومن الطائر جناحه ، وفي النهاية فيه ألا اخبركم بأحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة؟ أحاسنكم أخلاقا الموطؤن أكنافا ، هذا مثل وحقيقته من التوطئة وهي التمهيد والتذلل ، وفراش وطئ لايؤذي جنب النائم ، والاكناف الجوانب أراد الذين جوانبهم وطيئة يتمكن فيها من يصاحبهم ، ولايتأذى انتهى.

وأقول : في بالي أن في بعض الاخبار أكتافا بالتاء أي أنهم لشدة تذللهم كأنه يركب الناس أكتافهم ولايتأذون بذلك « لاخوانه في دينه » أي تكون اخوته بسبب الدين لابسبب النسب « على الحق » أي على المشقة والاذية اللتين تلحقانه بسبب اختيار الحق أو قول الحق « في الرضا » أي عن أحد « والغضب » أي في الغضب له.

٢٩ ـ نهج : قال أميرالمؤمنين عليه‌السلام في بعض خطبه : لقد رأيت أصحاب محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله فما أرى أحدا يشبههم ، لقد كانوا يصبحون شعثا غبرا قد باتوا سجدا وقياما ، يراوحون بين جباههم وخدودهم ، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم ، كأن بين أعينهم ركب المعزى من طول سجودهم ، إذا ذكرالله هملت أعينهم حتى تبل جيوبهم ، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف خوفا من العقاب ، ورجاء للثواب (١).

بيان : « شعثا غبرا » إما لفقرهم فالمدح للصبر على الفقر ، أو لتركهم زينة الدنيا ولذاتها على ما ذكره الاكثر فينبغي التقييد بعدم القدرة ، أو التخصيص ببعض الافراد ، أو لتقشف العبادة ، وقيام الليل ، وصوم النهار ، وهجر الملاذ فالغبرة كناية عن صفرة اللون ، والسجد جمع ساجد كالقيام جمع قائم أو القيام مصدر اجري مجراه ، والتخصيص بالليل لكون العبادة فيه أحمز وأبعد عن الرئاء والمراوحة بين الجبهة والخد وضع كل على الارض حتى يستريح الاخر ، أو كأنه يستريح وليس الغرض الاستراحة ، وذلك في سجدة الشكر وإن كان وضع الجبهة شاملا لسجود الصلاة ، والجمر بالفتح جمع جمرة ، وهي النار المتقدة ، ووقوفهم

____________________

(١) نهج البلاغة ج ١ ص ٢٠٤ تحت الرقم ٩٥.

٣٠٧

على مثل الجمر قلقهم واضطرابهم من خوف المعاد وعذاب النار ، والمراد بين أعينهم جباههم مجازا ، أو الموضع حقيقة للارغام في السجود ، والاول أظهر « وهملت » كضربت ونصرت : أي سالت وفاضت ، وجيب القميص ونحوه بالفتح طوقه ومادوا تحركوا واضطربوا ، والريح العاصف والعاصفة الشديدة « وخوفا » مفعول له لقوله عليه‌السلام : « مادوا » فقط فسيلان العين للحب والشوق أو للفعلين جميعا أو للجميع على بعد ، ويدل على أن الخوف من العقاب ، والرجاء للثواب لاينافيان الاخلاص.

٣٠ ـ نهج : قال عليه‌السلام في بعض خطبه : أين القوم الذين دعوا إلى الاسلام فقبلوه ، وقرؤا القرآن فأحكموه ، وهيجوا إلى الجهاد فولهوا وله اللقاح إلى أولادها ، وسلبوا السيوف أغمادها ، وأخذوا بأطراف الارض زحفا زحفا وصفا صفا ، بعض هلك ، وبعض نجا ، لايبشرون بالاحياء ، ولايعزون عن الموتى (١) مره العيون من البكاء ، خمص البطون من الصيام ، ذبل الشفاه من الدعاء ، صفر الالوان من السهر ، على وجوههم غبرة الخاشعين ، اولئك إخواني الذاهبون ، فحق لنا أن نظمأ إليهم ونعض الايدي على فراقهم (٢).

