🚖

تراثنا ـ العدد [ 4 ]

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم

تراثنا ـ العدد [ 4 ]

المؤلف:

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم


الموضوع : مجلّة تراثنا
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: مهر
🚖 نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

من الأشرار» (٣٤).

ومنهم العلامة في «تعريف الأحياء بفضائل الإحياء» المطبوع بهامش «إتحاف السادة المتّقين» للمرتضى ، هامش ص ٣٠ : «٢٣ ـ كتاب أخلاق الأبرار والنجاة من الأشرار».

ومنهم حاجي خليفة في «كشف الظنون» : أخلاق الأبرار والنجاة من الأشرار» للإمام أبي حامد محمد بن محمد الغزّالي ، المتوفّى سنة خمس وخمسمائة (٣٥).

٦ ـ عين الحياة : ذكره السيد جلال الدين همائي في عداد الكتب المقطوع بنسبتها إلى الغزّالي ، وقال في الهامش : «ورد اسم هذا الكتاب وما قبله ـ أي شجرة اليقين ـ في فهرست موريس بويج» (٣٦).

٧ ـ خزانة سرّ الهُدى والأمد الأقصى إلى سدرة المنتهى.

يمكن أن يكون المراد به ما ذكر في «هدية العارفين» تحت عنوان «سدرة المنتهى» (٣٧).

نعم يبقى : ١ ـ السلسبيل لأبناء السبيل ٢ ـ معايب المذاهب ٣ ـ نسيم التسنيم.

يمكن أن يعثر الباحثون على هذه الثلاثة أيضاً في خزائن المخطوطات الموجودة في أرجاء العالم ، كما اتّفق عدم عثور الباحثين في خلال سنين على كتاب ثم وجدت بعد ذلك نسخ متعدّدة منه في أماكن مختلفة ، لأنّ بعض خزائن المخطوطات إلى الآن غير مفتوحة للباحثين ، كخزائن المخطوطات في الصين و بعض المدن في الإتّحاد السوفيتي ، وغيرها من البلدان.

هذا ، و يجدر بنا أن نذكر أنّ مؤلّفات الغزالي قد اُحرقت في كثير من البلدان بأمر الاُمراء وفتوى الفقهاء ، من الحنابلة والأحناف والمالكية ، و أفتوا بحرمة مطالعتها لأسباب مختلفة.

يذكر السيد جلال الدين همائي قضية إحراق كتب الغزّالي وقتل أتباعه عن ابن خلّكان والسبكي في طبقات الشافعية وغيرها ، ونحن نكتفي بذكر خلاصة ما أورده

_____________________________

(٣٤) ريحانة الأدب ، ج ٤ ص ٢٣٨.

(٣٥) كشف الظنون ج ١ ص ٣٦.

(٣٦) غزالي نامه ص ٢٥٦.

(٣٧) هدية العارفين ، ج ٢ ، ص ٨٠.

١٨١

عن ابن خلّكان في ذيل ترجمة يوسف تاشفين : «علي بن يوسف بن تاشفين ، المتولّد في ١١ رجب ٤٩٦ ، المتوفّى ٧ رجب سنة ٥٣٧ هجرية ، ملك المغرب ـ أي الأندلس ومراكش ـ كان شديد التعصّب في مذهب المالكي و مخالفاً للمنطق والفلسفة ، فأمر بجمع كتب الغزّالي ، و إحراقها ، وقتل أتباعه ومن يسلك سبيله» (٣٨).

فعلى هذا يمكن أن يقال : إنّ بعض هذه الكتب لم تصل إلينا لهذا السبب.

و ختاماً نشكر الباحث الفاضل الذي أتاح لنا هذه الفرصة ، فأنفقنا فيها سويعات في عالم التراث الممتع المدهش.

والله الموفّق.

_____________________________

(٣٨) غزالي نامه ص ٤٤٢ ، طبع طهران سنة ١٣٨٢ هـ.

١٨٢

من التراث الادبي المنسي في الاحساء

الشيخ جعفر الهلالي

إنّ ممّا يؤسف له حقّاً : أنّ هذه الرقعة من الأرض والتي عرفت بـ (الأحساء) اليوم ، وقد كانت تعرف قديماً بـ (هجر) ، أو (هجر البحرين) ، والتي إليها يشير المثل المشهور «كناقل التمر الى هجر» قد أغفلها الدارسون والمتصدّون لكتابة التاريخ والآداب بالخصوص.

يقول أحد أبناء تلك المنطقة : «فأنت إذا جئت تبحث في صفحات التاريخ فلا تجد ما يبرّد ظماك ولا ما يبلّ صداك ، وليس حظّك من كتب التراجم والآداب بأحسن من حظّك من صفحات التاريخ».

نعم أغفل التاريخ هذه الرقعة ، ولكنّ الحقيقة لابدّ أن تظهر ولا بدّ أن تبرز ولا بدّ أن تأخذ محلّها الذي قدّر لها ، كما أخذت حقّها من الشمس المنيرة التي تشرق عليها في نهارها ، ومن القمر الذي يضيء عليها في ليلها ، و يسايرانها في ركب الزمن إلى أن يشاء الله سبحانه في انتهائه !

