الموسوعة القرآنيّة - ج ٩

ابراهيم الأبياري

الموسوعة القرآنيّة - ج ٩

المؤلف:

ابراهيم الأبياري


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مؤسسة سجل العرب
الطبعة: ٠
الصفحات: ٥٧٤

فقيل لهم : قل لهم يا محمد ، أي لهؤلاء اليهود والنصارى ، الذين زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه ، وادعوا أنهم أولى بالله منكم لقدم كتبهم وآبائهم : أتحاجوننا ، أي تجاذبوننا الحجة على دعواكم ، والرب واحد ، وكل مجازى بعمله ، فأى تأثير لقدم الدين.

ومعنى (فِي اللهِ) أي فى دينه والقرب منه والحظوة عنده.

(وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ) أي مخلصون العبادة ، وفيه معنى التوبيخ ، أي ولم تخلصوا أنتم ، فكيف تدعون ما نحن أولى به منكم.

والإخلاص : تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين.

١٤٠ ـ (أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) :

(أَمْ تَقُولُونَ) أي أتحاجوننا فى الله أم تقولون ان الأنبياء كانوا على دينكم ، وأم ، هنا ، المتصلة.

وقيل : تقولون ، بمعنى : قالوا ، وتكون (أَمْ) هنا المنقطعة.

(هُوداً) خبر (كان).

(قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ) تقرير وتوبيخ فى ادعائهم بأنهم كانوا هودا أو نصارى ، فرد الله عليهم بأنه أعلم بهم منكم ، أي لم يكونوا هودا ولا نصارى.

(وَمَنْ أَظْلَمُ) لفظه الاستفهام ، والمعنى : لا أحد أظلم.

(مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً) يريد علمهم بأن الأنبياء كانوا على الإسلام.

(وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) وعيد واعلام بأنه لم يترك أمرهم سدى ، وأنه يجازيهم على أعمالهم.

١٤١ ـ (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ) :

١٢١

كررها لأنها تضمنت معنى التهديد والتخويف ، أي إذا كان أولئك الأنبياء على إمامتهم وفضلهم يجازون بكسبهم فأنتم أحرى ، فوجب التوكيد ، فلذلك كررها.

١٤٢ ـ (سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) :

(سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ) سيقول ، بمعنى (قال) جعل المستقبل موضع الماضي ، دلالة على استدامة ذلك وأنهم يستمرون على ذلك القول.

والسفهاء ، جمع ، واحده : سفيه ، وهو الخفيف العقل. ويعنى اليهود والنصارى. وقيل : كفار قريش لما أنكروا تحويل القبلة.

(ما وَلَّاهُمْ) أي ما صرفهم.

(عَنْ قِبْلَتِهِمُ) عن اتخاذهم بيت المقدس قبلة يستقبلونها فى صلاتهم ، وانصرافهم الى استقبال الكعبة بمكة.

(قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ) اقامه حجة ، أي له ملك المشارق والمغارب وما بينهما ، فله أن يأمر بالتوجه الى أي جهة شاء.

(يَهْدِي مَنْ يَشاءُ) إشارة الى هداية الله تعالى هذه الأمة الى قبلة إبراهيم.

(إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) الصراط : الطريق. والمستقيم الذي لا اعوجاج له.

١٤٣ ـ (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ) :

١٢٢

(وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً) ، أي وكما أن الكعبة وسط الأرض جعلناكم أمة وسطا ، أي جعلناكم دون الأنبياء وفوق الأمم. والوسط العدل ، وأصل هذا أن أحمد الأشياء أوسطها.

(لِتَكُونُوا) ، نصب بلام (كى) ، أي لأن تكونوا.

(شُهَداءَ) خبر (كان).

(عَلَى النَّاسِ) أي فى المحشر للأنبياء على أممهم.

(وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) أي بأعمالكم يوم القيامة.

وقيل (عَلَيْكُمْ) بمعنى : لكم ، أي يشهد لكم بالايمان.

(وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها) أي القبلة الأولى ، لقوله (كُنْتَ عَلَيْها).

وقيل : الكاف زائدة ، ويكون المراد الثانية ، أي التي أنت الآن عليها.

(إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ) لنعلم : لنرى ، والعرب تضع العلم مكان الرؤية ، والرؤية مكان العلم.

