تيسير الكريم الرّحمن في تفسير كلام المنّان

الشيخ أبي عبدالله عبدالرحمن بن ناصر بن عبدالله بن ناصر آل سعدي

تيسير الكريم الرّحمن في تفسير كلام المنّان

المؤلف:

الشيخ أبي عبدالله عبدالرحمن بن ناصر بن عبدالله بن ناصر آل سعدي


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ٢
الصفحات: ١١٣٥

استقروا عليه ، غير الطاعة ، لأن التبييت ، تدبير الأمر ليلا ، على وجه يستقر عليه الرأي. ثم توعدهم على ما فعلوا فقال : (وَاللهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ) أي : يحفظه عليهم ، وسيجازيهم عليه أتم الجزاء ، ففيه وعيد لهم. ثم أمر رسوله ، بمقابلتهم بالإعراض ، وعدم التعنيف ، فإنهم لا يضرونه شيئا ، إذا توكل على الله ، واستعان به ، في نصر دينه ، وإقامة شرعه. ولهذا قال : (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً).

[٨٢] يأمر تعالى بتدبر كتابه ، وهو : التأمل في معانيه ، وتحديق الفكر فيه ، وفي مبادثه وعواقبه ، ولوازم ذلك. فإن في تدبر كتاب الله مفتاحا للعلوم والمعارف ، وبه يستنتج كل خير وتستخرج منه جميع العلوم. وبه يزداد الإيمان في القلب ، وترسخ شجرته. فإنه يعرف بالرب المعبود ، وما له من صفات الكمال ؛ وما ينزه عنه من سمات النقص.

ويعرف الطريق الموصلة إليه ، وصفة أهلها ، وما لهم عند القدوم عليه. ويعرف العدو ، الذي هو العدو على الحقيقة ؛ والطريق الموصلة إلى العذاب ؛ وصفة أهلها ؛ وما لهم عند وجود أسباب العقاب. وكلما ازداد العبد تأملا فيه ، ازداد علما ، وعملا ، وبصيرة. ولذلك أمر الله بذلك ، وحث عليه ، وأخبر أنه هو المقصود بإنزال القرآن ، كما قال تعالى : (كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ) (٢٩). وقال تعالى : (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها) (٢٤). ومن فوائد التدبير لكتاب الله : أنه بذلك ، يصل العبد إلى درجة اليقين ، والعلم بأنه كلام الله ، لأنه يراه ، يصدق بعضه بعضا ، ويوافق بعضه بعضا. فترى الحكم والقصة والأخبار ، تعاد في القرآن ؛ في عدة مواضع ، كلها متوافقة متصادقة ، لا ينقض بعضها بعضا. فبذلك يعلم كمال القرآن ، وأنه من عند من أحاط علمه بجميع الأمور. فلذلك قال تعالى : (وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) أي : فلما كان من عند الله ؛ لم يكن فيه اختلاف أصلا.

[٨٣] هذا تأديب من الله لعباده ، عن فعلهم هذا ، غير اللائق. وأنه ينبغي لهم ، إذا جاءهم أمر من الأمور المهمة ، والمصالح العامة ، ما يتعلق بالأمن ، وسرور المؤمنين ، أو بالخوف الذي فيه مصيبة عليهم ، أن يتثبتوا ، ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر. بل يردونه إلى الرسول ، وإلى أولي الأمر منهم ، أهل الرأي ، والعلم والنصح ، والعقل ، والرزانة ، الّذين يعرفون الأمور ، ويعرفون المصالح وضدها. فإن رأوا في إذاعته مصلحة ونشاطا للمؤمنين ، وسرورا لهم ، وتحرزا من أعدائهم ، فعلوا ذلك. وإن رأوا ما فيه مصلحة ، أو فيه مصلحة ، ولكن مضرته تزيد على مصلحته ، لم يذيعوه. ولهذا قال : (لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) أي : يستخرجونه بفكرهم وآرائهم السديدة ، وعلومهم الرشيدة. وفي هذا دليل لقاعدة أدبية ، وهي أنه إذا حصل بحث في أمر من الأمور ، ينبغي أن يولّى من هو أهل لذلك ، ويجعل إلى أهله ، ولا يتقدم بين أيديهم ، فإنه أقرب إلى الصواب وأحرى للسلامة من الخطأ. وفيه النهي عن العجلة والتسرع ، لنشر الأمور ، من حين سماعها. والأمر بالتأمل قبل الكلام ، والنظر فيه ، هل هو مصلحة ، فيقدم عليه الإنسان ، أم لا؟ فيحجم عنه؟ ثم قال تعالى : (وَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ) أي : في توفيقكم ، وتأديبكم ، وتعليمكم ما لم تكونوا تعلمون. (لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلاً) لأن الإنسان بطبعه ، ظالم

٢٠١

جاهل ، فلا تأمره نفسه إلا بالشر. فإذا لجأ إلى ربه ، واعتصم به ، واجتهد في ذلك ، لطف به ربه ، ووفقه لكل خير ، وعصمه من الشيطان الرجيم.

[٨٤] هذه الحالة ، أفضل أحوال العبد ، أن يجتهد في نفسه على امتثال أمر الله ، من الجهاد وغيره ، ويحرض غيره عليه. وقد يعدم في العبد الأمران أو أحدهما ، فلهذا قال لرسوله : (فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ) أي : ليس لك قدرة على غير نفسك ، فلن تكلف بفعل غيرك. (وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ) على القتال ، وهذا يشمل كل أمر يحصل به نشاط المؤمنين ، وقوة قلوبهم ، من تقويتهم ، والإخبار بضعف الأعداء ، وفشلهم ، وبما أعد للمقاتلين من الثواب ، وما على المتخلفين من العقاب. فهذا وأمثاله ، كله يدخل في التحريض على القتال. (عَسَى اللهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي : بقتالكم في سبيل الله ، وتحريض بعضكم بعضا. (وَاللهُ أَشَدُّ بَأْساً) أي : قوة وعزة (وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً) بالمذنب في نفسه وتنكيلا لغيره ، فلو شاء تعالى ، لانتصر من الكفار بقوته ، ولم يجعل لهم باقية. ولكن ـ من حكمته ـ يبلو بعض عباده ببعض ، ليقوم سوق الجهاد ، ويحصل الإيمان النافع ، إيمان الاختيار ، لا إيمان الاضطرار والقهر ، الذي لا يفيد شيئا.

[٨٥] المراد بالشفاعة هنا : المعاونة على أمر من الأمور. فمن شفع غيره ، وقام معه على أمر من أمور الخير ـ ومنه الشفاعة للمظلومين لمن ظلمهم ـ كان له نصيب من شفاعته ، بحسب سعيه وعمله ، ونفعه ، ولا ينقص من أجر الأصيل أو المباشر شيء. ومن عاون غيره على أمر من الشر ، كان عليه كفل من الإثم بحسب ما قام به وعاون عليه.

ففي هذا الحث العظيم على التعاون على البر والتقوى ، والزجر العظيم عن التعاون على الإثم والعدوان. وقرر ذلك بقوله : (وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً) أي : شاهدا حفيظا ، حسيبا على هذه الأعمال ، فيجازي كلا ، ما يستحقه.

[٨٦] التحية هي : اللفظ الصادر من أحد المتلاقيين ، على وجه الإكرام والدعاء ، وما يقترن بذلك اللفظ ، من البشاشة ونحوها. وأعلى أنواع التحية ، ما ورد به الشرع ، من السّلام ابتداء وردا. فأمر تعالى ، المؤمنين أنهم ، إذا حيوا بأي تحية كانت ، أن يردوها بأحسن منها ، لفظا ، وبشاشة ، أو مثلها في ذلك. ومفهوم ذلك ، النهي عن عدم الرد بالكلية ، أو ردها بدونها. ويؤخذ من الآية الكريمة ، الحث على ابتداء السّلام والتحية ، من وجهين : أحدهما : أن الله أمر بردها ، بأحسن منها ، أو مثلها ، وذلك يستلزم أن التحية ، مطلوبة شرعا. والثاني : ما يستفاد من أفعل التفضيل ، وهو «أحسن» الدال على مشاركة التحية وردها ، بالحسن ، كما هو الأصل في ذلك. ويستثنى من عموم الآية الكريمة ، من حيا بحال غير مأمور بها ، ك «على مشتغل بقراءة ، أو استماع خطبة ، أو مصل ونحو ذلك» فإنه لا يطلب إجابة تحيته. وكذلك يستثنى من ذلك ، من أمر الشارع بهجره ، وعدم تحيته ، وهو العاصي غير التائب ، الذي يرتدع بالهجر ، فإنه يهجر ، ولا يحيا ، ولا ترد تحيته ، وذلك لمعارضة المصلحة الكبرى. ويدخل في رد التحية ، كل تحية اعتادها الناس ، وهي غير محظورة شرعا ، فإنه مأمور بردها وبأحسن منها. ثم وعد تعالى وتوعد ، على فعل الحسنات والسيئات بقوله : (إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً) فيحفظ على العباد أعمالهم ، حسنها ، وسيئها ، صغيرها ، وكبيرها ، ثم يجازيهم بما اقتضاه فضله وعدله ، وحكمه المحمود.

[٨٧] يخبر تعالى ، عن انفراده بالوحدانية ، وأنه لا معبود ولا مألوه إلا هو ، لكماله في ذاته وأوصافه ، ولكونه المنفرد بالخلق والتدبير ، والنعم الظاهرة والباطنة. وذلك يستلزم الأمر بعبادته ، والتقرب إليه بجميع أنواع العبودية. لكونه المستحق لذلك وحده ، والمجازي للعباد ، بما قاموا به من عبوديته ، أو تركوه منها. ولذلك أقسم على وقوع محل الجزاء ـ وهو يوم القيامة ـ فقال : (لَيَجْمَعَنَّكُمْ) أي : أولكم وآخركم ، في مقام واحد. (إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ) أي : لا شك ولا شبهة ، بوجه من الوجوه ، بالدليل العقلي ، والدليل السمعي. فالدليل العقلي ، ما نشاهده من إحياء الأرض بعد موتها ، ومن وجود النشأة الأولى ، التي وقوع الثانية ، أولى منها بالإمكان. ومن الحكمة التي يجزم ،

٢٠٢

بأن الله لم يخلق خلقه عبثا ، يحيون ثم يموتون. وأما الدليل السمعي ، فهو إخبار أصدق الصادقين بذلك ، بل إقسامه عليه ، ولهذا قال : (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً). كذلك أمر رسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يقسم عليه في غير موضع من القرآن ، كقوله تعالى : (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ) (٧). وفي قوله : (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً) ، (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً) إخبار بأن حديثه وأخباره ، وأقواله في أعلى مراتب الصدق ، بل أعلاها. فكل ما قيل في العقائد والعلوم والأعمال ، مما يناقض ما أخبر الله به ، فهو باطل ، لمناقضته للخبر الصادق اليقين ، فلا يمكن أن يكون حقا.

[٨٨] المراد بالمنافقين المذكورين في هذه الآيات : المنافقون المظهرون إسلامهم ، ولم يهاجروا مع كفرهم. وكان قد وقع بين الصحابة رضوان الله عليهم ، فيهم اشتباه. فبعضهم تحرج عن قتالهم ، وقطع موالاتهم ، بسبب ما أظهروه من الإيمان. وبعضهم علم أحوالهم ، بقرائن أفعالهم ، فحكم بكفرهم.