إنّ الحقيقة تقول : إنّ هذه الرقعة مشى عليها بشر لهم عقولهم المفكرة التي منحهم الله إيّاها ، كما منح غيرهم من البشر ، فساهموا في الحركة العلمية بجميع فنونها من فقه وغيره ، كما ساهموا في الحركة الأدبية بجميع فنونها من نثر و شعر ، ولم يتخلّف ركبهم في ذلك عن ركب غيرهم من الاُمّة الإسلامية وغيرها ، فهم قد طبّقوا قوله صلّى الله عليه وآله : «اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد» ، كما لزموا القول المأثور : إنّ من الجهل أن يعيش الإنسان في الجهل ، كلّ هذا و إن تنكّرت كتب السيرة لكثير منهم ، ولم تتنكّر لمن لا

١٨٣

يستحقّ الذكر.

نعم لا اُغمض أنّ البعض دوّن عن بعضهم ولم يغفل أن يسجل اسمه في كتابه ، فكتب عن الشيخ فلان : وكان من أهل الفضيلة عالماً فاضلاً. وكتب عن آخر : الشيخ فلان من أعلام الشعر وله شعر كثير. ولكنه تناسى أن يكتب عن ذاك بذكر شيء من مؤلّفاته ، كما تناسى في هذا أن يذكر شيئاً من شعره.

(وعلى سنن من مضى درج من أتى بعده ، والحقيقة غير هذا ، فهناك العشرات ممّن ساهم في حمل الرسالة العلمية ، وهناك العشرات ممّن ساهم في الأدب وخلّد له الزمن من شعره مهما أغفله كتّاب العصر) (١).

و ممّا يؤيّد هذا الرأي أنّه صدر قبل فترة ديوان باسم «ديوان هجر» ، جمع فيه صاحبه أشعار جماعة من شعراء الأحساء ، وهي خطوة حسنة ، وكنت أظنّ أنّ هذا الديوان سيحتضن بين دفّتيه قصائد و أشعاراً لبعض هؤلاء الشعراء المنسيّين ـ على الأقل ـ ضمن من تصدّى لنشر شعرهم في هذا الديوان ، ولكن يظهر أنّ العامل المذهبي عند جامع الديوان كان قد أثّر عليه فأسقط من حسابه أن يعن بنشر شعر هؤلاء الشعراء ، أو ذكرهم ولو ببعض ما يدلّ على وجودهم كشعراء يعيشون في هذه المنطقة ، ولكنّ شيئاً من هذا لم يحصل.

وهذا العامل في إغفال هذا النوع من الشعراء كان قد تأثّر به غير واحدٍ من كتّاب الأدب و أصحاب المعاجم ، فالمعروف عن صاحب كتاب «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» أنّه أهمل الكثير من الشعراء الّذين عرفوا بموالاتهم لأهل البيت عليهم السلام ، وهكذا الحال بالنسبة لصاحب «الذخيرة» العماد الإصفهاني ، فقد أسقط هو الآخر من حسابه مجموعة من هؤلاء الشعراء ، وعلى هذه الوتيرة مضى الثعالبي في «اليتيمة» ، والميداني في «معجم الاُدباء» ، وسنتناول هذا الموضوع بالتفصيل في مقدّمة كتابنا «معجم شعراء الحسين عليه السلام».

والذي نحن بصدده الآن هو ضياع هذا الأدب لمدينة الأحساء ، و نسيانه.

و تتلخّص الأسباب بما يلي :

_____________________________

(١) مابين القوسين مقتبس من كلمة للعلّامة الشيخ باقر الهجري أحد علماء الأحساء ، كان قد صدّر به ديوان أحد شعراء الأحساء وهو الخطيب الشاعر الشيخ كاظم بن مطر.

١٨٤

١ ـ عدم تصدّي الدارسين للتأريخ والأدب ، وعدم التوجّه منهم ، و إغفالهم هذه المنطقة إلّا القليل النادر ، كما اُشير له سابقاً.

٢ ـ التأثّر بالعامل المذهبي لدى بعض من تصدّى لجمع شعر شعراء هذا القطر كما بيّنّا ذلك.

٣ ـ عامل الخوف الذي ساد رجال العلم والأدب في تلك البلاد ، وهذا ناتج عن الحملة الوهّابية في أول مجيئها ، فقد تعرّض الناس و أهل العلم والأدب ـ بالخصوص ـ الى الإمتهان والقتل أحياناً ، ممّا دعا البعض من رجال العلم والأدب أن يغادروا وطنهم و يهاجروا إلى سائر البلدان كإيران والعراق والبحرين وغيرها ، و اضطرّ الباقون إلى إخفاء مالديهم من تآليف علميّة أو دواوين شعريّة ، و ذلك بدفنها في الأرض.

و أما ما سلم من هذا التراث وانتقل إلى يد الورثة من أبناء العلماء والاُدباء ، فقد قام هؤلاء بسبب العامل نفسه بإتلاف ما ورثوه من تلك المأثورات العلميّة والأدبيّة وخصوصاً الشعر منها ، و إذا أحسنوا رموها بين سفوح الجبال أو وضعوها في المساجد مع نسخ القرآن الممزّقة.

٤ ـ جهل من انتقل إليهم ذلك التراث ، وحرص بعضهم حتى تلف كثير من تلك الكتب والدواوين ، ولعلّ الجهل والحرص لم يختصّا ببلاد دون اُخرى ، فهناك الكثير من التراث العلمي والأدبي قد ضاع في كثير من البلدان لهذا السبب أيضاً.

