مناظرات

الشيخ عبد الله الحسن

مناظرات

المؤلف:

الشيخ عبد الله الحسن


المحقق: الشيخ عبد الله الحسن
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: شركة دار المصطفى (ص) لإحياء التراث
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٨٤
الجزء ٣ الجزء ٤

ومنهم من روى أن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ امر حفصة أن تأمر أباها أن يصلي بالناس (١) ، وهذا الخبر لا يصح لأن المهاجرين والأنصار لم يحتجوا به ولا ذكروه يوم السقيفة ، ولو صح هذا الخبر لما وجبت إمامة أبي بكر ، ولو وجبت الأمامة بالتقديم إلى الصلاة لوجب أن يكون عبد الرحمن بن عوف أولى بالأمامة ، لأنهم رووا عن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أنه صلى خلفه ولم يختلفوا في ذلك (٢) ، وكيف يلزمنا أيها الملك قبول خبر عائشة وحفصة بجرهما النفع إلى أبيهما وإلى أنفسهما ، ولا يلزمهم قبول قول فاطمة ـ عليها السلام ـ وهي سيدة نساء العالمين فيما ادعته من أمر فدك (٣) ، وأن أباها نحلها إياها (٤) ، مع كون فدك في يدها سنين من حياته ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ مع شهادة علي والحسن والحسين ـ عليهم السلام ـ وشهادة أم أيمن لها (٥)؟ وكيف يصح

__________________

(١) صحيح البخاري ج ١ ص ١٧٣.

(٢) المغازي للواقدي ج ٣ ص ١٠١٢ ، تهذيب الكمال ج ١٤ ص ١٢٢.

(٣) يقول ابن أبي الحديد في شرح النهج ج ١٦ ص ٢٨٤ : سألت علي بن الفارقي مدرس المدرسة الغربية ببغداد ، فقلت له : أكانت فاطمة ـ عليها السلام ـ صادقة؟ قال : نعم ، قلت : فلم لم يدفع إليها أبو بكر فدك وهي عنده صادقة؟ فتبسم ، ثم قال كلاما لطيفا مستحسنا مع ناموسه وحرمته وقلة دعابته ، قال : لو أعطاها اليوم فدك بمجرد دعواها لجاءت إليه غدا وادعت لزوجها الخلافة ، وزحزحته عن مقامه ، ولم يكن يمكنه الاعتذار والموافقة بشئ ، لأنه يكون قد أسجل على نفسه أنها صادقة فيما تدعي كائنا ما كان من غير حاجة إلى بينة ولا شهود ، وهذا كلام صحيح ، وإن كان أخرجه مخرج الدعابة والهزل.

(٤) راجع : مجمع الزوائد : ج ٧ ص ٤٩ ، شرح نهج البلاغة ج ١٦ ص ٢٦٨ ، شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني ج ١ ص ٤٣٨ ـ ٤٤٢ ح ٤٦٧ ـ ح ٤٧٣.

(٥) الاحتجاج ج ١ ص ٩٢ ، شرح نهج البلاغة ج ١٦ ص ٢٦٩ ، فتوح البلدان للبلاذري ص ٤٣.

ولذا يقول امير المؤمنين علي ـ عليه السلام ـ في أمر فدك : بلى كانت في أيدينا فدك من كل

٢٦١

هذا الخبر عندهم وقد رووا أن شهادة لأبيها غير جائزة (١)؟

وقولهم : إن شهادة النساء لا تجوز في عشرة دراهم ولا أقل إذا لم يكن معهن رجل (٢) ، ومع قولهم : إن شهادة النساء على النصف من شهادة الرجال.

فقال الملك : قولهم في هذا غير صحيح ، والحق والصدق فيما قاله الشيخ الفاضل.

ثم قال الملك : أيها الشيخ ، لم قلت : إن الأئمة أثنا عشر ولله عز وجل مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألف نبي؟

فقال الشيخ : أيها الملك ، إن الأمامة فريضة من فرائض الله وما أوجب الله فريضة غير معدودة ، ألا ترى أن فرض الصلاة في اليوم والليلة سبع عشرة ركعة ، وفرض الزكاة معلوم وهي عندنا على تسعة أشياء ، ووجوب الصوم معلوم وهو ثلاثون يوما ، وبين مناسك الحج وهي معدودة ، وكذلك تكون الأئمة عددا لا يجوز أن يقال بأكثر ولا أقل.

فقال الملك : فهل بين الله لذلك مجملا ، والنبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بين عددها في سننه لأن السنن إلى النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ؟

فقال الشيخ : نعم قد بين الفرائض والسنن كلها بأمر الله تعالى ، قال الله

__________________

ما أضلته السماء ، فشحت عليها نفوس قوم ، وسخت عنها نفوس قوم آخرين ، ونعم الحكم الله.

