إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل - ج ٣٢

آية الله السيّد شهاب الدين الحسيني المرعشي النجفي

__________________

وكتب لغيره : إن عملك ليس لك بطعمة ، ولكنه في عنقك أمانة ، وأنت مسترعى لمن فوقك ، ليس لك أن تفتات في رعية ، وفي يديك مال من مال الله عزوجل ، وأنت من خزانه حتى تسلمه إليّ.

وقال لأصحابه : اعلموا أن الولاة هم خزان الرعية ، ووكلاء الأمة ، وسفراء الأئمة وقال : إن الوفاء توأم الصدق ، ولا أعلم جنة أوقى منه ، وما يعذر من علم كيف المرجع ولقد أصبحت في زمان قد اتخذ أكثر أهله الغدر كيسا (عقلا) ، ونسبهم أهل الجهل فيه إلى حسن الحيلة ، ما لهم قاتلهم الله قد يرى الحوّل القلّب وجه الحيلة ودونه مانع من أمر الله ونهيه ، فيدعها رأى عين بعد القدرة عليها ، وينتهز فرصتها من لا ورع له.

فقال الذين جاءوا من الشام : أن معاوية قد اصطنع أهل الشام جميعا ، وكلهم حديث عهد بالإسلام ، وكلهم لا يعرف إلا معاوية ، وما يغدقه معاوية ، ثم إنه ليصطنع رؤساء القبائل العربية ، فيجزل لهم في العطاء أضعافا مضاعفة ، من أجل ذلك نكث الولاة الذين خافوا الإمام على ما كسبوه بغير حق وفروا إلى معاوية.

فقال أصحاب الإمام له : يا أمير المؤمنين أعط هذه الأموال ، وفضّل هؤلاء الأشراف من العرب ومن قريش على الموالي والعجم ، واستمل من تخاف خلافه من الناس.

فقال لهم متعجبا منكرا : أتأمروني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه؟ لو كان المال لي لسويت بينهم ، فكيف وإنما المال مال الله؟ ألا وإن إعطاء المال في غير حقه تبذير وإسراف ، وهو يرفع صاحبه في الدنيا ، ويضعه في الآخرة ، ويكرمه في الناس ، ويهينه عند الله ، ولم يضع امرؤ ماله في غير حقه ، ولا عند غير أهله إلا حرمه الله شكرهم وكان لغيره ودهم ، فإن زلت به النعل يوما فاحتاج إلى خدمتهم فشر خدين وألأم خليل ، إنه لا يسعنا أن نعطى أحدا أكثر من حقه ، إن هذا المال ليس لي وليس لكم. ولكنه مال الله يقسم بين الناس بالسوية فلا فضل لأحد على أحد.

فقال أحدهم : يا أمير المؤمنين أنت تنصف الوضيع من الشريف ، فليس للشريف عندك فضل منزلة على الوضيع ، فضجت طائفة ممن معك من الحق إذ عموا به ، واغتموا

٢٢١

__________________

من العدل إذ صاروا فيه ، ورأوا صنائع معاوية من أهل الغنى فباعوا أنفسهم وأكثرهم يشتري الباطل ، فإن تبذل المال يمل إليك أعناق الرجال ويستخلص ودهم.

فرد الإمام : أما ما ذكرت من عملنا ومسيرتنا بالعدل فإن الله عزوجل يقول : (مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) ، وأنا من أن أكون مقصرا فيما ذكرت أخوف. وأما ما ذكرت أن الحقّ ثقل عليهم ففارقونا ، فعلم الله أنهم لم يفارقونا عن جور ، ولا لجئوا إذا فارقونا إلى عدل. وأما ما ذكرت من بذل الأموال واصطناع الرجال فإنه لا يسعنا أن نؤتى أحدا من المال فوق حقه.

وقدم عليه أخوه عقيل بن أبي طالب من المدينة فقال له : ما أقدمك يا أخي؟ قال : تأخر العطاء عنا ، وغلاء السعر ببلدنا ، وركبني دين عظيم ، فجئت لتصلني.

فقال علي : والله ما لي مما ترى شيئا إلا عطائي ، فإذا خرج فهو لك.

قال عقيل : أشخوصي من الحجاز إليك من أجل عطائك؟ وما ذا يبلغ مني عطاؤك وما يدفع من حاجتي؟

فقال الإمام : هل تعلم لي مالا غيره؟ أم تريد أن يحرقني الله في نار جهنم في صلتك بأموال المسلمين؟ وما بقي من نفقتنا في ينبع غير دراهم معدودة ، والله يا أخي إني لأستحي من الله أن يكون ذنب أعظم من عفوي أو جهل أعظم من حلمي ، أو عورة لا يواريها ستري ، أو خلة لا يسدها جودي.

فلما ألح عقيل عليه ، قال لرجل : خذ بيد أخي عقيل وانطلق به إلى حوانيت أهل السوق ، فقل له : دق هذه الأقفال ، وخذ ما في هذه الحوانيت.

فقال عقيل : أتريد أن تتخذني سارقا؟

فقال الإمام : وأنت تريد أن تتخذني سارقا؟ أن آخذ من أموال المسلمين فأعطيكها دونهم.

فقال : والله لأخرجن إلى رجل هو أوصل لي منك. لآتين معاوية.

فقال الإمام : أنت وذاك ، راشدا مهديا.