بيان : كأن المراد بأحكام القرآن حفظ الالفاظ عن التحريف والتدبر في معناه والعمل بمقتضاه ، وأهاجه أثاره ، والمراد به تحريصهم وترغيبهم إليه ، والوله بالتحريك ذهاب العقل والتحير من شدة الوجد من حزن أو فرح ، وقيل : هو شدة الحب ، يقال : وله كفرح وكوعد على قلة ، والوله إلى الشئ الاشتياق إليه واللقاح ككتاب الابل أو الناقة ذات اللبن واللقوح واحدتها ، والحاصل أنهم اشتاقوا إلى الحرب بعد الترغيب اشتياق اللقاح إلى أولادها ، وفي بعض النسخ « فولهوا اللقاح أولادها » قيل : أي جعلوا اللقاح والهة إلى أولادها بركوبهم إياها عند خروجهم إلى الجهاد ، وقوله عليه‌السلام « أولادها » نصب باسقاط الجار إذالفعل أعني « وله » غير

____________________

(١) عن القتلى خ ل.

(٢) نهج البلاغة ج ١ ص ٢٥١ تحت الرقم ١١٩.

٣٠٨

متعد إلى مفعولين بنفسه ، والغمد بالكسر جفن السيف.

« وأخذوا بأطراف الارض » أي أخذوا الارض بأطرافها ، كما قيل ، أو أخذوا على الناس بأطراف الارض ، أي حصروهم ، يقال لمن استولى على غيره وضيق وضيق عليه : قد أخذ عليه بأطراف الارض قال الفرزدق :

أخذنا بأطراف السماء عليكم

لنا قمراها والنجوم الطوالع

وقيل : المعنى أخذوا أطراف الارض ، من قبيل أخذت بالخطام ، ويحتمل أن يكون المراد شرعوا في الجهاد في أطراف الارض والمواطن البعيدة ، والزحف الجيش يزحفون إلى العدو أي يمشون ومصدر يقال : زحف إليه كمنع زحفا إذا مشى نحوه ، والصف واحد الصفوف ، ويمكن مصدرا « وزحفا زحفا » أي زحفا بعد زحف متفرقين في الاطراف وكذلك « صفا صفا » والنصب على الحالية نحو جاؤنى رجلا رجلا ، وقيل : زحفا منصوب على المصدر المحذوف الفعل أي يزحفون زحفا ، والثانية تأكيد للاولى وكذلك قوله صفا صفا.

وقوله عليه‌السلام « بعض هلك وبعض نجا » إشارة إلى قوله تعالى « فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا » (١) والعزاء الصبر أو حسن الصبر وعزيته تعزية أي قلت له : أحسن الله عزاك ، أي رزقك الصبر الحسن ، وهو اسم من ذلك نحو سلم سلاما قال ابن ميثم رحمه‌الله : (٢) المعنى أنهم لما قطعوا العلائق الدنيوية ، إذا ولد لاحدهم مولود لم يبشر به ، وإذا مات منهم أحد لم يعزوا عنه وكانت نسخته موافقة لما نقلنا ، وفي بعض النسخ « لايعزون عن القتلى » موافقا لما في نسخة ابن أبي الحديد ، قال : أي لشدة ولههم إلى الجهاد لايفرحون ببقاء حيهم حتى يبشروا به ، ولايحزنون لقتل قتيلهم حتى يعزوا به (٣).

( مره العيون ) يقال : مرهت عينه كفرح أي فسدت لترك الكحل ، والمراد

____________________

(١) الاحزاب : ٢٣.

(٢) شرح النهج لابن ميثم ص ٢٨٤.

(٣) شرج النهج لابن أبى الحديد ج ص ٢٦٠.

٣٠٩

هنا مطلق الفساد ، وخمص البطن مثلثة الميم أي خلا ، وخمص الرجل خمصا كقرب أي جاع ، وذبل الشئ ذبولا كقعد : ذهبت نداوته وقل ماؤه ، والسهر بالتحريك عدم النوم في الليل كله أو بعضه ، والغبرة بالتحريك الغبار والكدورة « فحق لنا أن نفعل » على صيغة المجهول كما في أكثر النسخ ، وحققت أن تفعل كذا كعلمت وهو حقيق به أي خليق جدير ، وفي بعض النسخ على صيغة المعلوم وظمئ كفرح ظما بالتحريك ، أي عطش ، وقيل : الظمأ أشد العطش ، وظمئ إليه أي اشتاق ، وعضضت عليه وعضضته كسمع وفي لغه كمنع أي مسكته بأسناني.

٣١ ـ نهج : قال عليه‌السلام : رحم الله امرءا سمع حكما فوعى ودعي إلى رشاد فدنى ، وأخذ بحجزة هاد فنجا ، راقب ربه ، وخاف ذنبه ، قدم خالصا ، وعمل صالحا ، اكتسب مذخورا ، واجتنب محذورا ، رمى غرضا ، وأحرز عوضا ، كابر هواه ، وكذب مناه ، جعل الصبر مطية نجاته ، والتقوى عدة وفاته ، ركب الطريقة الغراء ، ولزم المحجة البيضاء ، اغتنم المهل ، وبادر الاجل ، وتزود من العمل (١).