راجع : نهج البلاغة للامام علي ـ عليه السلام ـ ص ٤١٧ رقم الكتاب : ٤٥ (من كتاب له الى عامله في البصرة عثمان بن حنيف).

(١) شرح فتح القدير لابن الهمام الحنفي ج ١ ص ٤٥٢ ، الفقه الاسلامي وادلته ج ٦ ص ٥ ٦٩.

(٢) شرح فتح القدير لابن الهمام الحنفي ج ١ ص ٤٥٠ ، الفقه الاسلامي وادلته ج ٦ ص ٥ ٦٠.

٢٦٢

تعالى : (وأنزلنا إليك لتبين للناس ما نزل إليهم) (١) وإن الله تعالى قال : (وأقيموا الصلاة) (٢) ، ولم يبين عدد ركعاتها وبينها النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وقال تعالى : (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) (٣) ، ولم يبين عدد الأصناف التي تجب عليها الزكاة ، وقال الله تعالى : (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم) (٤) ، ولم يبين حدوده وهيئته وبينها النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وقال الله تعالى : (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) (٥) ، ولم يبين مناسك الحج فبينها النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، كذلك قال الله تعالى : (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) (٦) ، (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) (٧) ، ولم يبين عدد الأئمة فبينها النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في سننه (٨) كما بين سائر الفرائض.

فقال الملك : إن أمر الأمامة لم يوافقكم عليه مخالفوكم كما وافقوكم على عدد الفرائض.

فقال الشيخ (ره) : ليس يبطل قولنا في الأمامة بمخالفة مخالفينا ، كمإ

__________________

(١) سورة النحل : الاية ٤٤.

(٢) سورة البقرة : الاية ٤٣.

(٣) سورة التوبة : الاية ١٠٣.

(٤) سورة البقرة : الاية ١٨٣.

(٥) سورة آل عمران : الاية ٩٧.

(٦) سورة النساء : الاية ٥٩.

(٧) سورة المائدة : الاية ٥٥.

(٨) تقدمت النصوص على عددهم واسمائهم من مصادر العامة.

٢٦٣

لا يبطل الاسلام ومعجزات النبي بمخالفه اليهود والنصارى والمجوس والبراهمة (١) ، ولو بطل بشئ من مخالفة المخالفين لم يثبت في العالم شئ ، لأن مامن شئ إلا وفيه خلاف.

فقال الملك : صدقت هذا هو الحق وأنتم عليه. وأولى الملك في تلك الساعة لأمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ وسب أعداءه ومن شايعهم على ذلك ، والحمد لله رب العالمين وسلم تسليما كثيرا (٢).

__________________

(١) البراهمة : هم المنكرون للنبوات اصلا ، ومنهم من يميل إلى الدهر ، ومنهم من يميل إلى مذهب الثنوية ، ويقول بملة ابراهيم ـ عليه السلام ـ ، وأكثر هم على مذهب الصابئة. انظر : الملل والنحل للشهرستاني ج ٢ ص ٢٥٨.

(٢) الكشكول للشيخ يوسف البحراني ج ١ ص ٢٢٦ ، قصص العلماء للتنكابني ص ٣٩١ (فارسي) ، وقد نص على هذه المناظرة آقا بزرك الطهراني في الذريعة ج ٢٢ ص ٢٩٣ تحت رقم : ٧١٥١.

٢٦٤

المناظرة الثالثة والاربعون

مناظرة المفيد (١) مع عمر في المنام

عن الشيخ المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد النعمان ـ رضى الله عنه ـ قال : رأيت في المنام سنة من السنين كأني قد اجتزت في بعض الطرق فرأيت حلقة دائرة فيها أناس كثيرة ، فقلت : ما هذا؟

فقالوا : هذه حلقة فيها رجل يعظ.

قلت : ومن هو؟

__________________

(١) هو : محمد بن محمد بن النعمان ، البغدادي ، يعرف بابن المعلم ، من اعاظم علماء الامامية وأكبر شخصية شيعية ظهرت في القرن الرابع ، انتهت إليه رئاسة متكلمي الشيعة في عصره ، كان كثير التقشف والتخشع والاكباب على العلم ، وكان فقيها متقدما فيه ، حسن الخاطر دقيق الفطنة ، حاضر الجواب ، ونعم ما قاله فيه الخطيب البغدادي : إنه لو أراد ان يبرهن للخصم أن الاسطوانة من ذهب وهي من خشب لاستطاع ، وله قريب من مائتي مصنف ، ولد سنة ٣٣٨ ه‍ وتوفي سنة ٤١٣ ه‍ وكان يوم وفاته يوما لم ير اعظم منه من كثرة الناس للصلاة عليه وكثرة البكاء من المخالف والموافق وقيل شيعه ثمانون الفا من الناس وصلى عليه الشريف المرتضى ، ودفن بجوار الامامين (الكاظم والجواد ـ عليهما السلام ـ) وحكي انه وجد مكتوبا على قبره بخط القائم ـ عليه السلام ـ :

