مناهج اليقين في أصول الدين

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]

مناهج اليقين في أصول الدين

المؤلف:

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]


المحقق: يعقوب الجعفري المراغي
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: دار الأسوة للطباعة والنشر
المطبعة: اسوة
الطبعة: ١
الصفحات: ٦٠٧

إما أن يحتاج لاقتضائها صفة المريد للحي إلى الحلول في بعض منه كما يقولون في الأحياء هنا أو لا يحتاج ، فإن كانت تحتاج وقد استحال ذلك في حق الله تعالى وجب أن يستحيل اقتضائها صفة المريد له ، وان لم يحتج كانت الإرادة في ذاتها وفي اقتضائها صفة المريد غنية عن المحل والأحياء بأسرهم قابلون لصفة المريد ، فيكون نسبة الإرادة الى كل الأحياء على السوية واختصاص البعض بالحيز (١) لا يخرجه عن القبول.

__________________

(١) ج : التحيز.

٢٨١

البحث الثامن

في أنه تعالى مدرك

قد بينا فيما سلف من كتابنا أن السمع والبصر لا يتوقفان على الانطباع والشعاع ولا على تموّج الهواء الواصل الى سطح الصماخ ، خلافا للأوائل ، وإن توقف شاهدا فجاز أن يكون في الغائب غير مشروط بهما وكذلك في بقية الحواس.

وإذا لم يتوقف على ذلك لم يكن في العقل مانع من وصف الباري تعالى بالإدراك ، والقرآن وارد بوصفه به ، فيجب المصير إليه حتى يأتي دليل عقلي يمنع من إجرائه عليه تعالى ، فيجب التأويل ، والخصم إذن في مقام التوقف من دون الدليل ، والأوائل لما اشرطوا (١) في الإدراك الآلات مطلقا وكانت ممتنعة في حقه تعالى نفوا الإدراك عنه.

والأشاعرة قد احتجوا بدليل عقلي على ذلك (٢) ، فقالوا : الباري تعالى حيّ وكل حيّ يصح وصفه بالإدراك وكل من يصح وصفه به فإنه يجب اتصافه به أو بضده ، وضده العمى والصم وعدم الشم الى غير ذلك وهي نقائص في حق الله تعالى ، فيجب وصفه بالضد.

وهذا الدليل مدخول من وجوه :

أحدها : لا نسلم أن كل حي فإنه يصح وصفه بالسمع والبصر ، والقياس على الشاهد لا يقتضي (٣) اليقين على ما أوضحناه في كتبنا المنطقية.

الثاني : ان في الشاهد كل حي ، فإنه يوصف باللذة أو بضدها أعني الألم ،

__________________

(١) ج : اشترطوا.

(٢) اطلب هذا الدليل بالتفصيل من : المواقف ص ٢٩٢ ، وشرحه ج ٨ ص ٨٧.

(٣) ب : لا يفيد.

٢٨٢

فيجب في الغائب كذلك مع اعترافكم ببطلانه.

الثالث : لم قلتم إن كل حي إذا لم يوصف بما يصح اتصافه به وجب اتصافه بضده؟ فإن الهواء خال عن الألوان والطعوم ، اللهم إلا إذا جعلوا الضد عبارة عن عدم الصفة ، فحينئذ يجب عليهم بيان استحالة اتصافه تعالى بعدم السمع والبصر الذي هو المطلوب.

الرابع : سلمنا أن كل حي إذا لم يتصف بالصفة الصحيحة فإنه يتصف بضدها الوجودي ، لكن على تقدير وجود ضد لتلك الصفة ، فلم قلتم إن مقابلة السمع والبصر للصمم (١) والعمى تقابل الضدية. وجماعة من العقلاء يجعلون التقابل بينهما تقابل العدم والملكة.

الخامس : لم قلتم أن النقائص على الله تعالى محال؟ فإن عوّلتم في ذلك على الدليل العقلي فأبرزوه ، وإن عولتم على الإجماع الذي دلالته مستفادة من السمع فالتزموا في إثبات المطلوب بالسمع من غير أن تدخلوا في مثل هذه الظلمات.

مسألة : مذهب أبي هاشم وأصحابه أن معنى كونه مدركا أنه لا يستحيل أن يدرك المدرك إذا وجدوا لذلك يوصف الله تعالى في الأزل بأنه سميع بصير وجعل الإدراك أمرا زائدا على العلم ، والبغداديون فسروه بأنه تعالى عالم بما يسمعه الأحياء منا وما يبصره ونفوا الزائد على ذلك.

واحتج الأولون بأن الواحد منا إدراكه زائد على علمه ، وقد سلف ، فيجب أن يكون الباري كذلك ، لأن المقتضي لكون الإدراك فينا زائدا على العلم موجود لله تعالى.

بيانه إن الإدراك يتوقف على كون المدرك حيا ، وعلى صحة حواسه ، وعلى ارتفاع الموانع وعلى انتفاء الآفات ، وعلى وجود المدرك ، ثم يجعلون العلة في

__________________

(١) ب : الصمم.

٢٨٣

الإدراك ليس إلا الأول ، أما المجموع فلا يصلح لذلك ، لأن كل واحد من أفراده ليس بعلة على ما يأتي ، فيكون المجموع كذلك.