و بالرغم من كلّ هذا فقد وقفت في إحدى سفراتي الى بلاد الأحساء على مجموعة لا بأس بها من الآثار الأدبيّة والدواوين الشعريّة لبعض الشعراء هناك ، وقد نقلت كثيراً من القصائد والمقاطيع الشعريّة و بعض البنود ، وقد استنسخت بعض الدواوين بكاملها ، من ذلك ديوان الشيخ محمد البغلي من شعراء القرن الثالث عشر... و كثير من شعراء هذا القرن والقرن الذي قبله ، وممّن نقلت كثيراً من قصائده و تخاميسه و تشطيره الشيخ عبدالله الصايغ ، كما نقلت له ملحمة مطوّلة في المعصومين الأربعة عشر ، تبلغ ١٥٢٦ بيتاً حسب تعداد الشاعر لأبيات تلك الملحمة ، و إن كان الذي وقفت عليه من أبيات تلك الملحمة يربو على هذا العدد بمائة بيت تقريباً.

وقد جارى فيها الشاعر قصيدة الملّا كاظم الاُزري ، وقد أشار الشاعر المذكور و أشاد بأفضليّة السبق له عليه ، وقد نقلتها عن نسختين مخطوطتين موجودتين لدى بعض المؤمنين في الأحساء ، وقد شرحت بعض كلماتها اللغويّة ، وها أنا أغتنم هذه الفرصة

١٨٥

التي أتاحتها لنا نشرة «تراثنا» التي تصدرها مؤسسة آل البيت عليهم السلام ، و اُقدّم للنشر جانباً من هذه القصيدة ليطلع عليها جمهورنا المسلم ، عسى أن تتهيّأ فرصة أكبر لنشرها بكاملها إن شاء الله ، فوفّق الله العاملين في هذا الحقل و بارك هذه المساعي إنّه سميع الدعاء.

الخطيب الشيخ جعفر الهلالي

١٨٦

الشاعر :

هو الشيخ عبدالله بن علي بن عبدالله الوايل الأحسائي المعروف بـ «الصائغ».

ولد الشاعر في الهفوف عاصمة الأحساء ، في حدود النصف الأول أو بعده بقليل من القرن الثالث عشر ، ولم يحدّد بالضبط تأريخ ولادته ، غير أنّه كان حيّاً عام ١٢٨١ هـ ، وهو تأريخ الفراغ من نظم ملحمته الشعريّة ، كما أرّخها هو في آخر أبياتها.

والشاعر ، بالإضافة الى ملكته الشعريّة ، كان أحد العلماء المحصلين ، أخذ دراسته العلميّة في مدينة الأحساء على يد علمائها آنذاك ، ومنهم الشيخ محمد أبو خمسين (١) فقد أخذ عنه الفقه والحكمة ، ولا يدرى هل سافر الى النجف أم لا ؟

آثاره :

للشاعر المذكور من الآثار المخطوطة ما وقفت عليه في الأحساء عند بعض المعنيّين بجمع تراث الأحساء ـ وخصوصاً الأدبي منه ـ وهي كما يلي :

١ ـ ديوان شعر كبير يتألّف من ثلاثة أجزاء في مختلف الأغراض والمواضيع.

٢ ـ كشكول كبير في مجلّدين سقطت أكثر أوراقه أو تلفت.

٣ ـ نهج الاُزريّة ، وهي الملحمة التي سنقدم جزءاً منها للقارئ : تشتمل على أكثر من (١٥٠٠) بيت من الشعر ، كما توجد له ثلاثة بنود ، في التوحيد ، والنبوّة ، والإمامة.

وفاته :

توفّي الشاعر في قرية «سيهات» إحدى قرى مدينة القطيف ، وكانت وفاته سنة ١٣٠٥ هـ.

_____________________________

(١) اُسرة آل أبي خمسين من الاُسر العلميّة المعروفة في مدينة الهفوف بالأحساء ، أشهرهم الشيخ موسى أبو خمسين.

١٨٧

«قصيدة نهج الاُزرية»

الفصل الأول

في التشبيب والغزل

هذه رامةٌ (١) وهذي رباها

فاحبسا الركب ساعةً في حماها

و أنيخا بها المطايا وميلا

للثرى وانشقا أريج (٢) شذاها (٣)

وقفا بي ولو كلوث إزار

علَّ نفسي تنال منها مناها

و اُسائِلْ طلولَها عن ظعونٍ

سار قلبي لسيرها وتلاها

و اُؤدّي لها يسيرَ حقوقٍ

من كثير و أين منّي أداها

بمغانٍ (٤) حوت لحسنِ غوانٍ (٥)

تتوارى الشموس تحت ضياها

من ظباءٍ كوانسٍ (٦) بخدورٍ

حجبتها ليوثها بضباها

يا خليليَّ لا تلوما خليعاً

خلعتْ نفسهُ غرامَ سواها

واسعداني ـ سُعدتما ـ في غرامي

إنّ خير الصحاب صحب صفاها

(١٠) أو دعاني بها أبُثُّ شجوناً

كَلَمت (٧) مهجتي كلوم (٨) مُداها (٩)

أنا فيها متيمٌ (١٠) وغرامي

شاهد أنّني قتيل هواها

_____________________________

(١) رامة : اسم مكان تخيّله الشاعر مسكناً لأحبّائه الذين تغنّى بهم في مستهلّ قصيدته.

(٢) الأريج ، توهّج ريح الطيب ، تقول : أرج الطيب ، أي فاح.

(٣) الشذا : حدّة ذكاء الرائحة.

(٤) المغاني : جمع مغنى ، وهي المواضع التي كان بها أهلوها.

(٥) الغواني : جمع غانية ، وهي الجارية التي غنيت بحسنها وجمالها.