لا صوت الناعي بفقدك انه

يوم على آل الرسول عظيم

ان كنت غيبت في جدث الثرى

فالعدل والتوحيد فيك مقيم

والقائم المهدي يفرح كلما

تليت عليك من الدروس علوم

تجد ترجمته في : اوائل المقالات في المذاهب والمختارات للشيخ المفيد المقدمة ص ١٦ ، سير أعلام النبلاء ج ١٧ ص ٣٤٤ رقم : ٢١٣. تاريخ بغداد ج ٣ ص ٢٣١ ، الذريعة ج ٢ ص ٢٠٩ ، ميزان الاعتدال ج ٤ ص ٣٠ ، لسان الميزان ج ٥ ص ٣٦٨ ، رجال النجاشي ص ٢٨٣ ، الفهرست للشيخ الطوسي ص ١٥٧.

٢٦٥

قالوا : عمر بن الخطاب ، ففرقت الناس ودخلت الحلقة فإذا أنا برجل يتكلم على الناس بشئ لم أحصله فقطعت عليه الكلام.

وقلت : أيها الشيخ أخبرني ما وجه الدلالة على فضل صاحبك أبي بكر عتيق بن ابي قحافة من قول الله تعالى : (ثانى اثنين إذ هما في الغار) (١).

فقال : وجه الدلالة على فضل أبي بكر في هذه الاية على ستة مواضع :

الأول : أن الله تعالى ذكر النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ وذكر أبا بكر وجعله ثانيه ، فقال : (ثاني اثنين إذ هما في الغار).

والثاني : وصفهما بالاجتماع في مكان واحد لتأليفه بينهما فقال : (إذ هما في الغار).

والثالث : أنه اضافه إليه بذكر الصحبة فجمع بينهما بما تقتضي الرتبة فقال : (إذ يقول لصاحبه).

والرابع : أنه أخبر عن شفقة النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ ورفقه به لموضعه عنده فقال : (لا تحزن).

والخامس : أخبر أن الله معهما على حد سواء ، ناصرا لهما ودافعا عنهما فقال : (ان الله معنا).

والسادس : أنه أخبر عن نزول السكينة على أبي بكر لأن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ لم تفارقه سكينته قط ، قال : (فأنزل الله سكينته عليه) (٢).

__________________

(١) سورة التوبة : الاية ٤٠.

(٢) سورة التوبة : الاية ٢٧.

٢٦٦

فهذه ستة مواضع تدل على فضل ابى بكر من آية الغار ، حيث لا يمكنك ولا غيرك الطعن فيها.

فقلت له : خبرتك بكلامك في الاحتجاج لصاحبك عنه وإني بعون الله سأجعل ما أتيت به كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف.

اما قولك : إن الله تعالى ذكر النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ وجعل ابا بكر معه ثانيه ، فهو إخبار عن العدد ، ولعمري لقد كانا اثنين ، فما في ذلك من الفضل؟! فنحن نعلم ضرورة أن مؤمنا ومؤمنا ، أو مؤمنا وكافرا ، اثنان فما أرى لك في ذلك العد طائلا تعتمده.

وأما قولك : إنه وصفهما بالاجتماع في المكان ، فإنه كالاول لأن المكان يجمع الكافر والمؤمن كما يجمع العدد المؤمنين والكفار ، وأيضا : فإن مسجد النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أشرف من الغار ، وقد جمع المؤمنين والمنافقين والكفار ، وفي ذلك يقول الله عز وجل : (فما للذين كفروا قبلك مهطعين عن اليمين وعن الشمال عزين) (١) ، وأيضا : فإن سفينة نوح ـ عليه السلام ـ قد جمعت النبي ، والشيطان ، والبهيمة ، والكلب ، والمكان لا يدل على ما أوجبت من الفضيلة ، فبطل فضلان.

وأما قولك : إنه أضافه إليه بذكر الصحبة ، فإنه أضعف من الفضلين الأولين لأن اسم الصحبة تجمع المؤمن والكافر ، والدليل على ذلك قوله تعالى : (قال له صاحبه وهو يحاوره اكفرت بالذى خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلاً) (٢) وأيضا : فإن اسم الصحبة يطلق على العاقل والبهيمة ، والدليل على ذلك من كلام العرب الذي نزل بلسانهم ، فقال الله

__________________

(١) سورة المعارج : الاية ٣٧.