[٨٩] فأخبر عنهم تعالى ، أنه لا ينبغي لكم ، أن تشتبهوا فيهم ولا تشكوا. بل أمرهم واضح غير مشكل ، إنهم منافقون ، قد تكرر كفرهم ، وودوا ـ مع ذلك ـ كفركم ، وأن تكونوا مثلهم. فإذا تحققتم ذلك منهم (فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ) وهذا يستلزم عدم محبتهم ، لأن الولاية فرع المحبة. ويستلزم أيضا ، بغضهم ، وعداوتهم ، لأن النهي عن الشيء ، أمر بضده. وهذا الأمر مؤقت بهجرتهم. فإذا هاجروا ، جرى عليهم ، ما جرى على المسلمين ، كما كان النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم يجري أحكام الإسلام على كل من كان معه ، وهاجر إليه ، سواء كان مؤمنا حقيقة ، أو ظاهر الإيمان. وأنهم إن لم يهاجروا ، وتولوا عنها (فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) أي : في أي وقت ، وأي محل كان. وهذا من جملة الأدلة الدالة ، على نسخ القتال في الأشهر الحرم ، كما هو قول جمهور العلماء. والمنازعون يقولون : هذه نصوص مطلقة ، محمولة على تقييد التحريم في الأشهر الحرم.

[٩٠] ثم إن الله استثنى من قتال هؤلاء المنافقين ثلاث فرق : فرقتين أمر بتركهم ، وحتّم على ذلك. إحداهما ، من يصل إلى قوم ، بينهم وبين المسلمين ، عهد وميثاق بترك القتال ، فينضم إليهم ، فيكون له حكمهم ، في حقن الدم والمال. والفرقة الثانية قوم (حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ) أي : بقوا ، لا تسمح أنفسهم بقتالكم ، ولا بقتال قومهم ، وأحبوا ترك قتال الفريقين. فهؤلاء أيضا ، أمر بتركهم ، وذكر الحكمة في ذلك بقوله : (وَلَوْ شاءَ اللهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ) فإن الأمور الممكنة ثلاثة أقسام : إما أن يكونوا معكم ، ويقاتلوا أعداءكم. وهذا متعذر من هؤلاء. فدار الأمر ، بين قتالكم مع قومهم ، وبين ترك قتال الفريقين ، وهو أهون الأمرين عليكم ، والله قادر على تسليطهم عليكم. فاقبلوا العافية ، واحمدوا ربكم الذي كف أيديهم عنكم ، مع التمكن من ذلك. فهؤلاء (فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً).

[٩١] الفرقة الثالثة : قوم يريدون مصلحة أنفسهم ، بقطع النظر عن احترامكم. وهم الّذين قال الله فيهم :

٢٠٣

(سَتَجِدُونَ آخَرِينَ) أي : من هؤلاء المنافقين. (يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ) أي : خوفا منكم (وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها) أي : لا يزالون مقيمين على كفرهم ونفاقهم. وكلما عرض لهم عارض من عوارض الفتن ، أعماهم ، ونكسهم على رؤوسهم ، وازداد كفرهم ونفاقهم. وهؤلاء في الصورة ـ كالفرقة الثانية ، وفي الحقيقة ، مخالفة لها. فإن الفرقة الثانية ، تركوا قتال المؤمنين ، احتراما لهم ، لا خوفا على أنفسهم. وأما هذه الفرقة ، فتركوه خوفا ، لا احتراما. بل لو وجدوا فرصة في قتال المؤمنين ، فإنهم سيقدمون لانتهازها. فهؤلاء إن لم يتبين منهم ، ويتضح اتضاحا عظيما ، اعتزال المؤمنين وترك قتالهم ، فإنهم يقاتلون. ولهذا قال : (فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ) أي : المسالمة والموادعة. (وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً) أي : حجة بينة واضحة ، لكونهم معتدين ظالمين لكم تاركين للمسالمة ، فلا يلوموا إلا أنفسهم.

[٩٢] وهذه الصيغة من صيغ الامتناع. أي : يمتنع ويستحيل ، أن يصدر من مؤمن قتل مؤمن أي : متعمدا. وفي هذا الإخبار بشدة تحريمه ، وأنه مناف للإيمان أشد منافاة. وإنما يصدر ذلك ، إما من كافر ، أو من فاسق ، قد نقص إيمانه نقصا عظيما ، ويخشى عليه ما هو أكبر من ذلك. فإن الإيمان الصحيح ، يمنع المؤمن من قتل أخيه ، الذي قد عقد الله بينه وبينه ، الأخوة الإيمانية ، التي من مقتضاها ، محبته وموالاته ، وإزالة ما يعرض لأخيه من الأذى ، وأي أذى أشد من القتل؟ وهذا يصدق قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لا ترجعوا بعدي كفارا ، يضرب بعضكم رقاب بعض». فعلم أن القتل من الكفر العملي ، وأكبر الكبائر بعد الشرك بالله. ولما كان قوله : (وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً) لفظا عاما ، لجميع الأحوال ، وأنه لا يصدر منه قتل أخيه ، بوجه من الوجوه ، استثنى تعالى قتل الخطأ فقال : (إِلَّا خَطَأً) فإن المخطئ الذي لا يقصد القتل ، غير آثم ، ولا مجترئ على محارم الله. ولكنه لما كان قد فعل فعلا شنيعا ، وصورته كافية في قبحه ، وإن لم يقصده ـ أمر تعالى بالكفارة والدية فقال : (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً) سواء كان القاتل ذكرا أو أنثى ، حرا أو عبدا ، صغيرا أو كبيرا ، عاقلا أو مجنونا ، مسلما أو كافرا ، كما يفيده لفظ «من» الدالة على العموم ، وهذا من أسرار الإتيان ب «من» في هذا الموضع. فإن سياق الكلام يقتضي أن يقول فإن قتله ، ولكن هذا لفظ لا يشمل ما شمله «من». وسواء كان المقتول ذكرا أو أنثى ، صغيرا أو كبيرا ، كما يفيده التنكير في سياق الشرط. فإن على القاتل (تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) كفارة لذلك ، تكون في ماله ، ويشمل ذلك الصغير والكبير ، والذكر والأنثى ، والصحيح والمعيب ، في قول بعض العلماء. ولكن الحكمة ، تقتضي أن لا يجزىء عتق المعيب في الكفارة. لأن المقصود بالعتق ، نفع العتيق ، وملكه منافع نفسه. فإذا كان يضيع بعتقه ، وبقاؤه في الرق أنفع له ، فإنه لا يجزىء عتقه. مع أن في قوله : (تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) ما يدل على ذلك. فإن التحرير : تخليص من استحقت منافعه لغيره ، أن تكون له. فإذا لم يكن فيه منافع ، لم يتصور وجود التحرير. فتأمل ذلك ، فإنه واضح. وأما الدية ، فإنها تجب على عاقلة القاتل ، في الخطأ ، وشبه العمد. (مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ) جبرا لقلوبهم. والمراد بأهله هنا ، هم ورثته ،

٢٠٤

فإن الورثة يرثون ما ترك الميت. فالدية داخلة فيما ترك ، وللذرية تفاصيل كثيرة مذكورة في كتب الفقه. وقوله : (إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا) أي : يتصدق ورثة القتيل بالعفو عن الدية ، فإنها تسقط. وفي ذلك حث لهم على العفو ، لأن الله سماها صدقة ، والصدقة مطلوبة في كل وقت. (فَإِنْ كانَ) المقتول (مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ) أي : من كفار حربيين (وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) أي : وليس عليكم لأهله دية ، لعدم احترامهم في دمائهم وأموالهم. (وَإِنْ كانَ) المقتول (مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) وذلك لاحترام أهله بما لهم من العهد والميثاق. (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) رقبة ولا ثمنها ، بأن كان معسرا بذلك ، ليس عنده ما يفضل عن مؤنته وحوائجه الأصلية ، شيء يفي بالرقبة. (فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ) أي : لا يفطر بينهما من غير عذر. فإن أفطر لعذر ، فإن العذر لا يقطع التتابع ، كالمرض ، والحيض ونحوهما. وإن كان لغير عذر ، انقطع التتابع ، ووجب عليه استئناف الصوم. (تَوْبَةً مِنَ اللهِ) أي : هذه الكفارات التي أوجبها الله على القاتل ، توبة من الله على عباده ، ورحمة بهم ، وتكفيرا لما عساه أن يحصل منهم ، من تقصير ، وعدم احتراز ، كما هو الواقع كثيرا للقاتل خطأ. (وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً) أي : كامل العلم ، كامل الحكمة ، لا يخفى عليه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، ولا أصغر من ذلك ، ولا أكبر ، في أي وقت كان ، وأي محل كان. ولا يخرج عن حكمته من المخلوقات والشرائع شيء. بل كل ما خلقه وشرعه ، فهو متضمن لغاية الحكمة. ومن علمه وحكمته ، أن أوجب على القاتل ، كفارة مناسبة لما صدر منه. فإنه تسبب لإعدام نفس محترمة ، وأخرجها من الوجود إلى العدم. فناسب أن يعتق رقبة ، ويخرجها من رق العبودية للخلق ، إلى الحرية التامة. فإن لم يجد هذه الرقبة ، صام شهرين متتابعين. فأخرج نفسه من رق الشهوات واللذات الحسية القاطعة للعبد عن سعادته الأبدية ، إلى التعبد لله تعالى بتركها ، تقربا إلى الله. ومدها تعالى بهذه المدة الكثيرة الشاقة في عددها ، ووجوب التتابع فيها ، ولم يشرع الإطعام ، في هذه المواضع ، لعدم المناسبة. بخلاف الظهار ، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. ومن حكمته ، أن أوجب في القتل ، الدية ، ولو كان خطأ ، لتكون رادعة ، وكافة عن كثير من القتل ، باستعمال الأسباب العاصمة عن ذلك. ومن حكمته أن أوجبت على العاقلة في قتل الخطأ ، بإجماع العلماء ، لكون القاتل ، لم يذنب فيشق عليه أن يحمل هذه الدية الباهظة. فناسب أن يقوم بذلك ، من بينه وبينهم المعاونة والمناصرة ، والمساعدة على تحصيل المصالح ، وكف المفاسد. ولعل ذلك من أسباب منعهم ، لمن يعقلون عنه من القتل ، حذار تحميلهم. ويخف عليهم بسبب توزيعه عليهم ، بقدر أحوالهم وطاقتهم. وخففت أيضا بتأجيلها عليهم ثلاث سنين. ومن حكمته وعلمه ، أن جبر أهل القتيل عن مصيبتهم ، بالدية التي أوجبها على أولياء القاتل.