(٦) الكوانس : جمع كانِس ، وهو الظبي في (كناسِه) ، وهو موضعه في الشجر يكتنّ به و يستتر.

(٧) كَلَمت : أي جرحت.

(٨) الكُلوم : هي الجروح.

(٩) المُد : جمع مدية وهي الشفرة.

(١٠) يقال : تيّمه الحب : عبّده و ذلّله.

١٨٨

كيف تهوى الملامَ نفسُ معنّىً  

كثرة اللوم في الهوى أغواها

ما لِنفسي و للسلوّ وهذا

دمعُها أهرقته سرب دماها (١١)

صيّرته خضابها لا كُفٍّ

وخدود قد صرت من قتلاها

لست أنسى ـ وكيف أنسى ـ !؟ زماناً

قد تجلّت أيّامه بصفاها

وليالٍ قد أقمرت (١٢) بوصالِ العينِ (١٣)

من غيدِها (١٤) و شطَّ نواها

زمن أينعت ثمارُ الأماني

ليَ فيه و أتحفتني جناها (١٥)

حيث لم نلف واشياً ورقيباً

نتّقي منهما وقوع جفاها

فتولّى كأنّه ومضةٌ (١٦) من

برقةٍ أو كخفقةٍ (١٧) من كراها (١٨)

يا رعى الله تلك أوقات اُنسي

تَمَّ حسنُ الزمان من حسناها (٢٠)

كم به من لبانةٍ (١٩) أنعشتْنا

باجتِنا صفوها بوصل مَهاها (٢٠)

فقضينا به مناسكَ عشقٍ

حيث إحرامنا بلبس هواها

ثم قد ضمّنا معرَّسُ وصل

فأفضنا به لورد لُماها (٢١)

ثم حلّت نفوسنا مشعر الأمن ونالت من بعد ذاك مُناها

فنحرنا هديَ الجوى (٢٢) وحَلقنا

من وشاةٍ لنا شعور رجاها

وقذفناهم برميِ جمار البعدِ عنّا فأحرقتهم لظاها (٢٣)

_____________________________

(١١) الدُّمى : جمع دمية ، وهي الصنم والصورة من العاج.

(١٢) أقمرت : أضاءت ، يقال : ليلة قمراء أي مضيئة.

(١٣) العين جمع أعين : وهو واسع العين ، والمرأة عيناء.

(١٤) الغيد : جمع غادة : وهي المرأة أو الفتاة الناعمة الليّنة الأعطاف ، وكذلك الغيداء وهي بيّنة الغيد.

(١٥) الجنى : ما يجتنى من الشجر ، يقال : جنى الثمرة أي تناولها من شجرتها.

(١٦) يقال : ومض البرق اي لمع لمعاً خفيّاً ولم يعترض في نواحي الغيم.

(١٧) يقال : خفق الرجل أي حرّك رأسه وهو ناعس.

(١٨) الكرى : النعاس.

(١٩) اللبانة : الحاجة.

(٢٠) المها بالفتح : جمع مهاة ، وهي البقرة الوحشية.

(٢١) اللم : سمرة أو سواد في باطن الشفة يُستحسن.

(٢٢) الجوى : الحرقة و شدّة الوجل.

(٢٣) اللظى : النار ، ولظى أيضاً : إسم من أسماء النار معرفة لا ينصرف.

١٨٩

ثم طفنا بكعبةِ الحسنِ منها

واعتكفنا بها بهجرِ سواها

واستلمنا لأسودِ الخالِ منها

و شِفاهٍ قد أنعشتنا شِفاها (٢٤)

وسعينا بصفوِ عيشٍ هَنِيِّ

مَرِءٍ (٢٥) لا بمروةٍ وصفاها

(٣٠) فأراشت (٢٦) لنا الليالي سهاما

من صروف النوى (٢٧) فجدَّ جفاها

فتداعت إلى الفراق رفاقُ الاُنسِ منّا وَ نوَّهَت بدعاها

وجرى ما جرى ولا تسألا عن

حال أهل الهوى غداة نواها

فلكم ثَمَّ من قلوب تهاوت

مصعقات (٢٨) لفرط روعِ عراها

وقلوب تطايرت لو شيك البَين (٢٩) منّا كأنَّ نافٍ نفاها

لست أنسى على النقى (٣٠) وقفةَ التوديعِ والعينُ لا يكف بكاها

ثم سارت مطيُّهم تذرع البيدَ ولكن قلوبنا تِلقاها

وانثنينا بصفقةِ (٣١) الغُبْنِ (٣٢) ظُمياً

للقاها و أين منّا لقاها

وكذا عادة الزمان بأهلِ الفضلِ لازال مولعاً بجفاها

فاسألاني به فإنّي خبير

ذقتُ أحوالَهُ على استقصاها

(٤٠) برقهُ خُلَّبٌ (٣٣) و سُحبُ أياديه جهامٌ (٣٤) لمن يروم استقاها (٣٥)

لم يَهَبَ نعمةً بلا سلب اُخرى

لبنيه ولا يدوم بقاها

_____________________________

(٢٤) يقال : شافهه شفاهاً و مشافهةً ، أي خاطبه فاه إلى فيه.

(٢٥) يقال : مَرِءَ الطعام أي صار مريئاً.

(٢٦) أراش السهم : ألزقَ عليه الريش.

(٢٧) النوى : البُعد.

(٢٨) يقال : صعق الرجل أي غشي عليه.

(٢٩) البين : الفراق.

(٣٠) النقى : مقصور ، وهو كثيب الرمل.