فلما قدم على معاوية ، رحب به وقال : مرحبا وأهلا بك يا عقيل بن أبي طالب ، ما

٢٢٢

__________________

أقدمك علي؟ قال : قدمت عليك لدين عظيم ركبني ، فخرجت إلى أخي ليصلني فزعم أنه ليس له مما يلي إلا عطاؤه ، فلم يقع ذلك مني موقعا ، ولم يسد مني مسدا ، فأخبرته أني سأخرج إلى رجل هو أوصل منه لي ، فجئتك.

فازداد معاوية فيه رغبة ، وقال للناس : يا أهل الشام هذا سيد قريش وابن سيدها ، عرف الذي فيه أخوه من الغواية والضلالة ، لجاءني ، ولكني أزعم أن جميع ما تحت يدي لي ، فما أعطيت فقربة إلى الله ، وما أمسكت فلا جناح لي عليه.

ثم قال لعقيل : يا عقيل بن أبي طالب هذه مائة ألف تقضى بها ديونك ، ومائة ألف تصل بها رحمك ، ومائة ألف توسع بها على نفسك.

فوقف عقيل فقال : صدقت ، لقد خرجت من عند أخي على هذا القول ، وقد عرفت من في عسكره ، لم أفقد والله رجلا من أهل بدر ولا المهاجرين والأنصار ، ولا والله ما رأيت في معسكر معاوية رجلا من أصحاب النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

فقال معاوية : يا أهل الشام أعظم الناس من قريش عليكم حقا ابن عم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وسيد قريش ، وها هو ذا تبرأ مما عمله أخوه.

وضج أهل الشام استحسانا لما يقوله معاوية.

وعجب عقيل ، كيف يفقهون وكيف يسومهم معاوية؟

إنهم ليلغون عقولهم وأسماعهم وأبصارهم ، ولا يعون أو يفقهون أو يسمعون أو يبصرون إلا ما يريده معاوية.

فوقف عقيل يقول : أيها الناس ، إني أردت أخي عليا على دينه فاختار دينه ، وإني أردت معاوية على دينه ، فاختارني على دينه.

وشعر معاوية أن بعض رؤساء العرب قد فهموا عن عقيل ، وأنهم قد يشرحون لسواهم من غير العرب من أهل الشام ، ففض الناس ، وأمرهم أن يتجهزوا للزحف إلى العراق ، ليغنموا أرضه الشاسعة الخصبة وأمواله الطائلة ونساءه الحسان.

ووجد معاوية أحد رؤساء العرب يسخر من كل هذا ، وينظر إلى معاوية وعمرو شزرا فسأله : لم أحببت عليا علينا؟ فقال : لثلاث خصال : حلمه إذا غضب ، وصدقه إذا

٢٢٣

ومنهم الشريف عباس أحمد صقر وأحمد عبد الجواد في «جامع الأحاديث» (القسم الثاني ج ٤ ص ٤٢٥ ط دمشق) قالا :

عن أبي عمرو بن العلاء ، عن أبيه قال : خطب علي رضي‌الله‌عنه فقال : يا أيها الناس ولله الذي لا إله إلا هو ، ما رزأت من مالكم قليلا ولا كثيرا إلا هذه ، وأخرج قارورة من كم قميصه فيها طيب فقال : أهداها إلي دهقان.(عب) وأبو عبيد في الأموال ، ومسدد والحاكم في الكنى وابن الأنباري في المصاحف ، (حل).

وقالا في ص ٤٣٢ :

عن علي بن الأرقم ، عن أبيه قال : رأيت علي بن أبي طالب رضي‌الله‌عنه يعرض سيفا له في رحبة الكوفة ويقول : من يشتري مني سيفي هذا؟ والله لقد جلوت به غير مرة من وجه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولو أن عندي ثمن إزار ما بعته. يعقوب

__________________

قال ، وعدله إذا حكم.

وكان عليه‌السلام قد تعود أن يأخذ الجزية والخراج (الضرائب) من أهل كل صنعة وعمل ، حتى ليأخذ من أهل الإبر والمال والخيوط والحبال ثم يقسمهم بين الناس. وكان لا يدع في بيت المال مالا يبيت فيه ، بل يقسمه إلا أن يغلبه مشغل فيصبح إليه. وكان يكنس بيت المال بعد أن يفرغ من توزيع ما فيه ، ويتخذه مسجدا يصلي فيه.

وقد كانت له بالكوفة امرأتان ، فإذا كان يوم هذه اشترى لحما بنصف درهم ، وإذا كان يوم هذه اشترى لحما بنصف درهم ، وكان ينفق هذه النفقة من شيء يأتيه من الحجاز. وكان يوصى كل عامل يوليه على الخراج : لا تضربن رجلا سوطا في جباية درهم ، ولا تتبعن لهم رزقا ، ولا كسوة شتاء ولا صيف ولا دابة يعملون عليها ، ولا تقيمن رجلا قائما في طلب درهم ، فقال له أحد عماله : يا أمير المؤمنين إذن أرجع إليك كما ذهبت من عندك؟

قال الإمام : أمرنا نأخذ منهم الفضل (ما زاد عن الحاجة).

٢٢٤

ابن سفيان ، (طس ، حل ، كر).

وقالا أيضا في ص ٤٣٣ :

عن علي رضي‌الله‌عنه قال : أهديت لي ابنة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فما كان فراشنا ليلة أهديت إلا مسك كبش. ابن المبارك في الزهد وهناد ، (ه ـ ، ع) والدينوري في المجالسة ، والعسكري في المواعظ.

