🚖

مجالس في رحاب الإمام المعذّب في قعر السجون

الشيخ عبدالأمير عبدالزهره « أبو علي البصري »

مجالس في رحاب الإمام المعذّب في قعر السجون

المؤلف:

الشيخ عبدالأمير عبدالزهره « أبو علي البصري »


الموضوع : سيرة النبي (ص) وأهل البيت (ع)
الطبعة: ٠
الصفحات: ١٢٦
🚖 نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

المجلس التاسع

الموضوع : الامام الكاظم عليه‌السلام والتقية وتحرزه عنها في مقام اتمام الحجة

القصيدة: للسيد مهدي الأعرجي

يا جنة الفردوس ما بال الحشى

قد بات يصلي منكِ ذاتَ وقودِ

ذهبت بزهرتكِ الليالي السوديا

تباً لهاتيكَ الليالي السودِ

لم تحتفل لكِ في عهودٍ مثل ما

لأبن (الرضا) لم تحتفل بعهودِ

جلبوه قسراً من مدينة جدّه

نحو المدائن موثقاً بقيود

حبسوه في (طامورةٍ) لم ينفجر

ليلَ الشقا عن صبحها بعمود

تبّت يد الرجس (الرشيد) بفعله

إذ ليس فيها قد جنى برشيدِ

أوحى إلى (سنديّة) يسمّه

سمّاً تذوب به صخور البيد

فقضى سميماً في السجون مُشرّداً

في منزل عمّن يحبُّ بعيد

*         *        *

شنهو الذنب سواه حتى ايبعدونه

عن الوطن وابسجن مظلم يذبونه

او هارون آمر بعد سجنه يسمّونه

أو گضّه عليه او بعد ما اتفيد الندامه

*         *        *

او آمر يشيلون النعش اربع حماميل

واعلى الجسر خلوه وابرجله الزناجيل

او صاح المنادي ابصوت خله المدمع ايسيل

يالشيعة هذا ايمامكم خلصت أيّامه

٦١

المقدمة

كان هارون الرشيد طاغوت زمانه وقد بلغ هارون إلى اوج قدرة الخلافة وصارت سعة الممالك التي تحت حكومته إلى حيث نقل انه خاطب السحاب في السماء بقوله «أينما تمطرين يأتيني خراجك» وكان من شدّة حرصه على الخلافة والإمارة أن خاطب ولده المأمون «والله لو نازعتني في هذا الأمر أخذتُ الذي فيه عيناك فانَّ الملك عقيم».

وقد كانت شدّة التقية حول الامام موسى الكاظم عليه‌السلام بحيث يحتشم التصريح باسمه الشريف بين عامة الناس حتى أن في الروايات المروية عنه عليه‌السلام ربّما اقتصرت عند التسمية عنه بالفقيه، والعالم، والعبد الصالح والشيخ(١) وأمثالها حذراً عن التصريح به بما لا يوجد مثله في روايات آبائه الكرام وأبنائه المعصومين.

الامام الكاظم عليه‌السلام والتقية وتحرزه عنها في مقام اتمام الحجة

لقد ورد عنه عليه‌السلام في التقية: «أن أكرم الناس عند الله أعملهم بالتقية». وروى في المحاسن للبرقي ص ٢٥٨ بسنده عن عبدالله بن حبيب عن موسى بن جعفر عليه‌السلام في قول الله عز وجل «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ»، قال عليه‌السلام: اشدّكم تقية. والظاهر ان مورد التقية كانت في غير مقام اتمام الحجة، واما في بيان العقائد الحقة والاحكام الالهية، فانما تسوغ اذا حصل اتمام الحجة ببيان آخر صدر منه او من امام آخر تمت به الحجة. ولذلك ترى ان الحمل على التقية انما يجوز عند الفقهاء اذا كان هناك حديث معارض له، وعند ذلك ورد الأمر بالأخذ بما خالف العامة والغاء ما وافقهم واسقاطه عن الحجية.

ملاحظة: نقل عن آية الله العظمى الكوهكمري قدس‌سره انه يقول في ابحاثه الفقهية اني لم أجد مورداً صدَرَ عنهم عليهم‌السلام في مقام التقية كلام يخالف الواقع بل كل ما صدر عنهم في مقام التقية فله محل صحيح، والتقية مجرد إيهام الخلاف وبالدقة

_________________________

(١) وهذا الأخير ورد في حديث ابن مسكان في الكافي ج ١ ص ٣٧٣.

٦٢

في معنى كلامهم يُعرف معناه الصحيح على طبق الواقع، مثال ذلك: ان المنصور سأل الصادق عليه‌السلام عن يوم الفطر وحيث كان عليه‌السلام في المحذور من الحكم بيوم الفطر في قبال المنصور، الذي كان يدعى امامة الامة وخلافة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال في جوابه «ذلك للإمام ان افطرت افطرنا» فأوهم للمنصور انه يقول: ان المنصور هو الإمام وانه عليه‌السلام لا يفطر إلا بحكم المنصور لانه الإمام، ولكن الدقة في معنى كلامه تعطي الاذعان بانه عليه‌السلام لم يقل إلا الحق، فانه يقوله ذلك للإمام. كلام كلي معناه ان الحكم يختص بالامام، واما ان الامام هو المنصور فهو خارج من معناه، وانما التقية في مقام العمل ولذلك صح قوله عليه‌السلام ان افطرت افطرنا.

