الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - ج ١١

آية الله مكارم الشيرازي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - ج ١١

المؤلف:

آية الله مكارم الشيرازي


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مدرسة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام
المطبعة: أمير المؤمنين عليه السلام
الطبعة: ١
ISBN: 964-6632-52-1
ISBN الدورة:
964-6632-53-X

الصفحات: ٥٠٤

نقرأ في حديث عن التاسع من أئمة الإسلام العظام ، الإمام محمد التقي الجواد عليه‌السلام «إيّاك ومصاحبة الشرير ، فإنه كالسيف المسلول ، يحسن منظره ويقبح أثره». (١)

وقال الرّسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «أربع يمتن القلب : الذنب على الذنب ...

ومجالسة الموتى» قيل له : يا رسول الله ، وما الموتى؟ قال : «كل غني مترف».(٢)

* * *

__________________

(١) بحار الأنوار ج ٧٤ ص ١٩٨.

(٢) الخصال ، للصدوق ، طبقا لنقل بحار الأنوار ، ج ٧٤ ، ص ١٩٥.

٢٤١

الآيات

(وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً (٣٠) وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً (٣١) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً (٣٢) وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً (٣٣) الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً (٣٤))

التّفسير

إلهي ، إنّ الناس قد هجروا القرآن :

كما تناولت الآيات السابقة أنواعا من ذرائع المشركين والكافرين المعاندين ، تتناول الآية الأولى في مورد البحث هنا حزن وشكاية الرّسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بين يدي الله عزوجل من كيفية تعامل هذه الفئة مع القرآن ، فتقول :

٢٤٢

(وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً). (١)

قول الرّسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هذا ، وشكواه هذه ، مستمران إلى هذا اليوم من فئة عظيمة من المسلمين ، يشكو بين يدي الله أنّهم دفنوا القرآن بيد النسيان ، القرآن الذي هو رمز الحياة ووسيلة النجاة ، القرآن الذي هو سبب الإنتصار والحركة والترقي ، القرآن الممتلئ ببرامج الحياة ، هجروا هذا القرآن فمدّوا يد الاستجداء إلى الآخرين ، حتى في القوانين المدنية والجزائية.

إلى الآن ، لو تأملنا في وضع كثير من البلدان الإسلامية ، خصوصا أولئك الذين يعيشون تحت هيمنة الشرق والغرب الثقافية ، لوجدنا أنّ القرآن بينهم كتاب للمراسم والتشريفات ، يذيعون ألفاظه وحدها بأصوات عذبة عبر محطات البث ، ويستخدمونه في زخرفة المساجد بعنوان الفن المعماري ، ولافتتاح منزل جديد ، أو لحفظ مسافر ، وشفاء مريض ، وعلى الأكثر للتلاوة من أجل الثواب.

ويستدلون بالقرآن ، أحيانا وغايتهم إثبات أحكامهم المسبّقة الخاطئة من خلال الاستعانة بالآيات ، وبالاستفادة من المنهج المنحرف في التّفسير بالرأي.

في بعض البلدان الإسلامية ، هناك مدارس في طول البلاد وعرضها بعنوان : مدارس «تحفيظ القرآن» وفريق عظيم من الأولاد والبنات مشغولون بحفظ القرآن ، في الوقت الذي تؤخذ أفكارهم عن الغرب حينا ، وعن الشرق حينا آخر ، وتؤخذ قوانينهم وقراراتهم من الأجانب ، أمّا القرآن فغطاء لمخالفاتهم فقط.

نعم ، اليوم أيضا يصرخ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً). مهجورا من ناحية لبّه ومحتواه ، متروكا من ناحية الفكر والتأمل ،

__________________

(١) الظاهر أن جملة «قال» فعل ماض ، تدل على أنّ النّبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان قد ذكر هذا القول على سبيل الشكوى في هذه الدنيا ، وأكثر المفسّرين أيضا على هذا الإعتقاد ، لكن بعضا آخر مثل «العلامة الطباطبائي» في «الميزان» يعتقدون أن هذا القول مرتبط بيوم القيامة ، والفعل الماضي هنا بمعنى المضارع. وذكر العلامة الطبرسي في مجمع البيان أيضا هذا على سبيل الاحتمال ، لكن الآية التي بعدها ، والتي فيها جنبة مواساة للنّبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دليل على أن التّفسير المشهور هو الأصح.

٢٤٣

ومهملا من ناحية برامجه البناءة.

تقول الآية التي بعدها في مواساة النّبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، حيث كان يواجه هذا الموقف العدائي للخصوم : (وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ).