وقالا أيضا في ص ٤٣٤ :

عن علي رضي‌الله‌عنه قال : كنت أدلو الدلو بتمرة وأشترط أنها جلدة. (ض ، ه ـ).

عن علي رضي‌الله‌عنه قال : نكحت ابنة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وليس لنا فراش إلا فروة كبش ، فإذا كان الليل بتنا عليها ، وإذا أصبحنا فقلبنا وعلفنا عليها الناضح. العسكري والعدني.

عن صالح بيّاع الأكسية عن جدته قالت : رأيت عليا رضي‌الله‌عنه اشترى تمرا بدرهم فحمله في ملحفته ، فقيل : يا أمير المؤمنين ألا نحمله عنك؟ فقال : أبو العيال أحق بحمله.(كن).

عن عبد الله بن أبي الهذيل قال : رأيت على علي بن أبي طالب رضي‌الله‌عنه قميصا رازيا إذا مدّ ردنه بلغ أطراف الأصابع ، وإذا تركه رجع إلى قريب نصف الذراع. (هناد). (كر).

وقالا أيضا :

عن عمرو بن حريث قال : أتيت عليا في القصر وقد اختلف الناس عليه وهو يزودهم بدرته. فقال : يا عمرو بن حريث كنت أرى أن الوالي يظلم الرعية ، فإذا

٢٢٥

الرعية تظلم الوالي. في كتاب المداراة.

عن عمرو بن قيس قال : رؤي على علي بن أبي طالب إزار مرقوع ، فقيل له ، فقال: يقتدي به المؤمن ، ويخشع به القلب.(هناد ، حل).

عن عطاء أبي محمد قال : رأيت على علي رضي‌الله‌عنه قميصا من هذه الكرابيس غير غسيل.(ش وهناد).

عن جعفر بن محمد ، عن أبيه : أن عليا رضي‌الله‌عنه أتى بالمال ، فأقعد بين يديه الوزان والنقاد ، فكوّم كومة من ذهب ، وكومة من فضة ، فقال : يا حمراء ويا بيضاء احمري وابيضي وغري غيري ، هذا جناي وخياره فيه ، وكل جان يده إلى فيه. أبو عبيد ، (حل ، كر).

عن مجمع : أن عليا رضي‌الله‌عنه كان يكنس بيت المال نم يصلى فيه رجاء أن يشهد له يوم القيامة أنه لم يحبس فيه المال عن المسلمين.(حم) في الزهد ومسدد. (حل).

عن أبي مطر قال : خرجت من المسجد فإذا رجل ينادي خلفي : ارفع إزارك ، فإنه أتقى لربك ، وأنقى لثوبك ، وخذ من رأسك إن كنت مسلما ، فإذا هو علي رضي‌الله‌عنه ومعه الدرة ، فانتهى إلى سوق الإبل فقال : بيعوا ولا تحلفوا فإن اليمين تنفق السلعة وتمحق البركة ، ثم أتى صاحب التمر فإذا خادم تبكي ، فقال : ما شأنك؟ قالت : باعني هذا تمرا بدرهم ، فأبى مولاي أن يقبله ، فقال : خذه وأعطها درهمها فإنه ليس لها أمر ، فكأنه أبى ، فقلت : ألا تدري من هذا؟ قال : لا ، قلت : علي أمير المؤمنين ، فصب تمره وأعطاها درهمها ، وقال : أحب أن ترضى عني يا أمير المؤمنين ، قال : ما أرضاني عنك إذا وفيتهم ، ثم مرّ مجتازا بأصحاب التمر فقال : أطعموا المسكين يربو كسبكم ، ثم مر مجتازا حتى انتهى إلى أصحاب السمك فقال : لا يباع في سوقنا طاف ، ثم أتى دار بزّاز وهي سوق الكرابيس. فقال : يا شيخ أحسن بيعي في قميص بثلاثة دراهم ، فلما عرفه لم يشتر منه شيئا ، ثم أتى آخر ، فلما عرفه لم يشتر منه شيئا ،

٢٢٦

ثم أتى غلاما حدثا فاشترى منه قميصا بثلاثة دراهم ولبسه ما بين الرسغين إلى الكعبين ، فجاء صاحب الثوب ، فقيل له : إن ابنك باع من أمير المؤمنين قميصا بثلاثة دراهم ، قال : فهلا أخذت منه درهمين؟ فأخذ الدرهم ثم جاء به إلى علي فقال : أمسك هذا الدرهم ، قال : ما شأنه؟ قال : كان قميصنا ثمن درهمين ، باعك ابني بثلاثة دراهم ، قال : باعني برضاي وأخذت برضاه. ابن راهويه (حم) في الزهد ، وعبد بن حميد ، (ع ، ق ، كر) وضعّف.

عن عبد الله بن شريك عن جده : أن علي بن أبي طالب رضي‌الله‌عنه أتي بفالوذج فوضع قدامه ، فقال : إنك طيب الريح ، حسن اللون ، طيب الطعم ، ولكن أكره أن أعود نفسي ما لم تعتد.(عم) في الزهد ، (حل).

عن عدي بن ثابت : أن عليا أتى بفالوذج فلم يأكل.(هناد ، حل).

عن زياد بن مليح : أن عليا أتي بشيء من خبيص فوضعه بين أيديهم ، فجعلوا يأكلون ، فقال علي : إن الإسلام ليس ببكر ضال ، ولكن قريش رأت هذا فتناحرت عليه.(عم) في الزهد ، (حل).