«ووصية لعلي بن يقطين بان يتوضأ على وضوء العامة»

روى المفيد في الإرشاد عن محمد بن اسماعيل عن محمد بن الفضل قال: اختلفت الرواية بين أصحابنا في مسح الرجلين في الوضوء أهو من الأصابع إلى الكعبين أم من الكعبين إلى الإصابع فكتب علي بن يقطين إلى أبي الحسن موسى عليه‌السلام جعلت فداك ان اصحابنا قد اختلفوا في مسح الرجلين فان رأيت ان تكتب إليّ بخطك ما يكون عملي عليه فعلت انشاءالله تعالى.

«فكتب إليه أبو الحسن عليه‌السلام فهمت ما ذكرت من الاختلاف في الوضوء والذي آمرك به في ذلك ان تتمضمض ثلثا وتستنشق ثلثا وتغسل وجهك ثلثا وتخلل شعر لحيتك وتغسل يدك من اصابعك إلى المرفقين وتمسح راسك كله وتمسح ظاهر اذنيك وباطنها وتغسل رجليك إلى الكعبين ثلاثاً ولا تخالف ذلك إلى غيره».

فلما وصل الكتاب إلى علي بن يقطين تعجب مما رسم له فيه مما أجمع العصابة على خلافه. ثم قال: مولاي اعلم بما قال وانا ممتثل لامره فكان يعمل في وضوءه على هذا الحد ويخالف ما عليه جميع الشيعة امتثالاً لأمر ابي الحسن عليه‌السلام وسعى بعلي بن يقطين إلى الرشيد وقيل له انه رافضي مخالف لك. فقال الرشيد لبعض خاصته قد كثر عندي القول في علي بن يقطين والقرف له بخلافنا وميله إلى الرفض ولست أرى في خدمته لي تقصيراً وقد امتحنته مراراً فما ظهرت منه على ما

٦٣

يقرف به واحبّ ان استبرئ امره من حيث لا يشعر بذلك فيحترز مني فقيل له ان الرافضة يا أمير المؤمنين يخالف الجماعة في الوضوء فتخففه ولا ترى غسل الرجلين فامتحنه من حيث لا يعلم بالوقوف على وضوئه.

فقال: اجل ان هذا الوجه يظهر به امره ثم تركه مدة وناطه بشيء من الشغل في الدار حتى دخل وقت الصلاة وكان علي بن يقطين يخلوا إلى حجرة في الدار لوضوئه وصلاته فلما دخل وقت الصلاة وقف الرشيد من وراء الحائط بحيث يرى علي بن يقطين ولا يراه هو فدعى بالماء فتمضمض ثلاثاً واستنشق ثلاثاً وغسل وجهه ثلاثاً وخلل شعر لحيته وغسل يديه الى المرفقين ثلاثا ومسح رأسه واذنيه وغسل رجليه ثلاثاً والرشيد ينظر إليه. فلما رآه قد فعل ذلك لم يملك نفسه حتى أشرف عليه من حيث يراه ثم ناداه كذب يا علي بن يقطين من زعم انك من الرافضة وصلحت حاله عنده وورد عليه كتاب أبي الحسن عليه‌السلام ابتدأ «من الآن يا علي بن يقطين توضأ كما أمر الله غسل وجهك مرة فريضة واخرى اسباغاً واغسل يديك من المرفقين كذلك وامسح راسك وظاهر قدميك من فضل نداوة وضوئك فقد زال ما كان يخاف عليك والسلام».

عدم مبالاة الإمام الكاظم عليه‌السلام بسطوة هارون في مقام إتمام الحجة

قال الشيخ الجليل الحسن بن علي الحرّاني: ان موسى بن جعفر عليه‌السلام دخل اليه وقد عمد على القبض عليه، لاشياء كذبت عليه عنده، فاعطاه طوماراً طويلاً فيه مذاهب وشنعة نسبتها إلى شيعته (فقرأه) ثم قال له «يا أمير المؤمنين نحن أهل البيت منينا بالتقوّل علينا، وربنا غفور ستور أبى أن يكشف اسرار عباده إلّا في وقت محاسبته (يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ). إلى أن قال: ثم قال له اني اريد أن اسألك عن العباس وعليّ بما صار عليّ أولى بميراث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من العباس، والعباس عم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وصنو أبيه «فقال له موسى عليه‌السلام: اعفني. قال: والله لا اعفينك، فاجبني. قال: فان لم تعفني فآمنّي. قال: آمنتك. قال موسى عليه‌السلام: ان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يورث من قدر على الهجرة فلم يهاجر، ان اباك العباس آمن ولم

٦٤

يهاجر وان عليّاً آمن وهاجر وقال الله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا)، فالتمع لون هارون وتغيّر وقال: مالكم لا تنسبون إلى علي وهو أبوكم وتنسبون إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو جدّكم؟ فقال موسى عليه‌السلام: ان الله نسب المسيح عيسى بن مريم عليه‌السلام إلى خليله ابراهيم عليه‌السلام بامه مريم البكر البتول التي لم يمسها بشر في قوله: (وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ) فنسبه بأمه وحدها إلى خليله ابراهيم عليه‌السلام كما نسب داود وسليمان وايوب وموسى وهارون عليهم‌السلام بابائهم وامهاتهم فضيلة لعيسى عليه‌السلام ومنزلة رفيعة بأمه وحدها. وذلك قوله في قصة مريم عليها‌السلام: (إِنَّ اللَّـهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ) بالمسيح من غير بشر وكذلك اصطفى ربنا فاطمة عليها‌السلام وطهرها وفضلها على نساء العالمين بالحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة».