[٩٣] تقدم أن الله أخبر أنه لا يصدر قتل المؤمن من المؤمن ، وأن القتل من الكفر العملي. وذكر هنا ، وعيد القاتل عمدا ، وعيدا ترجف له القلوب ، وتنصدع له الأفئدة ، وينزعج منه أولو العقل. فلم يرد في أنواع الكبائر ، أعظم من هذا الوعيد ، بل ولا مثله. ألا : وهو الإخبار ، بأن جزاءه جهنم. أي : فهذا الذنب العظيم ، قد انتهض وحده ، أن يجازى صاحبه بجهنم ، بما فيها من العذاب العظيم ، والخزي المهين ، وسخط الجبار وفوات الفوز والفلاح ، وحصول الخيبة والخسار. فعياذا بالله ، من كل سبب يبعد عن رحمته. وهذا الوعيد ، له حكم أمثاله من نصوص الوعيد ، على بعض الكبائر والمعاصي ، بالخلود في النار ، أو حرمان الجنة. وقد اختلف الأئمة رحمهم‌الله ، في تأويلها ، مع اتفاقهم على بطلان قول الخوارج والمعتزلة ، الّذين يخلدونهم في النار ، ولو كانوا موحدين. والصواب في تأويلها ، ما قاله الإمام المحقق شمس الدين بن القيم رحمه‌الله في «المدارج» فإنه ـ بعد ما ذكر تأويلات الأئمة في ذلك وانتقدها قال : وقالت فرقة : إن هذه النصوص وأمثالها ، مما ذكر فيه المقتضي للعقوبة ، ولا يلزم من وجود مقتضى الحكم وجوده ، فإن الحكم إنما يتم بوجود مقتضيه وانتفاء موانعه. وغاية هذه النصوص ، الإعلام بأن

٢٠٥

كذا ، سبب للعقوبة ومقتضى لها. وقد قام الدليل على ذكر الموانع. فبعضها بالإجماع ، وبعضها بالنص. فالتوبة ، مانع بالإجماع. والتوحيد مانع بالنصوص المتواترة ، التي لا مدفع لها. والحسنات العظيمة الماحية ، مانعة. والمصائب الكبار المكفرة ، مانعة. وإقامة الحدود في الدنيا ، مانع بالنص. ولا سبيل إلى تعطيل هذه النصوص ، فلا بد من إعمال النصوص من الجانبين. ومن هنا قامت الموازنة بين الحسنات والسيئات ، اعتبارا لمقتضى العقاب ومانعه ، وإعمالا لأرجحها. قالوا : وعلى هذا ، بناء مصالح الدارين ومفاسدهما. وعلى هذا ، بناء الأحكام الشرعية ، والأحكام القدرية ، وهو مقتضى الحكمة السارية في الوجود ، وبه ارتباط الأسباب ومسبباتها ، خلقا وأمرا. وقد جعل الله سبحانه لكل ضد ضدا يدافعه ، ويقاومه ، ويكون الحكم للأغلب منهما. فالقوة ، مقتضية للصحة والعافية. وفساد الأخلاق وبغيها ، مانع من عمل الطبيعة. وفعل القوة ، والحكم ، للغالب منهما وكذلك قوى الأدوية والأمراض. والعبد يكون فيه مقتض للصحة ، ومقتض للعطب. وأحدهما ، يمنع كمال تأثير الآخر ويقاومه. فإذا ترجح عليه وقهره ، كان التأثير له. ومن هنا يعلم ، انقسام الخلق إلى من يدخل الجنة ، ولا يدخل النار ، وعكسه. ومن يدخل النار ثم يخرج منها ، ويكون مكثه فيها ، بحسب ما فيه من مقتضى المكث ، في سرعة الخروج ، وبطئه. ومن له بصيرة منورة ، يرى بها كل ما أخبر الله به في كتابه ، من أمر المعاد وتفاصيله ، حتى كأنه يشاهده رأي العين. ويعلم أن هذا مقتضى إلهيته سبحانه ، وربوبيته ، وعزته ، وحكمته ، وأنه مستحيل عليه خلاف ذلك. ونسبة ذلك إليه ، نسبة ما لا يليق به إليه. فيكون نسبة ذلك إلى بصيرته ، كنسبة الشمس والنجوم إلى بصره. وهذا يقين الإيمان ، وهو الذي يحرق السيئات ، كما تحرق النار الحطب. وصاحب هذا المقام من الإيمان ، يستحيل إصراره على السيئات ، وإن وقعت منه وكثرت ، فإن ما معه من نور الإيمان ، يأمره بتجديد التوبة كل وقت بالرجوع إلى الله في عدد أنفاسه. وهذا من أحب الخلق إلى الله. انتهى كلامه ، قدس الله روحه ، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيرا.

[٩٤] يأمر تعالى عباده المؤمنين ، إذا خرجوا جهادا في سبيله ، وابتغاء مرضاته ـ أن يتبينوا ، ويتثبتوا في جميع أمورهم المشتبهة. فإن الأمور قسمان : واضحة وغير واضحة. فالواضحة البينة ، لا تحتاج إلى تثبت وتبين ، لأن ذلك ، تحصيل حاصل. وأما الأمور المشكلة غير الواضحة ، فإن الإنسان يحتاج إلى التثبت فيها والتبين ، هل يقدم عليها أم لا؟ فإن التثبت في هذه الأمور ، يحصل فيه من الفوائد الكثيرة ، والكف عن شرور عظيمة ، فإنه به يعرف دين العبد ، وعقله ، ورزانته. بخلاف المستعجل للأمور في بدايتها ، قبل أن يتبين له حكمها ، فإن ذلك يؤدي إلى ما لا ينبغي. كما جرى لهؤلاء الّذين عاتبهم الله في الآية ، لما لم يتثبتوا ، وقتلوا من سلّم عليهم ، وكان معه غنيمة له أو مال غيره ، ظنا أنه يستكفي بذلك قتلهم ، وكان هذا خطأ في نفس الأمر ، فلهذا عاتبهم بقوله : (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ) أي : فلا يحملنكم العرض الفاني القليل ، على ارتكاب ما لا ينبغي فيفوتكم ما عند الله من الثواب الجزيل الباقي ، فما عند الله خير وأبقى. وفي

٢٠٦

هذا إشارة إلى أن العبد ينبغي له ، إذا رأى دواعي نفسه مائلة إلى حالة له فيها هوى ، وهي مضرة له ـ أن يذكرها ما أعد الله لمن نهى نفسه عن هواها ، وقدم مرضاة الله على رضا نفسه ، فإن في ذلك ترغيبا للنفس ، في امتثال أمر الله ، وإن شق ذلك عليها. ثم قال تعالى ـ مذكرا لهم بحالهم الأولى ، قبل هدايتهم إلى الإسلام : (كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ) أي : فكما هداكم بعد ضلالكم ، فكذلك يهدي غيركم. وكما أن الهداية حصلت لكم شيئا فشيئا ، فكذلك غيركم. فنظر الكامل لحاله الأولى الناقصة ، ومعاملته لمن كان على مثلها ، بمقتضى ما يعرف من حاله الأولى ، ودعاؤه له بالحكمة والموعظة الحسنة ـ من أكبر الأسباب لنفعه وانتفاعه. ولهذا أعاد الأمر بالتبين فقال : (فَتَبَيَّنُوا). فإذا كان من خرج للجهاد في سبيل الله ، ومجاهدة أعداء الله ، واستعد بأنواع الاستعداد للإيقاع بهم ، مأمورا بالتبين لمن ألقى إليه السّلام ، وكانت القرينة قوية ، في أنه إنما سلم تعوذا من القتل ، وخوفا على نفسه ـ فإن ذلك يدل على الأمر بالتبين والتثبت ، في كل الأحوال التي يقع فيها نوع اشتباه ، فيتثبت فيها العبد ، حتى يتضح له الأمر ، ويتبين الرشد والصواب. (إِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً) فيجازي كلا ، ما عمله ونواه ، بحسب ما علمه من أحوال عباده ونياتهم.

[٩٥] أي : لا يستوي من جاهد من المؤمنين ، بنفسه وماله ، ومن لم يخرج للجهاد ، ولم يقاتل أعداء الله. ففيه الحث على الخروج للجهاد ، والترغيب في ذلك ، والترهيب من التكاسل ، والقعود عنه ، من غير عذر. وأما أهل الضرر ، كالمريض ، والأعمى ، والأعرج ، والذي لا يجد ما يتجهز به ، فإنهم ليسوا بمنزلة القاعدين ، من غير عذر. فمن كان من أولي الضرر ، راضيا بقعوده ، لا ينوي الخروج في سبيل الله ، لو لا وجود المانع ، ولا يحدث نفسه بذلك ، فإنه بمنزلة القاعد لغير عذر. ومن كان عازما على الخروج في سبيل الله ، لو لا وجوده المانع ، يتمنى ذلك ، ويحدّث به نفسه ، فإنه بمنزلة من خرج للجهاد. لأن النية الجازمة ، إذا اقترن بها مقدورها ، من القول ، أو الفعل ـ ينزل صاحبها منزلة الفاعل. ثم صرّح تعالى ، بتفضيل المجاهدين على القاعدين ، بالدرجة أي : الرفعة ، وهذا تفضيل على وجه الإجمال. ثم صرّح بذلك على وجه التفصيل ، ووعدهم بالمغفرة الصادرة من ربهم والرحمة التي تشتمل على حصول كل خير ، واندفاع كل شر. والدرجات التي فصلها النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالحديث الثابت عنه في الصحيحين ، أن في الجنة مائة درجة ، ما بين كل درجتين ، كما بين السماء والأرض ، أعدها الله للمجاهدين في سبيله. وهذا الثواب ، الذي رتبه الله على الجهاد ، نظير الذي في سورة الصف في قوله : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (١٢) إلى آخر السورة. وتأمل حسن هذا الانتقال ، من حالة إلى أعلى منها. فإنه نفى التسوية أولا ، بين المجاهد وغيره. ثم صرّح بتفضيل المجاهد على القاعد بدرجة. ثم انتقل إلى تفضيله بالمغفرة ، والرحمة والدرجات. وهذا الانتقال من حالة إلى أعلى منها عند التفضيل والمدح ، أو النزول من حالة إلى ما دونها ، عند القدح والذم ـ أحسن لفظا ، وأوقع في النفس. وكذلك إذا فضّل تعالى ، شيئا على شيء ، وكل منهما له فضل ، احترز بذكر الفضل الجامع للأمرين ، لئلا يتوهم أحد ، ذم المفضل عليه كما قال هنا : (وَكُلًّا وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى). وكما قال تعالى في الآيات المذكورة في الصف في قوله : (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ). وكما في قوله تعالى : (لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ) أي : ممن لم يكن كذلك. ثم قال : (وَكُلًّا وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى). وكما قال تعالى : (فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً). فينبغي لمن يبحث في التفضيل بين الأشخاص ، والطوائف ، والأعمال ، أن يفطن لهذه النكتة. وكذلك لو تكلم في ذم الأشخاص والمقالات ، ذكر ما تجتمع فيه ، عند تفضيل بعضها على بعض ، لئلا يتوهم أن المفضل ، قد حصل له الكمال. كما إذا قيل : النصارى خير من المجوس ، فليقل ـ مع ذلك ـ وكل منهما كافر. والقتل أشنع من الزنا ، وكل منهما معصية كبيرة ، حرمها الله

٢٠٧

ورسوله وزجر عنها.

[٩٦] ولما وعد المجاهدين بالمغفرة والرحمة الصادرين عن اسميه الكريمين الغفور الرحيم ختم هذه الآية بهما فقال : (وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً).

[٩٧] هذا الوعيد الشديد ، لمن ترك الهجرة ، مع قدرته عليها ، حتى مات. فإن الملائكة الّذين يقبضون روحه ، يوبخونه بهذا التوبيخ العظيم ، ويقولون لهم : (فِيمَ كُنْتُمْ) أي : على أي حال كنتم؟ وبأي شيء تميزتم عن المشركين؟ بل كثرتم سوادهم ، وربما ظاهرتموهم على المؤمنين ، وفاتكم الخير الكثير ، والجهاد مع رسوله ، والكون مع المسلمين ومعاونتهم على أعدائهم. (قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ) أي : ضعفاء مقهورين مظلومين ، ليس لنا قدرة على الهجرة. وهم غير صادقين في ذلك ، لأن الله وبخهم ، وتوعدهم ، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. واستثنى المستضعفين حقيقة ، ولهذا قالت لهم الملائكة : (أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها) وهذا استفهام تقرير ، أي : قد تقرر عند كل أحد ، أن أرض الله واسعة. فحيثما كان العبد في محل ، لا يتمكن فيه من إظهار دينه ، فإن له متسعا وفسحة من الأرض ، يتمكن فيها من عبادة الله كما قال تعالى : (يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ) (٥٦). قال الله عن هؤلاء الّذين لا عذر لهم : (فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً) وهذا كما تقدم ، فيه ذكر بيان السبب الموجب ، فقد يترتب عليه ، مقتضاه ، مع اجتماع شروطه ، وانتفاء موانعه ، وقد يمنع من ذلك مانع. وفي الآية دليل على أن الهجرة ، من أكبر الواجبات ، وتركها ، من المحرمات ، بل من أكبر الكبائر. وفي الآية دليل على أن كل من توفي ، فقد استكمل واستوفى ، ما قدر له من الرزق ، والأجل ، والعمل. وذلك مأخوذ من لفظ «التوفي» فإنه يدل على ذلك. لأنه لو بقي عليه شيء من ذلك ، لم يكن متوفيا. وفيه الإيمان بالملائكة ومدحهم ، لأن الله ساق ذلك الخطاب لهم ، على وجه التقرير والاستحسان منهم ، وموافقته لمحله.