وقيل : المعنى : إلا لتعلموا أنا نعلم.

ويتبع الرسول : أي فيما أمر به من استقبال الكعبة.

(مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ) أي ممن يرتد عن دينه.

(وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً) ان واللام بمعنى (ما) و (الا).

وقيل : هى (ان) الثقيلة خففت.

أي : وان كان القبلة ، أو التحويلة ، لكبيرة.

(إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ) أي خلق الهدى الذي هو الايمان فى قلوبهم.

(وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ) نزلت فيمن مات وهو يصلى الى بيت المقدس.

١٢٣

(إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ) الرأفة أكثر من الرحمة وأشد.

١٤٤ ـ (قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) :

هذه الآية مقدمة فى النزول على قوله تعالى (سَيَقُولُ السُّفَهاءُ).

(قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ) أي تحول وجهك الى السماء. وخص السماء بالذكر إذ هى مختصة بتعظيم ما أضيف إليها. وكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا صلى نحو بيت المقدس رفع رأسه الى السماء ينظر ما يؤمر به ، وكان يحب أن يصلى الى الكعبة.

(تَرْضاها) تحبها.

(فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) الشطر : الناحية. والمسجد الحرام ، يعنى الكعبة.

(وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) يريد اليهود والنصارى.

(لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ) يعنى تحويل القبلة من بيت المقدس.

(وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) اعلام بأن الله تعالى لا يهمل أعمال العباد ولا يغفل عنها.

١٤٥ ـ (وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ) :

(وَلَئِنْ) تطلب الاستقبال ، وأجيبت بجواب (لو) لأن المعنى : ولو أتيت ، وكذا تجاب (لو) بجواب (لَئِنْ).

(وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ) لفظ خبر ويتضمن الأمر ، أي فلا تركن الى شىء من ذلك.

١٢٤

(وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ) أي ان اليهود ليست متبعة قبلة النصارى ، ولا النصارى متبعة قبلة اليهود ، وهذا اعلام باختلافهم وتدابرهم وضلالهم.

(وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ) الخطاب للنبى صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والمراد أمته ممن يجوز أن يتبع هواه فيصير باتباعه هواه ظالما ، وليس يجوز أن يفعل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما يكون به ظالما.

١٤٦ ـ (الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) :

(الَّذِينَ) فى موضع رفع بالابتداء ، والخبر جملة (يَعْرِفُونَهُ).

ويصح أن يكون فى موضع خفض على الصفة لقوله (الظَّالِمِينَ) وتكون جملة (يَعْرِفُونَهُ) فى موضع الحال ، أي يعرفون نبوته وصدق رسالته ، والضمير عائد على محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

(أَبْناءَهُمْ) خص الأبناء فى المعرفة بالذكر دون الأنفس ، وإن كانت ألصق ، لأن الإنسان يمر عليه من زمنه برهة لا يعرف فيها نفسه ، ولا يمر عليه وقت لا يعرف فيه ابنه.

(لَيَكْتُمُونَ الْحَقَ) يعنى محمدا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. وقيل : استقبال الكعبة. (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) ظاهر فى صحة الكفر عنادا.

١٤٧ ـ (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) :

(الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ) يعنى استقبال الكعبة لا ما أخبرك به اليهود من قبلتهم.

(فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) أي من الشاكين ، والخطاب للنبى ، صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والمراد أمته.

١٤٨ ـ (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) :

١٢٥

(وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ) الوجهة : الجهة ، والمراد : القبلة ، أي لا يتبعون قبلتك وأنت لا تتبع قبلتهم ولكل وجهة ، اما بحق واما بهوى.

(هُوَ مُوَلِّيها) هو ، عائد على لفظ (كل) لا على معناه. أي موليها وجهه.

(فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ) أي الى الخيرات ، فحذف الحرف ، أي بادروا الى ما أمركم الله عزوجل من استقبال البيت الحرام ، وان كان يتضمن الحث على المبادرة والاستعجال الى جميع الطاعات بالعموم.

(أَيْنَ ما تَكُونُوا) شرط.

(يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً) جواب الشرط ، يعنى يوم القيامة.

١٤٩ ـ (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) :

(وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ) يعنى وجوب الاستقبال فى الأسفار.

(فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) أمر باستقبال الكعبة.