(٢) سورة الكهف : الاية ٣٥. والبهيمة ، والدليل على ذلك من كلام العرب الذي نزل بلسانهم ، فقال الله

٢٦٧

عز وجل : (وما ارسلنا من رسول الا بلسان قومه) (١) أنه قد سموا الحمار صاحبا فقال الشاعر (٢) :

إن الحمار مع الحمير مطية

فإذا خلوت به فبئس الصاحب

وأيضا : قد سموا الجماد مع الحي صاحبا ، فقالوا ذلك في السيف وقالوا شعرا :

زرت هندا وكان غير اختيان

ومعي صاحب كتوم اللسان (٣)

يعني : السيف ، فإذا كان اسم الصحبة يقع بين المؤمن والكافر ، وبين العاقل والبهيمة ، وبين الحيوان والجماد ، فأي حجة لصاحبك فيه؟!

وأما قولك : إنه قال : (لا تحزن) فإنه وبال عليه ومنقصة له ، ودليل على خطئه لأن قوله : (لا تحزن) ، نهي وصورة النهي قول القائل : لا تفعل فلا يخلو أن يكون الحزن قد وقع من أبي بكر طاعة أو معصية ، فإن كان طاعة فالنبي ـ صلى الله عليه وآله ـ لا ينهى عن الطاعات بل يأمر بها ويدعو إليها ، وإن كانت معصية فقد نهاه النبي عنها ، وقد شهدت الاية بعصيانه بدليل أنه نهاه.

واما قولك : إنه قال : (ان الله معنا) فإن النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ قد أخبر أن الله معه ، وعبر عن نفسه بلفظ الجمع ، كقوله تعالى : (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (٤) وقد قيل أيضا إن أبا بكر ، قال : يا رسول الله حزني على علي بن ابي طالب ـ عليه السلام ـ ما كان منه ، فقال له النبي

__________________

(١) سورة ابراهيم : الاية ٤.

(٢) هو اميه : بن أبي الصلت ، راجع : كنز الفوائد ج ٢ ص ٥٠.

(٣) قد ورد في كنز الفوائد ج ٢ ص ٥٠ للكراجكي هكذا :

زرت هنداوذاك بعد اجتناب

ومعي صاحب كتوم اللسان

(٤) سورة الحجر : الاية ٩.

٢٦٨

ـ صلى الله عليه وآله ـ : (لا تحزن فإن الله معنا) أي معي ومع أخي علي بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ.

وأما قولك : إن السكينة نزلت على أبي بكر ، فإنه ترك للظاهر ، لأن الذي نزلت عليه السكينة هو الذي أيده الله بالجنود ، وكذا يشهد ظاهر القرآن في قوله : (فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها) (١). فإن كان أبو بكر هو صاحب السكينة فهو صاحب الجنود ، وفي هذا اخراج للنبي ـ صلى الله عليه وآله ـ من النبوة على أن هذا الموضع لو كتمته عن صاحبك كان خيرا ، لأن الله تعالى انزل السكينة على النبي في موضعين كان معه قوم مؤمنون فشركهم فيها ، فقال في أحد الموضعين :

(فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى) (٢) وقال في الموضع الاخر : (ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها) (٣) ولما كان في هذا الموضع خصه وحده بالسكينة ، فقال : (فانزل الله سكينته عليه) فلو كان معه مؤمن لشركه معه في السكينة كما شرك من ذكرنا قبل هذا من المؤمنين ، فدل إخراجه من السكينة على خروجه من الأيمان ، فلم يحر جوابا وتفرق الناس واستيقظت من نومي (٤).

__________________

(١) سورة التوبة : الاية ٤١.

(٢) سورة الفتح : الاية ٢٦.

(٣) سورة التوبة : الاية ٢٧.

(٤) الاحتجاج ج ٢ ص ٤٩٩ ـ ٥٠١ ، كنز الفوائد للكراجي ج ٢ ص ٤٨ ، بحار الانوار ج ٢١ ص ٣٢٧ ح ١ ، والكشكول للبحراني ج ٢ ص ٥.

٢٦٩

المناظرة الرابعة والأربعون

مناظرة الشيخ المفيد (ره) مع القاضي أبي بكر بن سيّار

قال السيد المرتضى ـ رضي الله عنه ـ في كتاب الفصول : اتفق للشيخ أبي عبد الله المفيد ـ رحمة الله عليه ـ اتفاق مع القاضي أبي بكر أحمد بن سيار في دار الشريف أبي عبد الله محمد بن محمد بن طاهر الموسوي ـ رضي الله عنه ـ ، وكان بالحضرة جمع كثير يزيد عددهم على مائة إنسان ، وفيهم أشراف من بني علي وبني العباس ومن وجوه الناس والتجار حضروا في قضاء حق الشريف ـ رحمه الله ـ ، فجرى من جماعة من القوم خوض في ذكر النص على أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ ، وتكلم الشيخ أبو عبد الله ـ أيده الله ـ في ذلك بكلام يسير على ما اقتضته الحال.

