علم البديع

المؤلف:

الدكتور عبدالعزيز عتيق


الموضوع : اللغة والبلاغة
الناشر: دار النهضة العربية للطباعة والنشر
🚘 نسخة غير مصححة

السيرا في مدح خير الورى» نظمها على طريقة بديعية صفاء الدين الحلي وشرحها صاحبه أبو جعفر.

وبديعية ابن جابر تقع في مائة وسبعة وعشرين بيتا ، واستهلها بقوله :

بطيبة انزل ويمم سيد الأمم

وانثر له المدح وانشر أطيب الكلم

ويذكر أبو جعفر في مقدمة شرحه لهذه البديعية أن ابن جابر اتبع في سرد المحسنات البديعية الخطيب القزويني في كتابيه التلخيص والإيضاح ، وذلك يعني أنه قصر بديعية على المحسنات البديعية ولم يخلطها ببعض فنون البيان كما فعل غيره.

وقد التقى ابن جابر مع صفي الدين الحلي في عدم الالتزام بتسمية النوع البديعي في البيت ، ولكنه خالفه من جهة عدم الإكثار من المحسنات في قصيدته مكتفيا فيها بنحو ستين محسنا ، على حين تضمنت قصيدة الحلي مائة وخمسة وأربعين محسنا. والمتصفح لبديعية ابن جابر يرى أنه جرى فيها على طريقة بدر الدين بن مالك من حيث تقديم المحسنات اللفظية على المحسنات البديعية.

ويبدو أن المحاولات الثلاث أو البديعيات الثلاث التي عرضنا لها حتى الآن ، وأغني بها بديعية كل من الأربلي ، وصفي الدين الحلي ، وابن جابر الأندلسي قد لفتت أنظار بعض العلماء الشعراء فراحوا يتبارون في نظم بديعيات على غرارها يمدحون بها الرسول ويضمنونها من المحسنات البديعية ما قدروا عليه مما عرفوا منها ، وكأن تأثرهم بصفي الدين الحلي أكثر من غيره.

ومن أشهر من اقتدى به من هؤلاء العلماء :

٦١

٦ ـ عز الدين الموصلي (١) :

المتوفى سنة ٧٨٩ للهجرة.

هو عز الدين علي بن الحسين الموصلي الشاعر المشهور ، نزل دمشق وأقام بحلب مدة ، وبرع في النظم ، وجمع ديوان شعره في مجلد واحد.

وللموصلي بديعية مشهورة مطلعها :

براعة تستهل الدمع في العلم

عبارة عن نداء المفرد العلم

وهي قصيدة نبوية في مائة وخمسة وأربعين بيتا ، عارض بها بديعية الصفي الحلي ، وزاد عليه الالتزام بأن يودع كل بيت اسم النوع البديعي بطريق التورية أو الاستخدام. مثال ذلك كلمة «براعة تستهل» في مطلع بديعيته السابق الذكر ، فإنها تشير إلى «براعة الاستهلال» ، أحد المحسنات البديعية.

وكأني بالموصلي أراد بذلك أن يظهر تفوقه على صفي الدين الذي لم يلتزم بإدخال أسماء المحسنات البديعية في نسيج الأبيات اكتفاء بالتعريف بها بالأمثلة من ناحية ، وبذكر أسمائها أمام الأبيات أو بحذائها من ناحية أخرى.

وقد علق ابن حجة الحموي على بديعية الموصلي بقوله : «للشيخ عز الدين الموصلي قصيدة بديعية التزم فيها بتسمية النوع البديعي وورّى بها من جنس الغزل ليتميز بذلك على الشيخ صفي الدين الحلي ، لأنه ما التزم في بديعيته بحمل هذا العبء الثقيل .... وربما رضي في الغالب بتسمية

__________________

(١) ترجمته في الدرر الكامنة ج ٣ ص : ١١٢.

٦٢

النوع ولم يعرب عن المسمى ، ونثر شمل الألفاظ والمعاني لشدة ما عقّد نظما» (١).

ويقارن عبد الغني النابلسي بين الموصلي والحلي في مقدمة شرح بديعيته هو المسمى «نفحات الأزهار» بقوله : «ثم جاء بعد صفي الدين الشيخ عز الدين الموصلي ، فعارضه بقصيدة على منوال قصيدته ، وذكر من الأنواع ما ذكره ، وزاد عليه بعض شيء يسير من اختراعاته معجبا بذكر اسم النوع البديعي في ألفاظ البيت موريا به لئلا يحتاج إلى تعريف النوع من خارج النظم ، ولكنه تعسف وتكلف في غالب أبياته ، وهجر موضع الرقة والانسجام ، ثم شرحها شرحا يبيّن فيه مقصده ومراده مع الاختصار ، ولم يشف غلة الأفكار».