١٥٠ ـ (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) :

(فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) تأكيد للأمر باستقبال الكعبة والاهتمام بها لأن موقع التحويل كان صعبا فى نفوسهم ، فأكد الأمر ليرى الناس الاهتمام فيخفف عليهم وتسكن نفوسهم اليه.

وقيل أراد بالأول : ول وجهك شطر الكعبة ، أي غايتها إذا صليت تلقاءها.

(وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ) معاشر المسلمون فى سائر المساجد (فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ).

١٢٦

(فَلا تَخْشَوْهُمْ) يريد الناس.

(وَاخْشَوْنِي) الخشية : طمأنينة فى القلب تثبت على المتوقى.

(وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ) معطوف على (لِئَلَّا يَكُونَ) أي : ولأن أتم.

١٥١ ـ (كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) :

(كَما أَرْسَلْنا) الكاف ، فى موضع نصب على النعت لمصدر محذوف ، والمعنى : ولأتم نعمتى عليكم إتماما مثل ما أرسلنا.

١٥٢ ـ (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ) :

(فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) أمر وجوابه ، وفيه معنى المجازاة ، ولذلك جزم.

وأصل الذكر : التنبه بالقلب للمذكور والتيقظ له ، وسمى الذكر باللسان ذكرا لأنه دلالة على الذكر القلبي ، غير أنه لما كثر اطلاق الذكر على القول اللساني صار هو السابق للفهم. والمعنى : اذكروني بالطاعة أذكركم بالثواب والمغفرة.

(وَاشْكُرُوا لِي) الشكر : معرفة الإحسان والتحدث به.

(وَلا تَكْفُرُونِ) نهى ، ولذلك حذفت منه نون الجماعة ، وهذه نون المتكلم. وحذفت الياء ، لأنها رأس آية.

١٥٣ ـ (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) :

(اسْتَعِينُوا) فى كل ما تأتون وما تذأرون.

(بِالصَّبْرِ) على الأمور الشاقة.

(وَالصَّلاةِ) التي هى أم العبادات.

١٢٧

(إِنَّ اللهَ) بقدرته القاهرة.

(مَعَ الصَّابِرِينَ) فهو وليهم وناصرهم.

١٥٤ ـ (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ) :

(أَمْواتٌ) ارتفع على إضمار مبتدأ.

(بَلْ أَحْياءٌ) أي بل هم أحياء.

١٥٥ ـ (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) :

(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ) البلاء : المحنة.

(بِشَيْءٍ) لفظ مفرد ، ومعناه الجمع.

(مِنَ الْخَوْفِ) أي خوف العدو والفزع فى القتال.

(وَالْجُوعِ) من المجاعة بالجدب والقحط.

(وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ) بسبب الاشتغال بقتال الكفار.

(وَالْأَنْفُسِ) بالقتل والموت فى الجهاد.

(الثَّمَراتِ) أي موت الأولاد ، فالولد ثمرة قلب الرجل.

(وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) أي بالثواب على الصبر.

١٥٦ ـ (الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ) :

(مُصِيبَةٌ) المصيبة : كل ما يؤذى المؤمن ويصيبه.

(قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ) جعل الله هذه الكلمات ملجأ لذوى المصائب ، وعصمة للممتحنين.

١٥٧ ـ (أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) :

١٢٨

هذه نعم من الله عزوجل على الصابرين المسترجعين.

وصلاة الله على عبده : عفوه ورحمته وبركته وتشريفه إياه فى الدنيا والآخرة.

١٥٨ ـ (إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ) :

(إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ) الصفا والمروة : جبلان بمكة يكون بينهما السعى فى الحج.

(مِنْ شَعائِرِ اللهِ) أي من معالمه ومواضع عباداته ، الواحدة : شعيرة.

(فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ) أي قصد.

(أَوِ اعْتَمَرَ) أي زار. والعمرة : الزيارة.

(فَلا جُناحَ عَلَيْهِ) أي فلا اثم عليه.

(أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما) أن يسعى بينهما.

(وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً) التطوع : ما يأتيه المؤمن من قبل نفسه ، فمن أتى بشيء من النوافل فالله يشكر.

١٥٩ ـ (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) :

(مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى) يعم المنصوص عليه والمستنبط لشمول اسم الهدى للجميع.

(مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ) الكناية فى (بَيَّنَّاهُ) ترجع الى ما أنزل من البينات والهدى.