وأما صحة الحاسة ، فإنما لم يكن علة لذلك لأن صحة الحاسة يرجع الى وجود معان في المحل نحو صحة البنية والتأليف ، وما يرجع الى المحل فإنه لا يقتضي حكما راجعا الى الجملة ، فإن المحل والجملة متغايران كتغاير زيد وعمرو ، فكما لا يقتضي الحكم الراجع الى زيد حكما راجعا الى عمرو ، فكذلك المحل والجملة.

واما ارتفاع الموانع وانتفاء الآفات فلكونهما عدميين لا اختصاص لهما بذات دون أخرى ، استحال أن يكونا علة لما يرجع إلى بعض الذوات.

وأيضا انتفاء الآفات عبارة عن صحة الحاسة الذي لا يصلح للعلية.

واما وجود المدرك فإنه لا يصلح لذلك ، وإلا لما أدرك المدرك السواد والبياض دفعة واحدة ، لأن تضاد العلة يقتضي تضاد المعلول فلم يبق إلا الأول ، وهو ثابت في حق الله تعالى فيكون إدراكه زائدا على علمه.

وهذا الكلام سخيف ، أما أولا ، فلأن الحصر ممنوع ، فإن استندتم فيه الى الاستقراء كان ضعفه ظاهرا.

وأما ثانيا ، فلان المجموع لم لا يكون علة؟ قوله : الأفراد ليس (١) بعلة فكذلك المجموع ، قلنا : بالاعتبار الذي عقلتم كون المجموع متصفا بالمجموعيّة ، اعقلوا (٢) كونه متصفا بالعلية.

وأما ثالثا ، فلأن صحة الحاسة جاز أن يكون علة ، قوله : صحة الحاسة حكم يرجع الى المحل فلا يفيد الحكم الراجع الى الجملة ، قلنا : هذا ينتقض عليكم بالحياة الحالة في المحل المقتضية حكم الحيية للجملة.

__________________

(١) ج : ليست.

(٢) الف : اغفلوا.

٢٨٤

وأما رابعا ، فلأن انتفاء الموانع أو الآفات صالحة لذلك ، قوله : إنها عدمية ، قلنا : إن عنيتم بها العدم المطلق فهو ظاهر البطلان ، وإن عنيتم بها عدم الملكة فله حظ من الوجود ، فجاز أن يكون علة في الإدراك الذي هو أمر نسبي لا تحقق له عينا.

وأما خامسا ، فلأن الوجود صالح لذلك ، قوله : التضاد في المقتضي يستلزم التضاد في الاقتضاء ، قلنا : مذهبكم إن الوجود زائد على الماهيات وإنه متماثل فكيف يصح منكم هذا في الوجود؟ نعم لو عللنا بالماهية لزم ما ذكرتم.

واما سادسا ، فلأنا لو سلمنا أن الوجودين متضادان لكن لا نسلم أن تضاد العلة يقتضي تضاد المعلول ، وقد أسلفنا في هذا قانونا.

وأما سابعا ، فلم لا يجوز أن يكون الحياة علة لذلك بشرط أحد هذه الأمور التي عددتموها او غيرها.

واما ثامنا ، فلو سلمنا جميع ما ذكرتموه ، لكن جاز أن يكون حياة الله تعالى مخالفة لحياتنا ، فلا يلزم اشتراكهما في المقتضى ، فهذا خلاصة ما يقال عليهم.

وأما النافون للزائد ، فاحتجوا بأن الإدراك إن كان غير العلم ، فإن كان هو الإحساس استحال تحققه في ذاته تعالى ، وإن كان غيره فهو غير معقول.

وهذا ضعيف ، لأنه إن عني بعدم المعقولية استحالة اتصافه تعالى به كما يقال كون الجسم مجردا غير معقول ، فهو نفس المتنازع فلا يصادرون به ، وإن عني به عدم التعقل فإنه لا يصح منهم نفيه ، فإن النفي يستدعي التعقل كما يستدعيه الثبوت.

واحتجوا أيضا بأنه لو كان مدركا لجاز أن يدرك بعده ان لم يكن مدركا فيتغير.

والجواب أن التغيير في التعلق فلا يلزم منه التغيير في الصفات الحقيقة.

واحتجوا أيضا بأنه يلزم أن يكون ملتذا متألما من حيث أنه يدركهما.

والجواب إن اللذة والألم نوعان من الإدراك لا يتحققان إلا بتحقق الشهوة والنضرة المستحيلين في حقه تعالى.

٢٨٥

البحث التاسع

في أنه تعالى باق

لما بينا أن الممكنات تنتهي الى واجب الوجود وهو الله تعالى ، كان هذا كافيا في المطلوب ، لأنه لو جاز عليه العدم لكان الشيء خارجا من حد الوجوب الذاتي الى الإمكان الذاتي وهو محال بالضرورة.