هذا وللشيخ عز الدين الموصلي بديعية أخرى لامية على وزن قصيدة كعب بن زهير التي مطلعها :

بانت سعاد فقلبي اليوم متبول

متيم إثرها لم يفد مكبول

وبعد فتلك نبذة تصور حال البديع في القرن الثامن ، كما تصور الجهود التي بذلها في سبيل تطويره ستة من علماء هذا العصر ، ثلاثة منهم عرضوا للبديع ، في ثنايا كتبهم عن البيان العربي ، أو عرضوا له على أنه علم بلاغي مستقل عن علمي المعاني والبيان ، وهؤلاء هم : يحيى بن حمزة ، والتنوخي ، وابن قيم الجوزية. أما الثلاثة الآخرون فمن أصحاب البديعيات ، وهم : صفي الدين الحلي ، وابن جابر الأندلسي ، وعز الدين الموصلي.

__________________

(١) انظر خزانة الأدب لابن حجة الحموي ص : ٢.

٦٣

[المتبارين فى منحاه]

وإذا ما اجتزنا القرن الثامن إلى القرن التاسع الهجري وما بعده فإننا نرى أن الاتجاه الغالب في دراسة البديع يتمثل في نظم البديعيات التي تنحو منحى صفي الدين الحلي أو عز الدين الموصلي وتتبارى مع هذا أو ذاك في منحاه. وأول هؤلاء المتبارين هو :

١ ـ ابن حجة الحموي (١) :

المتوفى سنة ٨٣٧ للهجرة.

هو تقي الدين أبو بكر بن حجة الحموي ، كان إماما عارفا بفنون الأدب ، متقدما فيه طويل النفس في النظم والنثر. وله مصنفات كثيرة منها : بروق الغيث الذي انسجم في شرح لامية العجم ، وكشف اللثام عن وجه التورية والاستخدام ، وثمرات الأوراق في المحاضرات ، وخزانة الأدب ، وديوان شعر بديع.

ولا بن حجة الحموي بديعية مشهورة في مدح الرسول تبلغ مائة واثنين وأربعين بيتا ، وقد استهلها بقوله :

لي في ابتدا مدحكم يا عرب ذي سلم

براعة تستهل الدمع في العلم

وقد حاول في نظمها كما ذكر في مقدمة شرحه لها أن يجمع بين الحسنيين ، أعني أن يقتدي بعز الدين الموصلي في تضمين ألفاظ البيت ما يشير إلى نوع المحسن البديعي الذي بناه عليه ، وأن يقتدي بصفي الدين الحلي في رقة شعره وجمال نظمه وسلاسته.

وما من شك في أن بديعيته أرق وأسلس في نظمها من بديعية عز الدين ، ولكنه لم ينجح كل النجاح في التخلص مما عابه عليه من ثقل النظم والتكلف الشديد في بديعيته.

__________________

(١) انظر ترجمته في «الضوء اللامع» للحافظ السخاوي ، وكشف الظنون لحاجي خليفة.

٦٤

وليس لا بن حجة في بديعيته فضل اختراع أو زيادة على من تقدموه من أصحاب البديع ، وكل ما له من فضل أنه جمع فيها من أعمال السابقين مائة واثنين وأربعين نوعا من المحسنات يختلط اللفظي فيها بالمعنوي من غير فصل أو تحديد. وكل ما يلحظ من خلاف بينه وبين سابقيه هو في تسمية بعض الأنواع ، فالتصدير ، والالتزام مثلا عنده هما رد العجز على الصدر ، ولزوم ما لا يلزم عند غيره. ولعل التغاير في تسمية بعض أنواع المحسنات عند ناشىء من صعوبة تطويع اسم النوع كله للنظم.

وقد وضع ابن حجة الحموي شرحا مطولا لبديعيته في ٤٦٧ صفحة أطلق عليه اسم «خزانة الأدب». وربما كان هذا الشرح أهم من البديعية ذاتها ، لأنه قد حوّله حقيقة إلى «خزانة أدب» أودعها الكثير من علمه ومعارفه.