عن زيد بن وهب قال : خرج علينا علي رضي‌الله‌عنه وعليه رداء وإزار قد رقعه بخرقة. فقيل له ، فقال : إنما ألبس هذين الثوبين ليكونا أبعد لي من الزهو ، وخيرا لي في صلاتي وسنة للمؤمنين. ابن المبارك.

وقال أيضا في ص ٦٠٦ :

عن ابن عباس رضي‌الله‌عنه قال : اشترى علي بن أبي طالب قميصا بثلاثة دراهم وهو خليفة ، وقطع كمه من موضع الرصغين وقال : الحمد لله الذي هذا من رياشه. الدينوري ، (كر).

عن علي رضي‌الله‌عنه : أنه كان يلبس القميص ثم يمد الكم حتى إذا بلغ الأصابع قطع ما فضل ويقول : لأفضل للكمين على اليدين. ابن عيينة في جامعه ، والعسكري

٢٢٧

في المواعظ ، (ص ، هب ، كر).

عن أبي مطر : أن عليا رضي‌الله‌عنه اشترى قميصا بثلاثة دراهم فلبسه وقال : الحمد لله الذي كساني من الرياش ما أواري به عورتي ، وأتجمل به في حياتي ، ثم قال : كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا لبس ثوبا جديدا قال هكذا. (ع).

ومنهم الشريف أبو الحسن علي الحسني في «المرتضى سيرة سيدنا أبي الحسن علي بن أبي طالب» (ص ٣٩ ط دار العلم ـ دمشق) قال :

معيشة علي وفاطمة رضي‌الله‌عنهما :

وكانت معيشة علي وفاطمة وهما أحب الناس إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ورسول الله أحب الخلق إلى الله معيشة زهد وتقشف ، وصبر وجهد.

ومنهم العلامة شمس الدين أبو البركات محمد الباعوني الشافعي في كتاب «جواهر المطالب في مناقب الإمام أبي الحسنين علي بن أبي طالب» (ص ٩٩ والنسخة مصورة من المكتبة الرضوية بخراسان) قال :

حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : حدثني ابن أبي ذئب ، عن عباس بن الفضل مولى لبني هاشم ، عن جده بن أبي رافع أنه كان خازنا لعلي بن أبي طالب على بيت المال ، قال : فدخل يوما وجد زينب بنته بلؤلؤة من بيت المال كان قد عرفها ، فقال رضي‌الله‌عنه : من أين لهذه اللؤلؤة؟ لله علي أو أقطع يدها. قال : فلما رأيت الجد منه في ذلك قلت : أما والله زينب بنت أخي أخذتها فخلعتها وإلّا فمن أين يقدر هذه على أخذها لو لم أعطها.

ومنهم الفاضل المعاصر الدكتور الحبيب الجنحاني التونسي في كتابه «التحول الاقتصادي والاجتماعي في مجتمع صدر الإسلام» (ص ١٤٦ ط دار الغرب الإسلامي في بيروت سنة ١٤٠٦) قال :

٢٢٨

كان أبو رافع مولى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم خازنا لعلي على بيت المال ، فدخل علي يوما وقد زينت ابنته ، فرأى عليها لؤلؤة كان عرفها لبيت المال فقال : من أين لها هذه؟ لأقطعن يدها فلما رأى أبو رافع جده ـ فذكر مثل ما تقدم عن «جواهر المطالب».

ومنهم الفاضل المعاصر عبد المنعم الهاشمي في كتابه «أصهار رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم» (ص ٧٧ ط دار الهجرة ـ بيروت) قال :

فذكر قصة اللؤلؤة مثل ما تقدم عن جواهر المطالب ـ وزاد : أنا والله يا أمير المؤمنين زينتها بها ، فقال علي موجها كلامه لرافع : لقد تزوجت أمها فاطمة ومالي فراش إلا جلد كبش ننام عليه بالليل ونعلف عليه ناضحنا بالنهار وما لي خادم غيرها وردّها إلى بيت المال.

وأيضا أم كلثوم ابنته : كان عمرو بن سلمة واليا على أصبهان من قبل الإمام علي كرم الله وجهه ، فجاء من ولايته يحمل من مال المسلمين وأيضا كان مما يحمل عسل وسمن ، فأرسلت أم كلثوم بنت علي إلى عمرو تطلب منه سمنا وعسلا ـ فذكر مثل ما يأتي عن ابن منظور باختلاف في اللفظ.

ومنهم العلامة المؤرخ محمد بن مكرم المشتهر بابن منظور المتوفى سنة ٧١١ في «مختصر تاريخ دمشق» (ج ١٨ ص ٦٠ ط دار الفكر) قال :

قال عمرو بن يحيى : سمعت أبي يحدث عن أبيه عمرو قال : كان علي بن أبي طالب استعمل يزيد بن قيس على الري ، ثم استعمل مخنف بن سليم على أصبهان ، واستعمل على أصبهان عمرو بن سلمة. فلما أقبل عمرو بن سلمة عرض له الخوارج بحلوان. فلما قدم عمرو بن سلمة على علي أمره فليضعها في الرحبة ، ويضع عليها أبناءه حتى يقسمها بين المسلمين ، فبعثت إليه أم كلثوم بنت علي : أرسل إلينا من

٢٢٩

هذا العسل الذي معك ، فبعث إليها بزقين من عسل ، وزقين من سمن. فلما أن خرج علي إلى الصلاة عدها فوجدها تنقص زقين ، فدعاه ، فسأله عنهما ، فقال : يا أمير المؤمنين ، لا تسلني عنهما ، فإنا نأتي بزقين مكانهما ، قال : عزمت عليك لتخبرني ما قصتهما ، قال : بعثت إلي أم كلثوم فأرسلت بها إليها ، قال : أمرتك أن تقسم فيء المسلمين بينهم. ثم بعث إلى أم كلثوم أن ردي الزقين ، فأتى بهما مع ما نقص منهما ، فبعث إلى التجار : فزموهما مملوءتين وناقصتين ، فوجدوا فيهما نقصان ثلاثة دراهم وشيء ، فأرسل إليها أن أرسلي إلينا بالدراهم ، ثم أمر بالزقاق فقسمت بين المسلمين.