واحتج جمهور المشايخ بأنه لو عدم بعد وجوده لكان مستندا الى علّة ولا علة ، والملازمة ظاهرة ، وتحقيق بطلان التالي أن العلة منحصرة في الفاعل وطريان الضد وانتفاء الشرط ، والكلّ باطل ، أما الفاعل فلأنّ القدرة صفة مؤثرة والعدم نفي محض فاستحال استناده الى القدرة ، وأما الضد فلأنه محدث والباري تعالى قديم والقديم أقوى من المحدث فكان اندفاع الضد بالقديم أولى من اندفاع القديم بالضد ، وأما انتفاء الشرط فلأن ذلك الشرط يجب أن يكون قديما فإن المحدث لا يكون شرطا للقديم وإذا كان قديما كان البحث في علة عدمه كالبحث في عدمه.

وهذه الحجة لا يخفى ضعفها ، فالأولى الاعتماد على الأولى (١).

__________________

(١) لم يبحث المصنف هنا في كيفية بقائه تعالى ، وقد بحث عنها في كتابه نهج المسترشدين وقال : ذهب الاشعري الى انه تعالى باق ببقاء يقوم به تعالى ، والحق نفيه وإلّا لزم افتقاره الى غيره فيكون ممكنا ، ولان البقاء لو كان زائدا على الذات لزم التسلسل ، ولان البقاء ان لم يكن باقيا لم يكن الذات الباقية به باقية هذا خلف.

وقد اوضح المطلب الفاضل المقداد في شرحه لهذه الفقرة من كلام العلامة ، انظر الى : ارشاد الطالبين الى نهج المسترشدين ص ٢١٣ ـ ٢١٤.

٢٨٦

البحث العاشر

في أنه تعالى متكلم

لا خلاف في ذلك بين المسلمين ، وانما الخلاف في المعنى ، فالمشهور عند المعتزلة إن الكلام هو الحروف المسموعة المترتبة المنتظمة ، والله تعالى متكلم بمعنى أنه فاعل للكلام في جسم من الأجسام ، والدليل على التفسير إنّ المعقول من الكلام هو هذا وغيره غير معقول وما لا يعقل لا يجوز إثباته ، وعلى إمكان الثبوت ، إنه تعالى قادر على كل مقدور وعلى وقوعه السمع.

لا يقال : الاستدلال بالسمع في هذا المقام دور لتوقفه على ثبوت الكلام ، وأيضا فكلامه إن كان قديما لزم الكذب في الإخبارات والسفه فيها وفي غيرها ، وإن كان حادثا فإن كان فيه لزم حلول الحوادث في ذاته وهو محال ، وإن كان في غيره فهو أولى بالصفة ، وإن كان لا في محل فهو غير معقول.

لأنا نقول : أما الأول فضعيف ، لأن السمع يتوقف على صدق الرسول ، وصدق الرسول يتوقف على ظهور القرآن الذي هو معجز وإنه مستند إلى الله تعالى ، وكيفية استناده إليه غير معلوم (١) الآن ، فإنه يجوز أن يكون قد فعله هو ويجوز أن يكون قد أقدره عليه ، فإذا أخبر النبي الصادق باستناد (٢) الكلام إليه بالفعل وجب المسير إليه.

وأما الثاني فإنا (٣) نقول : إنه حال في غيره ولا يجب اتصاف ذلك الغير به ،

__________________

(١) ج : معلومة.

(٢) ب : باسناد.

(٣) ب : فلانا.

٢٨٧

فإن المتكلم من فعل الكلام كالقاتل والضارب وإن كان ذلك (١) الفعل قائما بالغير.

وأما الاشاعرة فإنهم عنوا بالمتكلم من قام به معنى نفساني مغاير للعلوم والإرادات وغير ذلك من المعاني النفسانية.

والمعتزلة قالوا : إن عنيتم به العلم فهو معقول ، وإلا فلا ، وسيأتي تتمة الكلام في هذا.

واستدلت الاشاعرة على أنه تعالى متكلم بانه تعالى حي فيجب اتصافه به أو بضده وضده نقص ، والاعتراض عليه (٢) بمثل ما مر في السوالف.

__________________

(١) ب : كلمة «ذلك» ساقطة.

(٢) ج : عليهم.

٢٨٨

البحث الحادي عشر

في المعاني والأحوال

لا خلاف في إثبات تعلق بين العالم والمعلوم والقادر والمقدور ، وإنما الخلاف في أن ذلك التعلق هل هو بين الذات العالمة وبين المعلوم وبين الذات القادرة والمقدور أو بين صفة قائمة بالذات حقيقة مغايرة لها وبين المعلوم والمقدور؟ فجماعة قالوا : إن التعلق بين الذات وبينهما وهو مذهب الأوائل ، وآخرون قالوا بالثاني ، ثم اختلفوا فذهبت الأشاعرة الى أن تلك الصفة معلومة ثابتة في حد نفسها عبّروا عنها بالمعنى ، وذهب أبو هاشم الى أن تلك الصفة غير معلومة ولا مجهولة ولا معدومة (١) عبر عنها بالحال.