لست وحدك قد واجهت هذه العداوة الشديدة لهذه الفئة ، فقد مرّ جميع الأنبياء بمثل هذه الظروف ، حيث كان يتصدى لمخالفتهم فريق من (المجرمين) فكانوا يناصبونهم العداء.

ولكن اعلم أنّك لست وحيدا ، وبلا معين (وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً).

فلا وساوسهم تستطيع أن تضللك ، لأنّ الله هاديك ، ولا مؤامراتهم تستطيع ، أن تحطمك ، لأن الخالق معينك ، الخالق الذي علمه فوق كل العلوم ، وقدرته أقوى من كل القدرات.

الآية التي بعدها ، تشير أيضا إلى ذريعة أخرى من ذرائع هؤلاء المجرمين المتعللين بالمعاذير ، فتقول : (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً).

أليس القرآن جميعه من قبل الله!؟ أليس من الأفضل أن ينزل جميع محتوى هذا الكتاب دفعة واحدة حتى يقف الناس على عظمته أكثر؟ ولماذا تتنزل هذه الآيات تدريجيا وعلى فواصل زمنية مختلفة؟

وقد يأخذ هذا الإشكال في كيفية نزول القرآن مأخذه من الأفراد السطحيين ، خاصّة إذا كانوا من المتمحلين للأعذار بأن هذا الكتاب السماوي العظيم الذي هو أساس ومصدر كل حياة المسلمين ، ومحور كل قوانينهم السياسية والاجتماعية والحقوقية والعبادية ، لماذا لم ينزل كاملا ودفعة واحدة على نبيّ الإسلام صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، حتى يقرأه أتباعه من البداية إلى النهاية فيطلعون على محتواه. وأساسا فقد كان الأفضل للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أيضا أن يكون ذا اطلاع على جميع هذا القرآن دفعة واحدة ، كيما يجيب الناس فورا على كل ما يسألونه ويريدون

٢٤٤

منه.

ولكن القرآن في تتمة نفس هذه الآية يجيبهم : (كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً). وقد غفل أولئك السطحيون عن هذه الحقيقة ، فلا شك أن نزول القرآن التدريجي له ارتباط وثيق بتثبيت قلب النّبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والمؤمنين ، وسيأتي بحث مفصل عن ذلك في نهاية هذه الآيات.

ثمّ للتأكيد أكثر على هذا الجواب يقول تعالى : (وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً). أي أنّهم لا يأتون بمثل أو مقولة أو بحث لاضعاف دعوتك ومقابلتها ، إلّا آتيناك بكلام حقّ يقمع كلماتهم الجوفاء وأدلتهم الخاوية بأحسن بيان وأفضل تفسير.

وبما أنّ هؤلاء الأعداء الحاقدين استنتجوا ـ بعد مجموعة من إشكالاتهم ـ أن محمّدا وأصحابه مع صفاتهم هذه وكتابهم هذا وبرامجهم هذه شرّ خلق الله (العياذ بالله) ، ولأنّ ذكر هذا القول لا يتناسب مع فصاحة وبلاغة القرآن ، فإنّ الله سبحانه يتناول الإجابة على هذا القول في الآية الأخيرة مورد البحث دون أن ينقل أصل قولهم ، يقول :

(الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً).

نعم ، تتضح هناك نتيجة منهاهج حياة الناس ، فريق لهم قامات منتصبة كشجر السرور ، ووجوه منيرة كالقمر ، وخطوات واسعة ، يتوجهون بسرعة إلى الجنّة ، في مقابل فريق مطأطئي رؤوسهم إلى الأرض ، تسحبهم ملائكة العذاب إلى جهنّم ، هذا المصير المختلف يكشف عمن كان ضالا وشقيا! ومن كان مهتديا وسعيدا؟!

* * *

بحوث

١ ـ تفسير (جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا).

يفهم من هذه الجملة ـ أحيانا ـ أن الله من أجل مواساة النّبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : لست

٢٤٥

وحدك لك عدوّ ، بل لقد جعلنا لكل نبي عدوّا ، ولازم هذا القول إسناد وجود أعداء الأنبياء إلى الله تعالى ، الأمر الذي لا يتفق مع حكمته ولا مع أصل حرية وإرادة الإنسان. ذكر المفسّرون أجوبة متعددة على هذا السؤال ...