ومنهم العلامة شمس الدين أبو البركات محمد الباعوني الشافعي في كتاب «جواهر المطالب في مناقب الإمام أبي الحسنين علي بن أبي طالب» (ص ٤٠ والنسخة مصورة من المكتبة الرضوية بخراسان) قال :

وعن عمرو بن يحيى ، عن أبيه ، عن جده قال : قدم عمرو بن سلمة من أصبهان ـ فذكر مثل ما تقدم.

ومنهم العلامة محمد بن حسن الآلاني الكردي المتوفى سنة ١١٨٩ في «رفع الخفا شرح ذات الشفا» (ج ٢ ص ٢٧٩ ط عالم الكتب ومكتبة النهضة العربية) قال :

روى الفقيمي عن قنبر مولى علي كرم الله وجهه قال : دعاني الحسن بن علي رضي‌الله‌عنهما فقال لي : يا قنبر عندي أربع نسوة حرائر والله ما بقي في بيت واحدة منهن فضل عن قوتها ، فاستلق لي درهما اشتري به طعاما لهذا الضيف ، فأتيته بدرهم واشتريت به طعاما ، فقال : هذا الطعام يعني الخبز فأين الأدم؟ ثم قال : هذه زق عسل جاءت من اليمن ، فأعطنا منها مقدار ما يأتدم به الضيف ، فقلت : كيف أعطيك قبل أن يقسمها أمير المؤمنين ، فقال : إن لنا فيها حقا فإذا أعطانا حقنا رددنا ما أخذنا ، قال قنبر : فقمت إلى زق منها فأخذت منه مقدار رطل ، فلما كان من الغد جاء علي كرم الله

٢٣٠

وجهه ليقسم العسل ، فلما نظر إلى ذلك الزق قال : يا قنبر حدث في هذا حدث ، فأخبرته بالقصة ، فغضب وقال : علي بالحسن ، فأتي به فرفع الدرة [عليه] ليضربه. فأقسم عليه حتى سكن غضبه فقال : ما حملك على ما صنعت؟ أخذت من العسل قبل أن أقسمه ، فقال : يا أمير المؤمنين إن لنا فيه حقا ، فإذا أعطيتنا رددنا ما أخذنا ، فقال : فداك أبوك ليس لك أن تنتفع بحقك قبل المسلمين ، لولا أني رأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقبل هذا منك لأوجعتك ضربا ، ثم دفع إلى قنبر درهما ليشتري به أجود عسل ، ففعل ثم أمره أن يفرغه في الزق وعلي يبكي ، ويقول : اللهم اغفرها للحسن ، فإنه لم يعلم.

ومنهم العلامة حميد بن زنجويه المتوفى سنة ٢٥١ في كتابه «الأموال» (ج ٢ ص ٥٦٢ ط مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية) قال :

حدثنا حميد ، أنا أبو نعيم ، أنا عبد الرحمن بن عجلان ، حدثتني جدتي أم كفلة إنها انطلقت مع مولاها حتى أتت عليا وهو في الرحبة وهو يقسم بين الناس أنواع الأبزار والخردل والحرف والكمّون والكشنيز ، يوزعه بينهم كله ، يصرونه صررا حتى لم يبق منه شيئا.

ومنهم الفاضل المعاصر الدكتور الحبيب الجنحاني التونسي في كتابه «التحول الاقتصادي والاجتماعي في مجتمع صدر الإسلام» (ص ١٥٨ ط دار الغرب الإسلامي في بيروت سنة ١٤٠٦) قال :

وروى أبو إسحاق الهمداني أن إمرأتين أتتا عليا عليه‌السلام : إحداهما من العرب والأخرى من الموالي ، فسألتاه فدفع إليهما دراهم وطعاما بالسواء ، فقالت إحداهما : إني إمرأة من العرب ، وهذه من العجم ، فقال : إني والله لا أجد لبني إسماعيل في هذا الفيء فضلا على بني إسحاق.

٢٣١

ومنهم الفاضل المعاصر المحامي الدكتور صبحي محمصاني في «تراث الخلفاء الراشدين في الفقه والقضاء» (ص ١٠١ ط دار العلم للملايين ـ بيروت) قال :

روي عن الإمام علي أنه لم يكن يفضل شريفا على مشروف ، ولا عربيا على أعجمي. فقد دفع مرة طعاما ودراهم بالتساوي إلى امرأتين ، إحداهما عربية ، والثانية أعجمية. فاحتجت الأولى ، قائلة : إني والله إمرأة من العرب ، وهذه من العجم. فأجابها علي : إني والله لا أجد لبني إسماعيل في هذا الفيء فضلا على بني إسحاق. وكذلك ، لما طلب إليه تفضيل أشراف العرب وقريش على الموالي والعجم ، قال : لا والله لو كان المال لي لواسيت بينهم ، فكيف وإنما هي أموالهم؟