فهو يكثر في الخزانة من الأمثلة والشواهد وخاصة لشعراء عصره والقريبين منهم في العصر الأيوبي ، وكثيرا ما يعرض لنوادرهم ومساجلاتهم الأدبية مع ذكر ما يستحسنه من أشعارهم. وقد يستطرد فيسوق بعض ملاحظات له أو لغيره متصلة بالبديع ، أو يورد تراجم لبعض الأدباء ، أو يتتبع المعاني التي أخذها شاعر من آخر ، كتتبعه للمعاني التي أخذها صلاح الدين الصفدي من جمال الدين بن نباته.

فالشرح الذي أودعه «خزانة الأدب» هو في الواقع موسوعة أدبية تجمع بين اللغة والأدب والبلاغة والنقد والتاريخ والتراجم ومنظوم الكلام ومنثوره ، وهو في ذلك كله مرجع عام لا غنى عنه ، ومرجع خاص لشعراء العصرين الأيوبي والمملوكي.

٦٥

٢ ـ وللسيوطي (١) :

جلال الدين عبد الرحمن بن الكمال الخضيري الأسيوطي المتوفى سنة ٩١١ للهجرة بديعية سماها «نظم البديع في مدح خير شفيع» وله عليها شرح ، ولكنها لم تنل من الشهرة ما نالته غيرها من بديعيات.

٣ ـ عائشة الباعونية :

هي التقية عائشة بنت يوسف بن أحمد بن نصر الباعوني المتوفاة سنة ٩٢٢ للهجرة ، أثنى عليها كثير من الأدباء ، وهي شاعرة ذات ديوان شعر بديع. ولها في مدح الرسول بديعية فريدة في مائة وثلاثين بيتا ، أطلقت عليها اسم «الفتح المبين في مدح الأمين» (٢) ومطلعها :

في حسن مطلع أقماري بذي سلم

أصبحت في زمرة العشاق كالعلم

وتحدثنا الباعونية في شرحها المختصر لبديعيتها عن سبب نظمها فتقول : «هذه قصيدة صادرة عن ذات قناع شاهدة بسلامة الطباع ، منقحة بحسن البيان مبنيّة على أساس تقوى من الله ورضوان ، سافرة عن وجوه البديع سامية بمدح الحبيب الشفيع ، مطلقة من قيود تسمية الأنواع ، مشرقة الطوالع في أفق الإبداع ، موسومة بين القصائد النبويات بمقتضى الإلهام الذي هو عمدة أهل الإشارات «بالفتح المبين في مدح الأمين».

وتقول عن الشرح : «واستخرت الله تعالى بعد تمام نظمها وثبوت

__________________

(١) انظر ترجمة هذا العالم الجليل بقلمه في كتابه «حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة» ص : ١٥٥ ، وقد أعد له بروكلمان ٤١٥ مصنفا بين كتب كثيرة ورسائل ومقامات طبع أكثرها.

(٢) هذه البديعية وشرحها على هامش «خزانة الأدب» لا بن حجة الحموي ابتداء من صفحة : ٣١٠.

٦٦

اسمها في شرح يروق الطالب موارده وتعظم عند المستفيد فوائده ، وهو أن أذكر بعد كل بيت حد النوع الذي بنيته عليه ، وأقر شاهده فإن ذلك مما يفتقر إليه ، وأنحو في ذلك الاختصار ولا أخل بواجب ، وأنبه على ما لا بدّ منه قصدا لنفع الطالب ....».

ومن هذه الكلمة نرى أن حب الرسول هو الدافع إلى نظم هذه البديعية التي حشدت فيها مائة وثلاثين نوعا من المحسنات البديعية ، وأنها لم تتقيّد بتسمية الأنواع ، وأن طريقتها في الشرح أن تورد بعد البيت حد النوع الذي بنته عليه مشفوعا بالشاهد في اختصار غير مخل.

وقد وصف الشيخ عبد الغني النابلسي الباعونية بقوله : «إنها فاضلة ومن تآليفها هذه البديعية الفريدة المسماة بالفتح المبين في مدح الأمين ، نظمتها على منوال تقي الدين بن حجة ، مع عدم تسمية النوع تمسكا بطلاقة الألفاظ وانسجام الكلمات ، وشرحتها بهذا الشرح المختصر الذي أسفرت فيه عن لسان البيان بقدر الطاقة والإمكان ، ولها ديوان شعر بديع في المدائح النبوية كله لطائف ، ومن تآليفها مولد جليل للنبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم اشتمل على فرائد النظم والنثر» (١).