قلنا مرارا أن جميع أعمال الإنسان منسوبة إلى الله ، لأنّ جميع متعلقاتنا ، قدرتنا ، قوانا ، عقلنا وفكرنا ، وحتى حريتنا واختيارنا أيضا من عنده ، وعلى هذا فمن الممكن من هذه الناحية نسبة وجود الأعداء للأنبياء إلى الله ، دون أن يستلزم ذلك الجبر وسلب الإختيار ، ولا يرد خدش في مسئوليتهم إزاء أعمالهم (فتأمل)! مضافا إلى أن وجود هؤلاء الأعداء الأشداء ومخالفتهم للأنبياء ، يكون سببا في أن يصبح المؤمنون أقوى في عملهم ، وأثبت قدما ، فيتحقق الامتحان الإلهي بالنسبة إلى الجميع.

هذه الآية في الحقيقة مثل الآية (١١٢) من سورة الأنعام حيث تقول : (وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ ، يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً).

أمام الأزاهير تنمو الأشواك ، وفي قبال المحسنين يوجد المسيئون ، دون أن تنتفي مسئولية أي واحد من هاتين المجموعتين.

وقال البعض : إنّ المقصود من «جعلنا» هي أوامر ونواهي ومناهج الأنبياء البناءة التي تجر بعض الضالين إلى العداوة ، شاؤوا أم أبوا.

وإذا أسند ذلك إلى الله فلأن الأوامر والنواهي من جهته عزوجل.

التّفسير الآخر : أن هنالك فئة يطبع الله على قلوبهم ويعمي أبصارهم ويصم أسماعهم بسبب الإصرار على الذنب والإفراط في التعصب واللجاجة ، هذه الفئة يصبحون أعداء الأنبياء في نهاية المطاف ، أمّا أسباب ذلك فهي بما قدموا لأنفسهم.

ولا منافاة بين هذه التفاسير الثلاثة ، فمن الممكن أن تجتمع كلها في مفهوم الآية.

٢٤٦

٢ ـ الآثار العميقة لنزول القرآن التدريجي

صحيح أنّه كان للقرآن نزولان ، طبقا للرّوايات (بل لظاهر بعض الآيات) : أحدهما: «نزول دفعي» مرّة واحدة في ليلة القدر على قلب النّبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والآخر: «نزول تدريجي» في ثلاث وعشرين سنة ، لكن بلا شك أن النّزول المعترف به الذي كان النّبي والناس يتفاعلون معه دائما هو النّزول التدريجي للقرآن.

وهذا النّزول التدريجي بالذات صار سببا لاستفهامات الأعداء : لماذا لم ينزل القرآن مرّة واحدة ويجعل دفعة واحدة بين أيدي الناس ، حتى يكونوا أكثر اطلاعا وتفهما ، فلا يبقى مكان للشك والريبة؟

ولكن ـ كما رأينا ـ فإنّ القرآن أجابهم جوابا قصيرا وجامعا وبليغا من خلال جملة (كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ) ، فكلما تأملنا فيها أكثر تتجلى آثار النّزول التدريجي للقرآن أوضح.

١ ـ لا شك أنّ التشريعات إذا كانت تتنزل بشكل تدريجي تبعا للحاجات ، ويكون لكل مسألة شاهد ومصداق عينيّ ، فستكون مؤثرة جدّا من ناحية «تلقي الوحي» وكذلك «إبلاغ الناس».

مبادئ التربية تؤكّد أنّ الشخص أو الأشخاص المراد تربيتهم ينبغي أن يؤخذ بأيديهم خطوة خطوة ، فينظم لهم لكل يوم برنامج ، ويسلكوا من المرحلة الأدنى التي شرعوا منها إلى المراحل الأعلى والبرامج التي تتدرج بهذه الكيفية تكون أكثر مقبولية وأعمق أثرا.

٢ ـ إنّ هؤلاء المعترضين غافلون أساسا عن أنّ القرآن ليس كتابا عاديا يبحث في موضوع أو علم معين ، بل هو منهج حياتي للأمة التي تغيرت به ، واستلهمت منه في جميع أبعاد الحياة ولا تزال.

كثير من آيات القرآن نزلت في مناسبات تاريخية مثل معركة (بدر) و (أحد) و (الأحزاب) و (حنين) ، وبذلك سنّت التشريعات والاستنتاجات من هذه

٢٤٧

الحوادث ، ترى هل يصح أن تكتب هذه مرّة واحدة وتعرض على الناس!؟

بعبارة أخرى : القرآن مجموعة من أوامر ونواه ، أحكام وقوانين ، تاريخ وموعظة ، ومجموعة من الخطط ذات المدى الطويل أو القصير في مواجهة الأحداث التي كانت تبرز أمام مسير الأمة الإسلامية ، كتاب ـ كهذا ـ يبيّن وينفذ جميع مناهجه حتى قوانينه الكلية عن طريق الحضور في ميادين حياة الأمة ، لا يمكن أن ينظم ويدوّن دفعة واحدة.