(فِي الْكِتابِ) اسم جنس ، والمراد جميع الكتب المنزلة.

(أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ) أي يتبرأ منهم ويبعدهم من ثوابه. وأصل اللعن فى اللغة : الطرد.

١٢٩

(وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) أي الملائكة والمؤمنون.

١٦٠ ـ (إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) :

(إِلَّا الَّذِينَ تابُوا) استثنى الله تعالى التائبين الصالحين لأعمالهم وأقوالهم المنيبين لتوبتهم.

(وَبَيَّنُوا) أي بينوا خلاف ما كانوا عليه.

١٦١ ـ (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) :

(وَهُمْ كُفَّارٌ) الواو واو الحال.

(أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ) أي ابعادهم من رحمته.

(وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) وقرئ (والملائكة والناس أجمعون) بالرفع ، وتأويلها :

(أولئك جزاؤهم أن يلعنهم الله ويلعنهم الملائكة ويلعنهم الناس أجمعون).

١٦٢ ـ (خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ) :

(خالِدِينَ فِيها) أي فى اللعنة ، أي فى جزائها ، وخلودهم فى اللعنة أنها مؤبدة عليهم. وخالدين نصب على الحال من الهاء والميم فى (عَلَيْهِمْ) والعامل فيه الظرف من قوله (عَلَيْهِمْ) لأن فيه معنى استقرار اللعنة.

(وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ) أي لا يؤخرون عن العذاب وقتا من الأوقات.

١٦٣ ـ (وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ) :

(وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ) لما حذر تعالى من كتمان الحق بين أن أول ما يجب إظهاره ، ولا يجوز كتمانه ، أمر التوحيد.

١٣٠

(لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) نفى واثبات ، أولها كفر وآخرها ايمان. ومعناه لا معبود الا الله.

١٦٤ ـ (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) :

(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) كأنهم طلبوا الدليل على وحدانية الله فنزلت هذه الآية ، أي ان هذا العالم والبناء العجيب لا بد له من بان وصانع.

وجمع السماوات لأنها أجناس مختلفة كل سماء جنس من غير جنس الأخرى.

وآية السماء ، ارتفاعها بغير عمد من تحتها. وآية الأرض بحارها وأنهارها ومعادنها وشجرها وسهلها ووعرها.

(وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ) بإقبال أحدهما وادبار الآخر.

(وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ) الفلك : السفن ، وافراده وجمعه بلفظ واحد ، ويذكر ويؤنث. يعنى تسخير الله إياها حتى تجرى على وجه الماء ووقوفها فوقه مع ثقلها.

(بِما يَنْفَعُ النَّاسَ) أي بالذي ينفعهم من التجارات وسائر المآرب التي تصلح بها أحوالهم.

(وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ) أي الأمطار التي بها انعاش العالم وإخراج النبات.

(وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ) أي فرق ونشر. ودابة تجمع الحيوان كله.

(وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ) أي إرسالها عقيما وملقحا ، وحارة وباردة ، ولينة وعاصفة.

(وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ) المسخر : المذلل.

١٣١

(لَآياتٍ) أي دلالات تدل على وحدانيته وقدرته.

١٦٥ ـ (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذابِ) :

(أَنْداداً) جمع ند. والمراد الأوثان والأصنام التي كانوا يعبدونها كعبادة الله مع عجزها.

(يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ) أي يحبون أصنامهم على الباطل كحب المؤمنين لله على الحق.

(وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ) لأن الله تعالى أحبهم أولا ثم أحبوه ، ومن شهد له محبوبه بالمحبة كانت محبته أتم.

(وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ) أي لو يرى الذين ظلموا فى الدنيا عذاب الآخرة لعلموا حين يرونه أن القوة لله جميعا.

١٦٦ ـ (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ) :

(إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا) من السادة والرؤساء ، تبرءوا ممن اتبعهم على الكفر.

(وَرَأَوُا الْعَذابَ) يعنى التابعين والمتبوعين عند العرض والمساءلة فى الآخرة.

(وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ) أي الوصلات التي كانوا يتواصلون بها فى الدنيا من رحم وغيره.

١٦٧ ـ (وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ) :

(لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً) أن ، فى موضع رفع ، أي لو ثبت أن لنا رجعة وعودة.