توضيح : « سمع حكما » بالضم أي حكمة وعلما نافعا « فوعى » أي حفظ علما وعملا ، والرشاد الصلاح وهو خلاف الغي والضلال ، وهو إصابة الصواب ورشد كتعب وقتل والاسم الرشاد كذا في المصباح « فدنا » أي من الداعي أو الحق والحجزة بالضم موضع شد الازار ثم قيل للازار : حجزة ، للمجاورة ، والاخذ بالحجزة مستعار للاعتصام والالتجاء والتمسك بأحد. « فنجا » أي خلص من الضلالة وعواقبها ، والمراقبة الترصد والمحافظة ، ومراقبة الرب الترصد لامره ، والعمل به ، والاقبال بالقلب إليه.

« قدم خالصا » أي عملا خالصا لله لم يشبه رئاء ولاسمعة ، وتقديمه فعله قبل أن يخرج الامر من يده وبعثه إلى دارالجزاء قبل الوصول إليه ، والاكتساب الكسب ، والمذخور الشئ النفيس المعد لوقت الحاجة إليه ، وهو الاعمال

____________________

(١) نهج البلاغة ج ١ ص ١٣٦ تحت الرقم ٧٤ من الخطب.

٣١٠

الصالحة ، والمحذور ما يحترز منه من سيئات الاعمال والاخلاق ، والغرض الهدف والمراد رمه إصابة الحق كمن رمى الغرض في المراماة ففاز بالسبق ، وهو المراد باحراز العوض أي الفوز بالثواب ، وقيل : المراد به أن يقصد بفعله غرضا صحيحا.

٣٢ ـ [ نهج ] : ومن خطبة له عليه‌السلام وأشهد أنه عدل عدل ، وحكم فصل وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، وسيد عباده ، كلما نسخ الله الخلق فرقتين جعله في خيرهما ، لم يسهم فيه عاهر ، ولاضرب فيه فاجر ، ألا وإن الله قد جعل للخير أهلا وللحق دعائم ، وللطاعة عصما ، وإن لكم عند كل طاعة عونا من الله ، يقول على الالسنة ويثبت الافئدة ، فيه كفاء لمكتف ، وشفاء لمشتف.

واعلموا أن عبادالله المستحفظين (١) علمه يصونون مصونه ، ويفجرون عيونه ، يتواصلون بالولاية ، ويتلاقون بالمحبة ، ويتساقون بكأس روية ويصدرون برية ، لاتشوبهم الريبة ، ولاتسرع فيهم الغيبة ، على ذلك عقد خلقهم وأخلاقهم ، فعليه يتحابون ، وبه يتواصلون ، فكانوا كتفاضل البذر ينتقى فيؤخذ منه ويلقى ، قد ميزه التخليص ، وهذبه التمحيص ، فليقبل امرؤ كرامة بقبولها ، وليحذر قارعة قبل حلولها ، ولينظر امرؤ في قصير أيامه وقليل مقامه في منزل حتى يستبدل منزلا فليصنع لمتحوله ومعارف منتقله ، فطوبى لذي قلب سليم أطاع من يهديه ، وتجنب من يرديه ، وأصاب سبيل السلامة ببصر من بصره ، وطاعة هاد أمره ، وبادر الهدى قبل أن تغلق أبوابه ، وتقطع أسبابه ، واستفتح التوبة ، وأماط الحوبة ، فقد اقيم على الطريق وهدى نهج السبيل (٢).

بيان : الظاهر أن الضمير في « أنه » راجع إلى الله ، وقيل : راجع إلى القضاء والقدر المذكور في صدر الخطبة ، والحكم بالتحريك منفذ الحكم ، والفصل القطع والقضاء بين الحق والباطل ، والنسخ الازالة والتغيير والابطال ، وقال :

____________________

(١) المستحفظون خ ل.

(٢) نهج البلاغة ج ١ ص ٤٥٦. تحت الرقم ٢١٢ من الخطب.

٣١١

ابن أبي الحديد : يعني كلما قسم الله الاب الواحد إلى ابنين أعد خيرهما وأفضلهما لولادة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وسمى ذلك نسخا لان البطن الاول تزول ويخلفه البطن الثاني (١).