احتجت الأشاعرة (٢) بأن كونه تعالى عالما إما أن يكون وصفا عدميا أو ثبوتيا ، والأول باطل وإلا لكان عدم المقابل ، والمقابل إن كان جهلا بسيطا أعني عدم العلم كان العلم ثبوتيا ضرورة كونه عدم العدم ، وإن كان مركبا فهو (٣) محال ، لأنه لا يلزم من عدم هذا المقابل حصول العلم للمحل ، وإذا كان ثبوتيا فهو غير الذات ، لأن المفهوم من القادرية والعالمية متغاير ، فلو كانا نفس حقيقته لزم مغايرة الحقيقة لنفسها ، ولا يجوز أن يكون أمرا إضافيا وإلا لتوقف على ثبوت المعلوم والمقدور هذا خلف ، فثبت أن كونه قادرا عالما أمر ثبوتي ليس إضافيا وهو زائد

__________________

(١) ج : ولا موجودة ولا معدومة.

(٢) قال ابو الحسن الاشعري : «ومما يدل على انّ الله تعالى عالم بعلم انه لا يخلو ان يكون الله تعالى عالما بنفسه او بعلم يستحيل ان يكون هو نفسه ، فان كان عالما بنفسه كانت نفسه علما ، لان قائلا لو قال : ان الله تعالى عالم بمعنى هو غيره اوجب عليه ان يكون ذلك المعنى علما ويستحيل ان يكون العلم عالما او العالم علما» (الاشعري ، اللمع في الرد على اهل الزيغ والبدع ص ٣٠).

(٣) ب : وهو.

٢٨٩

على ذاته وهو المعني بالصفات والمعاني.

وأيضا إنا نعلم كونه عالما ونعلم كونه قادرا ، ولو كان المرجع بهذين الى الذات لكان العلمان واحدا ، والتالي باطل لاختلافهما ، ولأن أحدهما لا ينوب مناب صاحبه فلا بد من أمر زائد على الذات هو القدرة والعلم.

وأيضا الواحد منا عالم بعلم فكذا في الغائب ، والجامع بينهما ما يشتركان فيه من كون كل واحد منهما يفعل الأفعال المحكمة الدالة على ثبوت هذا المعنى (١).

والجواب عن الأول أن نقول : لم لا يجوز ان يكون العلم عبارة عن حضور الماهية عند العالم؟ وحضور الشيء عند نفسه ليس أمرا زائد على ذاته ، أو نقول : إن العلم عبارة عن عدم المادة ، سلمنا لكن لم لا يجوز أن يكون القدرة والعلم عين الذات في الخارج وإن تغايرا في الذهن؟ سلمنا لكن لم لا يجوز أن يكون إضافيا وثبوته في الذهن؟ وأما في الخارج فالثابت منه كون الذات بحيث يحصل لها نسبة بين المعلوم والمقدور.

وعن الثاني إن التغاير في العلم يستلزم تغاير الحيثيات والاعتبارات لا تغاير الحقائق ، فإنا نعلم وجود واجب الوجود ونشك في أن وجوده زائد على ذاته أم لا ، ولا يستلزم ذلك المغايرة في الخارج بين الوجود وكون الوجود زائدا.

وأيضا نعلم الذات ونشك في سلب أشياء عنها مع عدم استلزام ذلك كون السلب مغايرا للذات خارجا.

واعلم أن الخطأ نشأ لهؤلاء القوم من حيث أخذ الاعتبارات الذهنية مقيسة

__________________

(١) هذا وقد شدد الاشعري النكير على المعتزلة في نفيهم المعاني التي اثبتها الاشعري وسلفه من اهل السنة وخلفه من الاشاعرة ، وقال بعد كلام له في الرد على المعتزلة : «وقد قال رئيس من رؤسائهم وهو ابو الهذيل العلاف : ان علم الله هو الله ، فجعل الله عزوجل علما ، والزم فقيل له : اذا قلت : ان علم الله هو الله ، فقل : يا علم الله اغفر لي وارحمني ، فأبى ذلك ، فلزمته المناقضة» (الاشعري ، الابانة عن اصول الديانة ص ١٠٨).

٢٩٠

على الأمور الخارجية.

وعن الثالث ما قدمناه مرارا (١).

وأما أبو هاشم وأصحابه فقد أثبتوا لله تعالى حالة بكونه قادرا وحالة بكونه عالما وبكونه حيّا وكونه موجودا ومريدا وكارها ، ويثبتون هذه الأحوال في الشاهد ، ويثبتون له تعالى حالة ذاتية غير هذه الأحوال توجب هذه الأحوال ، إلا كونه مريدا وكارها فإنهما يجبان له لوجود إرادة وكراهة لا في محل.

والسابقون زمانا على أبي هاشم لم يتعرضوا لهذه الأحوال بثبوت ولا انتفاء ، وأبو علي وأبو القاسم وأبو بكر الأخشاد وأبو الحسين البصري صرحوا بانتفائها.

واحتج أبو هاشم على إثبات الأحوال مطلقا (٢) بأنا نعلم ذاته تعالى ثم نعلمه قادرا عالما وغير ذلك من صفاته ، وهذه العلوم متخالفة ، لأن أحدها لا ينوب مناب الآخر ، فلو كانت هذه العلوم تتعلق بذاته فقط لما اختلفت ، فلا بد من امر زائد يدخل في ضمن العلم لكل واحد من صفاته ، والمعاني باطلة فلا بد من القول بالأحوال.