٤ ـ ومن أصحاب البديعيات أيضا صدر الدين بن معصوم الحسيني المدني المتوفى سنة ١١١٧ للهجرة بمدينة حيدر أباد. وقد استهل صدر الدين هذا بديعيته بقوله :

حسن ابتدائي بذكرى جيرة الحرم

له براعة شوق تستحل دمي

وهي على غرار بديعية كل من عز الدين الموصلي وتقي الدين بن حجة ، من حيث تضمين أبياتها أسماء المحسنات البديعية. وقد وضع لها

__________________

(١) خزانة الأدب للحموي ص : ٤.

٦٧

شرحا سماه «أنوار الربيع في أنواع البديع» ، وفيه تعرض ـ كسابقيه من أصحاب البديع ـ للحديث عمن صنفوا في البديع ، ودونوه في مدائحهم النبوية البديعية.

٥ ـ وممن عاصر صدر الدين واشتهر في هذا الميدان الشيخ عبد الغني بن إسماعيل النابلسي (١) المتوفى سنة ١١٤٣ من الهجرة. وهو شاعر مولع بالبديع ، له مؤلفات مختلفة ، منها بديعيتان ، نحا في إحداهما منحى صفي الدين الحلي وعائشة الباعونية ، بمعنى أنه مثلهما لم يلتزم فيها اسم النوع البديعي ، ومطلع هذه البديعية التي سمّاها «نسمات الأسحار في مدح النبي المختار» هو :

يا منزل الركب بين البان فالعلم

من سفح كاظمة حييت بالديم

وله فيها شرح سماه «نفحات الأزهار» تحدث فيه عمن ألفوا في البديع ومن نظموا البديعيات.

أما بديعيته الثانية فمطلعها :

يا حسن مطلع من أهوى بذي سلم

براعة الشوق في استهلالها ألمي

وهي على منوال بديعية عز الدين الموصلي وتقي الدين بن حجة ، من حيث تضمن كل بيت اسم النوع البديعي الذي بنى عليه. وقد كتب كل بيت من البديعية الثانية أمام ما يماثله في هامش البديعية الأولى ، والتزم ذلك من طبعوا هذا الشرح. وللبديعية الثانية شرح وضعه القلعي مع البديعيات العشر.

وفي شرحه «نفحات الأزهار» يحدثنا عن بديعيته الأولى بقوله :

__________________

(١) انظر ترجمته في تاريخ الجبرتي ج ٢ ص : ٢٢.

٦٨

«نظمت هذه القصيدة الميمية المسماة بنسمات الأسحار في مدح النبي المختار على طريقة تلك القصائد البديعية ، معرضا عن نظم اسم النوع البديعي في أثناء البيت لأني رأيت ذلك إنما يكسب تنافر الكلمات وغرابة المباني وقلاقة (١) المعاني» ثم يستطرد إلى القول بأن التصرف في اسم النوع لضرورة النظم يجعل التعرف عليه من لا يعرف اسمه ورسمه أمرا صعبا. والغريب أنه مع نقده لهذا النوع من البديعيات يعمد إلى نظم قصيدة بديعية من طرازها!.

كذلك ينبئنا في شرحه «نفحات الأزهار» أن أبيات كل من بديعيته تبلغ مائة وخمسين بيتا ، وأنهما يشتملان على مائة وخمسة وخمسين محسنا بديعيا ، بعد زيادة أنواع لطيفة وفنون ظريفة ، لا توجد في البديعيات التي سبقته ، «وربما اتفق في البيت الواحد النوعان والثلاثة بحسب انسجام القريحة في النظم ، والمعتمد فيها على ما أسس البيت عليه» ثم يشير إلى أن شرحه وسط بين الإيجاز والإطناب حتى لا يشعر قارئه بالملل والسأم.

* * *

تلك هي أهم البديعيات التي ظهرت قبل العصر الحديث ، أي منذ قام بالمحاولة الأولى في هذا الاتجاه علي بن عثمان الأربلي في النصف الثاني من القرن السابع الهجري حتى عصر عبد الغني النابلسي.