« لم يسهم فيه عاهر » السهم النصيب والحظ ، وفي النهاية وأصله واحد السهام التي يضرب بها في الميسر وهي القداح ، ثم سمي به مايفوز به الفاتح سهمه ، ثم كثر حتى سمي كل نصيب سهما انتهى ، والسهمة بالضم القرابة ، والمساهمة المقارعة ، وأسهم بينهم أي أقرع ، وكانوا يعملون بالقرعة إذا تنازعوا في ولد والكلمة في بعض النسخ على صيغة المجرد كيمنع ، وفي بعضها على بناء الافعال والعاهر الزاني قيل : أي لم يضرب فيه العاهر بسهم ، ولم يكن للفجور في أصله شركة.

وقال ابن أبي الحديد : (٢) في الكلام رمز إلى جماعة من الصحابة في أنسابهم طعن ثم حكى عن الجاحظ أنه قال : قام عمر على المنبر فقال : إياكم وذكر العيوب والطعن في الاصول ثم قال : وروى المدائني هذا الخبر في كتاب امهات الخلفاء ، وقال : إنه روي عند جعفر بن محمد عليهما‌السلام بالمدينة فقال : لاتلمه يا ابن أخي إنه أشفق أن يحدج بقصة نفيل بن عبدالعزى وصهاك أمة الزبير بن عبدالمطلب ، ثم قال : رحم الله عمر إنه لم يعد السنة ، وتلا « إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا » الاية (٣).

أقول : قد أوردنا هذه القصة في نسب عمر ، والدعامة بالكسر عماد البيت الذي يقوم عليه ، والعصم كعنب جمع عصمة وهي المنع والحفظ ، وكفاء أصله كفاية والاتيان بالهمزة للازدواج ، كما قالوا : الغدايا والعشايا ، كما قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : مأزوارت غير مأجورات ، والاصل الواو ، وقال ابن أبي الحديد : أهل الخير هم المتقون ودعائم الحق الادلة الموصلة إليه ، المثبتة له في القلوب ، وعصم الطاعة هي الادمان

____________________

(١) شرح النهج الحديدى ج ٣ ص ٢٢.

(٢) شرح النهج الحديدى ج ٣ ص ٢٣.

(٣) النور : ١٩.

٣١٢

على فعلها ، والتمرن عليها ، لان المرون على الفعل يكسب الفاعل ملكة تقتضي سهولة عليه ، والعون ههنا هو اللطف المقرب من الطاعة ، المبعد من القبيح ولما كان العون من الله سبحانه مستهلا للقول أطلق عليه من باب التوسع أنه يقول على الالسنة ولما كان الله تعالى هو الذي يثبت كما قال « يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت » (١) نسب التثبيت إلى اللطف لانه من فعل الله.

وقال ابن ميثم : (٢) قوله عليه‌السلام « ألا وإن الله » ترغيب للسامعين أن يكونوا من أهل الخير ، ودعائم الحق ، وعصم الطاعة ، وكأنه عنى بالعون القرآن ، قال تعالى : « لنثبت به فؤادك » (٣).

و « فيه كفاء » أي في ذلك العون كفاية لطالبي الاكتفاء ، أي من الكمالات النفسانية « وشفاء » لمن طلب الشفاء من أمراض الرذائل الموبقة ، ويمكن أن يكون المراد بأهل الخير الاتقياء ، وبدعائم الحق النبي والائمة عليهم‌السلام وبعصم الطاعة العبادات التي توجب التوفيق من الله سبحانه وترك المعاصي الموجبة لسلبه أو الملائكة العاصمة للعباد عن اتباع الشياطين ، وبالعون الملائكة المرغبة في طاعة الله كماورد في الاخبار.

و « المستحفظين » في أكثر النسخ بالنصب على صيغة اسم المفعول ، وهو أظهر يقال استحفظته إياه أي سألته أن يحفظه وفي بعض النسخ على صيغة اسم الفاعل أي الطالبين للحفظ وفي بعض النسخ بالرفع حملا على المحل وكونه خبرا بعيد والمراد بهم الائمة عليهم‌السلام كما ورد في الادعية والاخبار ، وقال الشراح : المراد بهم العارفون أو الصالحون.

« يصونون مصونه » أي يكتمون ما ينبغي أن يكتم من أسرار علمه من غير أهله « ويفجرون عيونه » أي يفيضون ماينبغي إفاضته على عامة الناس ، أو كل علم

____________________

(١) ابراهيم : ٢٧.

(٢) شرح النهج لابن ميثم البحرانى ص ٣٩٧.

(٣) الفرقان : ٣٢.