١٣٢

(فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ) جواب التمني. أي قال الأتباع : لو رددنا الى الدنيا حتى نعمل صالحا ونتبرأ منهم.

(كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا) أي تبرءا ، فالكاف فى موضع نصب على النعت لمصدر محذوف.

(كَذلِكَ) الكاف فى موضع رفع ، أي الأمر كذلك.

أي كما أراهم الله العذاب كذلك يريهم الله أعمالهم.

(وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ) دليل على خلود الكفار فيها وأنهم لا يخرجون منها.

١٦٨ ـ (يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) :

(طَيِّباً) الطيب : الحلال ، فهو تأكيد لاختلاف اللفظ.

وقيل : الطيب : المستلذ ، فهو تنويع.

(حَلالاً طَيِّباً) حلالا ، حال. وقيل : مفعول. وسمى الحلال حلالا لانحلال عقدة الحظر عنه.

(وَلا تَتَّبِعُوا) نهى.

(خُطُواتِ الشَّيْطانِ) خطوات ، جمع خطوة ، وهى ما بين القدمين. وخطوات الشيطان : أعماله.

وقيل : خطاياه.

(إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) أخبر تعالى بأن الشيطان عدو ، وخبره حق صدق.

١٦٩ ـ (إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ) :

(إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ) سمى السوء سوءا لأنه يسوء صاحبه بسوء عواقبه.

١٣٣

والفحشاء ، أصله : قبح المنظر ، ثم استعمل اللفظ فيما قبح من المعاني.

(وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ) أي ما حرموا من الحيرة والسائبة ونحوها مما جعلوه شرعا.

١٧٠ ـ (وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ) :

(وَإِذا قِيلَ لَهُمُ) يعنى كفار العرب.

(اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ) أي بالقبول والعمل.

(أَلْفَيْنا) : وجدنا.

(أَوَلَوْ كانَ) الألف للاستفهام ، وفتحت الواو لأنها واو عطف.

١٧١ ـ (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ) :

(يَنْعِقُ) يصيح. والمعنى : ومثل الذين كفروا فى دعائهم ما لا يفهم ـ يعنى الأصنام ـ كمثل الراعي إذا نعق وهو لا يدرى أين هى.

ثم شبه الله الكافرين بأنهم صم بكم عمى.

١٧٢ ـ (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) :

خص المؤمنين لأنهم المعنيون بمعرفة ما يحل وما يحرم من المطعومات والمشروبات. والأمر هنا للعموم الا ما سوف يستثنيه تعالى.

١٧٣ ـ (إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) :

(إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ) انما كلمة موضوعة للحصر ، تتضمن النفي والإثبات ، فتثبت ما تناوله الخطاب وتنفى ما سواه ، وقد حصرت هاهنا

١٣٤

التحريم ، لا سيما وقد جاءت عقيب التحليل فى قوله تعالى فى الآية السابقة (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ) فأفادت الإباحة على الإطلاق ، ثم بذكر المحرم بكلمة (إِنَّما) الحاصرة ، فاقتضى ذلك الإيجاب للقسمين. و (ما) كافة ، ويجوز أن تجعلها بمعنى : الذي ، منفصلة خطا وترفع الميتة والدم ولحم الخنزير على خبر (إن).

(الْمَيْتَةَ) ما فارقته الروح من غير ذكاة مما يذبح ، وما ليس بمأكول فذكاته كموته ، كالسباع وغيرها.

(وَالدَّمَ) يراد به الدم المسفوح ، لأن ما خالط اللحم فغير محرم بإجماع.

(وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ) فعينه محرمة ذكى أو لم يذك.

(وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ) أي ذكر عليه غير اسم الله تعالى ، وهى ذبيحة المجوسي والوثني والمعطل فالوثنى يذبح للوثن ، والمجوسي للنار ، والمعطل لا يعتقد شيئا فيذبح لنفسه.

(فَمَنِ اضْطُرَّ) أي فمن اضطر الى شىء من هذه المحرمات ، أي أحوج إليها.

(غَيْرَ باغٍ) فى أكلها شهوة وتلذذا.

(وَلا عادٍ) باستيفاء الأكل الى حد الشبع.

(إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) أي يغفر المعاصي ، فأولى ألا يؤاخذ بما رخص فيه ، ومن رحمته أنه رخص.