[٩٨] ثم استثنى المستضعفين على الحقيقة ، الّذين لا قدرة لهم على الهجرة بوجه من الوجوه فقال : (وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً).

[٩٩] فهؤلاء قال الله فيهم : (فَأُولئِكَ عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُوراً) (٩٩). و «عسى» ونحوها ، واجب وقوعها من الله تعالى ، بمقتضى كرمه وإحسانه. وفي الترجية بالثواب ، لمن عمل بعض الأعمال فائدة. وهو أنه لا يوفيه حق توفيته ، ولا يعمله على الوجه اللائق الذي ينبغي. بل يكون مقصرا ، فلا يستحق ذلك الثواب. والله أعلم. وفي الآية الكريمة دليل على أن من عجز عن المأمور ، من واجب وغيره ، فإنه معذور ، كما قال تعالى في العاجزين عن الجهاد : (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ). وقال في عموم الأوامر : (فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ). وقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إذا أمرتكم بأمر ، فأتوا منه ما استطعتم». ولكن لا يعذر الإنسان إلا إذا بذل جهده ، وانسدت عليه أبواب الحيل لقوله : (لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً). وفي الآية تنبيه على أن الدليل في الحج والعمرة ، ونحوهما ـ مما يحتاج إلى سفر ـ من شروط الاستطاعة.

٢٠٨

[١٠٠] هذا في بيان الحث على الهجرة ، والترغيب ، وبيان ما فيها من المصالح ، فوعد الصادق في وعده ، أن من هاجر في سبيله ، ابتغاء مرضاته ، أنه يجد مراغما في الأرض وسعة ، فالمراغم مشتمل على مصالح الدين والسعة على مصالح الدنيا. وذلك أن كثيرا من الناس يتوهم أن في الهجرة شتاتا بعد الألفة ، وفقرا بعد الغنى ، وذلا بعد العز ، وشدة بعد الرخاء. والأمر ليس كذلك ، فإن المؤمن ، ما دام بين أظهر المشركين ، فدينه في غاية النقص ، لا في العبادات القاصرة عليه ، كالصلاة ونحوها ، ولا في العبادات المتعدية ، كالجهاد بالقول والفعل ، وتوابع ذلك ، لعدم تمكنه من ذلك ، وهو بصدد أن يفتن عن دينه ، خصوصا ، إن كان مستضعفا. فإذا هاجر في سبيل الله ، تمكّن من إقامة دين الله ، وجهاد أعداء الله ، ومراغمتهم. فإن المراغمة اسم جامع لكل ما يحصل به إغاظة لأعداء الله ، من قول وفعل. وكذلك ما يحصل له سعة في رزقه ، وقد وقع كما أخبر الله تعالى. واعتبر ذلك بالصحابة رضي الله عنهم ، فإنهم لما هاجروا في سبيل الله وتركوا ديارهم ، وأولادهم ، وأموالهم لله ، كمل بذلك إيمانهم ، وحصل لهم من الإيمان التام ، والجهاد العظيم ، والنصر لدين الله ، ما كانوا به أئمة لمن بعدهم. وكذلك حصل لهم ، ما يترتب على ذلك من الفتوحات والغنائم ، ما كانوا به أغنى الناس. وهكذا كل من فعل فعلهم ، يحصل له ما حصل لهم ، إلى يوم القيامة. ثم قال : (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ) أي : قاصدا ربه ، ورضاه ، ومحبته لرسوله ، ونصرا لدين الله ، لا لغير ذلك من المقاصد. (ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ) بقتل أو غيره. (فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ) أي : فقد حصل له أجر المهاجر ، الذي أدرك مقصوده بضمان الله تعالى. وذلك ، لأنه نوى وجزم ، وحصل منه ابتداء ، وشروع في العمل. فمن رحمة الله به وبأمثاله ، أن أعطاهم أجرهم كاملا ، ولو لم يكملوا العمل وغفر لهم ، ما حصل منهم من التقصير في الهجرة وغيرها. ولهذا ختم هذه الآية بهذين الاسمين الكريمين فقال : (وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً) يغفر للمؤمنين ، ما اقترفوه من الخطيئات ، خصوصا ، التائبين المنيبين إلى ربهم. (رَحِيماً) بجميع الخلق ، رحمة أوجدتهم وعافتهم ، ورزقتهم من المال والبنين والقوة ، وغير ذلك. رحيما بالمؤمنين ، حيث وفقهم للإيمان ، وعلمهم من العلم ، ما يحصل به الإيقان ، ويسر لهم أسباب السعادة والفلاح ، وما به يدركون غاية الأرباح. وسيرون من رحمته وكرمه ، ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر. فنسأل الله ، أن لا يحرمنا خيره ، بشر ما عندنا.

[١٠١] هاتان الآيتان ، أصل في رخصة القصر ، وصلاة الخوف. يقول تعالى : (وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ) أي : في السفر ، وظاهر الآية ، أنه يقتضي الترخيص في أي سفر كان ، ولو كان سفر معصية ، كما هو مذهب أبي حنيفة رحمه‌الله ، وخالف في ذلك الجمهور ، وهم الأئمة الثلاثة وغيرهم ، فلم يجوزوا الترخيص في سفر المعصية ، تخصيصا للآية بالمعنى والمناسبة ، فإن الرخصة سهولة من الله لعباده ، إذا سافروا أن يقصروا ويفطروا. والعاصي بسفره ، يناسب حاله التخفيف. وقوله : (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ) أي : لا حرج ولا إثم عليكم في ذلك. ولا ينافي ذلك ، كون القصر هو الأفضل ، لأن نفي الحرج ، إزالة لبعض الوهم الواقع في كثير من النفوس. بل ولا ينافي الوجوب ، كما تقدم ذلك في سورة البقرة ، في قوله : (إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ) إلى آخر الآية. وإزالة الوهم في هذا الموضع ظاهرة ، لأن الصلاة قد تقرر عند المسلمين ، وجوبها على هذه الصفة التامة ، ولا يزيل هذا عن نفوس أكثرهم ، إلا بذكر ما ينافيه. ويدل على أفضلية القصر على الإتمام أمران : أحدهما : ملازمة النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم على القصر في جميع أسفاره. والثاني : أن هذا من باب التوسعة والترخيص والرحمة بالعباد. والله تعالى يحب أن تؤتى رخصه ، كما يكره أن تؤتى معصيته. وقوله : (أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ) ولم يقل أن تقصروا الصلاة ، فيه فائدتان : إحداهما : أنه لو قال أن تقصروا الصلاة ، لكان القصر غير منضبط بحد من الحدود. فربما ظن أنه لو قصر معظم الصلاة ، وجعلها ركعة واحدة ، لأجزأه. فإتيانه بقوله : (مِنَ الصَّلاةِ) ليدل ذلك على أن القصر محدود مضبوط ، مرجوع فيه إلى ما تقرر من فعل النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأصحابه. الثانية : أن «من» تفيد التبعيض ، ليعلم بذلك أن القصر لبعض

٢٠٩

الصلوات المفروضات ، لا جميعها. فإن الفجر والمغرب ، لا يقصران ، وإنما الذي يقصر ، الصلاة الرباعية من أربع إلى ركعتين. فإذا تقرر أن القصر في السفر ، رخصة ، فاعلم أن المفسرين قد اختلفوا في هذ القيد ، وهو قوله : (إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) الذي يدل ظاهره ، أن القصر لا يجوز إلا بوجود الأمرين كليهما ، السفر مع الخوف. ويرجع حاصل اختلافهم إلى أنه هل المراد بقوله : (أَنْ تَقْصُرُوا) قصر العدد فقط؟ أو قصر العدد والصفة؟ فالإشكال ، إنما يكون على الوجه الأول. وقد أشكل هذا على أمير المؤمنين ، عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، حتى سأل عنه النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال : يا رسول الله ، ما لنا نقصر الصلاة وقد أمنا؟ أي والله يقول : (إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا). فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «صدقة تصدق الله بها عليكم ، فاقبلوا صدقته» أو كما قال. فعلى هذا يكون هذا القيد أتى به ، نظرا لغالب الحال ، التي كان النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأصحابه عليها. فإن غالب أسفاره أسفار جهاد.

وفيه فائدة أخرى ، وهي بيان الحكمة والمصلحة ، في مشروعية رخصة القصر. فبيّن في هذه الآية أنهى ما يتصور من المشقة المناسبة للرخصة ، وهي اجتماع السفر والخوف. ولا يستلزم ذلك أن يقصر مع السفر وحده ، الذي هو مظنة المشقة. وأما على الوجه الثاني ، وهو أن المراد بالقصر : قصر العدد والصفة ، فإن القيد على بابه. فإذا وجد السفر والخوف جاز قصر العدد ، وقصر الصفة. وإذا وجد السفر وحده ، جاز قصر العدد فقط. أو الخوف وحده ، جاز قصر الصفة.

[١٠٢] ولذلك أتى بصفة صلاة الخوف بعدها بقوله : (وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ) أي : صليت بهم صلاة تقيمها ، وتتم ما يجب فيها ، ويلزم فعلهم ما ينبغي لك ولهم ، فعله. ثم فسّر ذلك بقوله : (فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ) أي : وطائفة قائمة بإزاء العدو ، كما يدل على ذلك ما يأتي : (فَإِذا سَجَدُوا) أي : الّذين معك أي : أكملوا صلاتهم ، وعبّر عن الصلاة بالسجود ، ليدل على فضل السجود ، وأنه ركن من أركانها ، بل هو أعظم أركانها. (فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا) وهم الطائفة الّذين قاموا إزاء العدو (فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ). ودل ذلك على أن الإمام يبقى بعد انصراف الطائفة الأولى ، منتظرا للطائفة الثانية ، فإذا حضروا صلّى بهم ما بقي من صلاته ثم جلس ينتظرهم ، حتى يكملوا صلاتهم ، ثم يسلم بهم ، وهذا أحد الوجوه في صلاة الخوف. فإنها صحت عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم من وجوه كثيرة ، كلها جائزة. وهذه الآية ، تدل على أن صلاة الجماعة ، فرض عين من وجهين : أحدهما : أن الله تعالى أمر بها في هذه الحالة الشديدة ، وقت اشتداد الخوف من الأعداء ، وحذر مهاجمتهم. فإذا أوجبها في هذه الحالة الشديدة ، فإيجابها في حالة الطمأنينة والأمن ، من باب أولى وأحرى. والثاني : أن المصلين صلاة الخوف ، يتركون فيه كثيرا من الشروط واللوازم ، ويعفى فيها ، عن كثير من الأفعال المبطلة في غيرها ، وما ذاك إلا لتأكد وجوب الجماعة ، لأنه لا تعارض بين واجب ومستحب. فلو لا وجوب الجماعة ، لم تترك هذه الأمور اللازمة لأجلها. وتدل الآية الكريمة على أن الأولى والأفضل ، أن يصلوا بإمام واحد. ولو تضمن ذلك الإخلال

