خزانة التّواريخ النجديّة - ج ٤

عبد الله بن عبد الرحمن بن صالح آل بسام

خزانة التّواريخ النجديّة - ج ٤

المؤلف:

عبد الله بن عبد الرحمن بن صالح آل بسام


الموضوع : التاريخ والجغرافيا
الطبعة: ١
الصفحات: ٢١٢

١٠ ـ تركي بن محمد بن تركي بن ماضي : ولد سنة ١٣٢٢ ه‍ ، وتعلّم في الكتاتيب القراءة ، والخط ، والحساب ، وأولع بمطالعة كتب الأدب والتاريخ ، حتى أدرك في ذلك.

وكان على جانب كبير من العقل ، والفهم ، والإدراك ، والشهامة ، والمروءة ، والكرم ، وحسن الخلق. لديه سياسة ولباقة في مجالسة ومخاطبة الملوك والرؤساء ، ولذا فإنه قام بعدة أعمال حكومية خير قيام.

ثم قام بعدة وساطات فيما بين جلالة الملك عبد العزيز وبين الإدارسة ـ حكام جيزان سابقا ـ ثم بين جلالته وبين الإمام يحيى حميد الدين ملك اليمن ، فكانت مساعيه ووساطاته تكلل بحسن التصرف والنجاح.

ومن تلك الأعمال أنه من أعضاء وفد المملكة ، في توقيعه معاهدة الطائف فيما بين المملكة واليمن.

وهو أمير الحملة التي قامت بقمع ثورة جبل الريت ، وانتهت الحملة التأديبية بالنجاح التام. وتوفي وهو قائم بعمله الرسمي ، أميرا لمقاطعة عسير. وله عدة أبناء.

وأكثر هذه النبذة التاريخية استقيناها من تاريخ : «تاريخ آل ماضي».

وقد صدر كتاب باسم : «من مذكرات : تركي بن محمد بن تركي بن ماضي» ، عن العلاقات السعودية اليمنية ، وهي وثائق هامة ، عاشها المؤلف ، وكان عضوا عاملا فيها.

هذه المذكرات إذا سجل لأعمالها التي قام بها ، وسيرة لأعماله التي خدم فيها دينه وبلاده وحكومته. كما أن فيها أخبارا وثيقة عن المقاطعة الجنوبية السعودية من الباحث إلى حدود اليمن. درسها وعرفها وامتزج

١٠١

بأهلها ، هذا مع فطنة ونباهة ، وحسن فراسة في الأمور ، مكّنه ذلك من فهم تلك القبائل والأوضاع ، وإعطاء صورة واضحة عنها رحمه‌الله تعالى ، فهو من الرجال المعدودين القلائل.

وقد وافته منيته فجأة في مطار بيروت في ٦ / ١١ / ١٣٨٥ ه‍ ، وهو ينتظر الركوب في الطائرة للعودة إلى بلاده ، بعد علاج عن ذبحة صدرية كانت معه رحمه‌الله تعالى.

***

١٠٢

خروج آل أبا الخيل

من سجن ابن رشيد

رواية

الشيخ سليمان بن عبد الله آل رواف

١٠٣
١٠٤

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه قصة خروج آل أبا الخيل [أمراء مدينة بريدة] من قلم الوجيه سليمان بن عبد الله الرواف رحمه‌الله تعالى. وهؤلاء الأعيان السجناء من أسرة أبا الخيل كانوا أمراء بريدة فزعيمهم الأمير [حسن بن مهنا آل أبا الخيل] قاد أهل القصيم بمعركة المليدى ضد محمد بن رشيد عام [١٣٠٨ ه‍] فصارت الهزيمة على أهل القصيم فأدخل أفراد آل أبا الخيل في سجن حائل في إمارة آل الرشيد.

***

١٠٥

«من شيم العرب» ، قصة واقعية

كيف خرج آل أبا الخيل

من سجن ابن رشيد في عام ١٣١٨ ه‍

تمهيد

في عام ١٢٩٤ ، عقد حسن المهنا حلفا مع محمد بن رشيد.