٣١٣

على من هو قابل له ، أو يتقون في مقامه التقية ، ويظهرون الحق عند عدمها والولاية في النسخ بالكسر قال سيبوبه : الولاية بالفتح المصدر وبالكسر الاسم ، وقال ابن أبي الحديد : الولاية بفتح الواو المحبة والنصرة ، أي يتواصلون وهم أولياء ومثله « ويتلاقون بالمحبة » كما تقول : خرجت بسلاحي ، أي وأنا متسلح أو يكون المعنى يتواصلون بالقلوب لا بالاجسام ، كما تقول أنا أراك بقلبي وأزورك بخاطري واواصلك بضميري انتهى.

وأقول : يحتمل أن يكون المراد ولاية أهل البيت عليهم‌السلام أي بسببها ، أو متصفين بها أو مظهرين لها وماء روي كغني أي كثير مرو ، وروي من الماء كرضي ريا بالفتح والكسر أي تنعم ، والاسم الرى بالكسر « والرية » في بعض النسخ بالفتح وفي بعضها بالكسر ، ولعل المراد التساقي من المعارف والعلوم « والريبة » بالكسر التهمة والشك اسم من الريب بالفتح أي لاتخالطهم شك في المعارف والعقائد أو تهمة في حب أحدهم للاخر ، وعدم إسراع الغيبة فيهم لعدم استحقاقهم للغيبة في أقوالهم وأعمالهم واتقائهم مواضع التهم ، أو المعنى لايغتابون الناس ولايتبعون عيوبهم.

و « الخلق » يكون بمعنى التقدير والابداع ، وبمعنى الطبيعة كالخليقة و « الاخلاق » جمع خلق بالضم وبضمتين ، وهو السجية والطبع ، والمروة والدين ويحتمل أن يكون المراد بالخلق ما هو بمنزلة الاصل والمشخص للذات وبالاخلاق الفروع والشعب ، والضمير في « عليه » راجع إلى ما اشير إليه بذلك أو إلى العقد.

« فكانوا كتفاضل البذر » أي كان التفاضل بينهم وبين الناس كالتفاضل بين ماينتقى من البذر أي يختار ، وبين مايلقى ، فالمعنى كالتفاضل بين الجيد و الردي ، ويحتمل أن يكون المراد أنه كان التفاضل بينهم كالتفاضل بين أفراد المختار من البذر فكما أنه لا تفاضل يعتد به فيما بينها ، كذلك فيما بينهم. وخلص الشئ كنصر : أي صار خالصا وخلصه أي جعله كذلك ، وخلصه أيضا

٣١٤

نجاه ، والمراد بالتخليص الانتقاء المذكور أي ميزه ذلك عن غيره ، أو المعنى ميزه الله تخليصا إياه عن شرور النفس والشيطان عن غيره ، وفي بعض النسخ التلخيص بتقديم اللام ، وهو التبيين ، والتلخيص والتهذيب التنقية والاصلاح ، والتمحيص الابتلاء والاختبار.

والكرامة الاسم من التكريم والاكرام ، والمراد بها هنا نصحه سبحانه و وعظه وتذكيره ، أوما وعده الله على تقدير حسن العمل من المثوبة والزلفى ، و قبول الكرامة على الثاني بالعمل الصالح الموجب للفوز بها ، وعلى الاول العمل بمقتضاه وبقبولها القبول الحسن اللائق بها ، وقرعه كمنعه أي أتاه فجأة وقرع الباب دقه ، وقال الاكثر القارعة الموت ، ويحتمل القيامة لانها من أسمائها سميت بها ، لانها تقرع القلوب بالفزع وأعدها الله للعذاب ، أو الداهية التي يستحقها العاصي ، يقال : أصابه الله بقارعة أي بداهية تهلكه ، وحلولها نزولها واستبدلت الشئ بالشئ أي اتخذت الاول بدلا من الثاني ، والمراد بالنظر التدبر والتفكر ، والظرف في قوله في « منزل » متعلق بالمقام ، و « حتى » لانتهاء غاية المقام ، أي الثبات أو الاقامة ، أي ليعتبر الانسان بهذه المدة القصيرة ، و إقامته القليلة في الدنيا ، المنتهية إلى الاستبدال بها واتخاذ غيرها.

وقيل : يحتمل أن تكون كلمة « في » لافادة الظرفية الزمانية ويكون قوله « في منزل » متعلقا بالنظر ، ومدخول « حتى » علة غائية للنظر ، أي لينظر بنظر الاعتبار وليتأمل مدة حياته في الدنيا في شأن ذلك المنزل الفاني حتى تتخذ بدله منزلا لائقا للنزول فالاستبدال حينئذ اتخاذ البدل المستحق لذلك ، أو توطين النفس على الارتحال. ورفض المنزل الفاني.