فقال له هارون وقد اضطرب وساءه ما سمع:

«ما ورد عن الامام الكاظم عليه‌السلام في ابطال القياس»

عن محمد بن حكيم، قال: قلت لابي الحسن عليه‌السلام: انا نتلاقى فيما بيننا فلا يكاد يرد علينا شيء إلا وعندنا فيه شيء وذلك شيء أنعم الله به علينا بكم، وقد يرد علينا الشيء وليس عندنا فيه شيء وعندنا ما يشبهه فنقيس على أحسنه؟ فقال: لا، وما لكم للقياس، ثم قال لعن الله أبا فلان، كان يقول: قال علي وقلت، وقالت الصحابة وقلت.

ثم قال: كنت تجلس إليه؟ قلت: لا ولكن هذا قوله، فقال أبو الحسن عليه‌السلام إذا جاءكم ما تعلمون فقولوا، وإذا جاءكم ما لا تعلمون فها (ووضع يده على فمه) فقلتُ ولم ذاك؟ قال: لان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أتى الناس بما اكتفوا به على عهده وما يحتاجون إليه من بعده إلى يوم القيامة(١).

_________________________

(١) المحاسن ص ٢٠١٢ ـ ٢٠١٣.

٦٥

تعريضه عليه‌السلام لفقهاء أهل العامة على فتواهم بغير علم

ومما صدر عن الامام السابع عليه‌السلام في قبال فقهاء أهل العامة تعريضهم بالفتوى بغير علم قال ابوالحسن عليه‌السلام: «من أفتى الناس بغير علم لعنته ملائكة الارض وملائكة السماء»(١).

تعريضه عليه‌السلام لفقهاء أهل العامة على عملهم في الاحكام الشرعية بالرأي

بيّن الامام السابع عليه‌السلام ان العمل بالرأي في الاحكام بدعة ومستلزم للهلاك وانّ ترك الرجوع إلى أهل البيت في استعلام الاحكام الشرعية ضلالة. وفي ذلك روى الكليني عن يونس بن عبدالرحمن قال قلت لابي الحسن الأول عليه‌السلام: «بما أوحّد الله؟ فقال: يا يونس لا تكونن مبتدعاً، مَنْ نَظَر برأيه هلك، ومن ترك أهل بيت نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ضل، ومن ترك كتاب الله وقول نبيه كفر»(٢).

إفحامه عليه‌السلام للفقيه المعروف بـ (ابي يوسف القاضي)

قال ابو يوسف للمهدي وعنده موسى بن جعفر عليه‌السلام تأذن لي ان اسأله عن مسائل ليس عنده فيها شيء؟ فقال له: نعم، فقال لموسى بن جعفر عليه‌السلام اسألك؟ قال: نعم، قال: ما تقول في التظليل للمحرم، قال: لا يصلح، قال: فيضرب الخباء في الأرض ويدخل البيت؟ قال: نعم، قال: فما الفرق بين هذين؟ قال ابو الحسن عليه‌السلام: ما تقول في الطامث أتقضي الصلاة؟ قال: لا، قال: فتقضي الصوم؟ قال: نعم، قال: ولم؟ قال: هكذا جاء، قال أبو الحسن عليه‌السلام وهكذا جاء، فقال المهدي لابي يوسف: ما أراك صنعت شيئاً؟ قال: رماني بحجر دامغ.

هارون الرشيد للإمام حد فدكاً حتى أردها اليك

فقال الامام عليه‌السلام لا أحدَّها إلا بحدودها قال وما حدودها؟ قال إن حددتها لم تردها قال بحقِّ جدِّك إلا فعلت؟! قال عليه‌السلام أما الاحد الأول فعدن فتغير وجه الرشيد

_________________________

(١) المحاسن ٢٠٥.

(٢) الكافي ١ / ٥٦.