فقال له القاضي أبو بكر ابن سيار : خبرني ما النص في الحقيقة؟ وما معنى هذه اللفظة؟

فقال الشيخ : أيده الله ـ : النص هو الاظهار والأبانة ، من ذلك قولهم : فلان قد نص قلوصه (١) : إذا أبانها بالسير ، وأبرزها من جملة الأبل ، ولذلك سمي المفرش العالي (منصة) لأن الجالس عليه يبين بالظهور من الجماعة ، فلما أظهره المفرش سمي منصة على ما ذكرناه ، ومن ذلك أيضا قولهم : قد نصّ فلان مذهبه : إذا أظهره وأبانه ، ومنه قول الشاعر :

__________________

(١) القلوص من الابل : الطويلة القوائم الشابة منها أو الباقية على السير.

٢٧٠

وجيد كجيد الريم ليس بفاحش (١)

إذا هي نصته ولا بمعطل

يريد إذا هي أظهرته ، وقد قيل : نصبته ، والمعنى في هذا يرجع إلى الأظهار ، فأما هذه اللفظة فإنها قد جعلت مستعملة في الشريعة على المعنى الذي قدمت ، ومتى أردت حد المعنى منها قلت : حقيقة النص هو القول المنبئ عن المقول فيه على سبيل الأظهار.

فقال القاضي : ما أحسن ما قلت! ولقد أصبت فيما أوضحت وكشفت ، فخبرني الان إذا كان النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ قد نص على إمامة أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ فقد أظهر فرض طاعته ، وإذا أظهره استحال أن يكون مخفيا ، فما بالنا لا نعلمه إن كان الأمر على ما ذكرت في حد النص وحقيقته؟

فقال الشيخ ـ أيده الله ـ : أما الأظهار من النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ فقد وقع ولم يك خافيا في حال ظهوره ، وكل من حضره فقد علمه ولم يرتب فيه ولا اشتبه عليه ، وأما سؤالك عن علة فقدك العلم به الان وفي هذا الزمان فإن كنت لا تعلمه على ما أخبرت به عن نفسك فذلك لدخول الشبهة عليك في طريقه ، لعدولك عن وجه النظر في الدليل المفضي بك إلى حقيقته ، ولو تأملت الحجة فيه بعين الأنصاف لعلمته ، ولو كنت حاضرا في وقت إظهار النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ له لما أخللت بعلمه ، ولكن العلة في ذهابك عن اليقين فيه ما وصفناه.

فقال : وهل يجوز أن يظهر النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ شيئا في زمانه فيخفى عمن ينشأ بعد وفاته حتى لا يعلمه الا بنظر ثاقب واستدلال عليه

__________________

(١) الريم : الظبى الخالص البياض.

٢٧١

فقال الشيخ ـ أيده الله تعالى ـ : نعم يجوز ذلك ، بل لا منه لمن غاب عن المقام في علم ما كان منه إلى النظر والاستدلال ، وليس يجوز أن يقع له به علم الاضطرار لأنه من جملة الغائبات ، غير أن الاستدلال في هذا الباب يختلف في الغموض والظهور والصعوبة والسهولة على حسب الأسباب المعترضات في طرقه ، وربما عرى طريق ذلك من سبب فيعلم بيسير من الاستدلال على وجه يشبه الاضطرار (١) ، إلا أن طريق النص حصل فيه من الشبهات للأسباب التي اعترضته ما يتعذر معها العلم به إلا بعد نظر ثاقب وطول زمان في الاستدلال (٢).

فقال : فإذا كان الأمر على ما وصفت فما أنكرت أن يكون النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ قد نص على نبي آخر معه في زمانه ، أو نبي يقوم من بعده مقامه ، وأظهر ذلك وشهره على حد ما أظهر به إمامة أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ فذهب عنا علم ذلك كما ذهب عنا علم النص وأسبابه؟

فقال له الشيخ ـ أيده الله ـ : أنكرت ذلك من قبل أن العلم حاصل لي ولكل مقر بالشرع ومنكر له بكذب من ادعى ذلك على رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، ولو كان ذلك حقا لما عم الجميع على بطلانه وكذب مدعيه ومضيفه إلى النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ (٣) ، ولو تعرى بعض

__________________

(١) أي على وجه يشبه العلم الضروري والبديهي.

(٢) وأهم الاسباب شدة إخفاء الخلفاء ومن بيدهم السلطة والقدرة ذلك ، وشدة النكير على من كان يظهره ، وخوف الناقلين منهم ، ولولا أن قيض الله سبحانه رجالا لم تأخذهم لومة لائم لكان يجب عادة أن لا يكون من ذلك عين ولا أثر ، ويكون ذلك نسيا منسيا ، ويكون الاضطرار بخلافه.