وهذا من قبيل أن يقوم قائد عظيم بكتابه ونشر جميع بياناته وإعلاناته وأوامره ونواهيه ـ التي يصدرها في المناسبات المختلفة ـ دفعة واحدة من أجل تسيير الثورة ، ترى هل يعتبر هذا العمل عقلائيا!؟

٣ ـ النّزول التدريجي للقرآن كان سبب ارتباط النّبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الدائم والمستمر بمبدإ الوحي ممّا يجعل قلبه الشريف أقوى وإرادته أشدّ. ومن غير الممكن إنكار تأثيره في المناهج التربوية.

٤ ـ من جهة أخرى فإنّ استمرار الوحي دليل على استمرار رسالة وسفارة النّبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وسوف لن يترك مجالا لوسوسة الأعداء لكي يقولوا : لقد بعث هذا النّبي ليوم واحد! ثمّ تركه ربه ، كما نقرأ في التأريخ الإسلامي أن هذه الهمهمة ظهرت أثناء تأخر الوحي في بداية الدعوة ، فأنزلت سورة (وَالضُّحى) لنفي ذلك.

٥ ـ لا شك أنّه إذا كان مقررا لمناهج الإسلام أن تنزل جميعها دفعة واحدة ، فقد كان من اللازم أن تطبّق دفعة واحدة أيضا ، لأن النّزول بدون تطبيق يفقد النّزول قيمته ، ومن المعلوم أن تطبيق جميع المناهج أعم من العبادات كالزكاة والجهاد ، ورعاية جميع الواجبات والامتناع عن كل المحرمات دفعة واحدة ..

عمل ثقيل جدّا قد يؤدي إلى فرار فئة كبيرة من الإسلام.

وبهذا يتبيّن أن النّزول التدريجي وبالتالي التطبيق التدريجي أفضل من جهات كثيرة.

٢٤٨

وبعبارة أخرى : إنّ أيّ واحد من هذه التشريعات في صورة النّزول التدريجي سيتم هضمه واستيعابه بصورة جيدة ، وفي حالة تعرضه لبعض الاستفهامات يمكن طرحها والاجابة عليها.

٦ ـ وفائدة أخرى من فوائد النّزول التدريجي هو اتضاح عظمة وإعجاز القرآن ، ذلك لأن في كل واقعة تنزل عدّة آيات كريمة تكون لوحدها دليل العظمة والاعجاز ، وكلما يتكرر تتجلى أكثر هذه العظمة وهذا الإعجاز ، فينفذ في أعماق قلوب الناس.

٣ ـ معنى الترتيل في القرآن :

كلمة «ترتيل» من مادة «رتل» (على وزن قمر) بمعنى انتظم واتسق ، لذا فالعرب يقولون «رتل الإنسان» لمن تكون أسنانه جيدة ومنتظمة ومتسقة. وعلى هذا الأساس يطلق الترتيل بمعنى القراءة المتسقة للكلام أو الآيات بموجب نظام وحساب.

وعلى هذا فجملة (وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً) إشارة إلى هذه الحقيقة ، وهي أنّ آيات القرآن وإن نزلت تدريجا وفي مدة ٢٣ سنة ، لكنّ هذا النّزول كان على أساس نظام وحساب ومنهج بحيث ادى الى رسوخه في الأفكار وغرسه في القلوب.

في تفسير كلمة «ترتيل» نقلت روايات جذابة ، نشير إلى بعضها كما يأتي :

في تفسير «مجمع البيان» «نقل عن النّبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه أمر ابن عباس : «إذا قرأت القرآن فرتله ترتيلا» فسألته : وما الترتيل؟ قال : «بينه تبيينا ولا تنثره نثر الدقل ولا تهزه هزّ الشعر ، قفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب ، ولا يكونن همّ أحدكم آخر

٢٤٩

السورة». (١)

وهناك رواية بهذه المضمون رواه الشيخ الكليني في «أصول الكافي» عن أمير المؤمنين علي عليه‌السلام. (٢)

ونقل أيضا عن الإمام الصادق عليه‌السلام «الترتيل أن تتمكث به وتحسن به صوتك ، وإذا مررت بآية فيها ذكر النار فتعوّذ بالله من النار ، وإذا مررت بآية فيها ذكر الجنة فاسأل الله الجنّة». (٣)