(٣١) يقال : صفق له بالبيع والبيعة ، أي ضرب يده على يده ، و بابه ضرب ، و يقال : ربحت صفقتك للشراء ، وصفقة رابحة وصفقة خاسرة.

(٣٢) الغُبن : الخداع والغلبة ، يقال : غبنه في البيع أو الشراء ، أي خدعه وغلبه.

(٣٣) يقال : برق خُلَب وسحاب خُلّب الذي لامطر فيه كأنّه خادع ، ومنه قيل لمن يعدُ ولا ينجز : إنّما أنت كبرق خُلّب.

(٣٤) الجهام بالفتح : السحاب الذي لاماء فيه.

(٣٥) استقى استقاءاً : طلب ما يشربه.

١٩٠

من عذيري له !؟ وفي كلّ آنٍ

تنتحيني صروفُه (٣٦) بعناها

مستطيلاً بخفض (٣٧) قدري ولم يدرِ بأني من المعالي فتاها

موقفي فوقَهن ناشٍ وطفلاً

قد غذتني بَدرها ثدياها

ولئن نابني بخفضِ مقامي

بعيونٍ داعي الغو (٣٨) أغواها

لايعاب الإكسير (٣٩) يوماً إذا ما

جهلته من الورى جهلاها

الفصل الثاني في التخلّص إلى المدح و يبدأ بمدح النبيّ صلّ الله عليه وآله

كيف لا تملك المعاليَ نفسٌ

حبُّ طٰه بنوره زكّاها (٤٠)

احمد المصطفى أجلّ نبيٍّ

بعث الله للورى لهداها

علّة النشأتين فيمن يرى الله ومولى وجودها وفناها

ذات قدسٍ تذوقت كلُّ ذاتٍ

من هيولى (٤١) هياكل حلّاها (٥٠)

هو في الكائنات أوّل نفسٍ

برأ الله كنهها فاجتباها (٤٢)

وحباه (٤٣) من فضله بمعالٍ

عرك (٤٤) النَيّراتِ أدنى علاها

ما اصطفى في العباد شخصاً سواه

للعبوديّة التي يرضاها

ثم آتاه ما يشا من علوم الملكوتيّةِ (٤٥) التي أبداها

_____________________________

(٣٦) إنتحى : بمعنى قصد ، يقال : انتحى الرجل أو الشيء : قصده و تنتحيني هنا بمعنى تقصدني.

(٣٧) خفض : ضد رفع.

(٣٨) الغوى : الضلال ، و اغوى بمعنى أضلّ.

(٣٩) الاكسير : ما يلقى على الفضة ونحوها فيحوّلها الى ذهب خالص ، والكلمة يونانية ، وقال في تاج العروس : الاكسير ـ بالكسر ـ : الكمياء.

(٤٠) زكّى : بمعنى طهّر و أصلح ، يقال : زكاه الله ، أي طهّره و أصلحه.

(٤١) الهيولى من المصطلحات الفلسفية ـ يونانية ـ جمع هيولات : المادة الأولى.

(٤٢) إجتباه : إختاره و اصطفاه.

(٤٣) يقالُ : حباه بكذا ، أي أعطاه إيّاه بلا جزاء ، ومنه الحُبوَة والحَبوة والحِبوة وهي العطية.

(٤٤) يُقال : عركَ عركاً الأديم : دلكَه ، والشيء : حكّه حتّى عفّاه.

(٤٥) الملكوت : يطلق على الملك العظيم ، العزّ والسلطان ، والسماويّ.

١٩١

بل و أنهىٰ اليه خيرَ مزاياً

كبرت رفعةً بأن تتناها

عالَمٌ عالِمُ السرائرِ أسرى (٤٦)

سرَّه في عوالمٍ أنشاها

جاء للانبياءِ منها يسيرٌ

فيه قد فُضِّلَتْ على من سواها

جمع الله فيه كلَّ كمالٍ

أخذت عنه كلُّ نفسٍ هداها

أوّل السابقين في حلبةِ (٤٧) الفضلِ ومصباحُ أرضِها وسماها

(٦٠) نَيِّرٌ أشرق الوجودُ بإشراقاتِ أنوار عزّةٍ جلّاها (٤٨)

و به قرَّتِ القوابلُ طرّاً

بقبولِ الوجودِ عند دعاها

واستقامت به السمٰوات والأرضُ ومن فيهما بحسنِ استواها

مَلِكٌ مُلكُه الممالكُ لا بل

هو قيّومُها (٤٩) الذي يرعاها

وهو ناموسُها (٥٠) العليمُ بما قد

عملتْهُ بجهرِها و خفاها

وهو الكِلْمَةُ التي انزجر العمقُ لها واستقام من جدواها

عيلمٌ فاض للعوالمِ منه

خيرُ فيضٍ حَوَتْ به نعماها

كلُّ ما في الوجودِ من كائناتٍ

ذوالمعالي لأجله سوّاها

وكفاه على الخلائقِ طُرّاً

أنّه كان في العُلىٰ مصطفاها

وله اشتقَّ ذوالجلالة من أسمائِهِ اسماً سمت به حسناها

(٧٠) فهو في خلقِهِ الحميدُ وهذا

(أحمد) ياله عُلىً لا يُضاها

سرّ فضلٍ لمّا يطقْ كتمهُ الغيبُ

لأسرار حكمةٍ قد حواها

لم يزل في عوالمٍ منه يجري

في بحورٍ به اُفيضَ نداها

_____________________________

(٤٦) أسرى إسراءاً : سار ليلاً ، و أسر به : سيّره ليلاً ، والكلمة هنا لا تدلّ على غرض الشاعر ، وهي كذا وردت في الأصل.