٦٦

وقال ايهاً قال والحد الثاني سمرقند فاربدَّ وجهه قال والحد الثالث افريقيا فاسودَّ وجهه وقال هيه قال والرابع سيف البحر مما يلي الجزر وارمينيه قال الرشيد فلم يبق لنا شيء فتحوّل إلى مجلسي قال موسى عليه‌السلام قد علمتك انني ان حددتها لم تردَّها فعند ذلك عزم على قتله، فقال بحقِّ القبر والمنبر وبحق قرابتك من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أخبرني أنت تموت قبلي أو أنا أموت قبلك لأنك تعرف هذا من علم النجوم فقال له موسى عليه‌السلام آمني حتى أخبرك فقال لك الأمان فقال عليه‌السلام انا أموت قبلك وما كذبت ولا أكذب ووفاتي قريب ثم ان هارون اذن له في الانصراف فتوجه إلى الرقة ثم تقولوا عليه شيئاً فاستعاده هارون واطعمه السم فتوفى (عليه السلام وصلوات الله عليه) في حبس السندي بعد ما كان يضيق عليه غاية التضييق إلى ان سقاه السم بأمر الرشيد في رطبات مسمومة فلما أكل عشر رطبات تغير لونه فقال كل منها قال حسبك قد بلغت ما تحتاج اليه فيما أمرت به ثم أنه احضر القضاة والعدول قبل وفاة بأيّام وأخرجه اليهم وقال إن الناس يقولون إن ابا الحسن موسى بن جعفر عليه‌السلام في ضنك شديد وها هو ذا لا علّة به ولا مرض فقال عليه‌السلام ايتها الجماعة اعلموا اني مقتول بالسم وسأحمر في آخر هذا اليوم حمرة شديدة واصفر غداً وابيض بعد غد وامضي إلى رحمة الله ورضوانه. رحم الله مَن نادى وا اماماه وا كاظماه واسيّداه.

للقيدِ في رجليه خشخشة

وبه أضرّ السّجن والدّنفُ

ما زال تقذفه السّجون فمن

سجن لأضيق منه ينقذفُ

حتّى قضى بالسمّ محتدماً

حزناً بكاه المجد والشرف

حملته حمّالون أربعه

إذ لا وقار به مذ انصرفوا

*         *        *

عليه ضاگ الهوه أو مل من حياته

ولا يعرف وكت بيه الصلاته

لمن سموا أو بيه صارت وفاته

عگب ما ذاب چبده وخلص بالسم

*         *        *

٦٧

ثلث تيام ظل من غير تغسيل

ما عنده عشيره النعشه اتشيل

شالوا للجسر أربع حماميل

أو بي سمعت الناس أو عدت تلتم

*         *        *

وضعوه فوق الجسر مطر

وحاً على نهج العبور

*         *        *

٦٨

المجلس العاشر

الموضوع : علي بن يقطين وبعض نشاطاته

القصيدة: عبدالمجيد البغدادي الحلّي

وأمضّ الخطوب أن يقطع الأد

نون أو يقتفوا الدنيّ الخسيسا

خلفت عصبة الشقاق بنو

العم فنالوا من ابن جعفر موسى

بلغوا من أبي الرّضا أن سقوه

السّم عند اغترابه مدسوسا

بأبي ثاوياً ببغداد قاسى

كربات حتّى قضى محبوسا

شيّعت نعشه النفوس ولكن

رزؤه شيّع الأسى والنفوسا

كيف نامت على الهوان حمولاً

من على الضّيم لا تطيق الجلوسا

أتناست باب الحوائج فهر

وهو في قيده يعاني الحبوسا

أفك القوم بالنّداء عليه

فانجلى ما تقوّلوا معكوسا

حيث كان الرشيد في الظّلم فرعو

ن وموسى فيها تحمّل موسى

فتولّى منه سليمان أمراً

كان من دون الرشيد يؤوسا

*         *        *

اولن من الگصر مشرف اسليمان

نعش باب الحوايج لاح إله وبات

يگلهم هالجنازة مالها اعوان

غريبه اولا وراها ناس يمشون

گالوله غريب اهله امبينين

لاچن بالمدينة اعله بعيدين

ابن عمّك الكاظم گال هالحين

انزلوا واخذوا نعشه او لا تخافون

*         *        *

٦٩

جابه وغسّله او حنّطه او لفّه

ابحبرته او شال تابوته اعلى چتفه

مشه مكشوف راسه حافي خلفه

كثر تشييعهم والناس يبچون

*         *        *

ولا واحد حضر لحسين ذاك اليوم

يخلّص جثته من سحك خيل الگوم

يواريه او يخلّص زينب او چلثوم

أو يخلص أطفال تبچي ولا يهيدون

ترجمته

علي بن يقطين، كوفي الأصل بغدادي المسكن، ثقةٌ جليل القدر من أجلّاء الأصحاب، وجيهاً عند الامام موسى الكاظم عليه‌السلام، وكان أبوه يقطين من الدعاة للعباسيين ووقع في محنةٍ عظيمة أيام مروان الحمار، لأنَّ مروان طلبه ففرَّ من وطنه واختفى ووُلد علي ابنه بالكوفة عام (١٢٤ هـ) وفرّت زوجة يقطين أيضاً مع ولديها علي وعبيد أولاد يقطين من خوف مروان إلى المدينة، وما زالوا مختفين حتى قُتل مروان واستولى العباسيون على الحكم فخرج يقطين وجاءت زوجته مع أولاده إلى الكوفة وطنهم وصار يقطين من أعوان السفاح والمنصور ومع هذا كان شيعيّاً وقائلاً بالإمامة وهكذا أبناؤه، وفي بعض الأحيان كان يحمل الأموال إلى الامام الصادق عليه‌السلام فوُشِيَ به عند المنصور والمهدي لكنّ اللهُ نجّاه من كيدهم وبقي يقطين بعد ولادة ابنه علي تسع سنين وتوفي ١٣٣ هـ وكان يقطين يبيع الأبزار (التوابل).