(٣) والحاصل أن العلم ببطلان ذلك ضروري من الامة ، وحصول العلم الضروري لهم في ذلك دون مسألة الامامة لعدم الدواعي على الاخفاء والكتمان فيه.

٢٧٢

العقلاء من سامعي الأخبار عن علم ذلك لا حتجت في إفساده إلى تكلف دليل غير ما وصفت ، لكن الذي ذكرت يغنيني عن اعتماد غيره فإن كان النص على الأمامة نظيره فيجب أن يعم العلم ببطلانه جميع سامعي الأخبار حتى لا يختلف في اعتقاد ذلك اثنان ، وفي تنازع الأمة فيه واعتقاد جماعة صحته والعلم به ، واعتقاد جماعة بطلانه دليل على فرق ما بينه وبين ما عارضت به.

ثم قال له الشيخ ـ أدام الله حراسته ـ : ألا أنصف القاضي من نفسه والتزم ما ألزمه خصومه فيما شاركهم فيه من نفي ما تفردوا به؟ ففصل بينه وبين خصومه في قوله : إن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قد نص على رجم الزاني وفعله ، وموضع قطع السارق وفعله ، وعلى صفة الطهارة والصلاة وحدود الصوم والحج والزكاة وفعل ذلك وبينه وكرره وشهره ، ثم التنازع موجود في ذلك ، وإنما يعلم الحق فيه وما عليه العمل من غيره بضرب من الاستدلال ، بل في قوله : إن انشقاق القمر لرسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ كان ظاهرا في حياته ومشهورا في عصره وزمانه ، وقد أنكر ذلك جماعة من المعتزلة وغيرهم من أهل الملل والملحدة ، وزعموا أن ذلك من توليد أصحاب السير ومؤلفي المغازي وناقلي الاثار ، وليس يمكننا أن ندعي على من خالفنا فيما ذكرنا علم الاضطرار وإنما نعتمد على غلطهم في الاستدلال ، فما يؤمنه أن يكون النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ قد نص على نبي من بعده وإن عرى من العلم بذلك على سبيل الاضطرار ، وبم يدفع أن يكون قد حصلت شبهات حالت بينه وبين العلم بذلك كما حصل لخصومه فيما عددناه ووصفناه ، وهذا ما لا فصل فيه.

فقال له : ليس يشبه النص على أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ جميع

٢٧٣

ما ذكرت ، لأن فرض النص عندك فرض عام ، وما وقع فيه الاختلاف فيما قدمت فروض خاصة ، ولو كانت في العموم كهو لما وقع فيها الاختلاف.

فقال الشيخ ـ أيده الله ـ : فقد انتقض الان جميع ما اعتمدته ، وبان فساده ، واحتجت في الاعتماد إلى غيره ، وذلك أنك جعلت موجب العلم وسبب ارتفاع الخلاف ظهور الشئ في زمان ما واشتهاره بين الملا ، ولم تضم إلى ذلك غيره ولا شرطت فيه موصوفا سواه ، فلما نقضناه عليك ووضح عندك دماره عدلت إلى التعلق بعموم الفرض وخصوصه ، ولم يك هذا جاريا فيما سلف ، والزيادة في الاعتلال انقطاع ، والانتقال من اعتماد إلى اعتماد أيضا انقطاع ، على أنه ما الذي يؤمنك أن ينص على نبي يحفظ شرعه فيكون فرض العمل به خاصا في العبادة كما كان الفرض فيما عددناه خاصا ، فهل فيها من فصل يعقل؟ فلم يأت بشئ تجب حكايته (١).

__________________

(١) بحار الانوار ج ١٠ ص ٤٠٨ ح ٢ (مع هوامشها) ، الفصول المختارة ج ١ ص ١ ـ ٤.

٢٧٤

المناظرة الخامسة والأربعون

مناظرة الشيخ المفيد مع الكتبي ورجل من المعتزلة

سأله المعروف بالكتبي فقال له : ما الدليل على فساد إمامة أبي بكر؟

فقال له : الأدلة على ذلك كثيرة ، فأنا أذكر لك منها دليلا يقرب من فهمك ، وهو أن الأمة مجتمعة على أن الأمام لا يحتاج إلى إمام ، وقد أجمعت الأمة على أن أبا بكر قال على المنبر : (وليتكم ولست بخيركم ، فإن استقمت فاتبعوني ، وإن اعوججت فقوموني) (١) ، فاعترف بحاجته إلى رعيته وفقره إليهم في تدبيره ، ولا خلاف بين ذوي العقول أن من احتاج إلى رعيته فهو إلى الأمام أحوج (٢) ، وإذا ثبتت حاجة أبي بكر إلى الامام بطلت إمامته بالإجماع المنعقد على أن الإمام لا يحتاج إلى الإمام ،

__________________

(١) تقدمت تخريجاته.