واحتج لإثبات حالة القادر بأنّ صحة الفعل إن دلّت عليها في الشاهد دلّت عليها في الغائب ، والمقدم ثابت فالتالي مثله.

بيان الشرطية : القياس والجامع ما اشتركا فيه من الصّحة ، وبيان صدق المقدم ، إنا نجد جملتين في الشاهد اشتركتا في سائر الصفات وصح من إحداهما الفعل دون الأخرى ، فلا بد من مائز وذلك المائز يرجع الى الجملة ، لأن الفعل صح

__________________

(١) وهو ان قياس الغائب على الشاهد ليس بدليل معتبر ولا يفيد اليقين.

(٢) انظر عن نظرية الاحوال في الصفات التي اثبتها ابو هاشم الجبائي الى : القاضي عبد الجبار ، شرح الاصول الخمسة ص ١٨٤ فبعد ، وقد نقلنا فيما سلف في بحث الاحوال كلام الشيخ المفيد حول نظرية الاحوال لأبي هاشم ولا نكرر.

٢٩١

من الجملة فيكون المؤثر فيه أمرا راجعا الى الجملة ، لأن ما يضاف الى بعض الجملة فهو كالمضاف الى غير تلك الجملة.

لا يقال : لم لا يجوز أن يكون المصحح هو القدرة او البنية؟.

لأنا نقول : القدرة والبنية موجودتان في بعض الجملة فيكون الصحة راجعة الى ذلك البعض.

واحتج لإثبات حالة العالم بأن الواحد منّا إن كان ذا حال راجعة الى الجملة بكونه عالما كان الغائب كذلك ، والمقدم ثابت فالتالي مثله والشرطية قد مرت.

وبيان صدق المقدم إنّه لو لم يكن لنا حالة بكوننا عالمين راجعة الى جملتنا لما كان هناك الّا العلم القائم بالقلب ، وذلك يستلزم جواز تعلق العلم القائم بجزء من القلب بزيد وتعلق الجهل القائم بالآخر به ، فلا يتنافى الجهل والعلم مع اتحاد المتعلق لتغاير المحل وهما ضدان هذا خلف.

أما إذا جعلنا العلم عائدا الى الجملة وكذلك الجهل لزم التضاد وإن تغاير المحل ، لاستحالة وجودهما غير موجبين.

واحتج لإثبات حالة الحيّ بالقياس على الشاهد ، والجامع ما ذكروه ، وبيان ثبوت الحكم في الأصل أن الواحد منا يصح أن يقدر ويعلم فيفارق الجماد ، فلا بد له من أمر وذلك الأمر لا يرجع الى المحل بل الى الجملة ، لأن الجملة هي التي يصح عليها أن تقدر وتعلم فلا بد وأن يكون المصحح راجعا إليها ، ولا يجوز أن يكون معنى والا لكان مثلا للتأليف فبقي أن يكون صفة.

وهذه الحجج عندي ضعيفة.

أما الأولى ، فلأنا نقول : إنه لا بدّ من أمر زائد في التعقل ، أما في الخارج فلا ، سلمنا لكن لم لا يكون الزائد هو الأحكام المعلولة لذاته تعالى كصحة الفعل الداخلة في ضمن العلم بأنه تعالى قادر وتبيّنه للمعلوم وتعلقه به الداخل في ضمن

٢٩٢

العلم بأنه تعالى عالم وكذا في سائر الصفات.

وأبو الحسين البصري قال : إن تبينه للمعلوم حالة لذاته ، ويجوز أن يكون أبو الحسين قد أطلق على هذا اسم الحالة بالمجاز من وضعهم ، فإنّهم يطلقون الحالة على كل وصف مقصور على الذات لا يحتاج في العلم به الى غير الذات.

نعم التبين حكم ، والحكم قد بيّنا (١) أنه لا بد فيه من العلم بأمر غير الذات ، والتبين

للمعلوم لا بدّ فيه من المعلوم ، ولا شك في أنّه زائد على الذات فليس كونه عالما مقصودا على الذات ، فهو حكم لا حال.

وأما الثانية ، فلأن الشرطية فيه ممنوعة ، والقياس قد بينا إنه غير مفيد لليقين خصوصا مع قيام الفارق ، ولا شك في ثبوت الفرق بين الشاهد والغائب والا لما صدق قياس أحدهما على الآخر ، فيجوز أن يكون مستند الفرق في الحكم هو الفرق في الذات.

وأيضا أثبتم الحالة في الشاهد لحصول ذاتين متساويتين فيه مع صحة الفعل من إحداهما دون الأخرى ، فأوجبتم المائز ، وهذه الدلالة لا تتم في الغائب إلا إذا أثبتم له ذاتا متساوية له ثم وجدتم الفرق في الصحة فاسندتموه الى الحال.

سلمنا ، لكن لا نسلم صدق المقدم فإنه مبني على تساوي الذات (٢) ، وقد بينا بطلانه ، وكيف يعقل التساوي من كل وجه مع حصول إلا الاثنينية؟.