بشَّرهُ الامام الكاظم عليه‌السلام

عن عبدالله بن يحيى الكاهلي قال: كنت عند أبي إبراهيم عليه‌السلام إذ أقبل علي بن يقطين فالتفت إلى أصحابه فقال: من سره أن يرى رجلاً من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلينظر إلى هذا المقيل! فقال له رجل من القوم: هو إذن من أهل الجنة؟ فقال أبو الحسن عليه‌السلام أما أنا فأشهد أنه من أهل الجنة(١).

_________________________

(١) اختصار رجال الطوسي: ٢ / ٧٣٠.

٧٠

علي بن يقطين بذل ماله ومودته للإمام الكاظم عليه‌السلام

روى بكر بن محمد الأشعري أن أبا الحسن الأول عليه‌السلام قال: إني استوهبت علي بن يقطين من ربي عزّ وجلّ البارحة فوهبه لي، إن علي بن يقطين بذل ماله ومودته، فكان لذلك منّا مستوجباً(١).

دعاء الامام الكاظم عليه‌السلام في موقف عرفة لعلي بن يقطين

روي عن داود الرقي إنّه قال: دخلتُ على أبي الحسن عليه‌السلام يوم النحر، فقال مبتدئاً ما عَرَضَ في قلبي أحد وأنا على الموقف إلّا علي بن يقطين، فانّه ما زال معي وما فارقني حتى أفضتُ(٢).

مائة وخمسين رجلاً حجّوا عنه في عام واحد

قال سليمان بن الحسين، كاتب علي بن يقطين: «أحصيت لعلي بن يقطين من وافى عنه في عام واحد مائة وخمسين رجلاً، أقل من أعطاه منهم سبع مائة درهم، وأكثر من أعطاه عشرة آلاف درهم»(٣).

كان يرسل أمواله إلى الامام الكاظم عليه‌السلام

في معجم السيد الخوئي ١٣ / ٢٤٧ عن إسماعيل بن سلام، وإسماعيل بن جميل، قالا: بعث إلينا علي بن يقطين فقال: اشتريا راحلتين وتجنبا الطريق، ودفع إلينا أموالاً وكتباً حتى توصلا ما معكما من المال والكتب إلى أبي الحسن موسى عليه‌السلام ولا يعلم بكما أحد، قالا: فأتينا الكوفة فاشترينا راحلتين ووضعنا لها العلف وقعدنا نأكل، فبينا نحن كذلك إذ راكب قد أقبل ومعه شاكري فلما قرب منا فإذا هو

_________________________

(١) رجال الطوسي: ٢ / ٧٣٢.

(٢) منتهى الآمال للمحدث القمي: ٢ / ٣٨٨.

(٣) اختصار معرفة لرجال الطوسي: ٢ / ٣٣٢.

٧١

أبوالحسن عليه‌السلام فقمنا إليه وسلمنا عليه، ودفعنا إليه الكتب وما كان معنا، فأخرج من كمّه كتباً فناولنا إياها فقال: هذه جوابات كتبكم، فقلنا إن زادنا قد فنيَ فلو أذنت لنا فدخلنا المدينة فزرنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتزودنا بزاد، فقال: هاتا ما معكما من الزاد، فأخرجنا الزاد فقلّبه بيده، فقال: هذا يبلغكما إلى الكوفة، وأما رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقد رأيتماه، وإني صليتُ معهم الفجر، وإني أريد أن أُصلي معهم الظهر، إنصرفا في حفظ الله!

الامام الكاظم عليه‌السلام أجازه في عمله مع هارون

قال علي بن يقطين للامام الكاظم عليه‌السلام: أما ترى حالي وما أنا فيه؟ فقال: يا علي إنّ لله تعالى أولياء مع أولياء الظلمة ليدفع بهم عن أوليائه وأنت منهم يا علي(١).

وفي البحار استأذن علي بن يقطين الامام الكاظم عليه‌السلام في ترك عمل السلطان فلم يأذن له وقال: لا تفعل فانَّ لنا بك أنساً ولإخوانك بك عزّاً وعسى أن يجبر الله بك كسراً ويكسر بك نائرةَ المخالفين عن أوليائه.

يا علي كفّارة أعمالكم الإحسان إلى إخوانكم. إضمن لي واحدة وأضمن لك ثلاثاً: إضمن لي أن لا تلقي أحداً من أوليائنا إلّا قضيت حاجته وأكرمته وأضمن لك ان لا يظلّك سقف سجن أبداً ولا ينالك حدّ سيف أبداً ولا يدخل الفقر بيتك أبداً، يا علي من سرَّ مؤمناً فبالله بدأ وبالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثنّى وبنا ثلّث(٢).

أقول: من أدخل سروراً على مؤمن أدخله على الله سبحانه والرسول والأئمة فكيف بمن أدخلَ السرور على فاطمة الزهراء عليها‌السلام، وذلك من خلال إسعادها في بكاءها على ولدها الحسين عليه‌السلام المظلوم الشهيد وإقامة مجالسه وإبكاء الناس على مصيبته.