(٤٧) يقال : هو «يركض في كلّ حلبة من حلبات الجد» أي في كلّ سباق المجد ، و أصل الحلبة تطلق على الدفعة من الخيل في الرهان خاصة ، والخيل تجمع للسباق.

(٤٨) جلّى الأمر : أظهره.

(٤٩) القيّوم والقيّام : الذي لابدء له والقائم بذاتِه ، وهما من أسمائه تعالى ، والشاعر أطلق الكلمة على النبي ـ صلّ الله عليه وآله ـ إطلاقاً مجازيّاً ، و ذلك لما أعطى الله نبيّه من قيمومة على الكائنات والخلائق.

(٥٠) الناموس : يقال ناموس الرجل صاحب سرّه ، الذي يطلعه على باطن أمره و يخصّه بما يستره عن غيره ، وعليه فمعنى الناموس هنا بقول الشاعر : أنّ الرسول ـ صلّ الله عليه وآله ـ هو الذي أطلعه الله على غيبه ، واختصّه بما لم يخصّ به غيره.

١٩٢

فأتى عالَم الشهادةِ هادٍ

اُمماً قادها دواعي غَواها

فبدا في سما الرسالةِ شمساً

مشرقا فوقَ كلِّ شيءٍ ضِياها

جاء منه لها ولم تَبْدُ آياتٌ عظامٌ بَهَرْنَ (٥١) مَن قَدْ رآها

كتهاوي شُهبِ السَّما وهي تنبي

أنّه للعِدى شهابُ رداها (٥٢)

وانشقاق الإيوانِ يُنبئُ عنه

أنّه بالهدى يشقُّ عصاها

وانطِفا (٥٣) نارِ فارسٍ عنه مُنْبٍ

أنّه آن من لظاها انطفاها

واغتدت باسمه الهواتف تدعو

معلناتٍ و فَوَّهت (٥٤) بنداها

و أتتْ اُمَّهُ البشائرُ منها

أنّه في الورى بشيرُ هداها (٨٠)

ورأتْ من كرامةِ الله منه

ما اُقِرَّتْ بنيلِهِ عيناها

وتهاوى لدى ولادتهِ عن

كعبةِ الله كلُّ جبتٍ (٥٥) علاها

وسرى منه في فلاسفةِ الكهّان (٥٦) حتفٌ (٥٧) أبادها فاختلاها (٥٨)

و به الماردون (٥٩) نالت دحوراً (٦٠)

و ثبوراً (٦١) به تحسّت رداها

ومن الحجب بالبشارةِ جبرائيلُ بأملاكِها الغُرِّ فاها

_____________________________

(٥١) يقال بَهره بهراً : غلبه و فضله ، و بهر القمر : غلب ضوءهُ ضوء الكواكبِ و بهرت فلانةُ النساء : غَلَبتهنّ حسناً.

(٥٢) الرّدى : الهلاك.

(٥٣) يريد : وانطفاء ، فحذف الهمزة للضرورة الشعريّة.

(٥٤) يقال : فاه فوهاً بكذا : نطق به ، و تفوّه بكذا نطق به أيضاً ، ومنه الخطيب المفوّه : المنطيق البليغ الكلام.

(٥٥) الجبت : الصنم.

(٥٦) الكهّان جمع كاهن : وهو من يدّعي معرفة الأسرار أو أحوال الغيب.

(٥٧) الحتف جمعه حتوف : الموت.

(٥٨) يقال : اختليته أي قطعته.

(٥٩) الماردون جمع مارد : وهو ذو المرود العاتي ، كأنّه تجرّد من الخير ، ومراد الشاعر هم مردة الشياطين الّذين كانوا يصعدون في السماء يسترقون السمع فلمّا قارب زمن النّبوة عند ولادة النبي ـ صلّ الله عليه وآله ـ حيل بينهم و بين ذلك ورجموا بالشُّهب.

(٦٠) يُقال : دحره دَحْراً و دحوراً : طرده و أبعده.

(٦١) يقال : ثبره ثبوراً : أي أهلكه.

١٩٣

و به الأرض أشرقت واستطالت (٦٢)