٤ ـ تفسير (يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ)

أقوال كثيرة بين المفسّرين في ما هو المقصود بحشر هذه الفئة من المجرمين على وجوههم!؟

بعضهم فسّروا ذلك بنفس معناه الحقيقي ، وقالوا : إنّ ملائكة العذاب يسحبونهم إلى جهنم وهم ملقون على وجوههم إلى الأرض ، وهذا علامة على مهانتهم وذلتهم ، لأنّهم كانوا في الدنيا في غاية الكبر والغرور والاستهانة بخلق الله ، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى تجسيد لضلالتهم في هذا العالم ، ذلك أن من يسحبونه بهذه الصورة لا يرى ما أمامه بأي شكل ، وغافل عما حوله.

والبعض الآخر أخذوا بمعناه الكنائي ، فقالوا تارة هذه الجملة كناية عن تعلق قلوب أولئك بالدنيا ، فهم يسحبون إلى جهنم لأن وجوه قلوبهم لا زالت مرتبطة بالدنيا. (٤)

__________________

(١) مجمع البيان ، ج ٧ ، ص ١٧٠ ذيل الآية مورد البحث.

(٢) أصول الكافي ، ج ٢ ، ص ٤٤٩ (باب ترتيل القرآن بالصوت الحسن).

(٣) مجمع البحرين مادة رتل.

(٤) طبقا لهذا التّفسير ، فإنّ عبارة «على وجوههم» أخذت محل العلّة. فيكون مفهوم الجملة هكذا (يحشرون إلى جهنم لتعلق وجوه قلوبهم إلى الدنيا).

٢٥٠

وقالوا تارة اخرى : انها كناية مستعملة في الأدب العربي حيث يقولون : فلان مرّ على وجهه ، يعني أنّه لم يكن يدري أين يذهب.

لكن الواضح أنّنا مع عدم الدليل على المعنى الكنائي ، لا بدّ من حملها على المعنى الأوّل ، وهو المعنى الحقيقي.

* * *

٢٥١

الآيات

(وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً (٣٥) فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً (٣٦) وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ عَذاباً أَلِيماً (٣٧) وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً (٣٨) وَكُلاًّ ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ وَكُلاًّ تَبَّرْنا تَتْبِيراً (٣٩) وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً (٤٠))

التّفسير

مع كل هذه الدروس والعبر ، ولكن ...

أشار القرآن المجيد في هذه الآيات إلى تاريخ الأمم الماضية ومصيرهم المشؤوم مؤكّدا على ست أمم بخاصّة (الفراعنة ، وقوم نوح ، وقوم عاد ، وثمود ، وأصحاب الرّس ، وقوم لوط) وذلك لمواساة النّبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من جهة ، ولتهديد

٢٥٢

المشركين المعاندين الذين مرّ أنموذج من أقوالهم في الآيات السابقة ، من جهة أخرى ويجسد دروس العبرة من مصير هذه الأقوام بشكل مختصر وبليغ تماما.

يقول أوّلا : (وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً).

فقد ألقيت على عاتقيهما لمسؤولية الثقيلة في جهاد الفراعنة ، ويجب عليهما مواصلة هذا العمل الثوري بمساعدة أحدهما الآخر حتى يثمر (فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا) فإنّهم قد كذبوا دلائل الله وآياته التي في الآفاق وفي الأنفس وفي كل عالم الوجود ، وأصروا على طريق الشرك وعبادة الأصنام من جهة .. ومن جهة أخرى أعرضوا عن تعاليم الأنبياء السابقين وكذبوهم.

ولكن بالرغم من جميع الجهود والمساعي التي بذلها موسى وهارون ، بالرغم من رؤية كل تلك المعجزات العظيمة والبينات المتنوعة ، أصروا أيضا على طريق الكفر والإنكار ، لذا (فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً).

كلمة «تدمير» من مادة «دمار» بمعنى الإهلاك بأسلوب يثير العجب ، حيث كان هلاك قوم فرعون في أمواج النيل المتلاطمة بتلك الكيفية المعروفة من عجائب التاريخ حقا.

وكذلك : (وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً ، وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ عَذاباً أَلِيماً).

الملفت للانتباه أنّه تعالى يقول : إنّ أولئك كذبوا الرسل (لا رسولا واحدا فقط) ذلك أنه لا فرق بين أنبياء الله ورسله في أصل الدعوة ، وتكذيب واحد منهم تكذيب لجميعهم ، فضلا عن أنّهم كانوا مخالفين لدعوة جميع أنبياء الله ومنكرين لجميع الأديان.