لأسباب معلومة لدى قارئ التاريخ ، وأثناء الحلف صاهر آل الرشيد حسن المهنا ، فتزوج محمد بن رشيد أخت حسن ـ لؤلؤة المهنا ـ وتزوج حمود العبيد بنت حسن منيرة الحسن. وقد أنجبت منيرة من حمود العبيد ولدان أسماهما : مهنا وسالم. ولمهنا قصة سأوردها ذيلا على القصة.

ودارت الأيام ، وانقلب ابن رشيد على حسن ، وصارت العداوة ، وصارت بينهما مناوشات حربية ، وكثرت وصارت وقعة المليدا ، التي انهزم فيها أهل القصيم ، وانتصر ابن رشيد ، وانهزم حسن. وبدلا من أن ينجو بنفسه ، أو يحتمى في بلده ، أشار عليه بعض ضعاف الآراء أن يلجأ إلى عنيزة أملا أن يتوسط له الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن بسام رحمه‌الله ، لأنه كان له مقام لدى محمد بن رشيد ، يقضي على المرء في أيام. محنته ، فيرى حسنا ما ليس بالحسن. وقبض عليه محمد بن رشيد

١٠٦

وسجنه هو وأولاده وأقاربه. والمسجونون هم : حسن المهنا ، وولداه صالح وسليمان ، ومحمد العبد الله المهنا ، ومحمد العلي الصالح أبا الخيل ، وعبد العزيز العلي المحمد آل أبا الخيل ـ ستة رجال.

جرت المليدا وسجن بن رشيد آل أبا الخيل ، والذي يلفت النظر : أن ابن رشيد سجن آل بالخيل بينما بناتهم لا يزلن زوجات لهم ، ولم تغضب النساء. ولا عف بن رشيد ، وابن عمه عن زوجاتهم. إلّا أن محمد بن رشيد بعد المليدا ، طلق زوجته أخت حسن ، ربما خوفا منها. ولكنه أشار على ماجد بأن يتزوجها ، فتزوجها. ظلتا تحت حمود العبيد ، وماجد الحمود طوال بقاء آل بالخيل بالسجن ، وكأن شيئا لم يكن بالظاهر من كلا الطرفين طيلة عشر سنين. وربما أن البنتين يقول لسان حالهما : وقبّل يد الجاني التي لست قادرا على قطعها ، وارقب سقوط جداره.

نعم هذا هو واقع الحال ، لقد ظلتا يقبلان أيديهما ، ويرغبان ذويهما في السجن طول عشر سنين. وسقط الجدار ، وسنحت الفرصة لإنقاذ ذويهما ، وعملا ما في وسعهن لإنقاذهم ففعلتا ، وقطعتا الأيدي اللاتي كنا يقبلانهما اقرأ القصة.

حمود العبد الوهاب هذا من أهالي بريدة ، وكان رجلا ذا رأي شجاع. وقضى عمره عند المهنا خويا ، وكان له منزلة عند حسن. فهو أمير المزكية ، عامل الزكاة ، ومن كبار الخويا. ولما تولى ابن رشيد القصيم بعد المليدا ، ضاقت على حمود الأرض بما رحبت ، فلا مال ولا عمل وذل بين أعداء. ولم يجد عملا ، إلّا أنه فلح فلاحة ، فزادته فقرا على فقره وذلّا على ذلّه.

تحدث قائلا : كنت في طريقي يوما من فلاحتي بالصوير ، فصادفني

١٠٧

في طريقي رجل يدعى الأجبع صاحب نكت على ما به من سقم العقل فلما رآني تمثل بهذا البيت :

أمنول يا ذيب تفرس بياديك

واليوم جاذيب من الفرس عداك

يقول حمود : ما إن سمعت هذا البيت حتى انهمرت دموعي ، وأقفيت أتعثّر ، لأنني أعرف ما يقصد من وراء ذلك. وقبل أن أصل البيت ، لاقاني أهل ثلاث ركائب ، متجهين نحو الخروج من الديرة ، أعرفهم. قلت إلى أين ، قالوا : منحدرين للكويت ، قلت لهم : ما تبغون لكم خوي. قالوا : بلا من هو. قلت : أنا. قالوا : وين ذلولك ، فأشرت إلى نعلي. قالوا : يعني رجلي. قلت : نعم. قال : اذهب إلى بيتك ، أخبر أهلك ، ووصّهم على الفلاجة. قلت لهم : ليس لي أهل ولا فلاحة. قال : فانحدرت معهم للكويت. ولكن مع الأسف لم أجد عملا ، فرجعت بعد بضعة أشهر لبريدة ، على أسوء من حالتي الأولى ، حيث زادت الأمور لي شماتة الناس.