« فليصنع » أي فليعمل و « المتحول » بالفتح مكان التحول ، وكذلك المنتقل ومعارف المنتقل قيل هي المواضع التي يعرف الانتقال إليها ، وقال ابن أبي ـ الحديد : معارف الدار مايعرفه المتوسم بها ، واحدها معرف ، مثل معاهد الدار و معالمها ، ومنه معارف المرأة أي مايظهر منها كالوجه واليدين ، وقيل : يحتمل

٣١٥

أن يكون المراد بمعارف المنتقل ماعرف من أحواله والامور السانحة فيه ، فيمكن أن يكون المتحول والمنتقل مصدرين.

« من يهديه » يعني نفسه والائمة من ولده عليهم‌السلام « من يرديه » أي يهلكه بالقائه في مهاوي الجهل والضلالة ، والبصر يطلق على الحاسة ، ويراد به العلم مجازا وقد يطلق على العلم يقال بصرت بالشئ أي علمته ، ويحتمل أن تكون الاضافة لادنى ملابسة أي بالبصر الحاصل للمطيع بتبصير الهادي إياه ، والسبب في الاصل الحبل وإغلاق الابواب بالموت ، وجوز بعضهم أن يكون الابواب والاسباب عبارة عن نفسه والائمة من ذريته عليهم‌السلام ، فانهم أبواب الفوز والفلاح والاسباب الممدودة من السماء إلى الارض ، بهم يصل العبد إلى الله سبحانه ، والغلق والقطع كناية عن عدمهم أو غيبتهم عليهم‌السلام.

« واستفتح التوبة » أي طلب فتحها كأنها باب مغلق يطلب فتحها للدخول فيها ، ويمكن أن يكون من الاستفتاح بمعنى الاستنصار أي طلب أن تنصره التوبة ومطت كبعت وأمطت أي تنحيت وكذلك مطت غيري وأمطته أي نحيته وقال الاصمعي : مطت أنا وأمطت غيري (١) والحوبة بالفتح الاثم « فقد اقيم على الطريق » أي بهداية الله سبحانه ، والنهج بالفتح الطريق الواضح.

٣٣ ـ مشكوة الانوار : عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : قال الله عزوجل : إن من أغبط أوليائي عندي رجلا خفيف الحال ذاخطر ، أحسن عبادة ربه في الغيب ، وكان غامضا في الناس ، جعل رزقه كفافا فصبر عليه ، مات فقل تراثه وقل بواكيه (٢).

٣٤ ـ نهج : من كلام له عليه‌السلام : قد أحيا عقله ، وأمات نفسه ، حتى دق جليله ، ولطف غليظه ، وبرق له لامع كثير البرق ، فأبان له الطريق ، وسلك به السبيل ، وتدافعته الابواب إلى باب السلامة ، ودار الاقامة ، وثبتت رجلاه بطمأنينة

____________________

(١) راجع الصحاح ج ٣ ص ١١٦٢.

(٢) مشكوة الانوار ص ٢٢.

٣١٦

بدنه في قرار الامن والراحة بما استعمل قلبه ، وأرضى ربه (١).

بيان : إحياء العقل بتحصيل المعارف الربانية ، وتسليطه على الشيطان والنفس الامارة ، وإماتة النفس بجعلها مقهورة للعقل ، بحيث لايكون لها تصرف إلا بحكمه ، فكانت في حكم الميت في ارتفاع الشهوات النفسانية كما قيل : موتوا قبل أن تموتوا ، ودق الشئ صار دقيقا ، وهو ضد الغليظ ، والجيل العظيم ، ولطف ككرم لطفا ولطافة بالفتح أي صغر ودق وكأن المراد بالجليل البدن ، ودقته بكثرة الصيام والقيام ، والصبر على المشاق الواردة في الشريعة المقدسة ، وبالغليظ النفس الامارة والقوى الشهوانية ، ويحتمل العكس والتأكيد أيضا.

وبرق كنصر أي لمع أوجاء ببرق ، وبرق النجم أي طلع ، واللامع هداية الله بالانوار الالهية ، والنفحات القدسية ، والالطاف الغيبية ، وكشف الاستار عن أسرار الكتاب والسنة.

وتدافع الابواب يحتمل وجوها :

الاول : أنه لم يزل ينتقل من منزلة من منازل قربه سبحانه إلى ما هو فوقه حتى ينتهي إلى مقام إذا دخله كان مستيقنا للسلامة ، وهي درجة اليقين ، ومنزلة أولياء الله المتقين ، الذين لاخوف عليهم ولاهم يحزنون.