سلمنا ، لكن قولكم : إنه لا بدّ من مائز راجع الى الجملة ، غير معقول ، فإنكم إن عنيتم به أن ذلك الأمر الواحد مع وحدته يكون حاصلا في جميع ابعاض الجملة فهو باطل قطعا ، لامتناع حصول عرض واحد في محال كثيرة ، وإن عنيتم به توزّع أجزاء ذلك المائز بأجزاء الجملة ، لم يكن ذلك المائز حالة واحدة راجعة الى الجملة.

__________________

(١) ب : ثبت.

(٢) ج : الذوات.

٢٩٣

سلمنا ، لكن لا نسلم أن ذلك المائز يرجع الى الجملة ، قوله : لأن الفعل صح من الجملة ، قلنا : ما تعني بالصحة من الجملة؟ ان عنيتم به أن صحة الفعل بإعمال كل الجملة فهو باطل ، لأنا نشاهد أن المشي يحصل بالرجل والكتابة باليد وغير ذلك ، وإن عنيتم به أن صحة وقوع الفعل إنّما يحصل باعتبار أحوال راجعة الى الجملة وهو الداعي والإرادة فهو باطل.

أمّا أوّلا ، فللمنع من وجود حالة راجعة الى الجملة ، فإن ذلك عين النزاع.

وأما ثانيا ، فلأنا بعد تسليم أن الصحة لا بدّ لها من حالة راجعة الى الجملة ، نمنع أن يكون الصحة راجعة إليها.

سلمنا أن الصحة راجعة الى الجملة ، لكن لا نسلم أن المقتضي لها راجع الى الجملة ، قوله : لأنه لو كان راجعا الى البعض لكان كالمضاف الى غير الجملة ، قلنا : هذا ممنوع.

واما الثالثة فضعيفة ، وقد عرفت بطلان القياس ، وعرفت أن قولهم : الصفة راجعة الى الجملة ، غير معقول ، قوله : لو لم يكن الحالة لنا بكوننا عالمين راجعة الى الجملة ، لجاز قيام العلم بجزء من القلب والجهل بآخر ويتعلقان بواحد ، قلنا : لم لا يجوز أن يكون جزء واحد من القلب يتعين للمحلية للعلم والجهل على البدل؟ كما يتعين القلب لها من دون أجزاء البنية.

سلمنا ، فلم لا يجوز أن يكون مجموع أجزاء القلب محلا لها على التعاقب؟ قالوا : لأنه يكون مثلا للتأليف ، قلنا : مدفوع ، أما أولا فللمنع من ثبوت التأليف حتى يتحقق المماثلة وأما ثانيا فلان التأليف يختص لمحلّين لا غير والعلم بأكثر ، وأما ثالثا فلأن التساوي من هذه الجهة لا يستلزم التساوي مطلقا.

لا يقال : يلزم انقسام العلم لانقسام المحل.

لأنا نقول : يرد في التأليف والحال ذلك.

وأما الرابعة ، فقد بينا ضعف قياسها وما يرجع الى الأصل من الأعراض ،

٢٩٤

وقد مضى.

ونزيد هنا (١) أن نقول : إن عنيتم بصحة العلم والقدرة صحة التبين وصحة صدور الفعل بحسب الداعي ، لم يصح قياس الغائب عليه في إثبات الحال ، وإن عنيتم بهما صحة اختصاصه بحالة القادر والعالم ، منعنا ثبوت الأحوال ، فإنه أول المسألة ، وباقي الإيرادات (٢) الماضية آتية هاهنا ولا يخفى ضعف هذه الحجج مع أن المطلوب منها في غاية الاستبعاد.

واحتج نفاة المعاني (٣) بوجوه :

الأول : لو ثبت للواجب صفة فتلك الصفة إن كانت واجبة لزم اثنينية الواجب ، وسيأتي بيان وحدته ، وإن كانت ممكنة ، فإن كان المؤثر غيره لزم انفعاله عن الغير هذا خلف ، وإن كان ذاته لزم اجتماع القبول والفعل لذات واحدة هذا خلف.

الثاني : لو كان الباري مفتقرا في كونه عالما وقادرا الى القدرة والعلم ، لزم احتياج الواجب ، وسيأتي بيان غناه.

الثالث : لو كانت الصفات قديمة لكان مساوية لذات الواجب تعالى أو يكون الواجب مركبا ، والتالي بقسميه باطل فالمقدم مثله.

بيان الشرطيّة إن الصفات قد شاركت الذات في القدم ، فإما أن يكون نفس الحقيقة أو داخلا فيها او خارجا عنها ، فإن كان الأول ، لزم الأول وإن كان الثاني ، لزم الثاني وإن كان الثالث لزم الأول لأنه من الصفات المميزة الكاشفة عن

__________________

(١) ب : هاهنا.

(٢) الف : ايرادات.

(٣) ونفاة المعاني هم اهل العدل من الشيعة وكثير من المعتزلة حيث قالوا بعينية الذات والصفات ، الا أن بعض المعتزلة قالوا بنيابة الذات عن الصفات ، قال عباد بن سليمان من مشايخ المعتزلة : «اقول هو عالم لا بعلم وقادر لا بقدرة وحي لا بحياة وسميع لا بسمع» (مقالات الاسلاميين ج ١ ص ٢٢٥) ، وابو هاشم منهم اثبت الاحوال بدلا من المعاني كما مر تفصيلا من المصنف في المتن.