ولكن الله رحيم ، ففي ذات يوم طق علي الباب ففتحته ، وإذا بخوي من خويا ابن رشيد. فظننته سيأخذني للسجن ، فحسّ بالأمر وبادرني قائلا : الأمير محمد بن رشيد أرسل لأميره في بريدة يقول : اعرض على حمود العبد الوهاب الخدمة ، إذا هو يرغب الخدمة فأجبته : نعم ، ورافقته للأمير ـ أظنه الحازمي أو التويعي ـ فأعطاني السلاح ، وقال : متى ما عزمت مر خذ الذلول ، فأخذت الذلول وسافرت لحائل وجعلني ابن رشيد عاملا على الزكاة ، مثلما كنت عند حسن. وبقيت في حائل أتردّد على آل بالخيل في سجنهم. وكان لا يرد عنهم أحد في السجن داخل القصر

١٠٨

ومحددين. وطول عشر سنين لم يحصل منهم ما يريب. التكملة في القصة.

حسن بن سالم الزايدي ، من أهالي بريدة ، وطوال عمره من خويا حسن. وهو معروف بالمروءة والشجاعة والوطنية. لكنه بعد وقعته المليدا سكن حائل ، وفتح دكانا للبيع والشراء. وكانت تجارته بحاجة لسفر شداد وخرج وبندق.

قارئ الكريم : أوردت هذا التمهيد للتعريف بأبطال القصة. أما القصة ، فهي كما يلي : يقول حمود العبد الوهاب في بقائي بحائل ، أزور آل بالخيل في السجن ، فدارت بيني وبينهم ذات يوم أحاديث عن القصيم ، وعن ماضيهم. صار لها أثر بنفسي وفي نفوسهم ، فأخذت أفكّر هل من سبيل لإنقاذهم ، وكيف وهم في هذا السجن مقيّدين في الحديد؟ وأبوهم حسن معزولا عنهم ، مشددا عليه إلى درجة أنه موضوع في رقبته حديد يربط في السقف ، وفي الرّجلين حديد. وقلت في نفسي : لا بد من بحث القضية ، فالذي أنقذني من كربتي قادر على أن ينقذهم. وعدت إليهم ، وأبديت لهم رأيي. فقالوا : السجن والحديد وقوة ابن رشيد هذه لا تهمّنا ، سنخلص منها. المهم من هو الرجل الذي يستطيع أن يعدّ لنا العدّة ، التي نهرب عليها. يعنون الجيش والسلاح قلت : إذا وجد هذا ، كيف؟ قال لي أحدهم : أنت حاول أن تجد لنا وسيلة نهرب عليها ، بشرط أن يكون معنا سلاح ، وسنهرب إن سلمنا أو متنا. نحن في طريقنا إلى الموت في هذا السجن.

١٠٩

فخرجت منهم وأنا أفكّر من يقوم بهذه المهمة ، إنها صعبة إذا وجد الفدائي ، من أين المال الذي نؤمن به الجيش والسلاح؟! وذهبت إلى السوق ، وصادفني حسن الزايدي ، فقلت في نفسي : أما آخذ رأيه في هذه القضية ، لا يوجد أحد من جماعتي غيره. وواعدته في بيتي ، وجاء إليّ ، فعرضت عليه الموضوع ، فقال لي بدون تردّد : تريد أحدا يقوم بهذا الأمر؟ قلت له : نعم. فبادرني قائلا : أنا أقوم به ، ولكن أنا مثل ما تشوف حالي ، ما عندي شيء يجهزهم بالجيش والسلاح. قلت له : إذا حصلنا لك فلوس ، تقوم بالمهمة؟ قال : نعم ، حتى لو أدى ذلك إلى قتلي إذا نجا أمراؤنا.