ـ إذ أتاها ـ على علوٍ سماها

و به مكّةٌ على كلِّ شيءٍ

فخرتْ إذ حواه منها فناها

وحقيقٌ بها إذ افتخرت بالمصطفى أحمدٍ على من سواها

قد حوت سؤدداً تودُّ دراري الشهبِ منه تكون من حصباها

(٩٠) إذ حوت سيّدَ السمٰواتِ والأرضِ ومختارَ خالقٍ سوّاها

كعبة الفاضلين في كلِّ فضلٍ

بل وناموسها الذي ربّاها

إن يكن جاء للنبيّين ختماً

فلقد كان في الوجودِ أباها

ما أتى آخراً سوى لمزاياً

فيه ذوالعرش حكمة أخفاها

إذ هو العالِمُ المفيضُ عليها

كلَّ علمٍ أتى به أنبياها

فهي عنه بكلِّ عصرٍ تؤدّي

ما من الرشد للبرايا عناها

فلذا ما حوته من مكرماتٍ

وجلالٍ إليه يُعزىٰ انتهاها

سل به آدماً فكم من أيادٍ

من جلالٍ إليه قد أسداها

و به تاب ذوالجلالِ عليه

إذ جنى من خطيئةِ حوباها

وله أسجدَ الملائك والأسماء طرّاً لحفظِهِ أملاها

(١٠٠) وله نال بالسفينة نوحٍ

خيرَ عقبى وفلكه نجّاها

والخليلُ اغتدتْ له النارُ برداً

وسلاماً به و أطفى لظاها

و هو سرُّ العصا لموسىٰ فألقتْ

عنده الساحرون سِلماً عصاها

ولعيسى أعار سرّاً فأحيا

من قبور دوارسٍ موتاها

كم له في العلى سوابقُ فضلٍ

مستحيلٌ على العِدادِ انتهاها

يعجز العَدُّ عن مناقبِ نفسٍ

ذو المعالي لأجله سوّاها

فهي صنعٌ له وكلُّ البرايا

احكمتْ صنعَها البديعَ يداها

ظهرت باسمِه العظيم فكلٌّ

خاضعٌ تحت مُجتلى كبرياها

أنبأ الخلقَ سورةُ النور عنه

نبأ كالشموس رادَ ضحاها

تاه في وصفه الخلائقُ طرّاً

وحقيقٌ بوصفه أن يتاها

(١١٠) صاغة الله جوهراً وهيَ منه

عرضاً منه كونُها قد أتاها

_____________________________

(٦٢) استطال هنا : بمعنى طال ، وهو متعدٍّ ، و ـ سماها ـ مفعول لاستطالت.

١٩٤

سيّدٌ واجبُ الوجودِ (٦٣) إليه

كلُّ فضلٍ وحكمةٍ أنهاها

ظهرت منه حكمة الله للخلق عياناً لأنّه مجتلاها

مَن دعا البدرَ لانشقاقٍ فأهوى

عن سماهُ و خرَّ في بطحاها !؟

كيف يعصيه وهو منه تحلّى

حلية النورِ واكتسى أسناها

فهو لو يدعُ جملةَ الشهبِ طرّاً

من سماها لحطَّها عن سماها

أوَ تعصيهِ ! وهي منه استنارت

و استقامت به على مجراها

حيث قد كان للوجوداتِ قطباً

وعلى مجدِهِ استدارت رحاها

ومن الوحش كلّمته اُسود

ثم طُلْسٌ (٦٤) و أعربت عن ثناها

والظّبا (٦٥) سلّمت عليه ولا غرْوَ بأن سلّمتْ عليه ظِباها

و لِتلقى هواه حنّت نياقٌ

وعلى مثلهِ حقيقٌ هواها (١٢٠)

والنَّباتاتُ كلّمته و أحيا

باسقاتٍ (٦٦) و أينعتْ بجناها

والعصا أورقت لديه ولا غروَ بأن أورقَتْ لديهِ عَصاها

وله الجذعُ حنَّ شوقاً كثكلى

فارط (٦٧) الحزن مَضَّها وشجاها

ومن الصخرِكم أسال عيوناً

بمعينٍ تعبّ (٦٨) في مجراها

والحصا سبّحت بكفّيه جهراً

وكثيرٌ من الورى قد وعاها

و إذا سار في الظهيرة أرخت

أذيلُ السُّحْبِ فوقَه أفياها (٦٩)

_____________________________

(٦٣) المراد بواجب الوجود : هو الله سبحانه ، وهو مصطلح أطلقه الفلاسفة الإلٰهيّون في تقسيمهم للوجود إلى ثلاثة أقسام : واجب ومستحيل وممكن ، اُنظر شرح ذلك في كتب الكلام والفلسفة الإلٰهية.

(٦٤) طُلْس جمع اطلس : وهو من أسماء الذئب ، يقال : ذئب أطلس وهو الذي في لونه غبرة إلى السواد.

(٦٥) الظِّباء جمع ظبي : الغزال للذكر والاُنثى.

(٦٦) الباسقات : النخيل ، يقال بسق النخل : طال ، ومنه قوله تعالى : « وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ » آية ١٠ : ق.

(٦٧) يقال : أفرط من الأمر ، أي جاوز فيه الحدّ ، والاسم : الفَرْط.

(٦٨) يقال : عَبّ عباباً البحرُ : كثر موجه و ارتفع ، والعُبُب : المياه المتدفقة ، والعُباب معظم السيل ، أو ارتفاع السيل.

(٦٩) الأفياء جمع فيء : ما كان شمساً فينسخه الظلّ ، وهو من الزوال الى الغروب ، وقد سمّي الظلّ فيئاً لرجوعه من جانب إلى جانب.

١٩٥

حُقَّ لو ظَلّلتْهُ فهو كريمٌ

منه نالت حياتَها وحياها (٧٠)