وكذلك : (وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً). (١)

__________________

(١) «وعادا وثمودا» عطف على ضمير «هم» في جملة «دمرناهم». واحتمل بعضهم أيضا أن العطف على «هم» في «جعلناهم» ، أو يكون عطفا على محل «الظالمين» لكن الاحتمال الأوّل مناسب أكثر.

٢٥٣

«قوم عاد» هم قوم النّبي «هود» العظيم ، الذي بعث في منطقة (الأحقاف) أو (اليمن).

و «قوم ثمود» قوم نبي الله «صالح» الذي بعث في منطقة وادي القرى (بين المدينة والشام) ، أمّا ما يتعلق بمسألة «أصحاب الرس» فسنبحثها في نهاية هذا البحث.

«قرون» جمع «قرن» وهي في الأصل بمعنى الجماعة الذين يعيشون معا في زمان واحد ، ثمّ أطلقت على الزمان الطويل (أربعين أو مائة سنة).

لكننا لم نجاز أولئك على غفلة أبدا ، بل (وَكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ).

أجبنا على إشكالاتهم ، مثل الإجابة على الإشكالات التي يوردونها عليك ، وبيّنا لهم الأحكام الإلهية وحقائق الدين. أخطرناهم ، أنذرناهم ، كررنا عليهم مصائر وقصص الماضين ، لكن حين لم ينفع أيّ من ذلك أهلكناهم ودمّرناهم تدميرا : (وَكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيراً). (١) وفي نهاية المطاف ـ في الآية الأخيرة مورد البحث ـ يشير القرآن المجيد إلى خرائب مدن قوم لوط التي تقع على بداية طريق الحجازيين إلى الشام ، وإلى الأثر الحي الناطق عن المصير الأليم لأولئك الملوثين والمشركين ، فيقول تعالى : (وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها).

نعم ، لقد كانوا يرون مشهد الخرائب هذه ، لكنّهم لم يأخذوا منها العبرة ، ذلك لأنّهم (بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً).

إنّهم يعدون الموت نهاية هذه الحياة ، وإذا كان لهم اعتقاد بحياة ما بعد الموت فهو اعتقاد ضعيف وبلا أساس ، لا يطبع أثرا في أرواحهم ولا ينعكس في مناهج

__________________

(١) «تتبير» من مادة «تبر» (على وزن ضرر ، وعلى وزن صبر) بمعنى الإهلاك التام.

٢٥٤

حياتهم ، ولهذا فهم يأخذون جميع الأشياء مأخذ اللعب ، ولا يفكرون إلّا بأهوائهم السريعة الزوال.

* * *

بحثان

١ ـ من هم «أصحاب الرس»

كلمة «رسّ» في الأصل بمعنى الأثر القليل ، فيقال مثلا «رسّ الحديث في نفسي» (قليل من حديثه في ذاكرتي) أو يقال : وجد رسّا من حمى» (يعني : وجد قليلا من الحمّى في نفسه). (١)

وجماعة من المفسّرين اعتقدوا بأن «الرسّ» بمعنى البئر.

على أية حال فتسمية هؤلاء القوم بهذا الاسم ، إمّا لأنّ أثرا قليلا جدا بقي منهم ، أو لأنّهم كانت لهم آبار كثيرة ، أو لأنّهم هلكوا وزالوا بسبب جفاف آبارهم.

أمّا من هم هؤلاء القوم؟ هناك أقوال كثيرة بين المؤرخين والمفسّرين :

١ ـ يرى كثيرون أن «أصحاب الرس» كانوا طائفة تعيش في «اليمامة» وبعث لهم نبي اسمه «حنظلة» كذبوه وألقوه في بئر ، وذكروا أيضا : إنّهم ملأوا هذا البئر بالرماح ، وأغلقوا فم البئر بعد إلقاء النّبي فيها بالحجارة حتى استشهد ذلك النبي. (٢)

٢ ـ البعض الآخر يرى أن «أصحاب الرسّ» إشارة إلى قوم «شعيب» الذين كانوا يعبدون الأصنام ، وكانوا ذوي أغنام كثيرة وآبار ماء ، و «الرسّ» كان اسما لبئر عظيم ، حيث أغاضه الله ، فأهلك أهل ذلك المكان.

٣ ـ بعض آخر يعتقد أن «الرسّ» كانت قرية في أرض «اليمامة» حيث كان يعيش فيها جماعة من بقايا قوم ثمود ، فهلكوا نتيجة طغيانهم وغرورهم.

__________________

(١) مفردات الراغب.