فعدت إليهم بالسجن ، وقلت لهم ما قاله الزايدي. قالوا : «الفلوس جاهزة. وكما قدمت سابقا عن بناتهم : أن واحدة منهن مع حمود العبيد ، والثانية مع ماجد. كن يرسلنّ لهم يوميا عشاكل واحدة يوما ، وكانت الواسطة خادمة لمنيرة الحسن من أهل بريدة. وكن يأمنّها ، ويرسلن معها الأخبار ، وما يحدث ، وكل ما يحتاجونه. فأوصوا الخادمة ، وقالوا لها رأيهم ، فنقلته لعماتها ، ففرحتا وقالتا كل ما يحتاجونه ، سنعطيهم إياه ، وفعلا أخذتا ترسلان لهم الفلوس ، ليرات عثمانية ، لأنها هي العملة في ذلك الزمن. يرسلا لهم يوميا ذهبا بأسفل وعاء العشاء ، دفعات صغيرة ، لئلا يعثر عليها إذا كانت كبيرة ، فيشك فيها. وأخذ الزايدي يتردد عليهم ، ويأخذ ما عندهم. وأخذ يعد العدة : أشدد وخروج ، وسلاح ، وغير ذلك مما يحتاج لسفرهم وبحكم كونه صاحب دكان ، يشتري الشداد مثلا ويضعه أمام الدكان للبيع ، وإذا وجد فرصة نقله للبيت ، فيأتيه الزبون الذي سامه بالأمس ، فيقول : بعناه. وكان

١١٠

في أثناء مشتراه للأغراض وسيره في الطرقات ، يردد هذا البيت :

أما يجيك الغوش يرتع أبنوماس

وإلّا أفعليه الطير يا مسندي حام

وقد أكمل الزايدي عدة السفر كاملة ، حتى السلاح الذي أعدّه كاملا من المارتين الجيد ، والفشق الكثير ، استعدادا للقتال إذا ما دعت الحال إلى ذلك. وجاء الزايدي يخبرهم أن كل شيء قد انتهى من قبله ، عدا الجيش ـ الركائب ـ فإذا ألهيتم الاستعداد للخروج ، فأخبروني اشترى الجيش.

وجاء دور المساجين ، كيف يخرجون من السجن؟ السجن المحصّن داخل القصر ، وعليهم حارس يقفل عليهم الباب ليلا ، وهم مقيّدون بالحديد بأرجلهم ، ومن وراء ذلك عبد العزيز بن رشيد ، وقوّته وجبروته وبطشه ، وكون كل نجد تحت سيطرته ، وإلى من يلجؤون؟

فأعملوا فكرهم ، وقرروا قرارهم. ومن الأسباب التي جعلتهم يقدمون على الخروج من السجن : أن الركن الشرقي من حجرة السجن خارج القصر ، أنها تنفذ على درهة خارج القصر ، محاطة بسور العقدة.

بسور البلد العالي ، لذا قرروا فتح فرجة مع هذا الركن الذي ينفذ على هذا البرج. فخطوا فيها رسما بقدر ما يخرج منه أكبرهم ، وبدأوا بالخطة.

الخادمة التي تنقل لهم العشاء يوميا أحضرت لهم مبشرة نجار صغيرة ، فأخذوا يرشون هذه الفتحة يوميا ، ويحكون منها شيئا. وما يسقط تأخذه الخادمة في ماعون العشاء ، لتقذفه في مكان مّا. وظلوا يشتغلون يوميا في حك هذه الفرجة ، حتى لم يبق منها شيء إلّا بقدر ما يندفع باليد ، فتفتح الفرجة. وكان من الأسباب التي ساعدت على خفاء هذه العملية :

١١١

أن الأوائل يجعلون في مجالسهم مساند للظهر مرتفعة عن الأرض بمقدار المتر ، ويدار المجلس كله فيها. وكان مجلسهم ، أو سجنهم مملوءا بهذه المساند الدواويش من بناتهم. وساعد ذلك على ستر الفرجة بدون أن يلفت ذلك نظر أحد.

بقي شيء أهم من هذا ، ألا وهو الحديد الذي بأرجلهم. كيف يتخلصون منه عند الحاجة؟ قرّروا أن يشذبوا الحلق المدرعة فيها أرجلهم ، فطلبوا من الخادمة إحضار مبارد حديد. وأخذ كل واحد منهم يشحذ به في حديده من حلق الأرجل ، فشذبوها حى أضعفوه إلى درجة فكّها عند الحاجة بدون كلفة. وكانوا يلفّون على حلق الحديد خرقا بحجة أنه يؤذي أرجلهم بالبرد ، والقصد هو إخفاء مواضع القطع.