لا تَخَلْ ذا من النبيّ عجيباً

فهو من آيِ فضله أدناها

لم يَزلْ في البلادِ ينشرُ آياً

ضاق منهنَّ ـ كثرَةً ـ قطراها

(١٣٠) فدعاه اليه ذوالعرش ليلاً

ليريه من آيِهِ كبراها

ثم أسرتْ به إليه براقٌ

بعروجٍ سبحان من أسراها

وخطا عالَمَ الجوازِ ولمّا

يبقَ في الكونِ ذرةً ما وطاها

في قليلٍ أقلَّ من لمحِ طرفٍ

سُبُحات الجلال قد جلّاها

فدنا من مليكِهِ فتدلّى

بفنا حضرةٍ تناهى علاها

لم يكن بينه سوى قابِ قوسين وذات الجليل جلّ ثناها

ثم ناجاه ما هناك بما شاءَ يؤدّيه للبرايا شفاها

وعلى كتفِهِ امرَّ يداً قد

أثلج القلب منه بردُ رواها

وحباه من الكراماتِ مالم

يحوِها غيرهُ ولا من سواها

و إليه مفاتِحَ الغيبِ ألقى

و أراه كنوزَها فاحتواها

(١٤٠) لا رعى الله من قريشٍ بغاة

ما رَعَتْهُ ولم يزلْ يرعاها

ظاهرته ببغضِها و تولّتْ

عن هداه و تابعت طغواها

قد أراها معاجزاً ما رأتها

من نبيّ ولا الزمانُ رآها

بذلت جهدَها لاطفاءِ نورٍ

منه لازال بالهدى يغشاها

فأباه الإلٰهُ إلّا تماماً

في علاه و نقصِها وانتفاها

*  *  *

_____________________________

(٧٠) الحيا مقصور : المطر ، والخِصب ، والمراد هنا الأوّل.

١٩٦

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUETurathona-part004Turathona-part004imagesimage007.gif

١٩٧
١٩٨

تفسير سورة الاخلاص

الشيخ جعفر عباس الحائري

حياة المؤلّف

إقتبسنا ترجمة المؤلّف من كتاب «نقباء البشر في القرن الرابع عشر» من طبقات أعلام الشيعة ، تأليف الحجّة الشيخ آقا بزرك الطهراني ، صديق المؤلف وزميله في مجال العلم والتأليف ، وقد علّقنا عليها ما رأيناه ضروريّاً.

الشيخ محمد علي الاُردوبادي (١) (١٣١٢ ـ ١٣٨٠)

هو الشيخ محمد علي بن الميرزا أبي القاسم (٢) بن محمد تقي بن محمد قاسم الاُردوبادي التبريزي النجفي ، عالم متضلّع ، فقيه بارع ، و أديب كبير.

و نسبته إلى اُردوباد ، مدينة تقع على الحدود بين آذربايجان والقفقاز ، قرب نهر أرس.

و كانت ولادته في تبريز في ٢١ رجب سنة ١٣١٢ هجرية.

و أتى به والده إلىٰ النجف بعد عودته إليها في حدود سنة ١٣١٥ (٣) فنشأ عليه و وجّهه خير توجيه.

١٩٩

قرأ مقدّمات العلوم على لفيف من رجال الفضل والعلم ، وحضر في الفقه والاُصول على والده ، وشيخ الشريعة الإصفهاني ـ وقد أخذ عنه الحديث والرجال أيضاً ـ والسيّد ميرزا علي ابن المجدّد الشيرازي ، وفي الفلسفة على الشيخ محمد حسين الإصفهاني ، وفي الكلام والتفسير على الشيخ محمد جواد البلاغي ، ولازم حلقات دروس مشايخه الثلاثة المتأخّرين أكثر من عشرين سنة.

وشهد له بالإجتهاد كلّ من اُستاذه الشيرازي ، والميرزا حسين النائيني والشيخ عبدالكريم الحائري ، والشيخ محمد رضا ـ أبي المجد ـ الإصفهاني والسيد حسن الصدر ، والشيخ محمد باقر البيرجندي ، وعدد غيرهم.

كما أجازه في رواية الحديث أكثر من ستّين عالماً من أجلّاء العراق و إيران و سوريا ولبنان وغيرها.

والاُردوبادي عالم ضخم ، وشخصيّة فذّة ، و رجل دين مثالي ، وقد لا نكون مبالغين إذا ما وصفناه بالعبقرية ، فقد ساعده ذكاؤه المفرط واستعداده الفطري على النبوغ في كلّ المراحل الدراسيّة والعلوم الإسلامية ، حيث برع في الشعر والأدب حتى تفوّق على كثير من فضلاء العرب ، و وهب اُسلوباً ضخماً غبطه عليه الكثيرون و تضلّع في التاريخ والسير و أيّام العرب و وقائعها ، و أصبح حجّة في علوم الأدب واللغة والفقه و اُصوله والحديث والرجال والتفسير والكلام والحكمة وغيرها ، و نبغ في كلٍّ منها نبوغ المتخصّص مما لفت اليه أنظار الأجلّاء والأعلام ، و أحلّه بينهم مركزاً مرموقاً.

أضف إلى ذلك كمالاته النفسيّة ، ومزاياه الفاضلة ، فقد كان طاهر الذيل ، نقيّ الضمير ، حسن الأخلاق ، جمّ التواضع ، يفيض قلبه إيماناً وثقة بالله ، و يقطر نبلاً و شرفاً ، وكان حديثه يعرب عمّا يغمر قلبه من صفاء ونقاء ، و يحلّي نفسه من طهر وقدسيّة ، وهو ممّن يمثّل السلف الصالح خير تمثيل ، فسيرته الشخصيّة ، و إخلاصه اللامتناهي في كلّ الأعمال ، ولا سيّما العلميّة ، و نكرانه لذاته ، و زهده في حطام الدنيا ، و إعراضه عن زخارف الحياة ومظاهرها الخداعة ، وابتعاده عن طلب الشهرة والضوضاء ، صورة طبق الأصل ممّا كان عليه مشايخنا الماضون رضوان الله عليهم ، فقد قنع من الدنيا بالحق ، وتحزّب له ، وجاهد من أجله ، ولم تأخذه فيه لومة لائم ، فلم تبدّله الأحداث ، ولم تغيّره تقلّبات الظروف ، بل ظلّ والإستقامة أبرز مزاياه ، حتى اختار الله له دار الإقامة.

٢٠٠