(٢) أعلام القرآن ص ١٤٩.

٢٥٥

٤ ـ وذهب آخرون أنّهم كانوا جماعة من العرب الماضين ، يعيشون (١) بين الشام والحجاز.

٥ ـ بعض التفاسير يعرّف «أصحاب الرسّ» من بقايا عاد وثمود ، ويعتبر (وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ). (٢) متعلقة بهم أيضا ، وذكر أن موطنهم في «حضر موت» واعتقد «الثعلبي» في «عرائس البيان» أن هذا القول هو الأكثر اعتبارا.

البعض الآخر من المفسّرين طبقوا «الرس» على «أرس» (في شمال آذربيجان)!

٦ ـ العلامة الطبرسي في مجمع البيان ، والفخر الرازي في التّفسير الكبير ، والآلوسي في روح المعاني نقلوا من جملة الاحتمالات ، أنّهم قوم يعيشون في أنطاكية الشام ، وكان نبيهم «حبيب النجار».

٧ ـ في عيون أخبار الرضا ، نقل حديث طويل حول «أصحاب الرس» خلاصته: «إنّهم كانوا قوما يعبدون شجرة صنوبر يقال لها (شاه درخت) كان يافث بن نوح غرسها بعد الطوفان على شفير عين يقال لها (روشن آب) وكان لهم اثنتا عشرة قرية معمورة على شاطئ نهر يقال له «الرسّ» ، يسمين بأسماء : آبان ، آذر ، دي ، بهمن أسفندار ، فروردين ، أردي بهشت ، خرداد ، مرداد ، تير ، مهر ، شهريور ، ومنها اشتقّ العجم أسماء شهورهم.

وقد غرسوا في كل قرية منها من طلع تلك الصنوبرة حبّة. أجروا عليها نهرا من العين التي عند الصنوبرة ، وحرّموا شرب مائها على أنفسهم وأنعامهم ، ومن شرب منه قتلوه ، ويقولون : إنّه حياة الآلهة فلا ينبغي لأحد أن ينقص حياتها. وقد جعلوا في كل شهر من السنة يوما ـ في كل قرية ، عيدا ، يخرجون فيه إلى الصنوبرة التي خارج القرية يقربون إليها القرابين ويذبحون الذبائح ثمّ يحرقونها في النار

__________________

(١) شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحديد ، ج ١ ، ص ٩٤.

(٢) سورة الحج ، الآية ٤٥.

٢٥٦

فيسجدون للشجرة عند ارتفاع دخانها وسطوعه في السماء ويبكون ويتضرعون ، والشيطان يكلمهم من الشجرة. وكان هذا دأبهم في القرى حتى إذا كان يوم عيد قريتهم العظمى التي كان يسكنها ملكهم واسمها (أسفندار) اجتمع إليها أهل القرى جميعا وعيّدوا اثني عشر يوما ، وجاءوا بأكثر ما يستطيعونه من القرابين والعبادات للشجرة ، وكلّمهم إبليس وهو يعدهم ويمنيهم أكثر ممّا كان من الشياطين في سائر الأعياد من سائر الشجر.

ولما طال منهم الكفر بالله وعبادة الشجرة ، بعث الله إليهم رسولا من بني إسرائيل من ولد يهودا ، فدعاهم برهة إلى عبادة الله وترك الشرك ، فلم يؤمنوا ، فدعا على الشجرة فيبست ، فلما رأوا ذلك ساءهم ، فقال بعضهم : إنّ هذا الرجل سحر آلهتنا ، وقال آخرون: إنّ آلهتنا غضبت علينا بذلك لما رأت هذا الرجل يدعونا إلى الكفر بها فتركناه وشأنه من غير أن نغضب لآلهتنا. فاجتمعت آراؤهم على قتله فحفروا بئرا عميقا وألقوه فيها ، وسدّوا فوهتها ، فلم يزالوا عليها يسمعون أنينه حتى مات ، فأتبعهم الله بعذاب شديد أهلكهم عن آخرهم». (١)

قرائن متعددة تؤيد مضمون هذا الحديث ، لأن مع وجود ذكر «أصحاب الرسّ» في مقابل عاد وثمود يكون احتمال أنّهم جماعة من هاتين الأمتين بعيدا جدا.

كذلك ، فإنّ وجود هؤلاء القوم في الجزيرة العربية والشامات وتلك الحدود ـ وهو الذي احتمله الكثيرون ـ بعيد أيضا ، ذلك لأنّه يجب أن يكون له انعكاس في تاريخ العرب بحسب العادة ، في الوقت الذي لم نر حتى انعكاسا ضئيلا لأصحاب الرس لديهم.