_________________________

(١) نفس المصدر السابق: ٢ / ٧٣٠ ـ ٧٣١.

(٢) البحار: ٤٨ / ١٣٦.

٧٢

وكأني بلسان حال مولاتي الزهراء عليها‌السلام

وينه اليواسيني ابدمعته

على ابني الذي حزوا رگبته

وظلت ثلث تيام جثته

اويلاه يبني الماحضرته

ولا غسلت جسمه او دفنته

أفاطم لو خلت الحسين مجدلاً

وقد مات عطشاناً بشط فرات

المصدر: شعراء القطيف ص ٢٢٩

*         *        *

٧٣

٧٤

المجلس الحادي عشر

الموضوع: السجون التي مَرَّ بها الامام موسى بن جعفر عليه‌السلام

القصيدة: للشاعر الحاج منصور الجشي

مُصابٌ أطلَّ على الكائنات

فأوحشَ بالثكلِ أزمانَها

وأفجعنا وجمع الورى

وأوقد في القلب نيرانَها

فلله سهمٌ رمى المكرمات

فهدّ عُلاها وبنيانَها

ألم تدر يا دهر من ذا رميت

أصبتَ بسهمك فرقانَها

أصبتَ بسهمكَ قلبَ الوجودِ

وهدَّمتَ واللهِ أركانَها

غداة ابن جعفر موسى قضى

مُذابَ الحشاشة حرَّانها

قضى مُستضاماً بضيق السجون

يُكابدُ بالهمِّ أشجانَها

أيهنى لعينيَّ طيبَ الكرى

وهل تألفُ النفس سلوانَها

وبابُ الحوائج في مهلكٍ

عليه الفضا ضاق حيرانَها

أتاحَ لهُ السمّ أشقى الورى

فألهبَ أحشاهُ نيرانَها

وألمه بثقل القيود

ولم يرع في الحقّ ديّانها

على الجسر مُلقىً برمضائها

به أشفت القومُ أضغانَها

*         *        *

ظل مطروح والسندي ينادي اعليه

ابذاك النده الما واحد گدر يطريه

حميت النسب بسليمان هاجت بيه

اجه يمه او فل وجها وبچه وشمه

٧٥

*         *        *

ناده غلمانه او ويلاده اريد

اتشيعونه ابرغم هارون الرشيد

شيعوه او نزعوا منه الحديد

وصار للوادم عليه نوح وعويل

*         *        *

وبعد تشييعه ابوسط لحده اندفن

والدموع عليه من دم اذرفن

آه بس احسين ظل ابلا چفن

عالترب مطروح وابدمّه غسيل

أبيات الحسچه للاستاذ المرحوم الشيخ محمد سعيد المنصوري رحمه‌الله

يا سائلاً وشظايا القلب في شجن

هل جهّزوا لقتيلٍ ماتَ ممتحنِ

أجبته بقلبٍ والهٍ حَزَن

ما غسلوه ولا لقوهُ في كفن

يوم الطفوفِ ولا مدّوا عليه ردا

من دعاء الامام عليه‌السلام: «يا سيّدي نجني من حبس هارون وخلصني من يده يا مخلص الشجر من بين رملٍ وطين، ويا مخلص اللبن من بين فرث ودم ويا مخلص الولد من بين مشيمةٍ ورحم، ويا مخلص النار من الحديد والحجر... خلصني من يد هارون».

المقدمة: الأسباب التي دعت هارون لسجن الامام عليه‌السلام

١ ـ سمو شخصية الامام عليه‌السلام: الامام موسى الكاظم عليه‌السلام من ألمع الشخصيات الإسلامية في ذلك العصر، فهو أحد أوصياء الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، كما دان بإمامته جمهورٌ كبيرٌ من المسلمين، وقد أجمع المسلمون على اختلاف مذاهبهم على إكبار الامام وتقديره وقد تحدَّث الناس في عصره عن علومه وتقواه وورعه ومكارمه، وكان هارون نفسه ممّن يجلّه ويعتقد بأن الخلافة الإسلامية هو أولى بها منه، كما حدَّث بذلك المأمون، فقد قال لندمائه، أتدرون من علّمني التشيّع؟ فانبروا جميعاً قائلين: لا والله ما نعلم، علّمني ذلك الرشيد، فقالوا كيف ذلك؟ والرشيد كان يقتل أهل هذا