وانتهت الإجراءات كاملة ، ولم يبق إلّا أن يشعروا الزايدي ليحضر الجيش ، ويقرر الموعد. لكن بناتهم لاحظن عليهم : أنه يحسن أن لا تخرجوا وابن رشيد في البلد ، لأنكم إذا خرجتم وعلم بذلك ، إنه سيشدد في طلبكم ، وأخشى أن قبض عليكم سوف يقتلكم. قالتا : إنه إذا قرر الغزو ، فنحن أول من يعلم بذلك ، وسنخبركم.

وجاء الله بالفرج ، وقرر ابن رشيد المغزا. وكعادته قرر المغزار بسرية ، وخرج بسرعة. ولما خرج ابن رشيد للمغزا ، لم يبق بحائل أحد إلّا القليل. وتمت الإجراءات في آخر يوم من ذي الحجة سنة ١٣١٧ ه‍ ، إذ جاء دور الزايدي ، الجيش جاهزة ، وكل شيء على ما يرام. وجاءهم في السجن كأنه يودّعهم قائلا ، أنا سوف أنحدر للعراق أجيب عيش وتمر ، معي ست رحل ، هل تريدون شيئا؟ قالوا كلهم : لا. لكن الحباس ترجاه

١١٢

أن يأخذ ناقته معه ليجيب له حمل فردة تمّن وفردة تمر. وحاول أن يعتذر ، ولكن ألحّ عليه ، فتوسط له ربعه المحابيس وألزموه بأخذ ناقة الحباس ، ودفعوا للزايدي ليرة. قالوا : هذه قيمة حمل ناقة مبروك إن كنت خايف ما يعطيك ، وأخذ ناقة الحباس لإكمال العدد ـ أخذ إلزاما ـ ولئلّا يشك الخادم بشيء. وضرب لهم موعد : الساعة الخامسة ليلا تجدونني تحت السميرا منوخ الركاب. والعلامة السرية : يصفر أحدكم قبل أن يصلني.

وجاءت الساعة الخامسة من ليلة الأحد واحد محرم سنة ١٣١٨ ه‍.

وفي الساعة الخامسة من هذه الليلة ، التي هي من ليالي الشتاء المظلمة البادرة ، خرج الزايدي بركائبه السبع التي إحداهن ذلول السجان ، وأناخها في دار السميرا ، التي تقع جنوب سماح. وعقلها بعقل طيار ، منتظرا المساجين.

فلما حان الموعد ، فكّوا قيودهم بأيديهم ، ودفعوا الفرجة التي لم تكلّفهم شيئا ، وخرج واحد منهم وكشف الطريق وأشار إليهم أن اخرجوا ، فخرجوا تباعا. ولما خرج الثالث ، نشب وكان ثخينا ، وصارت مشكلة : لا يمكن نزعه ، وليس لديهم ما يوسعون به الفرجة. فقال لهم : اسحبوني حتى ولو أدى ذلك إلى موتي. وفلا قبضه اثنان من الإمام والثالث داخل الغرفة. نهض رجليه ، وفرج الله ، وأخرجوه وفيه جراح. ولما تكاملوا في ردهة السور ، كان بهذه الردهة مسجد والمساجد عادة فيها حسو ـ أي بئر ـ والبئر يكون عليه ، رشاء ـ حبل لسحب الماء ـ من الحسو ، وكان لديهم علم به من جاسوسهم السرّي الخادمة ، وكانت قد سبرته وتأكدت

١١٣

أن فيه رشاء قوي. وكما قلت ، لما تكاملوا ذهب أحدهم وأخذ رشا الحسو ولافه ـ أي قذفه ـ حتى أمسك بشرفة العقدة ـ السور ـ فصعد به أحدهم وأخذ الرشا ، وقسمه قسمين : قسم دلاه علي الجماعة وقسم جعله على خارج السور ، فصعدوا واحدا واحدا ، من صعد من هنا نزل من الجانب الثاني ، حتى تكاملوا خارج السور. فاندفعوا إلى الزايدي تحت السميرا ، وكانت قريبة من موضع نزولهم. ولما رأوا جهام الجيش ، صفروا علامة أنهم قد جاؤوا. ولما وصلوا الزايدي ، وجدوا كل شيء جاهز.