وفي العصر الحديث نلتقي أيضا بآخرين من أصحاب البديعيات ، ومن أشهر هؤلاء :

١ ـ البيروتي (٢) :

وهو السيد أحمد البربير البيروتي الذي ولد في دمياط ونشأ في بيروت

__________________

(١) قلاقة المعاني : اضطرابها.

(٢) له ترجمة في تاريخ آداب اللغة العربية لجورجي زيدان ج ٤ ص : ١٩٩.

٦٩

وتوفي في دمشق سنة ١٢٢٦ للهجرة. وكان شاعرا أديبا ، ومن آثاره الأدبية : مقامات البربير ، على نسق مقامات الحريري ، والشرح الجلي على بيتي الموصلي ، توسع في شرحهما حتى استغرق كتابا كاملا فيه كثير من فنون الأدب ، والبيتان لأحد شعراء القرن الثامن عشر الميلادي ، عبد الرحمن الموصلي ، وهما :

إن مرّ والمرآة يوما في يدي

من خلفه ذو اللطف أسمى من سما

دارت تماثيل الزجاج ولم تزل

تقفوه عدوا حيث سار ويمّما

وللبيروتي هذا قصيدة بديعية في مدح الرسول أودعها الكثير من أنواع المحسنات ولها شرح وضعه مصطفى الصلاحي.

٢ ـ الساعاتي :

المتوفى سنة ١٢٩٨ للهجرة.

هو الأديب الشاعر محمود صفوت الزيلع الشهير بالساعاتي ولد في القاهرة سنة ١٢٤١ من الهجرة ، وفي العشرين من عمره سافر إلى الحجاز لأداء فريضة الحج ، وهنالك نم فضله عليه فأكرمه أمير مكة الشريف محمد ابن عون وصحبه فظل ملازما له وسافر معه إلى غزواته في نجد واليمن ووصف كثيرا من وقائعه في شعره.

وعند ما عزل الشريف محمد بن عون عن إمارة مكة هاجر إلى مصر وفي صحبته الساعاتي ، ثم سافر معه بعد ذلك إلى القسطنطينية ، وفيها وقع بينه وبين الشيخ زين العابدين المكي تنافس أدبي.

وفي أوائل عام ١٢٦٨ للهجرة عاد إلى القاهرة فوظف بالحكومة وظل يتنقل من وظيفة إلى أخرى حتى فاجأته منيته سنة ١٢٩٨ للهجرة ، وهو عضو بمجلس أحكام الجيزة والقليوبية. وشعره إذا قيس بشعر من تقدموه

٧٠

ببضعة قرون أو بشعر معاصريه أجود وأرقى.

وديوان الساعاتي مطبوع ، وله فيه قصيدة بديعية في مدح الرسول تبلغ مائة واثنين وأربعين بيتا التزم فيها تسمية أنواع البديع وعارض بها بديعية تقي الدين بن حجة الحموي. وقد نظمها سنة ١٢٧٠ للهجرة واستهلها بقوله :

سفح الدموع لذكر السفح والعلم

أبدى البراعة في استهلاله بدم

وقد جرى في نظمها عل طريقة ذكر النوع البديعي واتباعه بالبيت الذي بناه عليه ، وفيما يلي نموذج لذلك :

التورية

وكم بكيت عقيقا والبكاء على

بدر وتوريتي كانت لبدرهم

الجناس التام

أقمار تمّ تعالوا في منازلهم

فالصب مدمعه صب لبعدهم

المطابقة

قد طابقوا صحبتي بالسقم حين نأوا

ولو دنوا لشفوا ما بي من الألم

وقد عني بشرح هذه البديعية شرحا وافيا عبد الله باشا فكري.

ومن معاصري الساعاتي كثيرون لهم بديعيات ، وقد تأثر بهذا الاتجاه بعض الشعراء المسيحيين فنظموا بديعيات في مدح عيسى عليه‌السلام.

ولعل الشيخ طاهر الجزائري المتوفي سنة ١٣٤١ للهجرة هو آخر من عرف بتعاطي هذا الفن ، فقد نظم قصيدة بديعية وضع لها شرحا أطلق عليه اسم «بديع التلخيص وتلخيص البديع».

٧١

وأخيرا تجدر الإشارة إلى أن الاشتغال بعلم البديع لم يقف عند حد الكتب التي صنّفت فيه وتميّز الكثير منها بالأصالة والابتكار ولم يقف كذلك عند نظم البديعيات ، هذا الاتجاه الذي ظهر في النصف الثاني من القرن السابع الهجري ثم أخذ الشعراء يتبارون ويفتنون فيه على نحو ما رأينا.