٢١٠

بشيء ، لا يخل به لو صلوها بعدة أئمة ، وذلك لأجل اجتماع كلمة المسلمين ، واتفاقهم ، وعدم تفرق كلمتهم ، وليكون ذلك أوقع هيبة في قلوب أعدائهم. وأمر تعالى ، بأخذ السلاح ، والحذر في صلاة الخوف. وهذا ، وإن كان فيه حركة واشتغال عن بعض أحوال الصلاة ، فإن فيه مصلحة راجحة ، وهو الجمع بين الصلاة والجهاد ، والحذر من الأعداء الحريصين غاية الحرص ، على الإيقاع بالمسلمين ، والميل عليهم وعلى أمتعتهم ولهذا قال تعالى : (وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً). ثم إن الله عذر من له عذر ، من مرض ، أو مطر ، أن يضع سلاحه ، ولكن مع أخذ الحذر فقال : (وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً). ومن العذاب المهين ، ما أمر الله به حزبه المؤمنين ، وأنصار دينه الموحدين ، من قتلهم وقتالهم ، حيثما ثقفوهم ، ويأخذوهم ، ويحصروهم ، ويقعدوا لهم كل مرصد ، ويحذروهم في جميع الأحوال ، ولا يغفلوا عنهم ، خشية أن ينال الكفار بعض مطلوبهم فيهم. فلله أعظم حمد وثناء ، على ما منّ به على المؤمنين ، وأيدهم بمعونته وتعاليمه ، التي لو سلكوها على وجه الكمال ، لم تهزم لهم راية ، ولم يظهر عليهم عدو ، في وقت من الأوقات. وقوله : (فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ) يدل على أن هذه الطائفة تكمل جميع صلاتها قبل ذهابهم إلى موضع الحارسين. وأن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يثبت منتظرا للطائفة الأخرى قبل السلام ، لأنه أولا ، ذكر أن الطائفة تقوم معه ، فأخبر عن مصاحبتهم له. ثم أضاف الفعل بعد إليهم دون الرسول ، فدل ذلك على ما ذكرناه. وفي قوله : (وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ) دليل على أن الطائفة الأولى قد صلوا. وأن جميع صلاة الطائفة الثانية تكون مع الإمام حقيقة ، في ركعتهم الأولى ، وحكما في ركعتهم الأخيرة. فيستلزم ذلك ، انتظار الإمام إياهم ، حتى يكملوا صلاتهم. ثم يسلم بهم ، وهذا ظاهر للمتأمل.

[١٠٣] أي : فإذا فرغتم من صلاتكم ، صلاة الخوف وغيرها ، فاذكروا الله في جميع أحوالكم وهيئاتكم. ولكن خصت صلاة الخوف بذلك لفوائد. منها : أن القلب صلاحه وفلاحه ، وسعادته ، بالإنابة إلى الله تعالى ، في المحبة ، وامتلاء القلب من ذكره ، والثناء عليه. وأعظم ما يحصل به هذا المقصود ، الصلاة ، التي حقيقتها : أنها صلة بين العبد وبين ربه. ومنها : أن فيها من حقائق الإيمان ، ومعارف الإيقان ، ما أوجب أن يفرضها الله على عباده كل يوم وليلة. ومن المعلوم أن صلاة الخوف ، لا تحصل فيها هذه المقاصد الحميدة بسبب اشتغال القلب ، والبدن ، والخوف ، فأمر بجبرها بالذكر بعدها. ومنها : أن الخوف ، يوجب قلق القلب وخوفه ، وهو مظنة لضعفه. وإذا ضعف القلب ، ضعف البدن عن مقاومة العدو. والذكر لله والإكثار منه من أعظم مقويات القلب. ومنها : أن الذكر لله تعالى ـ مع الصبر والثبات ـ سبب للفلاح والظفر بالأعداء. كما قال تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ). فأمر بالإكثار منه في هذه الحال ، إلى غير ذلك من الحكم. وقوله : (فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) أي : إذا أمنتم من الخوف ، واطمأنت قلوبكم وأبدانكم ، فأقيموا صلاتكم على الوجه الأكمل ، ظاهرا وباطنا ، بأركانها وشروطها ، وخشوعها ، وسائر مكملاتها. (إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً) أي : مفروضا في وقته. فدل ذلك على فرضيتها ، وأن لها وقتا ، لا تصح إلا به ، وهو هذه الأوقات ، التي قد تقررت عند المسلمين ، صغيرهم ، وكبيرهم ، عالمهم وجاهلهم ، وأخذوا ذلك عن نبيهم محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم بقوله : «صلّوا كما رأيتموني أصلي». ودل قوله : (عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) على أن الصلاة ميزان الإيمان ، وعلى حسب إيمان العبد ، تكون صلاته ، وتتم وتكمل. ويدل ذلك ، على أن الكفار ـ وإن كانوا ملتزمين لأحكام المسلمين كأهل الذمة ـ أنهم لا يخاطبون بفروع الدين كالصلاة ، ولا يؤمرون بها ، بل ولا تصح منهم ، ما داموا على كفرهم ، وإن كانوا يعاقبون عليها ، وعلى سائر الأحكام ، في الآخرة.

[١٠٤] أي : لا تضعفوا ولا تكسلوا ، في ابتغاء عدوكم من الكفار ، أي : في جهادهم ، والمرابطة على ذلك فإن

٢١١

وهن القلب ، مستدع لوهن البدن ، وذلك يضعف عن مقاومة الأعداء. بل كونوا أقوياء ، نشيطين في قتالهم. ثم ذكر ما يقوي قلوب المؤمنين ، فذكر شيئين : الأول : أن ما يصيبكم من الألم ، والتعب ، والجراح ونحو ذلك ، فإنه يصيب أعداءكم. فليس من المروءة الإنسانية ، والشهامة الإسلامية أن تكونوا أضعف منهم ، وأنتم وهم قد تساويتم فيما يوجب ذلك. لأن العادة الجارية ، أن لا يضعف ، إلا من توالت عليه الآلام وانتصر عليه الأعداء على الدوام. لا من يدال له مرة ، ويدال عليه أخرى. الأمر الثاني : أنكم ترجون من الله ما لا يرجون. فترجون الفوز بثوابه ، والنجاة من عقابه. بل خواص المؤمنين ، لهم مقاصد عالية ، وآمال رفيعة ، من نصر دين الله ، وإقامة شرعه ، واتساع دائرة الإسلام ، وهداية الضالين ، وقمع أعداء الدين. فهذه الأمور ، توجب للمؤمن المصدق ، زيادة القوة ، وتضاعف النشاط ، والشجاعة التامة ؛ لأن من يقاتل ويصبر على نيل عزه الدنيوي ، إن ناله ، ليس كمن يقاتل لنيل السعادة الدنيوية والأخروية ، والفوز برضوان الله وجنته. فسبحان من فاوت بين العباد ، وفرّق بينهم بعلمه وحكمته. ولهذا قال : (وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً) كامل العلم ، كامل الحكمة.

[١٠٥] يخبر تعالى ، أنه أنزل على عبده ورسوله الكتاب بالحق ، أي : محفوظ في إنزاله من الشياطين ، أن يتطرق إليه منهم باطل. بل نزل بالحق ، ومشتملا أيضا على الحق. فأخباره صدق ، وأوامره ونواهيه عدل (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً). وأخبر أنه أنزله ليحكم بين الناس. وفي الآية الأخرى : (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ). فيحتمل أن هذه الآية ، في الحكم بين الناس ، في مسائل النزاع والاختلاف. وتلك في تبيين جميع الدين ، وأصوله ، وفروعه. ويحتمل أن الآيتين كلتيهما ، معناهما واحد. فيكون الحكم بين الناس هنا يشمل الحكم بينهم في الدماء والأعراض والأموال وسائر الحقوق وفي العقائد ، وفي جميع مسائل الأحكام. وقوله : (بِما أَراكَ اللهُ) أي : لا بهواك ، بل بما علمك الله وألهمك. كقوله تعالى : (وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى) (٤). وفي هذا دليل على عصمته صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فيما يبلغ عن الله من جميع الأحكام وغيرها. وأنه يشترط في الحكم ، العلم والعدل لقوله :

(بِما أَراكَ اللهُ) ولم يقل : بما رأيت. ورتب أيضا ، الحكم بين الناس على معرفة الكتاب. ولما أمر الله بالحكم بين الناس المتضمن للعدل والقسط ، نهاه عن الجور والظلم ، الذي هو ضد العدل فقال : (وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً) أي : لا تخاصم عن من عرفت خيانته ، من مدع ما ليس له ، أو منكر حقا عليه ، سواء علم ذلك ، أو ظنه. ففي هذا دليل على تحريم الخصومة في باطل ، والنيابة عن المبطل ، في الخصومات الدينية ، والحقوق الدنيوية.

[١٠٦] ويدل مفهوم الآية على جواز الدخول في نيابة الخصومة لمن لم يعرف منه ظلم. (وَاسْتَغْفِرِ اللهَ) مما صدر منك ، إن صدر. (إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً) أي : يغفر الذنب العظيم ، لمن استغفره ، وتاب إليه وأناب ، ويوفقه للعمل الصالح بعد ذلك ، الموجب لثوابه ، وزوال عقابه.

[١٠٧] (وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ). «الاختيان» و «الخيانة» بمعنى الجناية ، والظلم ، والإثم ،

٢١٢

وهذا يشمل النهي عن المجادلة ، عن من أذنب وتوجه عليه عقوبة ، من حد أو تعزير ، فإنه لا يجادل عنه ، بدفع ما صدر منه من الخيانة ، أو بدفع ما ترتب على ذلك من العقوبة الشرعية. (إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً) أي : كثير الخيانة والإثم. وإذا انتفى الحب ، ثبت ضده ، وهو البغض ، وهذا كالتعليل ، للنهي المتقدم.

[١٠٨] ثم ذكر عن هؤلاء الخائنين أنهم (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ). وهذا من ضعف الإيمان ، ونقصان اليقين ، أن تكون مخافة الخلق عندهم ، أعظم من مخافة الله فيحرصون بالطرق المباحة والمحرمة ، على عدم الفضيحة عند الناس ، وهم ـ مع ذلك ـ قد بارزوا الله بالعظائم ، ولم يبالوا بنظره واطلاعه عليهم. وهو معهم بالعلم ، في جميع أحوالهم ، خصوصا في حال تبييتهم ما لا يرضيه من القول ، من تبرئة الجاني ، ورمي البريء بالجناية ، والسعي في ذلك للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ليفعل ما بيتوه. فقد جمعوا بين عدة جنايات ، ولم يراقبوا رب الأرض والسموات ، المطلع على سرائرهم وضمائرهم ، ولهذا توعدهم تعالى بقوله : (وَكانَ اللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً) أي : قد أحاط بذلك علما. ومع هذا ، لم يعاجلهم بالعقوبة بل استأنى بهم ، وعرض عليهم التوبة وحذرهم من الإصرار على ذنبهم ، الموجب للعقوبة البليغة.

[١٠٩] (ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً) (١٠٩) أي : هبكم جادلتم عنهم في هذه الحياة الدنيا ، ودفع عنهم جدالكم بعض ما يحذرون من العار والفضيحة ، عند الخلق. فما ذا يغني عنهم وينفعهم؟ ومن يجادل الله عنهم يوم القيامة حين تتوجه عليهم الحجة ، وتشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون؟ (يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ) (٢٥). فمن يجادل عنهم ، من يعلم السر وأخفى ، ومن أقام عليهم من الشهود ما لا يمكن معه الإنكار؟ وفي هذه الآية ، الإرشاد إلى المقابلة ، بين ما يتوهم من مصالح الدنيا المترتبة على ترك أوامر الله ، أو فعل مناهيه. وبين ما يفوت من ثواب الآخرة ، أو يحصل من عقوباتها. فيقول من أمرته نفسه بترك أمر الله ها أنت تركت أمره كسلا وتفريطا ، فما النفع الذي انتفعت به؟ وماذا فاتك من ثواب الآخرة؟ وماذا ترتب على هذا الترك من الشقاء والحرمان والخيبة والخسران؟ وكذلك إذا دعته نفسه إلى ما تشتهيه من الشهوات المحرمة ، قال لها : هبك فعلت ما اشتهيت ، فإن لذته تنقضي ، ويعقبها من الهموم ، والغموم ، والحسرات ، وفوات الثواب ، وحصول العقاب ـ ما بعضه يكفي العاقل في الإحجام عنها. وهذا من أعظم ما ينفع العبد تدبره ، وهو خاصة ، العقل الحقيقي. بخلاف من يدعي العقل ، وليس كذلك. فإنه ـ بجهله وظلمه ـ يؤثر اللذة الحاضرة ، والراحة الراهنة ، ولو ترتب عليها ما ترتب. والله المستعان.