١٧٤ ـ (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) :

(إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ) يعنى علماء اليهود كتموا ما أنزل الله فى التوراة من صفة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وصحة رسالته.

١٣٥

(أَنْزَلَ) : أظهر ، وقيل : هو على بابه من النزول.

(وَيَشْتَرُونَ بِهِ) أي بالمكتوم.

(ثَمَناً قَلِيلاً) يعنى أخذ الرشاء ، وسماه قليلا لانقطاع موته وسوء عاقبته.

(فِي بُطُونِهِمْ) فى ذكرها دلالة وتأكيد على حقيقة الأكل.

(وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ) عبارة عن الغضب عليهم وازالة الرضا عنهم.

(وَلا يُزَكِّيهِمْ) ولا يصلح أعمالهم الخبيثة فيطهرهم.

(أَلِيمٌ) مؤلم.

١٧٥ ـ (أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ) :

كأنه قال : اعجبوا من صبرهم على النار.

١٧٦ ـ (ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ) :

(ذلِكَ) فى موضع رفع ، وهو إشارة الى الحكم ، كأنه قال : ذلك الحكم بالنار ، وقيل : تقديره : الأمر ذلك ، وذلك الأمر ، أو ذلك العذاب لهم.

وخبر (ذلك) مضمر ، معناه : ذلك معلوم لهم.

وقيل : محل (ذلك) النصب ، ومعناه : فعلنا ذلك بهم.

(بِأَنَّ اللهَ نَزَّلَ الْكِتابَ) يعنى القرآن.

(بِالْحَقِ) أي بالصدق ، أو بالحجة.

(وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ) يعنى التوراة ، فادعى النصارى أن فيها صفة عيسى ، وأنكر اليهود صفته.

١٧٧ ـ (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ

١٣٦

عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) :

(لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا) البر ، خبر (لَيْسَ) مقدم ، و (أَنْ تُوَلُّوا) الاسم.

والخطاب لليهود والنصارى ، فاليهود يتجهون الى المغرب قبل بيت المقدس ، والنصارى الى المشرق مطلع الشمس.

(وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ) البر : اسم جامع للخير ، والتقدير : ولكن البر بر من آمن ، فحذف المضاف.

(عَلى حُبِّهِ) دليل على أن فى المال حقا سوى الزكاة وبه كمال البر.

(وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا) أي فيما بينهم وبين الله تعالى وفيما بينهم وبين الناس. وهو عطف على (مَنْ) لأن (مَنْ) فى موضع جمع ومحل رفع ، كأنه قال : ولكن البر المؤمنون والموفون.

(وَالصَّابِرِينَ) نصب على المدح ، أو بإضمار فعل.

(فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ) البأساء : الشدة والفقر. والضراء : المرض والزمانة.

(وَحِينَ الْبَأْسِ) أي وقت الحرب.

(أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) وصفهم بالصدق والتقوى فى أمورهم والوفاء بها ، وأنهم كانوا جادين فى الدين.

١٧٨ ـ (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ) :

(كُتِبَ عَلَيْكُمُ) أي فرض عليكم.

١٣٧

(الْقِصاصُ) : أن يجرحه مثل جرحه أو يقتله به ، وهذا الى أولى الأمر.

(الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى) :

قيل : جاءت هذه الآية مبينة لحكم النوع إذا قتل نوعه. وفيها إجمال يبينه قوله تعالى (وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) ويبينه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لما قتل اليهودي بالمرأة.

(فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ) من ، يراد بها القاتل. وعفى ، تتضمن عافيا وهو ولى الدم ، والأخ ، هو المقتول.

و (شَيْءٌ) هو الدم يعفى عنه ويرجع الى أخذ الدية. والعفو على بابه ، الذي هو الترك ، والمعنى : أن القاتل إذا عفا عنه ولى المقتول عن دم مقتوله وأسقط القصاص ، فانه يأخذ الدية ، ويتبع بالمعروف ، ويؤدى اليه القاتل بإحسان.

وقيل : ان (من) يراد به الولي. وعفى : يسر ، لا على بابها فى العفو. والأخ ، يراد به القاتل ، وشىء ، هو الدية.

أي ان الولي إذا جنح الى العفو عن القصاص على أخذ الدية ، فان القاتل مخير بين أن يعطيها أو أن يسلم نفسه.

وقيل : إذا رضى الأولياء بالدية فلا خيار للقاتل بل تلزمه.

(ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ) أي فمن شاء قتل ، ومن شاء أخذ الدية ، ومن شاء عفا.

(فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ) شرط وجوابه ، أي قتل بعد أخذه الدية قاتل وليه.

١٧٩ ـ (وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) :

(وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ) أي ان القصاص إذا أقيم وتحقق الحكم فيه ازدجر من يريد قتل آخر ، مخافة أن يقتص منه.

١٣٨

(لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) أي تتقون القتل وتحذرونه فتسلمون من القصاص.

١٨٠ ـ (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) :

هذه آية الوصية ، وليس فى القرآن ذكر الوصية الا فى هذه الآية ، وفى النساء : (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ) وفى المائدة (حِينَ الْوَصِيَّةِ) ، والتي فى البقرة أتمها وأكملها.

(كُتِبَ عَلَيْكُمْ) فى الكلام تقدير واو العطف ، أي : وكتب عليكم ، فالآية مرتبطة بما قبلها متصلة بها.

وكتب : فرض وأثبت.

(إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) حضور الموت : أسبابه ، ومتى حضر السبب كنّت به العرب عن المسبب.

(إِنْ تَرَكَ خَيْراً) ان ، شرط ، وتقدير جوابه : فالوصية ، ثم حذف الفاء. وقيل : ان الماضي يجوز أن يكون جوابه قبله وبعده ، فيكون التقدير : الوصية للوالدين والأقربين ان ترك خيرا.

فان قدرت الفاء ، فالوصية رفع بالابتداء ، وان لم تقدر الفاء جاز أن ترفعها بالابتداء وأن ترفعها على ما لم يسم فاعله ، أي كتب عليكم الوصية.

ولا يصح أن تعمل (الْوَصِيَّةُ) فى (إِذا) لأنها فى حكم الصلة للمصدر ، الذي هو الوصية ، فلا يجوز أن تعمل فيها متقدمة.

ويجوز أن يكون العامل فى (إِذا) : (كُتِبَ) والمعنى توجه إيجاب الله إليكم ومقتضى كتابه إذا حضر ، فعبر عن توجه الإيجاب بالفعل (كُتِبَ) لينتظم الى هذا المعنى أنه مكتوب فى الأزل.

ويجوز أن يكون العامل فى (إِذا) الإيصاء ، يكون مقدرا ، دل عليه الوصية ، والمعنى : كتب عليكم الإيصاء إذا.

١٣٩

(خَيْراً) الخير ، هنا : المال الكثير.

(الْوَصِيَّةُ) ما يؤمر بفعله ويعهد به فى الحياة وبعد الموت. وقد خصصها العرف بما يعهد بفعله بعد الموت.

(بِالْمَعْرُوفِ) أي بالعدل ، لا وكس فيه ولا شطط.

(حَقًّا) منصوب على المصدر المؤكد ، أي ثابتا ثبوت نظر وتحصين ، لا ثبوت فرض ووجوب ، بدليل قوله تعالى (عَلَى الْمُتَّقِينَ) وهذا يدل على كونه ندبا ، لأنه لو كان فرضا لكان على جميع المسلمين ، فلما خص الله من يتقى ، أي يخاف تقصيرا ، دل على أنه غير لازم الا فيما يتوقع تلفه ان مات.

١٨١ ـ (فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) :

(فَمَنْ بَدَّلَهُ) شرط ، وجوابه (فَإِنَّما إِثْمُهُ). والضمير فى (بَدَّلَهُ) يرجع الى الإيصاء ، لأن الوصية فى معنى الإيصاء.

(بَعْدَ ما سَمِعَهُ) الضمير يرجع الى الإيصاء.

(عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ) موضع الخبر.

(إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) صفتان لله تعالى لا يخفى معهما شىء من جنف الموصين ، وتبديل المعتدين.

١٨٢ ـ (فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) :

(فَمَنْ خافَ) من ، شرط. وخاف : خشى ، وقيل : علم.

(جَنَفاً) أي جورا.

(فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ) عطف على (خافَ). وبينهم ، أي الورثة ، ولم يجر لهم ذكر ، لأنه قد عرف المعنى ، والإصلاح فرض على الكفاية ، فاذا قام به أحدهم سقط عن الباقين ، وان لم يفعلوا أثم الكل.

١٤٠