ومنهم العلامة شمس الدين أبو البركات محمد الباعوني الشافعي في كتاب «جواهر المطالب في مناقب الإمام أبي الحسنين علي بن أبي طالب» (ق ٣٩ والنسخة مصورة من المكتبة الرضوية بخراسان) قال :

وعن علي رضي‌الله‌عنه قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : يا علي كيف أنت إذا زهد الناس في الآخرة ورغبوا في الدنيا وأكلوا التراث أكلا لمّا وأحبوا المال حبا جما واتخذوا دين الله غلا ومال الله حولا؟ قلت : أتركهم وما اختاروا واختار الله ورسوله والدار الآخرة وأصبر على مصيبات الدنيا وملؤها حتى ألحق بك إن شاء الله. قال : صدقت ، اللهم افعل ذلك به. خرجه الحافظ من الأربعين.

وعن علي بن أبي شعبة (ربيعة) أن علي بن أبي طالب جاءه ابن النباج فقال : يا أمير المؤمنين امتلأت بيت مال المسلمين من صفراء وبيضاء. فقال : الله أكبر! فقام متوكئا على ابن النباج حتى قام على المال فنودي في الناس ، فأعطى جميع ما في بيت المال للمسلمين فهو يقول : يا صفراء يا بيضاء غري غيري ها وها ، حتى ما بقي منه دينار ولا درهم ، ثم أمر بنضيح وصلى فيه ركعتين. أخرجه أحمد في المناقب وصاحب الصفوة.

٢٣٢

وقال في ق ٤٠ :

وعن هارون بن عنترة ، عن أبيه قال : رأيت عليا بالرحبة في يوم مورود (نيروز) ، فجاء قنبر فأخذ بيده وقال : يا أمير المؤمنين إنك رجل لا تبق [كذا ، والظاهر لا تبقى] شيئا وإن لأهل بيتك في هذا المال نصيبا وقد خبأت لك خبية. قال : وما هي؟ قال : انطلق وانظر ما هي ، فأدخله بيتا مملوا آنية ذهب وفضة مموهة بالذهب ، فلما رآها قال : ثكلتك أمك لقد أردت (أن) تدخل بيتي نارا عظيمة ، ثم جعل يزنها ويعطى كل عريف بحصته. ثم قال : هذا جناي وخياره فيه وكل جان يده إلى فيه لا تغريني وغيري غيري.

وقال أيضا :

وقال سفيان الثوري رحمه‌الله : ما بني علي لبنة على لبنة ولا آجرة على آجرة ولا قصبة على قصبة.

وقال زاذان : رأيت عليا يمشي في الأسواق وحده وهو وال يرشد الضال ويعين الضعيف ويمر بالبقال فيفتح عليه القرآن ويقرأ (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً) الآية ، وقال : نزلت هذه الآية في حق أهل العدل والتواضع من الولاة وأهل القدرة من الناس.

وقال أيضا في ق ٤٠ :

وعن سعيد قال : رأيت عليا بالسوق وهو يقول : من عنده ثوب قميص صالح بثلاث دراهم؟ فقال رجل : عندي ، وجاء به فأعجبه فأعطاه ثم لبسه فإذا هو يفضل عن أطراف أصابعه فأمر بقطع ما فضل عن أطراف الأصابع. خرجه الملا في سيرته.

وقال أيضا :

٢٣٣

وعن الحسن بن جرموز قال : رأيت علي بن أبي طالب يخرج من مسجد الكوفة وعليه بردان متوزر بواحد ومزيد بآخر وإزاره إلى نصف الساق وهو يطوف بالأسواق ومعه درة يأمرهم بتقوى الله وصدق الحديث وأداء الأمانة وحسن البيع (و) وفاء الكيل والميزان. أخرجهما القلعي.

وقال أيضا :

وعن عمرو بن قيس قال : قيل لعلي : يا أمير المؤمنين لم ترفع قميصك؟ قال : يخشع القلب ويقتدي به المؤمن.

وقال أيضا :

وعن عبد الله بن أبي الهذيل قال : رأيت عليا خرج وعليه قميص غليظ رازي (دارس) إذا مدّ كم القميص بلغ (إلى) الظفر وإذا أرسله صار إلى نصف الساعد.

وقال أيضا :

وقال عبد العزيز بن محمد : إن عليا أتي بمال فأقعد بين يديه الوزّان والنقاد فكوّم كومة من ذهب وكومة من فضة وقال : يا حمراء احمري ويا بيضاء ابيضي وغري غيري.

هذا جناي وخياره فيه

وكل جان يده إلى فيه

وقال أيضا :

وقال صالح بن الأسود : رأيت عليا وقد ركب حمارا ودلى رجليه إلى موضع واحد ثم قال : أنا الذي أهبت الدنيا.

وقال أيضا :

٢٣٤

وقال الحسن بن صالح : نذكر الزهاد عند عمر بن عبد العزيز فقال : قائل فلان وفلان فقال عمر : أزهد الناس في الدنيا علي بن أبي طالب.

وقال أيضا في ق ٤٢ :

وعن هارون بن عنترة قال : دخلت على علي بن أبي طالب في الخورنق وهو يرعد تحت شمل قطيفة فقلت : يا أمير المؤمنين إن الله قد جعل لك ولأهل بيتك في هذا المال وأنت تصنع بنفسك ما تصنع ، فقال : والله ما أرزاكم شيئا من مالكم وإنها لقطيفتي التي خرجت بها من منزلي بالمدينة.