أجل لم يقف الاشتغال بعلم البديع عند هذا الحد أو ذاك وإنما تجاوز ذلك أو انحط عن ذلك إلى نظم فنونه في متون شديدة الإيجاز والتعقيد والإبهام. مثل متن الجوهر المكنون (١) في الثلاثة الفنون ، ومتن ابن الشحنة الحنفي.

حقا قد يكون القصد من وراء هذه المنظومات التعليمية مساعدة الطالب على تذكر الفنون البديعية وحدودها وأقسامها عند الاقتضاء. ولكن أية فائدة يجنيها الطالب من حفظ أسماء ومصطلحات لا علم له بمدلولها ، ولا يستطيع أن يستسيغها أو يتبينها إذا عرضت له في نص من النصوص الأدبية؟

وعلى سبيل المثال هل يفيد الطالب شيئا غير اليأس من البلاغة والنفور منها عند ما يقرأ الأبيات التالية التي أوردها صاحب متن الجوهر المكنون عند كلامه عن المحسنات البديعية المعنوية :

وعدّ من ألقابه المطابقة

تشابه الأطراف والموافقة

والعكس والتسهيم والمشاكلة

تزواج رجوع أو مقابلة

تورية تدعي بإيهام لما

أريد معناه البعيد منهما؟

على أية حال إن المتون نظما كانت أو نثرا ليست محنة قاصرة على

__________________

(١) صاحب هذا المتن هو عبد الرحمن الأخضري وهو نظم لكتاب «تلخيص المفتاح» للقزويني.

٧٢

البديع وإنما هي محنة شملت العلوم العربية في العصور المتأخرة عند ما أخذت العقول بفعل عوامل شتى يرين عليها العقم والجمود.

* * *

وبعد فقد عرضنا لنشأة علم البديع وتطوره في العصور المختلفة ، وعرفنا على ضوء هذا العرض كيف كانت مباحثه في أول الأمر عنصرا من عناصر البيان العربي ، ثم كيف أخذت هذه المباحث في العصور الأولى تتميز وتتحدد معالمها شيئا فشيئا حتى صارت علما مستقلا على يد ابن المعتز ، وقدامة ، وأبي هلال العسكري وابن رشيق وغيرهم ، وأخيرا كيف جاء شعراء البديع والصنعة من أمثال أبي تمام فثغروا في الشعر ثغرة نفذ منها بالإضافة إليهم أصحاب البديع والبديعيات والمتون وراحوا جميعا ينظرون إلى البديع على أنه غاية لا وسيلة يستعان بها على تذوق الأساليب البيانية والارتقاء بها ، وبذلك أساءوا من حيث أرادوا الإحسان.

وإذا كان الشعراء والأدباء في العصور المتأخرة قد أسرفوا في استعمال البديع وصارت لهم فيه مدارس ، وإذا كان علماء البديع قد توسعوا في مفهومه حتى شمل الصور البيانية وكثيرا من صور المعاني ، وحتى أضافوا إليه ما ليس منه ، فخلطوا بذلك بديعا مزيفا بالبديع الحقيقي ـ فإن ذلك كله لا يطعن في قيمة البديع بمقدار ما يدل على سوء فهمهم وقصورهم وجمودهم.

ولعل في دراستنا لبعض فنون البديع ما يرجع بهذا العلم إلى صوره الجميلة عند ابن المعتز وقدامة وأبي هلال وأضرابهم ، وما يرد إليه اعتباره كقيمة جمالية في الأدب.

٧٣
٧٤

فنون علم البديع

عرفنا من المقدمة السابقة في نشأة البديع وتطوره أن عبد الله بن المعتز هو أول من قام بمحاولة علمية جادة في سبيل تأسيس علم البديع وتحديد مباحثه التي كانت من قبل مختلطة بمباحث علم المعاني وعلم البيان.

وتتمثل محاولته هذه في كتاب «البديع» الذي ألّفه وضمّنه ثمانية عشر فنا من فنون البديع. وقد مهدت محاولته السبيل أمام البلاغيين من بعده فتأثروها وأفادوا منها في تطوير هذا العلم واستكمال مباحثه وقضاياه.