ولما وصلوا جيشهم ـ الجيش النياق ، نسميها الجيش كناية عن الجيش من الرجال ـ ما كان لديهم قرار سابقا إلى أين يتوجهون ، لأنهم ما كانوا يظنون أنهم سيخرجون بهذه السهولة ، فاختلفوا أين يتوجهون؟ وكان الرأي الأول المقدم لديهم هو رأي الزايدي ، فأشار عليهم أن يتوجهوا لجبل آجا ، ويكمنوا فيه ثلاثة أيام ، حتى ينقطع الطلب عنهم متيمنا بسنّة رسول الله عند ما خرج من مكة مهاجرا. لكن محمد العلي وصالح الحسن قالوا : لن تكمن ، بل نتوكل على الله ونسري متوجهين شرقا ، لأن الطلب إذا فزعوا ، سيتوجهون حتما جنوبا ، لأنهم يظنوننا بل سيجزمون أننا سنتوجه لبريدة. وإن لحقونا ، فلن يدركوا منا شيئا ما دامت ، أرواحنا بأجسامنا. واتفقوا على هذا الرأي ، وحصلت مشكلة أخرى من يدل الطريق ، ظنّا منهم أن الزايدي يدل؟ لكن قال : إنه لا يدل. فقال سليمان الحسن : أنا أدل. فتوكلوا على الله ، وركبوا ركائبهم ، متوجهين نحو الشرق ، يمة العراق.

وفعلا لما أصبح الصبح ، وفتح الحباس الحبس ، لم يجد به أحدا.

١١٤

فأخبر الأمير على حائل ، ففزعت الفزعة بطلبهم ، وتوجهوا جهة القصيم ، ولم يدر في بالهم أنهم توجهوا جهة أخرى. فلما وصلوا بريدة ، لم يجدوا خبرا ولا أثرا ، فرجعوا بخفي حنين. فسلموا من الطلب.

وأخذوا يسيرون بدون توقّف ومن لاقاهم يظنهم أنهم عقيلات ، لأن زيّهم لا يختلف عن العقيلات. وإذ وردوا ماء يسألون عن إبلهم ، وأنهم قد واعدوهم أنهم سيردون هذا الماء. ولم يفطن لهم أحد أبدا ، لأن الناس لا يعرفون أشخاصهم. وربما أن البادية قد نسوا آل بالخيل نسيانا ، عشر سنين بالسجن. وطيلة الطريق لم يقترب منهم أحدا ، إلّا أنهم ضافوا ابن سويط أمير الظفير على حدود العراق.

حدثني سليمان الحسن أحد المساجين يقول : لما قلطنا على العشاء عند ابن سويط ، فكان ينظر إلى صالح الحسن نظرات مريبة. قال : فخفت منه ، ولا قدرت أقول شيئا. ولما تعشينا وجلسنا على القهوة ، قال ابن سويط من عادتنا : ما ننشد ضيوفنا من أين هم؟ لأين يريدون؟ ولكني أبي أسألكم وأعطوني الحقيقة ، وعليكم عهد الله وميثاقه ما يمسكم مناشر. هل أنتم آل بالخيل المحبوسين عند ابن رشيد. قال : قلنا له : نعم. قال : لفت نظري وخلاني أسألكم هذا الولد ـ يعني صالح ـ موصوف لي ، وأنا ما شفته فعرفته بالوصف. ثم قال : لا تخافون ما دام أنكم ضيوف عندي.

قال فقلنا له : ما ، تقصر ونعم بك. لكن خصمنا أقوى منك ، ولا نحب نبلاك بشرنا ، وأنت بعافية. قال رأيكم والي وين تبون قالوا نبي نزين أبو جابر بالكويت قال : أو نعم ، والصحيح ما يحميكم من ابن رشيد إلّا ابن صباح.

١١٥

قال : وركبنا من عنده متوجهين للكويت ، ووصلنا الكويت ، فرحب؟؟؟ ابو جابر وأضافنا ، وأكرمنا.