٢٩٥

الحقيقة.

فإنا إذا أردنا تمييز الله تعالى عن غيره لا يمكننا ذلك إلا بكونه قديما ، والصفات المميزة إذا اشتركت بين الشيئين كانا متساويين والا لم يكن مميزة.

الرابع : كونه قادرا عالما من الصفات الواجبة فلا يعلل ، أما المقدم فلأنه لو لا ذلك لجاز خروجه من كونه قادرا عالما الى عدمها وذلك محال ، وأما الشرطية فظاهرة.

الخامس : يلزم ثبوت قدماء كثيرة ، وذلك كفر بإجماع المسلمين (١).

السادس : لا دليل على هذه الصفات ، فيجب نفيها.

السابع : لو كان الباري (٢) عالما بالعلم لكان علمه مثل علمنا والتالي باطل فالمقدم مثله ، بيان الشرطية إنه إذا كان عالما بالعلم كان له تعلق بالمعلوم على الوجه الذي يتعلق به علمنا (٣) فيكون مماثلا له ، لانهما معنيان غير متضادين ينتفيان بضد واحد.

أما عدم تضادهما فظاهر ، وأما انتفائهما بضد واحد فلأنا لو قدرنا حلول علم الله تعالى في قلوبنا مع حلول علمنا بذلك المعلوم فينا ثم اطراء الجهل ، فلا شك في انتفاء علمنا.

فإن انتفى العلم القديم ثبت المطلوب ، وإلا لزم علمنا بشيء مع الجهل به هذا خلف ، واذا اتصف العلمان بهذه الصفات ثبت تماثلهما ، لأن السواد معنى لا ينفي البياض والحموضة ولا فرق بينهما الا أن البياض والحموضة مختلفان وأن البياضين

__________________

(١) قد نقلنا سابقا كلاما عن ابن كرامة المعتزلي يهجو فيه القول بالمعاني وقدم الصفات وانه موافق للمانوية في التثنية وللنصارى في التثليث وللطبائعية في قدم الطبائع الى آخره (رسالة ابليس الى اخوانه المناحيس ص ٣٠).

(٢) ب : تعالى.

(٣) ب : علمنا به.

٢٩٦

متماثلان فعلمنا أن الواحد لا ينفي المختلفين غير المتضادين ، وبيان بطلان التالي إنه يلزم منه إما قدم علمنا أو حدوث علمه تعالى وهما محالان.

الثامن : واجب الوجود يعلم ما لا يتناهى ويقدر على ما لا يتناهى فيلزم أن يكون فيه علوم وقدر لا يتناهى ، ووجود ما لا يتناهى محال ، ولأن العلم بالعلم يقتضي ثبوت علم آخر ويتسلسل.

التاسع : لو كان الله تعالى قادرا بالقدرة لما كان قادرا على خلق الأجسام ، والتالي باطل والمقدم مثله ، بيان الشرطية إنا غير قادرين عليها ولا علة لذلك إلا كوننا قادرين بالقدر فوجب مساواته تعالى لنا.

أمّا المقدمة الأولى : فلأنا لو قدرنا عليها لكان إما أن يكون على سبيل الاختراع أو التولد ، والأول باطل بالضرورة ، فإنا نعلم أنا غير قادرين على وجود الأجسام وإلا لصح منّا اختراعها في أوعية مشدودة الرءوس عند حصول الداعي.

والثاني (١) باطل ، لأن السبب المولد لا بد وأن يختص بجهة وإلا لكان توليده للجسم في جهة دون غيرها ترجيحا من غير مرجح ، ولا سبب لذلك الا الاعتماد ، ونحن قادرون على أجناسه ، ومع ذلك يستحيل أن يقع الأجسام به وإلا لكنا إذا أدخلنا أيدينا في الزق المشدود واعتمدنا بأيدينا فيه ، نكون فاعلين للأجسام ، وهو باطل وإلا لزم أن يظهر ذلك في الزّق وان يمتلئ كامتلائه بالهواء.

لا يقال : لم لا يحصل مانع يمنع وجود (٢) الأجسام؟.

لأنا نقول : المانع لا يعقل إلّا وأن يكون له علاقة بالأجسام ، وذلك إما بأن يكون ضدا لها كالفناء أو بأن يكون مانعا لوجود الشرط كالماء المانع من وجود الحيّز ، والأول باطل وإلّا لزم فناء جميع الأجسام به ، والثاني كذلك لأنا متحركون قطعا ، فإما أن يقال بالخلاء وهو يدفع ما ذكرتم ، أو بالتخلخل والتكاثف فيجوز

__________________

(١) الف : والتالي

(٢) ج : من وجود.

٢٩٧

مثله في مسألتنا.

واما المقدمة الثانية ، فلأن القدر في الشاهد قد اشتركت في هذا الامتناع فلا بد لها من مشترك يقتضيه ولا مشترك الا كونها قدرا.

واعلم أن هذه الوجوه وان كان بعضها لا يخلو من ضعف إلا أن في جملتها ما يوجب الجزم بهذا المطلوب (١).