٧٦

البيت؟ قال: كان يقتلهم على الملك لانَّ المُلك عقيم ثم أخد يحدثهم عن ذلك قائلاً: لقد حججت معه سنة فلما انتهى إلى المدينة قال لا يدخل عليَّ رجل من أهلها أمن المكيين سواء كان من أبناء المهاجرين والأنصار أو من بني هاشم حتى يعرفني بنسبه وأسرته، فأقبلت إليه الوفود تترى وهي تعرّف الحاجب بأنسابها، فيأذن لها، وكان يمنحها العطاء حسب مكانتها ومنزلتها، وفي ذات يوم اقبل الفضل بن الربيع حاجبه وهو يقول له: رجل على الباب، زعم أنه موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم‌السلام، فلما سمع ذلك هارون أمر جلساءه بالوقار والهدوء ثم قال لرئيس تشريفاته إئذن له، ولا ينزل إلا على بساطي. وأقبل الامام عليه‌السلام وقد وصفه المأمون فقال إنه شيخٌ قد انهكته العبادة كأنه شن بال قد كلمَّ السجود وجهه، فلما رآه هارون قام إليه وأراد الامام أن ينزل عن دابته، فصاح الرشيد لا والله إلا على بساطي فمنعه الحجاب من الترجل ونظرنا إليه بالإجلال والإكبار والاعظام، وسار راكب إلى البساط، والحجاب وكبار القوم محدقون به، واستقبله هارون فقبل وجهه وعينيه، وأخذ بيده حتى صيّره في صدر مجلسه وأقبل يسأله عن أحواله ويحدّثه ثم قال له:

يا أبا الحسن ما عليك من العيال؟ قال الامام يزيدون على الخمسمائة. قال هارون: أولاد كلهم؟ قال الامام: لا أكثرهم موالي وحشمي وأما الولد فلي نيف وثلاثون ثم بين له عدد الذكور والإناث، فقال هارون: لم لا تتزوج النسوة من بني عمومتهن؟ فقال الامام عليه‌السلام: اليد تقصر عن ذلك. فقال هارون: ما حالُ الضيعة؟ قال الامام عليه‌السلام تعطي في وقت وتمنع في آخر، قال هارون: فهل عليك دين؟ قال الامام عليه‌السلام: نعم، قال هارون: كم؟ قال الامام عليه‌السلام: نحو من عشرة آلاف دينار، قال هارون: يا بن عم، أنا أعطيك من المال ما تزوج به أولادك وتعمر به الضياع. قال الامام عليه‌السلام: وصلتك رحم يا بن العم، وشكر الله لك هذه النية الجميلة، والرحم ماسة واشجة، والنسب واحد، والعباس عم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وصِنو أبيه وعم علي بن أبي طالب عليه‌السلام وصنو أبيه، وما أبعدك الله من أن تفعل ذلك وقد بسط يدك وأكرم عنصرك وأعلى محتدك، فقال هارون: أفعل ذلك يا أبا الحسن وكرامة، فقال له

٧٧

الامام عليه‌السلام: إنَّ الله عزَّ وجلَّ قد فرض على ولاة العهد أن ينعشوا فقراء الأمة، ويقضوا على الغارمين، ويؤدوا عن المثقل ويكسو العاري وأنت أولى من يفعل ذلك. قال هارون: أفعل ذلك يا أبا الحسن.

ثم انصرف الامام عليه‌السلام فقام هارون تكريماً له فقبل ما بين عينيه ووجهه ثم التفت إلى أولاده فقال لهم: قوموا بين يدي عمكم وسيدكم، وخذوا بركابه وسووا عليه ثيابه وشيعوه إلى منزله، فانطلقوا مع الامام بخدمته وأسر عليه‌السلام إلى المأمون فبشَّرهُ بالخلافة وأوصاه بالإحسان إلى ولده، ولمّا فرغوا من القيام بخدمة الامام وإيصاله إلى داره قال المأمون: كنتُ أجراُ ولد أبي عليه، فلما خلا المجلس قلت له: يا أمير المؤمنين، من هذا الرجل؟ الذي عظمته وقمت من مجلسك إليه فاستقبلته وأقعدته في صدر المجلس، وجلست دونه ثم أمرتنا بأخذ الركاب له. قال هارون: هذا إمام الناس وحجة الله على خلقه وخليفته على عباده، قال المأمون: يا أمير المؤمنين أو ليست هذه الصفات كلها لك وفيك؟

قال هارون: أنا إمام الجماعة في الظاهر بالغلبة والقهر وموسى بن جعفر عليه‌السلام إمام حق، والله يا بني إنّه لأحق بمقام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منّي ومن الخلق جميعاً والله لو نازعتني هذا الأمر لأخذتُ الذي فيه عينيك فان المُلك عقيم... الخ(١).

٢ ـ حقد هارون: كان الحقدُ من مقومات ذات الرشيد، ومن أبرز صفاته النفسية لقد حَسَدَ الرشيد البرامكة لما ذاع اسمهم وتحدثت الناس عن مكارمهم فقد أخذ الحقد ينخر في قلبه حتى أنزل بهم العقاب الأليم فمحا وجودهم وأزال ظلهم.

وكذلك لم يرق لهارون أن يرى في المجتمع من هو أفضل منه، والجماهير تؤمن بأن الامام الكاظم عليه‌السلام هو أولى بالأمر من غيره، وانه في القمة العليا علماً وفضلاً وأن المسلمين أجمعوا على تعظيمه، فساءه ذلك فقدم على ارتكاب الجريمة فأودع الامام في ظلمات السجون(٢).

_________________________

(١) حياة موسى بن جعفر عليه‌السلام للشيخ باقر شريف القرشي: ٢ / ٤٤٣ ـ ٤٤٦.

(٢) حياة موسى بن جعفر عليه‌السلام للقرشي: ٤٤٩ ـ ٤٥٠.