(٢) وفي هذا المعنى يقول شاعر أهل البيت ـ عليهم السلام ـ سفيان بن مصعب العبدي الكوفي ـ المتوفي ـ سنة ١٢٠ ه‍ ـ :

وقال : رسول الله ما اختار بعده

إماما ولكنا لأنفسنا اخترنا

اقمنا إماما إن أقام على الهدى

أطعنا وإن ضل الهداية قومنا

فقلنا إذن أنتم امام امامكم

بحمد من الرحمن تهتم وما تهنا

ولكننا اخترنا الذي اختار ربنا

لنا يوم خم ما اعتدينا ولا حلنا

سيجمعنا يوم القيامة ربنا

فتجزون ما قلتم ونجزى الذي قلنا

ونحن على نور من الله واضح

فيارب زدنا منك نورا وثبتنا

وفي العبدي ـ رحمه الله تعالى ـ روي عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال : يا معشر الشيعة علموا أولادكم شعر العبدي فأنه على دين الله. أنظر : الكنى والألقاب للقمي ج ٢ ص ٤١٤ ـ ٤١٥.

٢٧٥

فلم يدر الكتبي بم يعترض ، وكان بالحضره من المعتزلة رجل يعرف بعرزالة.

فقال : ما أنكرت على من قال لك : إن الأمة أيضا مجتمعة على أن القاضي لا يحتاج إلى قاض ، والأمير لا يحتاج إلى أمير ، فيجب على هذا الأصل أن يوجب عصمة الامراء ، أو يخرج من الأجماع.

فقال له الشيخ : إن سكوت الأول أحسن من كلامك هذا ، وما كنت أظن أنه يذهب عليك الخطأ في هذا الفصل ، أو تحمل نفسك عليه مع العلم بوهنه ، وذلك أنه لا إجماع في ما ذكرت ، بل الأجماع في ضده ، لأن الأمة متفقة على أن القاضي الذي هو دون الأمام يحتاج إلى قاض هو الأمام ، وذلك يسقط ما تعلقت به ، اللهم إلا أن تكون أشرت بالأمير والقاضي إلى نفس الأمام ، فهو كما وصفت غير محتاج إلى قاض يتقدمه أو أمير عليه ، وإنما استغنى عن ذلك لعصمته وكماله ، فأين موضوع إلزامك عافاك الله؟ فلم يأت بشيء (١).

__________________

(١) البحار ج ١٠ ص ٤١١ ح ٤ ، الفصول المختارة ج ١ ص ٧ ـ ٨.

٢٧٦

المناظرة السادسة والأربعون

مناظرة الشيخ المفيد مع رجل من أصحاب الحديث

قال له رجل من أصحاب الحديث ممن يذهب إلى مذهب الكرابيسي (١) ما رأيت أجسر من الشيعة فيما يدعونه من المحال ، وذلك أنهم زعموا أن قول الله عز وجل : (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) (٢) نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين ـ عليهم السلام ـ (٣) ، مع ما في ظاهر الاية أنها نزلت في أزواج النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ ، وذلك أنك إذا تأملت الاية من أولها إلى آخرها وجدتها منتظمة لذكر الأزواج خاصة ، ولن تجد لمن ادعوها له ذكرا.

قال الشيخ ـ أدام الله عزه ـ : أجسر الناس على ارتكاب الباطل وأبهتهم وأشدهم إنكارا للحق وأجهلهم من قام مقامك في هذا الاحتجاج ، ودفع مإ عليه الأجماع والاتفاق ، وذلك أنه لا خلاف بين الأمة أن الاية من القرآن قد

__________________

(١) هو : أبو علي الحسين بن علي الكرابيسي الشافعي المتوفى ٢٤٥ ه‍ أو ٢٤٨ ه‍ ، وكان من المتحاملين حتى على أحمد بن حنبل فضلا عن أهل البيت ـ عليهم السلام ـ فقد تكلم على امام الحنابلة ويقول لما سمع قوله في القرآن : أيش نعمل بهذا الصبي؟ ان قلنا القران مخلوق ، قال بدعة ، وان قلنا : غير مخلوق قال : بدعة ، وروى احاديث مكذوبة في أهل البيت ـ عليهم السلام ـ ، راجع : تاريخ بغداد للخطيب ج ٨ ص ٦٤ ، الغدير للأميني ج ٥ ص ٢٨٧.

(٢) سورة الاحزاب : الاية ٣٣.

(٣) نزول آية التطهير في فضل أصحاب الكساء في بيت أم سلمة مما اجمعت عليه الامة الاسلامية ، وروي ذلك متواترا عن أئمة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ وكثير من الصحابة وقد تقدم تخريج ذلك.