وقال أيضا :

وعن أبي جمارة التميمي عن أبيه قال : رأيت علي بن أبي طالب على المنبر يقول : من يشتري مني سيفي هذا؟ فلو كان عندي ثمن إزار ما بعته ، فقام إليه رجل وقال : أنا أسلفك ثمن إزار. قال عبد الرزاق : وكانت الدنيا إذ ذاك بيده إلّا الشام. خرجه أبو عمر.

وقال أيضا :

وعن ابن عمر قال : حدثني رجل من ثقيف أن عليا قال له : إذا كان عند الظهر فرح إليّ. قال : فرحت إليه فلم أجد عنده حاجبا يجبني دونه ووجدته خاليا وعنده قدح وكوز من ماء ، فدعا بظبية فقلت في نفسي : لقد أمنني حين يخرج إليّ جواهر ولا أدري ما فيها ، فإذا عليها خاتم فكسر الخاتم فإذا فيها سويق فأخذ منه قبضة فصبها في القدح وصبّ عليها ماء فشرب وسقاني ، فلم أجر وقلت : يا أمير المؤمنين أتصنع هذا بالعراق وطعامه أكثر من ذلك؟! فقال : والله ما أختم عليه بخلا به ولكني ابتاع قدر ما يكفيني فأخاف أن يفنى فيوضع فيه من غيره مما لا أعرفه فأحفظه لذلك وأكره أن

٢٣٥

أدخل إلى جوفي ما لا أعرفه ولا أحبّ أن أدخل فيه إلّا طبيا. أخرجه صاحب الصفوة.

وقال أيضا :

وعن سفيان ، عن الأعمش قال : كان علي يعشي ويغدي ولا يأكل إلا من شيء يجيئه من المدينة.

وقال أيضا :

وعن أبي غسال ، عن أبي داود ، عن علي رضي‌الله‌عنه إنه أتي بفالوذج ، فلما وضع بين يديه قال : إنك طيب الريح حسن اللون طيب الطعم ولكن أكره أن أعوّد نفسي ما لم تعتد.

وقال أيضا :

عن محمد بن إسحاق قال : حدثنا قتيبة ، قال : ثنا عبد الله الوارث بن مسعود ، عن أبي عمر بن العلا ، عن أبيه : أن عليا خطب الناس فقال : والله الذي لا إله إلا هو ما رزأت من فيئكم إلا هذه ، وأخرج قارورة من كم قميصه ، وقال : أهداها لي دهقان ، ثم دفعها بخازن بيت المال. خرجه الملا.

ومنهم حجة الإسلام أبو حامد محمد بن محمد بن أحمد الغزالي الطوسي المتوفى سنة ٥٠٥ في «الحلال والحرام» (ص ١٢٧ ط بيروت سنة ١٤٠٧) قال :

وروي عن علي رضي‌الله‌عنه ، أنه كان له سويق في إناء مختوم يشرب منه ، فقيل : أتفعل هذا بالعراق مع كثرة طعامه؟! فقال : أما إني لا أختمه بخلا به ، ولكن أكره أن يجعل فيه ما ليس منه ، وأكره أن يدخل بطني غير طيب.

٢٣٦

ومنهم العلامة الشيخ يس بن ابراهيم الشنهوتي الشافعي في كتابه «الأنوار القدسية» (ص ٢٣ ط السعادة بمصر) قال :

كان له سويق في إناء مختوم يشرب منه ـ فذكر مثل ما تقدم.

ومنهم العلامة الشيخ محمد بن داود بن محمد البازلي الكردي الحموي الشافعي المتوفى سنة ٩٢٥ في كتابه «غاية المرام» (ص ٧٠ والنسخة مصورة من مكتبة جستربيتي بإيرلندة) قال :

وأما زهده فمما اشترك في معرفته الخاص والعام : كان الحاصل من غلّته أربعين ألف دينار وجعل كلّها لتصدقه.

وكان عليه إزار غليظ اشتراه بخمسة دراهم ، ولم يترك حين توفّي إلا ستمائة درهم أعدّها ليشتري به خادمة لأهله.

وقال فيه أيضا :

قال علي بن أبي طالب : الدنيا جيفة وطالبها كلاب ، فمن أراد منها شيئا فليصبر على مخالطة الكلاب.

وقال فيه أيضا :

قال عمار بن ياسر : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول لعلي بن أبي طالب : يا علي إن الله قد زيّنك بزينة لم يتزين العباد بزينة أحب إليه منها الزهد في الدنيا فجعلك لا تنال من الدنيا شيئا ولا تنال الدنيا منك شيئا ، ووهب لك حبّ المساكين ورضوا بك إماما ورضيت بهم اتباعا ، فطوبى لمن أحبك وصدّق فيك وويل لمن أبغضك وكذب عليك ، فحق على الله أن يذيقهم [كذا] موقف الكذابين يوم القيامة.

٢٣٧

وقال في ص ٧٠ أيضا :

قال سفيان : ما بنى علي لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة ، وإن كان ليؤتى بحبوبه من المدينة.

وقال فيه أيضا :

قال أبو بحر : رأيت على علي إزارا غليظا اشتراه بخمسة دراهم ، فقال : من أرغبني فيه درهما بعته.

وقال : ورأيت معه دراهم مصرورة فقال : هذه بقية نفقتنا من «ينبع» يعني البلد المعروف.