مضافا الى ذلك توافقه مع كثير من التفاسير الأخرى ، من جملتها : أنّ «الرس»

__________________

(١) عيون أخبار الرضا عليه‌السلام ، طبقا لنقل وتلخيص تفسير الميزان ، ج ١٥ ، ص ٢١٩ والحديث في العيون بإسناده عن أبي الصلت الهروي عن الإمام الرضا عليه‌السلام عن أمير المؤمنين عليه‌السلام.

٢٥٧

كان اسما لبئر (البئر التي ألقوا فيها نبيهم) أو أنّهم كانوا أصحاب زراعة ومواشي وأمثال ذلك.

وما ورد في رواية عن الإمام الصادق عليه‌السلام : أنّ نساءهم كن منحرفات جنسيا ويمارسن «المساحقة» لا منافاة له مع هذا الحديث أيضا (١).

ومن عبارة (نهج البلاغة ، الخطبة ١٨٠) يستفاد أنه كان لهم أكثر من نبيّ واحد فقط ، لأنّه عليه‌السلام

يقول : «أين أصحاب مدائن الرس الذين قتلوا النبيّين ، وأطفأوا سنن المرسلين ، وأحيوا سنن الجبارين!؟».

وكلام أمير المؤمنين عليه‌السلام هذا لا يتنافى مع الرواية أعلاه ، لأنّ من الممكن أن الرواية تشير إلى مقطع من تاريخهم وكان قد بعث نبيّ فيهم.

٢ ـ مجموعة من الدروس المؤثرة :

ست فئات في الآيات أعلاه ، ذكرت أسماؤهم : قوم فرعون قوم نوح المتعصبون ، قوم عاد المتجبرون ، ثمود ، أصحاب الرس ، وقوم لوط ، حيث كان كل منهم أسير نوع من الانحراف الفكري والأخلاقي أدّى بهم إلى الهلاك والشقاء.

الفراعنة كانوا ظالمين جائرين ومستعمرين واستثماريين وأنانيين.

قوم نوح كما هو معلوم كانوا معاندين ومتكبرين ومغرورين.

قوم عاد وقوم ثمود كانوا يتكلمون على قدراتهم الذاتية.

وكان أصحاب الرس في دوامة الفساد والشذوذ الجنسي وخاصّة نسائهم ، وكان قوم لوط غارقين في وحل من الفحشاء ، وشذوذ الرجال بخاصّة ، والجميع منحرفون عن جادة التوحيد. حيرى في الضلالات.

وهنا يريد القرآن أن ينذر مشركي عصر النّبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وجميع الناس على مدى

__________________

(١) الكافي ، طبقا لنقل تفسير نور الثقلين ، ج ٤ ، ص ١٩.

٢٥٨

التاريخ : ليكن لكم من القدرات والاستطاعة والإمكانات كل شيء ومهما كان لكم من اموال وثروات وحياة مرفّهة ، فإن التلوث بالشرك والظلم والفساد سيستأصل أعماركم ، وإنّ نفس أسباب تفوقكم تلك ستكون أسباب هلاككم!

قوم فرعون : وقوم نوح ، أهلكوا بالماء الذي هو أساس الحياة ، قوم عاد بالعاصفة والرياح التي هي أيضا في ظروف خاصّة أساس الحياة ، قوم ثمود بالسحاب الحامل للصواعق ، وقوم لوط بمطر من الحجارة نزل بعد الصاعقة ، أو انفجار بركان على قول بعضهم ، وأصحاب الرس طبقا لذيل تلك الرواية أعلاه ، أبيدوا بنار تطلع من الأرض ، وبشعلة مهلكة انتشرت من السحاب ، ليؤوب هذا الإنسان المغرور إلى نفسه ، فيتمسك بطريق الله والعدالة والتقوى.

* * *

٢٥٩

الآيات

(وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولاً (٤١) إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْ لا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً (٤٢) أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (٤٤))

التّفسير

أضلّ من الأنعام :

الملفت للانتباه أنّ القرآن المجيد لا يورد أقوال المشركين دفعة واحدة في آيات هذه السورة ، بل أورد بعضا منها ، فكان يتناولها بالردّ والموعظة والإنذار ، ثمّ بعد ذلك يواصل تناول بعض آخر بهذا الترتيب.

الآيات الحالية ، تتناول لونا آخر من منطق المشركين وكيفية تعاملهم مع رسول الإسلام صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ودعوته الحقّة.

٢٦٠