__________________

(١) انظر عن هذا البحث بالتفصيل الكتب التالية :

من المعتزلة : الخياط ، الانتصار ص ١٠٩ ومواضع اخرى ، والقاضي عبد الجبار ، شرح الاصول الخمسة ص ١٨٣.

ومن الاشاعرة : الاشعري ، الابانة ص ١٠٧ ، والباقلاني ، التمهيد في الرد على الملحدة ص ١٥٢ والشهرستاني ، نهاية الاقلام في علم الكلام ص ١٨٠ ، والغزالي ، قواعد العقائد ص ١٨٥ ، والجرجاني ، شرح المواقف ج ٨ ص ٤٤.

ومن الشيعة : الشيخ المفيد ، اوائل المقالات ص ١٨ ، والسيد المرتضى ، شرح جمل العلم والعمل ص ٦٧ ، وابو الصلاح الحلبي ، تقريب المعارف ص ٤٨ ، والعلامة الحلي ، كشف المراد ص ٢٩٦ ، واللاهيجي ، شوارق الالهام ص ١٤٨.

٢٩٨

تتمة كلام في هذا الباب تشتمل على مسائل :

مسألة : قد بينا فيما سلف من كتابنا أن الوجود زائد على الماهية ، وعنينا به هناك أن وجود الممكنات كذلك ، أما وجود واجب الوجود ، فقال قوم : إنه كذلك ، وقال آخرون : إنه نفس حقيقته ، وهو الحق عندي لوجهين :

الأول : أنه لو كان زائدا لكان ممكنا ، لافتقاره الى ذات يقوم بها ، ضرورة عدم استقلاله بنفسه في القيام ، والتالي باطل لأن علّته إن كانت خارجية افتقر الى الغير ، وإن كان نفس الماهية ، فإن كانت مع الوجود المعلول لزم اشتراط الشيء بنفسه ، او مع وجود آخر لزم ترامي الوجودات ، وإن كانت لا مع الوجود لزم تأثير المعدوم في الموجود.

هذا خلاصة ما عوّل عليه الشيخ في كتبه.

الثاني : أن الوجود ممكن لما بينا ، والامكان لا يعرض للوجود من حيث هو والّا لزم جواز اتصاف الوجود بالوجود والعدم هذا خلف ، فإذن إنّما (١) يعرض للماهية بالنسبة الى الوجود ، فلو كانت الماهية مؤثرة فيه مع أن المؤثر نسبته الى الأثر نسبة الوجود ، لزم توارد نسبتي إمكان ووجوب لشيء واحد بالقياس إلى واحد ، هذا خلف.

اعترضوا على الأول من وجوه :

الأول : أنه مغالطة ، لأن الوجود لا ينسب الى الوجود والعدم فلا يصدق عليه الإمكان.

الثاني : أن المؤثر فيه الماهية من حيث هي هي لا بقيد الوجود والعدم ،

__________________

(١) ب : فإنما.

٢٩٩

ولا يلزم من سقوط درجة الوجود عن الاعتبار إدخال العدم فيه ، فإن لوازم الماهية كزوجية الاثنين معلولة لها ، سواء أخذت بقيد الوجود أو لا به.

الثالث : أن هذا يرد في العلّة القابلة للوجود ، مع أنه باطل بالاتفاق.

الرابع : الجنس علة لقوام النوع ، لا على معنى أن يكون الجنس موجودا ثم يكون علة للنوع ، بل هو من حيث هو هو علة للنوع.

والجواب عن الأول ، أنه مؤكد لقولنا لا انه مبطل لأنا قلنا : لو كان زائدا لكان ممكنا في نفسه ، من حيث افتقاره الى محل يقوم به ، وهذا قطعي لكن الإمكان لا يعرض الموجود بانفراده.

وعن الثاني ، أن الماهية لا تخلو أن تؤخذ مع الوجود أو مع العدم أو تؤخذ لا معهما أو تؤخذ من حيث هي هي (١) ، والماهية مأخوذة بالثاني والثالث ، ولا شك في انّها غير صالحة للإيجاد ، ضرورة أن المعدوم لا يؤثر في الموجود وهي بالمعنى الرابع لا توجد إلا في العقل فيستحيل أن يكون علة لأمر موجود.

وبالجملة فالعقل قاض بوجوب وجود الموجد وزوجية الاثنين ، وإنما تكون الماهية مأخوذة (٢) من حيث هي هي إذا كانت ذهنية ، أما إذا أخذت الزوجية في الخارج استحال أن يكون الماهية مأخوذة من حيث هي هي.

وهاهنا نوع من التحقيق ، وهو أن لوازم الماهية إذا أخذت من حيث هي موجودة في الذهن ، غير. وإذا أخذت من حيث هي موجودة في الخارج ، غير. وبالمعنى الأول يستند الى الماهية من حيث إنها في الذهن ، وبالمعنى الثاني يستند إليها من حيث إنها في الخارج ، وإذا أخذت من حيث هي هي كانت معقولة صرفة وكانت معلولة لماهية هي كذلك ، ولما اتفقت اللوازم في الأحوال الثلاث (٣) اتفاق

__________________

(١) ب : العبارة هنا مضطربة.

(٢) ج : علة لها.

(٣) ج : كلمة «الثلاث» ساقطة.

٣٠٠