وقال فيه أيضا :

قال أبو التيار : أتاني علي ومعه غلام فاشترى مني قميصين كرابيسين فقال لغلامه : اختر أيهما شئت ، فأخذ أحدهما وأخذ علي الآخر ، ثم مدّ يده بعد لبسه فقال : اقطع القدر الذي يفضل من يدي ، فقطعه وكفه وذهب.

وقال فيه أيضا :

وقال رجل من ثقيف : استعملني على مدرج سابور فقال : لا تضربن رجلا سوطا في جباية درهم ، ولا تبيعن لهم رزقا ولا كسوة شتاء ولا صيفا ولا دابة يعملون عليها ، ولا تقيمن رجلا قائما في طلب درهم ، قلت : يا أمير المؤمنين إذا أرجع إليك كما ذهبت من عندك. قال : وإن رجعت ويحك ، إنما أمرنا أن نأخذ العفو منهم يعني الفضل. وزهده وعدله لا يمكن استقصاؤه.

ومنهم الحافظ جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي الحنبلي المتوفى سنة ٥٩٧ في كتابه «سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز» (ص ٢٧٤ ط

٢٣٨

دار الكتب العلمية في بيروت) قال :

وعن حسين بن صالح قال : تذاكروا الزهاد عند عمر بن عبد العزيز ، فقال قائلون : فلان ، وقال قائلون : فلان ، فقال عمر بن عبد العزيز : أزهد الناس في الدنيا علي بن أبي طالب عليه‌السلام.

ومنهم العلامة المؤرخ محمد بن مكرم المشتهر بابن منظور المتوفى سنة ٧١١ في «مختصر تاريخ دمشق» لابن عساكر (ج ١٨ ص ٦٥ ط دار الفكر) قال :

وعن حسن بن صالح قال : تذاكروا الزهاد عند عمر بن عبد العزيز فقال قائلون : فلان ، وقال قائلون : ـ فذكر مثل ما تقدم عن «السيرة» بعينه.

ومنهم الفاضل المعاصر الدكتور عبد المعطي أمين قلعجي في «آل بيت الرسول» صلى‌الله‌عليه‌وسلم (ص ١٤٠ ط القاهرة سنة ١٣٩٩) قال :

عن محمد بن كعب القرظي : حدثني من سمع علي بن أبي طالب يقول : خرجت في يوم شات من بيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقد أخذت إهابا معطوبا ، فحولت وسطه فأدخلته عنقي ، وشددت وسطي فحزمته بخوص النخل وإني لشديد الجوع ، ولو كان في بيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم طعام لطعمت منه ، فخرجت ألتمس شيئا ، فمررت بيهودي في مال له وهو يسقي ببكرة له ، فاطلعت عليه في ثلمة في الحائط. فقال : مالك يا أعرابي؟ هل لك في كل دلو بتمرة قلت : نعم فافتح الباب حتى أدخل. ففتح فدخلت فأعطاني دلوه ، فكلما نزعت دلوا أعطاني تمرة حتى إذا امتلأت كفي أرسلت دلوه وقلت : حسبي. فأكلتها. ثم جرعت من الماء فشربت ثم جئت المسجد فوجدت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فيه.

ومنهم العلامة الشيخ شمس الدين أبو عبد الله محمد بن قيم الجوزية المتوفى سنة

٢٣٩

٧٥١ في «عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين» (ص ٢٣٥ ط دار الآفاق الجديدة في بيروت سنة ١٤٠٣)

فذكر مثل ما تقدم إلا أن فيه : «معطونا» بدل «معطوبا» و «فجولت» بدل «فحولت» و «في عنقي» مكان «عنقي» و «شددت به وسطي» واختلاف يسير في الباقي.

وقال الدكتور عبد المعطى أيضا :

عن ابن عباس قال : أصاب نبي الله خصاصة ، فبلغ ذلك عليا فخرج يلتمس عملا يصيب به شيئا ليقيت به رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فأتى بستانا لرجل من اليهود فاستقى له سبعة عشر دلوا كل دلو بتمرة ، فخيره اليهودي من تمره سبع عشرة عجوة ، فجاء بها إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم.

وعن علي قال : كنت أدلو الدلو بتمرة وأشترط أنها جلدة.

ومنهم العلامة أبو عبد الله محمد بن أحمد بن فرح القرطبي الأنصاري الخزرجي الأندلسي في «قمع الحرص بالزهد والقناعة» (ص ١٧٩ ط دار الصحابة بطنطا) قال :

وأما علي رضي‌الله‌عنه ، فقال بعض الثقات : دخلت على علي بالخورنق وهو يرعد تحت سمل قطيفة ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، وإن الله قد جعل لك ولأهل بيتك في هذا المال حظا فأنت تصنع بنفسك ما تصنع؟ فقال : والله ما رزأتكم من مالكم شيئا وإنها لقطيفتي ، أي خرجت بها من منزلي ، يعني من المدينة. واشترى قميصا له بدراهم فلبسه فإذا هو يفضل على أطراف أصابعه ، فأمر به فقطع ما فضل عن أطراف أصابعه. وجاءه ابن النباح فقال : امتلأ بيت المال من صفراء وبيضاء ، فأتى بيت المال فجمع مستحقيه ، وأعطى جميع ما فيها ، وهو يقول : يا صفراء اصفري ، ويا بيضاء ابيضي غرّي غيري ها وها. حتى ما بقي منه دينار ولا درهم ، ثم أمر بنضحه ، وصلى

٢٤٠