[١١٠] ثم قال تعالى : (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَحِيماً) أي : من تجرأ على المعاصي ، واقتحم على الإثم ، ثم استغفر الله استغفارا تاما ، يستلزم الإقرار بالذنب ، والندم عليه ، والإقلاع ، والعزم على أن لا يعود. فهذا قد وعده من لا يخلف الميعاد ، بالمغفرة والرحمة. فيغفر له ما صدر منه من الذنب ، ويزيل عنه ما ترتب عليه من النقص والعيب ، ويعيد إليه ما تقدم من الأعمال الصالحة ، ويوفقه فيما يستقبله من عمره ، ولا يجعل ذنبه حائلا عن توفيقه ، لأنه قد غفره ، وإذا غفره ، غفر ما يترتب عليه. واعلم أن عمل السوء عند الإطلاق ، يشمل سائر المعاصي ، الصغيرة والكبيرة. وسمي «سوءا» لكونه يسوء عامله بعقوبته ، ولكونه ـ في نفسه ـ سيئا ، غير حسن. وكذلك ظلم النفس عند الإطلاق ، يشمل ظلمها بالشرك ، فما دونه. ولكن عند اقتران أحدهما بالآخر ، قد يفسر كل واحد منهما ، بما يناسبه. فيفسر عمل السوء هنا ، بالظلم الذي يسوء الناس ، وهو ظلمهم ، في دمائهم ، وأموالهم وأعراضهم. ويفسر ظلم النفس ، بالظلم والمعاصي ، التي بين الله وبين عبده. وسمي ظلم النفس «ظلما» لأن نفس العبد ، ليست ملكا له ، يتصرف فيها بما يشاء. وإنما هي ، ملك لله تعالى ، قد جعلها أمانة عند العبد ، وأمره أن يقيمها على طريق العدل ، بإلزامها الصراط المستقيم ، علما وعملا ، فيسعى في تعليمها ما أمر به ، ويسعى

٢١٣

في العمل بما يجب. فسعيه في غير هذا الطريق ، ظلم لنفسه ، وخيانة ، وعدول بها عن العدل ، الذي ضده ، الجور والظلم.

[١١١] ثم قال : (وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ) وهذا يشمل ، كل ما يؤثم ، من صغير وكبير. فمن كسب سيئة ، فإن عقوبتها الدنيوية والأخروية ، على نفسه ، لا تتعداها إلى غيرها ، كما قال تعالى : (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى). لكن إذا ظهرت السيئات ، فلم تنكر ، عمت عقوبتها ، وشمل إثمها. فلا تخرج أيضا ، عن حكم هذه الآية الكريمة ، لأن من ترك الإنكار الواجب ، فقد كسب سيئة. وفي هذا بيان عدل الله وحكمته ، أنه لا يعاقب أحدا بذنب أحد ، ولا يعاقب أحدا أكثر من العقوبة الناشئة عن ذنبه ، ولهذا قال : (وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً) أي : له العلم الكامل ، والحكمة التامة. ومن علمه وحكمته ، أنه يعلم الذنب ، ومن صدر منه ، والسبب الداعي لفعله ، والعقوبة المترتبة على فعله. ويعلم حالة المذنب ، أنه إن صدر منه الذنب ، بغلبة دواعي نفسه الأمّارة بالسوء ، مع إنابته إلى ربه ، في كثير من أوقاته ، أنه سيغفر له ، ويوفقه للتوبة. وإن صدر بتجرئه على المحارم ، استخفافا بنظر ربه ، وتهاونا بعقابه ، فإن هذا بعيد من المغفرة ، بعيد من التوفيق للتوبة.

[١١٢] ثم قال : (وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً) أي : ذنبا كبيرا (أَوْ إِثْماً) ما دون ذلك. (ثُمَّ يَرْمِ بِهِ) أي : يتهم بذنبه (بَرِيئاً) من ذلك الذنب ، وإن كان مذنبا (فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً) أي : فقد حمل فوق ظهره ، بهتا للبريء وإثما ظاهرا بينا. وهذا يدل على أن ذلك من كبائر الذنوب وموبقاتها. فإنه قد جمع عدة مفاسد : كسب الخطيئة ، والإثم. ثم رمى من لم يفعلها بفعلها. ثم الكذب الشنيع ، بتبرئة نفسه ، واتهام البريء. ثم ما يترتب على ذلك ، من العقوبة الدنيوية ، تندفع عمن وجبت عليه ، وتقام على من لا يستحقها. ثم ما يترتب على ذلك أيضا ، من كلام الناس في البريء ، إلى غير ذلك من المفاسد ، التي نسأل الله العافية منها ، ومن كل شر.

[١١٣] ثم ذكر منته على رسوله بحفظه وعصمته ممن أراد أن يضله فقال : (وَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ). وذلك أن هذه الآيات الكريمات ، قد ذكر المفسرون ، أن سبب نزولها ، أن أهل بيت ، سرقوا في المدينة. فلما اطلع على سرقتهم ، خافوا الفضيحة ، وأخذوا سرقتهم ، فرموها ببيت من هو بريء من ذلك. واستعان السارق بقومه ، أن يأتوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ويطلبوا منه أن يبرىء صاحبهم ، على رؤوس الناس. وقالوا : إنه لم يسرق ، وإنما الذي سرق ، من وجدت السرقة ببيته ، وهو البريء. فهمّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، أن يبرىء صاحبهم. فأنزل الله هذه الآيات تذكيرا ، وتبيينا لتلك الواقعة ، وتحذيرا للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، من المخاصمة عن الخائنين ، فإن المخاصمة عن المبطل ، من الضلال. فإن الضلال نوعان : ضلال في العلم ، وهو الجهل بالحق ، وضلال في العمل ، وهو : العمل بغير ما يجب. فحفظ الله رسوله ، عن هذا النوع من الضلال ، كما حفظه عن الضلال في الأعمال. وأخبر أن كيدهم ومكرهم ، يعود على أنفسهم ، كحالة كل ماكر ، فقال : (وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ) لكون ذلك المكر ، وذلك التحيل ، لم يحصل لهم فيه مقصودهم ، ولم يحصل لهم إلا الخيبة والحرمان ، والإثم

٢١٤

والخسران. وهذه نعمة كبيرة ، على رسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، تتضمن النعمة بالعمل ، وهو : التوفيق لفعل ما يحب ، والعصمة له عن كل محرم. ثم ذكر نعمته عليه بالعلم فقال : (وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ) أي : أنزل عليك هذا القرآن العظيم ، والذكر الحكيم ، الذي فيه تبيان كل شيء ، وعلم الأولين والآخرين. والحكمة : إما السنّة ، التي قد قال فيها بعض السلف : إن السنّة تنزل عليه ، كما ينزل القرآن. وإما معرفة أسرار الشريعة الزائدة ، على معرفة أحكامها ، وتنزيل الأشياء منازلها ، وترتيب كل شيء بحسبه. (وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ) وهذا يشمل جميع ما علمه الله تعالى. فإنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، كما وصفه الله قبل النبوة بقوله : (ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ) ، (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى) (٧). ثم لم يزل يوحي الله إليه ، ويعلمه ، ويكمله ، حتى ارتقى مقاما من العلم ، يتعذر وصوله على الأولين والآخرين. فكان أعلم الخلق على الإطلاق ، وأجمعهم لصفات الكمال ، وأكملهم فيها. ولهذا قال : (وَكانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً) ففضله على الرسول محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، أعظم من فضله على كل الخلق. وأجناس الفضل التي قد فضله الله به ، لا يمكن استقصاؤها ولا يتيسر إحصاؤها.

[١١٤] أي : لا خير في كثير مما يتناجى به الناس ويتخاطبون. وإذا لم يكن فيه خير ، فإما لا فائدة فيه ، كفضول الكلام المباح ، وإما شر ومضرة محضة ، كالكلام المحرم بجميع أنواعه. ثم استثنى تعالى فقال : (إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ) من مال ، أو علم ، أو أي نفع كان. بل لعله ، يدخل فيه العبادات القاصرة ، كالتسبيح ، والتحميد ، ونحوه. كما قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إن بكل تسبيحة صدقة ، وكل تكبيرة صدقة ، وكل تهليلة صدقة ، وأمر بالمعروف صدقة ، ونهي عن المنكر صدقة ، وفي بضع أحدكم صدقة» الحديث. (أَوْ مَعْرُوفٍ) وهو الإحسان والطاعة ، وكل ما عرف في الشرع والعقل حسنه. وإذا أطلق الأمر بالمعروف ، من غير أن يقرن بالنهي عن المنكر ، دخل فيه النهي عن المنكر. وذلك لأن ترك المنهيات من المعروف. وأيضا لا يتم فعل الخير ، إلا بترك الشر. وأما عند الاقتران ، فيفسر المعروف ، بفعل المأمور ، والمنكر ، بترك المنهي. (أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ) والإصلاح ، لا يكون إلا بين متنازعين متخاصمين. والنزاع ، والخصام ، والتغاضب ، يوجب من الشر والفرقة ، ما لا يمكن حصره. فلذلك حث الشارع على الإصلاح بين الناس ، في الدماء والأموال والأعراض. بل وفي الأديان ، كما قال تعالى : (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا). وقال تعالى : (وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ) الآية. وقال تعالى : (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ). والساعي في الإصلاح بين الناس ، أفضل من القانت بالصلاة ، والصيام ، والصدقة. والمصلح لا بد أن يصلح الله سعيه وعمله. كما أن الساعي في الإفساد ، لا يصلح الله عمله ، ولا يتم له مقصوده كما قال تعالى : (إِنَّ اللهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ). فهذه الأشياء ، حيثما فعلت ، فهي خير ، كما دل على ذلك الاستثناء. ولكن كمال الأجر وتمامه ، بحسب النية والإخلاص ، ولهذا قال : (وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً). فلهذا ينبغي للعبد ، أن يقصد وجه الله تعالى ، ويخلص العمل لله ، في كل وقت ، وفي كل جزء من أجزاء الخير ، ليحصل له بذلك ، الأجر العظيم ، وليتعود الإخلاص ، فيكون من المخلصين ، وليتم له الأجر ، سواء تم مقصوده أم لا ، لأن النية حصلت ، واقترن بها ، ما يمكن من العمل.

[١١٥] أي : ومن يخالف الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ويعانده فيما جاء به (مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى) بالدلائل القرآنية ، والبراهين النبوية. (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) وسبيلهم هو : طريقهم في عقائدهم وأعمالهم. (نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى) أي : نتركه وما اختاره لنفسه ، ونخذله ، فلا نوفقه للخير ، لكونه رأى الحق وعلمه وتركه. فجزاؤه من الله عدلا ، أن يبقيه في ضلاله حائرا ، ويزداد ضلالا إلى ضلاله. كما قال تعالى : (فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ) ، وقال تعالى : (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ). ويدل مفهومها ، على أن من لم يشاقق الرسول ، ويتبع سبيل المؤمنين ، بأن كان قصده وجه الله ، واتباع رسوله ، ولزوم جماعة المسلمين ، ثم صدر منه ، من الذنوب أو الهم بها ، ما هو من

٢١٥

مقتضيات النفوس ، وغلبات الطباع ، فإن الله لا يوليه نفسه وشيطانه ، بل يتداركه بلطفه ، ويمن عليه ، بحفظه ، ويعصمه من السوء كما قال تعالى عن يوسف عليه‌السلام : (كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ) أي : بسبب إخلاصه ، صرفنا عنه السوء ، وكذلك كل مخلص ، كما يدل عليه ، عموم التعليل. وقوله : (وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ) أي : نعذبه فيها عذابا عظيما. (وَساءَتْ مَصِيراً) أي : مرجعا له ومآلا. وهذا الوعيد ، المترتب على الشقاق ، ومخالفة المؤمنين ، مراتب ، لا يحصيها إلا الله ، بحسب حالة الذنب ، صغرا وكبرا. وفمنه ما يخلد في النار ، ويوجب جميع الخذلان. ومنه ما هو دون ذلك ، فلعل الآية الثانية ، كالتفصيل لهذا المطلق.