٧٨

٣ ـ حرصه على الملك: كان هارون حريصاً على ملكه متفانياً في حب سلطانه فهو يُضحى في سبيله جميع المقدسات والقيم، وقد عبَّر عن مدى حرصه على سلطته بكلمته المعروفه: «لو نازعني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأخذتُ الذي فيه عيناه»(١).

٤ ـ بغضه للعلويين: لقد ورث هارون عداء العلويين وبغضهم من آبائه وسلفه الذين نكلوا بالعلويين، وصبوا عليهم وابلاً من العذاب الأليم، وساقوهم إلى القبور والسجون، وطاردوهم حتى هربوا خائفين هائمين على وجوههم، وزاد هارون على أسلافه، فدفن العلويين وهم أحياء وأشاع في بيوتهم الثكل والحزن والحداد، وفرض عليهم الإقامة الإجبارية في بغداد، وجعلهم تحت المراقبة، ولم يسمح للاتصال بهم وحرمهم من جميع حقوقهم الطبيعية. وكان أبغض شيء عليه أن يرى عميد العلويين موسى بن جعفر عليه‌السلام في دعة واطمئنان وأمان، فعَمَد إلى سجنه وحرمان الامة الاسلامية من علومه ومن الاستفادة من نصائحه(٢).

٥ ـ الوشاية به: وعَمدَ فريقٌ من باعة الضمير إلى السعي بالامام عليه‌السلام والوشاية به عند الطاغية هارون ليتزلفوا إليه بذلك، وكانت وشاية هؤلاء المجرمين بالامام ذات طوابع متعددة وهي:

أ ـ جباية الأموال له: انطلق بعض الأشرار، فأخبر هارون بأن الامام تُجبى له الأموال الطائلة من شتى الأقطار الإسلامية وإنّه اشترى بها ضيعة تسمى «البسرية» اشتراها بثلاثين ألف دينار، فأشار ذلك كوامن الغيظ والحقد في نفس هارون، فان سياسته كانت تجاه العلويين تقضي بفقرهم ووضع الحصار الاقتصادي عليهم، فان فقرهم أحب إليه من غناهم ـ كما قال لولده المأمون ـ وقد ذهب ابن الصباغ إلى أن هذه الوشاية من جملة الأسباب التي دعت إلى سجن الامام عليه‌السلام(٣).

_________________________

(١) نفس المصدر السابق: ٤٥٠.

(٢) نفس المصدر السابق.

(٣) نفس المصدر السابق: ٢٥١ ـ ٢٥٢.

٧٩

ب ـ طلب الخلافة: وهناك مجموعة من السعاة لهارون على إمامنا الكاظم عليه‌السلام بحجة انه يطلب الخلافة قد سخّرهم بعض أعوان هارون ليتقرّب من هارون مثل يحيى البرمكي وغيره.

٦ ـ احتجاج الامام: من الأسباب التي حفزت هارون لاعتقال الإمام وزجّهُ في غياهب السجون، احتجاجه عليه‌السلام عليه بأنه أولى بالنبي العظيم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من جميع المسلمين فهو أحد أسباطه ووريثه وأنّه أحقُّ بالخلافة مِن غيره وقد جرى احتجاجه عليه‌السلام معه في مرقد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وذلك حينما زاره هارون وقد احتفَّ به الوجوه والأشراف وقادة الجيش وكبار الموظفين بالدولة فقد أقبل بوجهه على الضريح المقدَّس وسلّم عَلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قائلاً: «السلام عليك يا بن العم» وقد اعتزَّ بذلك على من سواه وافتخر على غيره برحمه الماسّة من النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإنّه إنّما نال الخلافة لقربه من الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكان الإمام عليه‌السلام آنذاك حاضراً فسلّمَ على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قائلاً: «السلام عليك يا أبتِ» ففقد الرشيد صوابه واستولّت عليه موجات من الأستياء حيث قد سبقه الامام عليه‌السلام إلى ذلك المجد والفخر فاندفع قائلاً بنبرات تقطرُ غضباً: «لِمَ قلت أنّك أقرب إلى رسول الله منّا؟؟» فأجابهُ عليه‌السلام بجواب لم يتمكن الرشيد من الردَّ عليه أو المناقشة فيه قائلاً: «لو بُعث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حيّاً فخطبَ منك كريمتك هل كنت تجيبهُ إلى ذلك؟» فقال هارون سبحان الله وكنتُ أفتخر بذلك على العرب والعجم.

فقال الامام عليه‌السلام: «لكنّه لا يخطب منّي ولا أزوّجه لانّه والدنا لا والدكم فلذلك نحن أقربُ إليه منكم». اذن فالإمام أولى بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من هارون وأحقَّ بالخلافة فهو سبطه ووارثه. لذلك ازداد هارون غيظاً على الامام وزجَّ به في السجن.

القبض على الإمام عليه‌السلام

وفي اليوم الثاني ألقى القبض على الامام عليه‌السلام فالقت الشرطة القبض على الامام عليه‌السلام وهو قائمٌ يُصلّي لربّه عند رأس جدّه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقطعوا عليه صلاته ولم

٨٠