فقدامة بن جعفر وهو من معاصري ابن المعتز أولى البديع اهتمامه وزاد فيه تسعة أنواع جديدة ، وأبو هلال العسكري اعتمد ما أتى به ابن المعتز وقدامة من فنون البديع وأضاف إليها حتى بلغت عنده سبعة وثلاثين نوعا ، ثم جاء ابن رشيق القيرواني فزاد على من تقدموه تسعة أنواع لم يرد لها ذكر عندهم.

وهكذا أخذت فنون البديع تنمو وتتكاثر على تعاقب الأجيال

٧٥

والعصور حتى بلغت في القرن الثامن الهجري عند الشاعر صفي الدين الحلي مائة وخمسة وأربعين محسنا بديعيا.

وهذه المحسنات يقصد بها تحسين الكلام بعد رعاية المطابقة لمقتضى الحال ، ورعاية وضوح الدلالة بخلوها عن التعقيد المعنوي.

والمحسنات البديعية ضربان : معنوي يرجع إلى تحسين المعنى أولا وبالذات ، وإن كان بعضها قد يفيد تحسين اللفظ أيضا.

وضرب لفظي يرجع إلى تحسين اللفظ أصلا ، وإن تبع ذلك تحسين المعنى لأن المعنى (إن) عبّر عنه بلفظ حسن استتبع ذلك زيادة في تحسين المعنى.

وليس من غرضنا هنا التوسع في دراسة المحسنات البديعية إلى حد الإلمام بها جميعها ، وإنما الغرض هو التركيز على أهم هذه المحسنات للتعرف عليها وبيان أثرها في تحسين الكلام لفظا ومعنى.

ولما كانت المعاني هي الأصل والألفاظ توابع وقوالب لها ، فإننا نبدأ بدراسة المحسنات المعنوية.

المحسنات البديعية المعنوية

المطابقة

ويقال لها أيضا : التطبيق ، والطباق ، والتضاد.

والمطابقة في أصل الوضع اللغوي أن يضع البعير رجله موضع يده ، فإذا فعل ذلك قيل : طابق البعير.

وقال الأصمعي : المطابقة أصلها وضع الرجل موضع اليد في مشي

٧٦

ذوات الأربع. وقال الخليل بن أحمد : طابقت بين الشيئين ، إذا جمعت بينهما على حد واحد.

وليس بين التسمية اللغوية والتسمية الاصطلاحية أدنى مناسبة ، ذلك لأن المطابقة أو الطباق في اصطلاح رجال البديع هي : الجمع بين الضدين أو بين الشيء وضده في كلام أو بيت شعر. كالجمع بين اسمين متضادين من مثل : النهار والليل ، والبياض والسواد ، والحسن والقبح ، والشجاعة والجبن ، وكالجمع بين فعلين متضادين مثل : يظهر ويبطن ، ويسعد ويشقى ، ويعز ويذل ، ويحيي ويميت. وكذلك كالجمع بين حرفين متضادين ، نحو قوله تعالى : (لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ ،) فالجمع بين حرفي الجر «اللام وعلى» مطابقة ، لأن في «اللام» معنى المنفعة وفي «على» معنى المضرة ، وهما متضادان ، ومثله قول الشاعر :

على أنني راض بأن أحمل الهوى

وأخلص منه لا علي ولا ليا

وقد تكون المطابقة بالجمع بين نوعين مختلفين كقوله تعالى : (أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ) فإن أحد المتضادين اسم وهو «ميتا» والآخر فعل وهو «أحييناه».

وقال زكي الدين بن أبي الأصبع المصري : المطابقة ضربان : ضرب يأتي بألفاظ الحقيقة. وضرب يأتي بألفاظ المجاز.

١ ـ فالضرب الذي يأتي بألفاظ الحقيقة هو ما يسمى المطابقة أو الطباق ، ومن أمثلته قوله تعالى : (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى ، وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا ،) وقوله تعالى أيضا : (وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ ، وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ ، وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ ، وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ ،) وقوله : (وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ.).

٧٧

ومنه قول النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «فليأخذ العبد من نفسه لنفسه ، ومن دنياه لآخرته ، ومن الشبيبة للكبر ، ومن الحياة للموت ، فو الذي نفس محمد بيده ما بعد الحياة مستعتب (١) ، ولا بعد الدنيا دار إلا الجنة والنار».