الثانى : أنه إذا أدركته التوفيقات الربانية ، شرع في طلب الحق وتردد في المذاهب ، فكلما تفكر في مذهب من المذاهب الباطلة ، دفعته العناية الالهية عن الدخول فيه ، فاذا أصاب الحق قر فيه وسكن واطمأن ، كما روي عن الصادق عليه‌السلام إن القلب ليتجلجل (٢) في الجوف يطلب الحق فإذا أصابه اطمأن وقر ثم تلا أبوعبدالله عليه‌السلام هذه الاية « فمن يردالله أن يهديه يشرح صدره للاسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء » (٣) وعنه

____________________

(١) نهج البلاغة ج ١ ص ٤٦٥ تحت الرقم ٢١٨ من الخطب.

(٢) التجلجل : التحرك مع الصوت.

(٣) الانعام : ١٢٥ ، والحديث في الكافى ج ٢ ص ٤٢١.

٣١٧

عليه‌السلام قال : إن الله خلق قلوب المؤمنين مبهمة على الايمان ، فاذا أراد استنارة مافيها ، نضحها بالحكمة ، وزرعها بالعلم ، وزارعها والقيم عليها رب العالمين (١) وعنه عليه‌السلام قال : إن القلب ليرجج فيما بين الصدر والحنجرة ، حتى يعقد على الايمان ، فاذا عقد على الايمان قر وذلك قول الله « ومن يؤمن بالله يهد قلبه » (٢) قال : يسكن ، وسيأتي أمثالها إنشاءالله في باب القلب.

الثالث : أن تكون الابواب عبارة عن أسباب القرب من الطاعات ، وترك اللذات فان كلا منها باب من أبواب الجنة ، فيتنقل منها حتى ينتهي إلى باب الجنة التي هي قرار الامن والراحة.

الرابع : أن تكون الابواب عبارة عن اللذات والمطالب النفسانية التي يريد الانسان أن يدخلها بمقتضى طبعه فتمنعه العناية الالهية والعقل السليم عن دخولها حتى ينتهي إلى باب السلامة ، وهو باب جنة الخلد في الاخرة ، أو الطاعات والعقائد الحقة التي توجب دخولها في الدنيا.

الخامس : أن يكون المراد بالابواب طرائق أرباب البدع وأبواب علماء السوء ، فيمنعه التوفيق الرباني عن اعتقاد ضلالاتهم والدخول في جهالاتهم حتى يرد باب السلامة ، وهو اتباع أئمة الحق صلوات الله عليهم ، فانهم أبواب الله إما بالوصول إلى خدمتهم ، أو إلى السالكين مسلكهم ، والحافظين لاثارهم ، ورواة أخبارهم ، فتثبت رجلاه على الدين والصراط المستقيم ، ولا يفتتن بشبه المغضوب عليهم ولا الضالين ، وهو قريب من بعض ما مر وهذا أظهر الوجوه.

« وثبات الرجلين » ضد الزلق أو عبارة عن السكون ، والطمأنينة بضم الطاء المهملة وفتح الميم وسكون الهمزة السكون ، يقال : اطمأن اطمئنانا وطمأنينة ، قال الشيخ الرضي رضي‌الله‌عنه : مصادر ما زيد فيه من الرباعي نحو تد حرج واحرنجام واقشعرار وأما اقشعر قشعريرة ، واطمأن طمأنينة ، فهما اسمان واقعان مقام

____________________

(١ و ٢) الكافى ج ٢ ص ٤٢١ ، والاية في التغابن : ١١ ، والاستشهاد بالاية انما هو على قراءة « يهدء » بالهمز ، أو بغير همز بالقلب والحذف.

٣١٨

المصدر ، كما في أنبت نباتا وأعطى عطاء ، والقرار بالفتح ما قر فيه الشئ أي سكن ويكون مصدرا ، وقرار الامن والراحة الجنة أو ما يوجبهما كما عرفت.

٣٥ ـ جا : عن المرزباني ، عن محمد بن أحمد الكاتب ، عن أحمد بن أبي خيثمة عن عبدالملك بن داهر ، عن الاعمش ، عن عباية الاسدي ، عن ابن عباس رحمه‌الله قال : قال سئل أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه ، عن قوله تعالى « ألا إن أولياء الله لاخوف عليهم ولاهم يحزنون » (١) فقيل له : من هؤلاء الاولياء؟ فقال أميرالمؤمنين عليه‌السلام : هم قوم أخلصوا لله تعالى في عبادته ، ونظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس إلى ظاهرها ، فعرفوا آجلها ، حين غر الناس سواهم بعاجلها ، فتركوا منها ما علموا أنه سيتركهم وأماتوا منها ماعلموا أنه سيميتهم. ثم قال : أيها المعلل نفسه بالدنيا ، الراكض على حبائلها ، المجتهد في عمارة ما سيخرب منها ، ألم تر إلى مصارع آبائك في البلى ومضاجع أبنائك تحت الجنادل والثرى ، كم مرضت بيديك ، وعللت بكفيك ، تستوصف لهم الاطباء ، وتستعتب لهم الاحباء ، فلم يغن عنهم غناؤك ، ولا ينجع فيهم دواؤك (٢).