قارئي الكريم هذه قصة واقعية رويناها لك فجة ، كما رواها لي رواة ثقت ممن كانوا في السجن إن في هذه القصة شيم عربية ، وشهامة ، وشجاعة ، وبطولات ، ووفاء ، بل ومغامرات : فحمود العبد الوهاب منشأ الفكرة ، لما انتهت القضية ، وعلم أن آل بالخيل خرجوا من السجن ، وكان خارج حايل مع المزكية ، هرب للكويت ، مضحيا بمصلحته ووظيفته التي كانت في نظره أعزّ شيء لديه ولجاء إلى الكويت ، وأصبح مواطنا كويتيا ، ولا يزال أحفاده في الكويت.

والمرأتان : لؤلؤة المهنا ، منيرة الحسن ، اللاتي بقيا مع أزواجهن ، على رغم ما يعانياهن من ألم في نفوسهن ، مما أصاب أهلهن من سجن وتعذيب أمام سمعهن وبصرهن. فلم ينزعجن لذلك ، ولم يتوسلن بأحد ، وفضلتا البقاء مع أزواجهن لكي يبقين بالقرب من ذويهن ، محاولات نفعهم والاتصال بهم ، لمعرفة ما يجري عن كثب ، لأنهن رأين أن ذلك أفضل من مفارقة أزواجهن والغضب عليهم.

وما كنّ في يوم ما يطمعن في إنقاذ ذويهنّ ، لأن هذا شيء شبه المحال ، بل هو المحال بنفسه ، لأن ظروف الزمن لا تسمح بذلك. رجال في سجن ، مقيّدين في الحديد. وكل ما هو محيط بهم ، بل وكل نجد تحت ولاية ابن رشيد. وإذا خرجوا ، إلى أين يذهبون؟ هذا هو واقع الحال تصوريا وفعليا. ولكن إرادة الله غالبة غير مغلوبة. فلما أن سنحت

١١٦

الفرصة لإنقاذهم في ظرف خلق الله فيه خصما للرشيد ، وبرز كندلهم بسبب مساعي ابن إبراهيم في مساعيه ضد مبارك الصباح ، لأخذ الثأر لا بني أخته محمد وجراح الصباح. وأيقض الله لذلك حمود العبد الوهاب ، وحسن الزايدي. هنا سنحت الفرصة لإنقاذهم. وهنا بذلتا كل ما في وسعهما لإنقاذ ذويهن. ليس في المال الذي هو الوسيلة الوحيدة لإنقاذهم ، بل بالرأي ، ومواصلة العمل في كل شيء حتى التجسّس والتحرّي ، حتى نفذتا القضية. والشيء الذي يلفت النظرة جرأتهنّ ، وأقدامهنّ على ذلك بدون خوف ، أو وجل ، أو حساب ، لما سيحدث من فرعون إذا علم بخروج ألدّ أعدائه وخاصة بالظرف الذي كان فيه ، قد عقد العزم على محاربة ابن صباح.

إنها بطولة تستوجب الإعجاب بفتيات في عهد كعهدهنّ. والصحيح إنهنّ لا يستغرب عليهن ذلك ، فهن نسيج من نسيج زباء القصيم العرفجية ، التي يقول فيها عبيد بن رشيد.

اليعاد ما ناصل ونضرب بالحداد

أهبيت يا سيف طوى الهمّ راعيه

الياعاد ما تروى حدوده بالأضداد

أفورده للعرفجية أترويه

والمواطن الشهم حسن بن سالم الزايدي ، الذي قام بتنفيذ الخطة ولسان حاله يقول : أنا فدائي ، إذا سلم بني قومي ، فلا أبالي بالموت.

وهذا معنى ترديده أثناء قيامه بالمهمة هذا البيت :

بالناموس ما يجيبك الغوشي يرتع أبنوماس

وإلّا أفعليه الطير يا مسندي حام

نعم رتع القوم أي الفخر ، فلقد لاقوا خصمهم بعرف الصريف بعد

١١٧

مضيّ عشرة أشهر على صهوات الخيل ، بدلا من سجن مكبّلين في الحديد.

والجندي المجهول : الخادمة السفير السري الأمين ، التي هي حلقة الوصل في جميع أدوار هذه القصة. قارئي الكريم ، كنت أوعدتك أن أروي لك قصة مهنا الحمود ، ابن منيرة الحسن ، مع أخواله في وقعة الصريف ، فاقرأ : منيرة الحسن قد تزوجت حمود العبيد ـ كما قدمت ـ وأنجبت منه ولدان : مهنا ، وسالم الحمود العبيد. وكانت قد تزوجت قبله ابن عمها عبد الله العلي المحمد أبا الخيل ، وأنجبت منه ولدا اسمه محمد.