[١١٦] وهو : أن الشرك ، لا يغفره الله تعالى ، لتضمنه القدح في رب العالمين ، ووحدانيته ، وتسوية المخلوق ، الذي لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ، بمن هو مالك النفع والضر ، الذي ما من نعمة إلا منه ، ولا يدفع النقم إلا هو ، الذي له الكمال المطلق من جميع الوجوه ، والغنى التام بجميع وجوه الاعتبارات. فمن أعظم الظلم ، وأبعد الضلال ، عدم إخلاص العبادة لمن هذا شأنه وعظمته ، وصرف شيء منها للمخلوق ، الذي ليس له من صفات الكمال شيء ، ولا له من صفات الغنى شيء ، بل ليس له إلا العدم. عدم الوجود ، وعدم الكمال ، وعدم الغنى من جميع الوجوه. وأما ما دون الشرك من الذنوب والمعاصي ، فهو تحت المشيئة. إن شاء الله غفره برحمته وحكمته. وإن شاء عذب عليه ، وعاقب بعدله وحكمته. وقد استدل بهذه الآية الكريمة ، على أن إجماع هذه الأمة ، حجة ، وأنها معصومة من الخطأ. ووجه ذلك : أن الله توعد من خالف سبيل المؤمنين ، بالخذلان والنار. وسبيل المؤمنين مفرد مضاف ، يشمل سائر ما المؤمنون عليه ، من العقائد والأعمال. فإذا اتفقوا على إيجاب شيء ، أو استحبابه ، أو تحريمه ، أو كراهته ، أو إباحته ـ فهذا سبيلهم. فمن خالفهم في شيء من ذلك ، بعد انعقاد إجماعهم عليه ، فقد اتبع غير سبيلهم. ويدل على ذلك قوله تعالى : (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ). ووجه الدلالة منها ، أن الله تعالى ، أخبر أن المؤمنين من هذه الأمة ، لا يأمرون إلا بالمعروف. فإذا اتفقوا على إيجاب شيء ، أو استحبابه ، فهو مما أمروا به. فيتعين ـ بنص الآية ـ أن يكون معروفا ، ولا شيء بعد المعروف ، غير المنكر. وكذلك إذا اتفقوا على النهي عن شيء ، فهو مما نهوا عنه ، فلا يكون إلا منكرا. ومثل ذلك ، قوله : (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ). فأخبر تعالى ، أن هذه الأمة ، جعلها الله وسطا أي : عدلا خيارا ، ليكونوا شهداء على الناس ، أي : في كل شيء. فإذا شهدوا على حكم ، بأن الله أمر به ، أو نهى عنه ، أو أباحه ، فإن شهادتهم معصومة ، لكونهم عالمين بما شهدوا به عادلين في شهادتهم. فلو كان الأمر بخلاف ذلك ، لم يكونوا عادلين في شهادتهم ، ولا عالمين بها. ومثل ذلك قوله تعالى : (فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ). يفهم منها ، أن ما لم يتنازعوا فيه ، بل اتفقوا عليه ، أنهم غير مأمورين برده إلى الكتاب والسنّة. وذلك لا يكون إلا موافقا للكتاب والسنّة ، فلا يكون مخالفا.

[١١٧] فهذه الأدلة ونحوها ، تفيد القطع ، أن إجماع هذه الأمة حجة قاطعة ، ولهذا بيّن الله قبح ضلال المشركين بقوله : (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ) إلى (مَحِيصاً). أي : ما يدعو هؤلاء المشركون من دون الله إلا إناثا ، أي : أوثانا وأصناما ، مسميات بأسماء الإناث ، ك «العزى» و «مناة» ونحوهما. ومن المعلوم ، أن الاسم دال على المسمى. فإذا كانت أسماؤها ، أسماء مؤنثة ناقصة ، دل ذلك ، على نقص المسميات بتلك الأسماء ، وفقدها لصفات الكمال. كما أخبر الله تعالى ، في غير موضع من كتابه ، أنها لا تخلق ، ولا ترزق ، ولا تدفع عن عابديها ، بل ولا عن نفسها ؛ نفعا ولا ضرا ، ولا تنصر أنفسها ممن يريدها بسوء ، وليس لها أسماع ، ولا أبصار ، ولا أفئدة. فكيف يعبد ، من هذا وصفه ، ويترك الإخلاص لمن له الأسماء الحسنى ، والصفات العليا والحمد والكمال ، والمجد ، والجلال ، والعز ، والجمال ، والرحمة ، والبر ، والإحسان ، والانفراد بالخلق والتدبير ، والحكمة العظيمة في الأمر والتقدير؟ هل هذا إلا

٢١٦

من أقبح القبيح ، الدال على نقص صاحبه ، وبلوغه من الخسة والدناءة ، أدنى ما يتصوره متصور ، أو يصفه واصف؟ ومع هذا فعبادتهم ، إنما صورتها فقط ، لهذه الأوثان الناقصة. وبالحقيقة ، ما عبدوا غير الشيطان ، الذي هو عدوهم ، الذي يريد إهلاكهم ، ويسعى في ذلك بكل ما يقدر عليه ، الذي هو في غاية البعد من الله ، لعنه الله وأبعده عن رحمته. فكما أبعده الله من رحمته ، يسعى في إبعاد العباد عن رحمة الله. (إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ).

[١١٨] ولهذا أخبر الله عن سعيه ، في إغواء العباد ، وتزيين الشر لهم والفساد ، وأنه قال لربه مقسما : (لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً) أي : مقدورا. علم اللعين ، أنه لا يقدر على إغواء جميع عباد الله ، وأن عباد الله المخلصين ، ليس له عليهم سلطان. وإنما سلطانه ، على من تولاه ، وآثر طاعته على طاعة مولاه. وأقسم في موضع آخر ليغوينهم فقال : (لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) (٤٠). فهذا الذي ظنه الخبيث وجزم به ، أخبر الله تعالى بوقوعه بقوله : (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (٢٠).

[١١٩] وهذا النصيب المفروض ، الذي أقسم ليتخذنه منهم ، ذكر ما يريده بهم ، وما يقصده لهم بقوله : (وَلَأُضِلَّنَّهُمْ) أي : عن الصراط المستقيم ، ضلالا في العلم ، وضلالا في العمل. (وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ) أي : مع الإضلال ، لأمنينهم أن ينالوا ، ما ناله المهتدون. وهذا هو الغرور بعينه. فلم يقتصر على مجرد إضلالهم حتى زين لهم ، ما هم فيه من الضلال. وهذا زيادة شر إلى شرهم ، حيث عملوا أعمال أهل النار ، الموجبة للعقوبة ، وحسبوا أنها موجبة للجنة. واعتبر ذلك باليهود والنصارى ونحوهم ، فإنهم كما حكى الله عنهم. (وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ) ، (كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ) ، (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً) (١٠٤) الآيات. وقال تعالى عن المنافقين إنهم يقولون يوم القيامة للمؤمنين : (أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللهِ وَغَرَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ). وقوله : (وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ) أي : بتقطيع آذانها ، وذلك كالبحيرة ، والسائبة والوصيلة ، والحام ، فنبه ببعض ذلك على جميعه. وهذا نوع من الإضلال ، يقتضي تحريم ما أحل الله ، أو تحليل ما حرّم الله. ويلتحق بذلك ، من الاعتقادات الفاسدة ، والأحكام الجائرة ، ما هو من أكبر الإضلال. (وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ) وهذا يتناول الخلقة الظاهرة ، بالوشم ، والوشر ، والنمص ، والتفليج للحسن ، ونحو ذلك ، مما أغواهم به الشيطان فغيروا خلقة الرحمن. وذلك يتضمن التسخط من خلقته ، والقدح في حكمته ، واعتقاد أن ما يصنعونه بأيديهم ، أحسن من خلقة الرحمن ، وعدم الرضا بتقديره وتدبيره. ويتناول أيضا تغيير الخلقة الباطنة. فإن الله تعالى خلق عباده حنفا مفطورين على قبول الحق ، وإيثاره. فجاءتهم الشياطين ، فاجتالتهم عن هذا الخلق الجميل ، وزينت لهم الشر والشرك والكفر ، والفسوق ، والعصيان. فإن كل مولود يولد على الفطرة ، ولكن أبواه ، يهودانه ، أو ينصرانه ، أو يمجسانه ، ونحو ذلك ، مما يغيرون به ، ما فطر الله عليه العباد ، من توحيده ، وحبه ومعرفته. فافترستهم الشياطين في هذا

٢١٧

الموضع ، افتراس السبع ، والذئاب للغنم المنفردة.

ولو لا لطف الله وكرمه بعباده المخلصين ، لجرى عليهم ، ما جرى على هؤلاء المفتونين ، فخسروا الدنيا والآخرة ، ورجعوا بالخيبة والصفقة الخاسرة. وهذا الذي جرى عليهم ، من توليهم عن ربهم وفاطرهم ، وتوليهم لعدوهم المريد لهم الشر ، من كل وجه. ولهذا قال : (وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً). وأي خسار أبين وأعظم ، ممن خسر دينه ودنياه ، وأوبقته معاصيه وخطاياه؟ فحصل له الشقاء الأبدي ، وفاته النعيم السرمدي. كما أن من تولى مولاه ، وآثر رضاه ، ربح كل الربح ، وأفلح كل الفلاح ، وفاز بسعادة الدارين ، وأصبح قرير العين. اللهم ، فلا مانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت. اللهم تولنا فيمن توليت ، وعافنا فيمن عافيت.

[١٢٠] ثم قال : (يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ) أي : يعد الشيطان من يسعى في إضلالهم. والوعد يشمل حتى الوعيد كما قال تعالى : (الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ). فإنه يعدهم ـ إذا أنفقوا في سبيل الله افتقروا. ويخوفهم إذا جاهدوا ، بالقتل وغيره كما قال تعالى : (إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ) الآية. ويخوفهم عند إيثار مرضاة الله ، بكل ما يمكن ، وما لا يمكن ، مما يدخله في عقولهم ، حتى يكسلوا عن فعل الخير. وكذلك يمنيهم الأماني الباطلة ، التي هي ـ عند التحقيق ـ كالسراب الذي لا حقيقة له. ولهذا قال : (وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ) أي : من انقاد للشيطان ، وأعرض عن ربه ، وصار من أتباع إبليس وحزبه ، مستقرهم النار. (وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً) أي : مخلصا ولا ملجأ ، بل هم خالدون فيها أبد الآباد.