٣٦ ـ نهج : قال عليه‌السلام : إن أولياء الله هم الذين نظروا إلى باطن الدنيا ، إذا نظر الناس إلى ظاهرها ، واشتغلوا بآجلها إذا اشتغل الناس بعاجلها ، فأماتوا منها ما خشوا أن يميتهم ، وتركوا منها ما علموا أنه سيتركهم ، ورأوا استكثار غيرهم منها استقلالا ، ودركهم لها فوتا ، أعداء ما سالم الناس ، وسلم ما عادى الناس بهم علم الكتاب ، وبه علموا ، وبهم قام الكتاب وبه قاموا ، لايرون مرجوا فوق ما يرجون ، ولا مخوفا فوق ما يخافون (٣).

تبيان : مع أن الظاهر اتحاد الراويتين ، بينهما اختلاف كثير ، وبعض فقرات الرواية الاولى مذكورة في خطبة اخرى سنشير إليها ، وقد مر معنى

____________________

(١) يونس : ٦٢.

(٢) مجالس المفيد ص ٦٠.

(٣) نهج البلاغة ج ٢ ص ٢٤٦ تحت الرقم ٤٣٢ من الحكم.

٣١٩

الاخلاص ، وباطن الدنيا ماخفي عن أعين الناس من مضارها ووخامة عاقبتها للراغبين إليها ، فالمراد بالنظر إليه التفكر فيه ، وعدم الغفلة عنه ، أو ما لايلتفت الناس إليه من تحصيل المعارف والقربات فيها ، فالمراد بالنظر إليه الرغبة وطموح البصر إليه ، وإنما سماه باطنا لغفلة أكثر الناس عنه ، ولكونه سر الدنيا وحقيقتها ، وغايتها التي خلقت لاجلها ، والمراد بظاهرها شهواتها التي تغر أكثر الناس عن التوجه إلى باطنها ، والمراد بآجل الدنيا ما يأتي من نعيم الاخرة بعدها اضيف إليها لنوع من الملابسة ، أو المراد بآجلها ما يظهر ثمرتها في الاجل من المعارف والطاعات ، واطلق الاجل عليه مجازا.

« وما علموا أنه سيتركهم » الاموال والاولاد وملاذ الدنيا ، والاماتة الاهلاك المعنوي بحرمان الثواب ، وحلول العقاب عند الاياب. « وما يميتهم » اتباع الشهوات النفسانية والاتصاف بالصفات الذميمة الدنية وفي الرواية الثانية نسبة الخشية إلى الاماتة والعلم بالترك لان الترك معلوم لابد منه ، بخلاف الاماتة إذ يمكن أن تدركهم رحمة من الله تلحقهم بالسعداء أو للمبالغة في اجتناب المنهيات من الاخلاق والاعمال ، بأنهم يتركون ماخشوا أن يميتهم فكيف إذا علموا والاستكثار عد الشئ كثيرا أو جمع الكثير من الشئ ، ويقابله الاستقلال بالمعنيين والدرك محركة اللحاق والوصول إلى الشئ يقال : أدركته إدراكا ودركا والضمير في « دركهم » يرجع إلى غيرهم ، ويحتمل الرجوع إليهم أيضا.

والسلم بالفتح والكسر الصلح يذكر ويؤنث ، وفي نسخ النهج بالكسر ، و سالمه أي صالحه « وما سالم الناس » ما مالوا إليه من متاع الدنيا وزينتها وملاذها « وما عادى الناس » ما رفضوه من العلوم والعبادات ، والرغبة في الاخرة وثوابها و « بهم علم الكتاب » لانه لولاهم لما علم تفسير الايات ، وتأويل المتشابهات وهذه من أوصاف أئمتنا المقدسين صلوات الله عليهم أجمعين ، ويحتمل أن تشمل الحفظة لاخبارهم ، المقتبسين من أنوارهم ، « وبه علموا » لدلالة آيات الكتاب على فضلهم ، وشرف منزلتهم كآيات المودة ، والتطهير والولاية وغيرها ، ولو

٣٢٠