وجرت وقعة الصريف في عام ١٣١٨ ه‍ بين مبارك بن صباح ، وبين عبد العزيز بن رشيد ، كما هو معروف. وكان الرشيد في حالة تأهّب للقاء بن صباح. وقبل الكون بيوم مجتمعين عند بن رشيد. وهؤلاء الفرسان والشباب ، كل يتوعد ويهدد أنه سيقتل فلان وعلّان. وكان حديث القوم الخيل ، والخيالة. وجاء الحديث عن خصومهم آل بالخيل ، وكان من بين الحاضرين شيخ من شيوخ شمر ، ولد عقاب بن عجل ، فقال في هذا المجتمع [...](١) ، ربما أن قصده تحريضهم على القتال ، أو هذا هو رأيه. وقال لمهنا الحمود : أنت يا مهنا ، أحسن أنك ما تغير مع الخيالة هذه المرة ، لأن ما قدامك إلا أخوالك ، وأنت ما أنت قاتلهم وهم ما هم قاتلينك. فغضب مهنا وانتحى وقال : اصبر عليّ لما نتلاقا ، وتشوف ويش أسوي. وربما أن ابن عجل قصد تحريضه ، أو معرفة ما عند هذا الشاب ،

__________________

(١) بياض في الأصل.

١١٨

الذي لم يلاق الفرسان قبل هذه المرة. وصارت الغارة من الغد.

ومعلوم أن وقعة الصريف لم يكن فيه مجال لقتال إلّا على ظهور الخيل ، وأن خيل بن صباح لا تزيد عن ستين خيالا ، بينما خيل ابن رشيد زيد عن ستمائة خيّال. وبعض الرواة يبالغ ويقول : إنها ١٢٠٠ خيّال ، وجالت الخيل ، وتخالط الفرسان. وبرز مهنا الحمود ، وهو ينشد :

ياشادالعمر أمصريه راسي فوق امتوني عاريه

خيل­الخيل­سنعوسي­يامن­عيّن­خالي­ياهل­الخيل

وسمعه خاله ، فتصامم عنه ، لأنه أولا ما هو كفوء له ، ويرى أن ذلك في عرف الفريس عار أن يبارز من هو أقل منه بالشجاعة. وثانيا : تركه لا رحمة به ، بل رحمة بأخته ، لعلمه لما سيحصل لها إن علمت بقتله ، وأن قاتله خاله. ولكن الفارس الرشيدي أعد النشدة ، فسمعه خيّالة آل بالخيل ، فأجابه واحد من شبابهم بقوله :

يا ناشد عن خاله حضرنا

حضرنا والشر غايب عنا

أو يا جلاب عمره شرينا

خيال الخيل وانا بن مهنا

فتعاقبت الخيل ، وطاح مهنا بينها. وكان أخوه سالم قريبا منه ، فقتل سالم مع مهنا ، وقتل غيرهم كما قتل من خيّالة آل بالخيل تسعة في هذه المعركة.

وإنه لمن عجائب القدر أن هذه المرأة منيرة الحسن ، أنه لم يمض عشرة أشهر بعد خروج أهلها من السجن ، الذي اعتبرته نصرا لها ولهم ، حتى قتل أولادها ثلاثة في وقعة الصريف. سالم ومهنا قتلا حسبما ذكرت وولدها محمد العبد الله أبا الخيل قتل في هذه الوقعة ، ضمن من قتل من

١١٩

آل بالخيل. ولما أخبروها بقتل مهنا ، وبما قاله من دورة خاله ، لم تبكه ، وقالت : هو المتعدي ويستحق ما جاءه ... قارئ الكريم ، هذه صورة من حياة أسلافك ، صورة تمثّل الصبر ، والإيمان ، والشجاعة ، والكفاح ، والتعاون في الملمات بين الرجال والنساء ، إذا دعا داع لذلك به.

كتبه

سليمان بن عبد الله الرواف

بريدة ص. ب ٦٠٣ ت ١٦٣١ / ٣٢٣

١٢٠