٢٧٧

عليه الاجماع والاتفاق ، وذلك أنه لا خلاف بين الأمة أن الاية من القرآن قد تأتي وأولها في شئ وآخرها في غيره ، ووسطها في معنى وأولها في سواه ، وليس طريق الاتفاق في المعنى إحاطة وصف الكلام في الائي ، فقد نقل الموافق والمخالف أن هذه الاية نزلت في بيت أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ ، ورسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ في البيت ، ومعه علي وفاطمة والحسن والحسين ـ عليهم السلام ـ وقد جللهم بعباء خيبرية ، وقال : اللهم هؤلاء أهل بيتي ، فأنزل الله عز وجل عليه : (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) (١) فتلاها رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ.

فقالت أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ : يا رسول الله ألست من أهل بيتك؟

فقال لها : إنك إلى خير ، ولم يقل لها : إنك من أهل بيتي ، حتى روى أصحاب الحديث أن عمر سئل عن هذه الاية ، قال : سلوا عنها عائشة ، فقالت عائشة : إنها نزلت في بيت أختي أم سلمة فسلوها عنها فإنها أعلم بها مني ، فلم يختلف أصحاب الحديث من الناصبة وأصحاب الحديث من الشيعة في خصوصها فيمن عددناه ، وحمل القرآن في التأويل على ما جاء به الأثر أولى من حمله على الظن والترجيم ، مع أن الله سبحانه قد دل على صحة ذلك بمتضمن هذه الاية حيث يقول : (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) وإذهاب الرجس لا يكون إلا بالعصمة من الذنوب ، لأن الذنوب من أرجس الرجس ، والخبر عن الإرادة ههنا إنما هو خبر عن وقوع الفعل خاصة ، دون الإرادة التي يكون

__________________

(١) سورة الاحزاب : الاية ٣٣.

٢٧٨

بها لفظ الأمر أمرا ، لاسيما على ما أذهب إليه في وصف القديم بالإرادة ، وأفرق بين الخبر عن الأرادة ههنا والخبر عن الأرادة في قوله سبحانه : (يريد الله ليبين لكم) (١) وقوله : (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) (٢) إذ لو جرت مجرى واحدا لم يكن لتخصيص أهل البيت بها معنى ، إذ الأرادة التي يقتضي الخبر والبيان يعم الخلق كلهم على وجهها في التفسير ومعناها ، فلما خص الله تبارك وتعالى أهل البيت ـ عليهم السلام ـ بإرادة إذهاب الرجس عنهم دل على ما وصفناه من وقوع إذهابه عنهم ، وذلك موجب للعصمة على ما ذكرناه ، وفي الاتفاق على ارتفاع العصمة عن الأزواج دليل على بطلان مقال من زعم أنها فيهن ، مع أن من عرف شيئا من اللسان وأصله لم يرتكب هذا القول ولا توهم صحته ، وذلك أنه لا خلاف بين أهل العربية أن جمع المذكر بالميم ، وجمع المؤنث بالنون ، وأن الفصل بينهما بهاتين العلامتين ، ولا يجوز في لغة القوم وضع علامة المؤنث على المذكر ، ولا وضع علامة المذكر على المؤنث ، ولا استعملوا ذلك في الحقيقة ولا المجاز ، ولما وجدنا الله سبحانه قد بدأ في هذه الاية بخطاب النساء وأورد علامة جمعهن من النون في خطابهن فقال : (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض) الى قوله : (وأطعن الله ورسوله) ثم عدل بالكلام عنهن بعد هذا الفصل إلى جمع المذكر فقال : (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) (٣) فلما جاء بالميم وأسقط النون

__________________

(١) سورة النساء : الاية ٢٦.

(٢) سورة البقرة : الاية ١٨٥.

(٣) سورة الاحزاب : الاية ٣٢ و ٣٣.

٢٧٩

علمنا أنه لم يتوجه هذا القول إلى المذكور الإول بما بيناه من أصل العربية وحقيقتها ، ثم رجع بعد ذلك إلى الأزواج فقال : (واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا) (١) فدل بذلك على إفراد من ذكرناه من آل محمد ـ عليهم السلام ـ بما علقه عليهم من حكم الطهارة الموجبة للعصمة وجليل الفضيلة ، وليس يمكنكم معشر المخالفين أن تدعوا أنه كان في الأزواج مذكورا رجل غير النساء ، أو ذكر ليس برجل ، فيصح التعلق منكم بتغليب المذكر على المؤنث إذ كان في الجمع ذكر ، وإذا لم يمكن ادعاء ذلك وبطل أن يتوجه إلى الأزواج فلا غير لهن توجهت إليه إلا من ذكرناه ممن جاء فيه الأثر على ما بيناه (٢).

__________________

(١) سورة الاحزاب : الاية ٣٤.

(٢) الفصول المختارة ٢٩ ـ ٣١ ، بحار الانوار ج ١٠ ص ٤٢٤ ح ٩.

٢٨٠