ومن شواهد المطابقة الحقيقية شعرا قول الحماسي :

تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد

لنفسي حياة مثل أن أتقدما

وقول آخر :

لئن ساءني إن نلتني بمساءة

لقد سرني أني خطرت ببالك

٢ ـ والضرب الذي يأتي بألفاظ المجاز يسميه قدامة بن جعفر «التكافؤ» ومنه قول الشاعر :

حلو الشمائل وهو مر باسل

يحمي الدمار صبيحة الإرهاق

فقوله «حلو ومر» يجري مجرى الاستعارة ، إذ ليس في الإنسان ولا في شمائله ما يذاق بحاسة الذوق.

ومنه أيضا قول الشاعر :

إذا نحن سرنا بين شرق ومغرب

تحرك يقظان التراب ونائمه

فالمطابقة هي بين «اليقظان والنائم» ، ونسبتهما إلى التراب على سبيل المجاز. وهذا هو «التكافؤ» عند قدامة وابن أبي الأصبع.

أما المطابقة عند قدامة ومن اتبعه فهي اجتماع المعنيين المختلفين في لفظة واحدة مكررة ، كقول زياد الأعجم :

__________________

(١) استرضاء ، لأن الأعمال بطلت وانقضى زمانها ، وقيل : رجوع عن الخطأ والذنب وطلب للرضا.

٧٨

ونبئتهم يستنصرون بكاهل

وللؤم فيهم كاهل وسنام

فاللفظة المكررة هنا هي «كاهل» ومعناها في الشطر الأول من البيت «من يعتمد عليه في الملمات ، يقال : فلان كاهل بني فلان أي معتمدهم في الملمات وسندهم في المهمات». وهي في الشطر الثاني : مقدّم أعلى الظهر مما يلي العنق.

* * *

 أنواع المطابقة :

والمطابقة ثلاثة أنواع :

مطابقة الإيجاب.

مطابقة السلب.

وإيهام التضاد.

١ ـ فمطابقة الإيجاب : هي ما صرّح فيها بإظهار الضدين ، أو هي ما لم يختلف فيه الضدان إيجابا وسلبا.

ومن أمثلتها بالإضافة إلى الأمثلة السابقة للمطابقة التي تأتي بلفظ الحقيقة قوله تعالى : (فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ ،) وقوله أيضا : (باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ.)

ومنه أحاديث الرسول : «أفضل الفضائل أن تصل من قطعك ، وتعطي من حرمك ، وتصفح عمن شتمك» وقال : «أهل المعروف في الدنيا أهل المعروف في الآخرة ، وأهل المنكر في الدنيا أهل المنكر في الآخرة».

ومنه شعرا قول امرىء القيس :

مكر مفر مقبل مدبر معا

كجلمود صخر حطه السيل من عل

٧٩

وقول مسافع :

أبعد بني أمي أسرّ بمقبل

من العيش أو آسى على أثر مدبر؟

أولاك بنو خير وشر كليهما

وأبناء معروف ألّم ومنكر

ومنه من الأقوال المأثورة : «غضب الجاهل في قوله ، وغضب العاقل في فعله» و «كدر الجماعة خير من صفو الفرقة».

٢ ـ ومطابقة السلب : وهي ما لم يصرح فيها بإظهار الضدين ، أو هي ما اختلف فيها الضدان إيجابا وسلبا ، نحو قوله تعالى : (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ،) فالمطابقة هنا هي في الجمع بين «يعلمون ولا يعلمون» وهي حاصلة بإيجاب العلم ونفيه ، لأنهما ضدان.

ومن مطابقة السلب أيضا قول امرىء القيس :

جزعت ولم أجزع من البين مجزعا

وعزّيت قلبي بالكواعب مولعا

فالمطابقة هي في الجمع بين «جزعت ولم أجزع» وهي حاصلة بإيجاب الجزع ونفيه.

ومن المستحسن في ذلك قول بعضهم :

خلقوا وما خلقوا لمكرمة

فكأنهم خلقوا وما خلقوا

رزقوا وما رزقوا سماح يد

فكأنهم رزقوا وما رزقوا

٣ ـ إيهام التضاد : وهو أن يوهم لفظ الضد أنه ضد مع أنه ليس بضد ، كقول الشاعر :

يبدي وشاحا أبيضا من سيبه

والجو قد لبس الوشاح الأغبرا

فإن «الأغبر» ليس بضد «الأبيض» وإنما يوهم بلفظه أنه ضد. ومثله قول دعبل الخزاعي :

٨٠