[١٢٢] ولما بين مآل الأشقياء ، أولياء الشيطان ، ذكر مآل السعداء أوليائه فقال : (وَالَّذِينَ آمَنُوا) الآية. أي : آمنوا بالله وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر ، والقدر ، خيره وشره ، على الوجه الذي أمروا به ، علما ، وتصديقا ، وإقرارا. (وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) الناشئة عن الإيمان. وهذا يشمل سائر المأمورات ، من واجب ، ومستحب ، الذي على القلب ، والذي على اللسان ، والذي على بقية الجوارح. كل له ، من الثواب المرتب على ذلك ، بحسب حاله ومقامه ، وتكميله للإيمان والعمل الصالح. ويقويه ، ما رتب على ذلك ، بحسب ما أخل به من الإيمان والعمل. وذلك بحسب ما علم من حكمة الله ورحمته. وكذلك وعده الصادق ، الذي يعرف من تتبع كتاب الله وسنّة رسوله. ولهذا ذكر الثواب المرتب على ذلك بقوله : (سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، من أنواع المآكل ، والمشارب اللذيذة ، والمناظر العجيبة ، والأزواج الحسنة ، والقصور ، والغرف المزخرفة ، والأشجار المتدلية ، والفواكه المستغربة والأصوات الشجية ، والنعم السابغة ، وتزاور الإخوان ، وتذكرهم ما كان منهم ، في رياض الجنات. وأعلى من ذلك وأجل رضوان الله عليهم ، وتمتع الأرواح بقربه ، والعيون برؤيته ، والأسماع بخطابه ، الذي ينسيهم كل نعيم وسرور. ولو لا الثبات من الله لهم ، لطاروا ، وماتوا من الفرح والحبور. فلله ما أحلى ذلك النعيم ، وما أعلى ما أتاهم الرب الكريم ، وما حصل لهم ، من كل خير وبهجة ، لا يصفه الواصفون. وتمام ذلك وكماله ، الخلود الدائم ، في تلك المنازل العاليات ، ولهذا قال : (خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً). فصدق الله العظيم ، الذي بلغ قوله وحديثه في الصدق ، أعلى ما يكون. ولهذا لما كان كلامه صدقا ، وخبره صدقا ـ كان ما يدل عليه ، مطابقة ، وتضمنا ، وملازمة ، كل ذلك مراد من كلامه. وكذلك كلام رسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، لكونه لا يخبر إلا بأمره ولا ينطق إلا عن وحيه.

[١٢٣] أي : (لَيْسَ) الأمر والنجاة والتزكية (بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ). والأماني : أحاديث النفس المجردة عن العمل ، المقترن بها ، دعوى مجردة ، لو عورضت بمثلها ، لكانت من جنسها. وهذا عام في كل أمر. فكيف بأمر الإيمان ، والسعادة الأبدية؟ فإن أماني أهل الكتاب ، قد أخبر الله بها ، أنهم قالوا : (لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ

٢١٨

كانَ هُوداً أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ) وغيرهم ممن ليس ينتسب لكتاب ، ولا رسول ، من باب أولى وأحرى. وكذلك أدخل الله في ذلك من ينتسب إلى الإسلام ، لكمال العدل والإنصاف. فإن مجرد الانتساب إلى أي دين كان ، لا يفيد شيئا ، إن لم يأت الإنسان ببرهان ، على صحة دعواه. فالأعمال تصدق الدعوى ، أو تكذبها ، ولهذا قال تعالى : (مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ) وهذا شامل لجميع العاملين. لأن السوء شامل ، لأي ذنب كان ، من صغائر الذنوب ، وكبائرها. وشامل أيضا ، لكل جزاء ، قليل ، أو كثير ، دنيوي ، أو أخروي. والناس في هذا المقام درجات ، لا يعلمها إلا الله ، فمستقل ومستكثر. فمن كان عمله كله سوءا ، وذلك لا يكون إلا كافرا. فإذا مات من دون توبة ، جوزي بالخلود في العذاب الأليم. ومن كان عمله صالحا ، وهو مستقيم في غالب أحواله ، وإنما يصدر منه أحيانا بعض الذنوب الصغار ، فما يصيبه من الهم ، والغم ، والأذى ، وبعض الآلام ، في بدنه ، أو قلبه ، أو حبيبه ، أو ماله ، ونحو ذلك ـ فإنها مكفرات للذنوب ، لطفا من الله بعباده. وبين هذين الحالين مراتب كثيرة. وهذا الجزاء ، على عمل السوء العام ، مخصوص في غير التائبين. فإن التائب من الذنب ، كمن لا ذنب له ، كما دلت على ذلك النصوص. وقوله : (وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً) لإزالة بعض ما لعله يتوهم ، أن من استحق المجازاة على عمله ، قد يكون له ولي ، أو ناصر ، أو شافع ، يدفع عنه ما استحقه. فأخبر تعالى ، بانتفاء ذلك ، فليس له ولي ، يحصل له المطلوب ، ولا نصير يدفع عنه المرهوب ، إلا ربه ومليكه.

[١٢٤] (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ) دخل في ذلك ، سائر الأعمال القلبية والبدنية. ودخل أيضا ، كل عامل ، من إنس ، أو جن ، صغير ، أو كبير ، ذكر ، أو أنثى. ولهذا قال : (مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ) وهذا شرط لجميع الأعمال لا تكون صالحة ، ولا تقبل ، ولا يترتب عليها الثواب ، ولا يندفع بها العقاب ، إلا بالإيمان. فالأعمال بدون الإيمان ، كأغصان شجرة ، قطع أصلها ، وكبناء ، بني على موج الماء. فالإيمان ، هو الأصل والأساس ، والقاعدة ، التي يبنى عليها كل شيء. وهذا القيد ، ينبغي التفطن له ، في كل عمل مطلق ، فإنه مقيد به. (فَأُولئِكَ) أي : الّذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح. (يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ) المشتملة على ما تشتهي الأنفس ، وتلذ الأعين. (وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً) أي : لا قليلا ولا كثيرا ، مما عملوه من الخير. بل يجدونه كاملا موفرا ، مضاعفا أضعافا كثيرة.

[١٢٥] أي : لا أحد أحسن من دين من جمع بين الإخلاص للمعبود ، وهو : إسلام الوجه لله ، الدال على استسلام القلب وتوجهه ، وإنابته ، وإخلاصه وتوجه الوجه وسائر الأعضاء لله. (وَهُوَ) مع هذا الإخلاص والاستسلام (مُحْسِنٌ) أي : متبع لشريعة الله ، التي أرسل الله بها رسله ، وأنزل كتبه ، وجعلها طريقا لخواص خلقه وأتباعهم. (وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ) أي : دينه وشرعه (حَنِيفاً) أي : مائلا عن الشرك إلى التوحيد ، وعن التوجه للخلق ، إلى الإقبال على الخالق. (وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً) والخلة أعلى أنواع المحبة. وهذه المرتبة ، حصلت للخليلين ، محمد ، وإبراهيم ، عليهما الصلاة والسّلام. وأما المحبة من الله ، فهي لعموم المؤمنين. وإنما اتخذ الله

٢١٩

إبراهيم خليلا ، لأنه وفّى بما أمر به ، وقام بما ابتلي به. فجعله الله إماما للناس ، واتخذه خليلا ، ونوه بذكره في العالمين.

[١٢٦] وهذه الآية الكريمة ، فيها بيان إحاطة الله تعالى بجميع الأشياء. فأخبر أن له (ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) أي : الجميع ملكه وعبيده. فهم المملوكون ، وهو المالك المتفرد بتدبيرهم. وقد أحاط علمه بجميع المعلومات ، وبصره بجميع المبصرات ، وسمعه بجميع المسموعات ، ونفذت مشيئته وقدرته ، بجميع الموجودات ، ووسعت رحمته أهل الأرض والسموات ، وقهر بعزه وقهره ، كل مخلوق ، ودانت له جميع الأشياء.

[١٢٧] الاستفتاء : طلب السائل من المسئول ، بيان الحكم الشرعي في ذلك المسئول عنه. فأخبر عن المؤمنين ، أنهم يستفتون الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، في حكم النساء المتعلق بهم فتولى الله هذه الفتوى بنفسه فقال : (قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَ) فاعملوا على ما أفتاكم به ، في جميع شؤون النساء ، من القيام بحقوقهن ، وترك ظلمهن ، عموما وخصوصا. وهذا أمر عام ، يشمل جميع ما شرع الله ، أمرا ، ونهيا ، في حق النساء ، الزوجات وغيرهن ، الصغار والكبار. ثم خص ـ بعد التعميم ـ الوصية بالضعاف ، من اليتامى ، والولدان ، اهتماما بهم ، وزجرا عن التفريط في حقوقهم فقال : (وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ) أي : ويفتيكم أيضا ، بما يتلى عليكم في الكتاب ، في شأن اليتامى من النساء. (اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَ). وهذا إخبار عن الحالة الموجودة الواقعة في ذلك الوقت. فإن اليتيمة ، إذا كانت تحت ولاية الرجل ، بخسها حقها ، وظلمها ، إما بأكل مالها الذي لها ، أو بعضه ، أو منعها من التزوج ، لينتفع بمالها ، خوفا من استخراجه من يده ، إن زوجها ، أو يأخذ من صهرها ، الذي تتزوج به ، بشرط أو غيره ، هذا إذا كان راغبا عنها. أو يرغب فيها وهي ذات جمال ومال ، ولا يقسط في مهرها ، بل يعطيها دون ما تستحق. فكل هذا ظلم يدخل تحت هذا النص ، ولهذا قال : (وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَ) أي : ترغبون عن نكاحهن ، أو في نكاحهن كما ذكرنا تمثيله. (وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ) أي : ويفتيكم في المستضعفين من الولدان الصغار ، أن تعطوهم حقهم ، من الميراث ، وغيره ، وأن لا تستولوا على أموالهم ، على وجه الظلم والاستبداد. (وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ) أي : بالعدل التام. وهذا يشمل القيام عليهم ، بإلزامهم أمر الله ، وما أوجبه على عباده ، فيكون الأولياء ، مكلفين بذلك ، يلزمونهم بما أوجبه الله. ويشمل القيام عليهم ، في مصالحهم الدنيوية ، بتنمية أموالهم ، وطلب الأحظ لهم فيها ، وأن لا يقربوها إلا بالتي هي أحسن. وكذلك لا يحابون فيهم ، صديقا ولا غيره ، في تزوج وغيره ، على وجه الهضم لحقوقهم. وهذا من رحمته تعالى بعباده ، حيث حث غاية الحث ، على القيام بمصالح من لا يقوم بمصلحة نفسه ، لضعفه ، وفقد أبيه. ثم حث على الإحسان عموما ، فقال : (وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ) لليتامى ولغيرهم ، سواء كان الخير متعديا ، أو لازما. (فَإِنَّ اللهَ كانَ بِهِ عَلِيماً) أي : قد أحاط علمه بعمل العاملين للخير ، قلة وكثرة ، حسنا وضده ، فيجازي كلا بحسب عمله.

[١٢٨] أي : إذا خافت المرأة نشوز زوجها ، أي ترفعه عنها ، وعدم رغبته فيها ، وإعراضه عنها ، فالأحسن في هذه الحالة ، أن يصلحا بينهما صلحا ، بأن تسمح المرأة عن بعض حقوقها التلازمة لزوجها ، على وجه تبقى مع زوجها. إما أن ترضى بأقل من الواجب لها من النفقة ، أو الكسوة ، أو المسكن ، أو القسم ، بأن تسقط حقها منه. أو تهب يومها وليلتها ، لزوجها ، أو لضرتها. فإذا اتفقا على هذه الحالة ، فلا جناح ولا بأس عليهما فيها ، لا عليها ، ولا على الزوج. فيجوز حينئذ لزوجها ، البقاء معها على هذه الحال ، وهي خير من الفرقة. ولهذا قال : (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ). ويؤخذ من عموم هذا اللفظ والمعنى ، أن الصلح بين من بينهما حق أو منازعة في جميع الأشياء ، أنه خير من استقصاء كل منهما على كل حقه ، لما فيه من الإصلاح ، وبقاء الألفة ، والاتصاف بصفة السماح. وهو جائز في جميع الأشياء ، إلا إذا أحل حراما ، أو حرّم حلالا ، فإنه لا يكون صلحا ، وإنما يكون جورا. واعلم أن كل حكم من

٢٢٠