🚘

البحر المحيط في التّفسير - ج ٩

محمّد بن يوسف [ أبي حيّان الأندلسي الغرناطي ]

البحر المحيط في التّفسير - ج ٩

المؤلف:

محمّد بن يوسف [ أبي حيّان الأندلسي الغرناطي ]


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع
🚘 نسخة غير مصححة

معطوف عليه ، وهو راجع في المعنى إلى قراءة النصب ، لكن هذا عطف فعل على فعل ، وفي النصب عطف مصدر مقدر على مصدر متوهم. وقال القشيري : وقرىء : (وَيَعْفُ) بالجزم ، وفيها إشكال ، لأن المعنى : إن يشأ يسكن الريح ، فتبقى تلك السفن رواكد ، أو يهلكها بذنوب أهلها ، فلا يحسن عطف ويعف على هذه ، لأن المعنى : يصيران شيئا يعف ، وليس المعنى ذلك ، بل المعنى : الإخبار عن الغيوب عن شرط المشيئة ، فهو إذن عطف على المجزوم من حيث اللفظ ، لا من حيث المعنى. وقد قرأ قوم : ويعفو بالرفع ، وهي جيدة في المعنى. انتهى ، وما قاله ليس بجيد ، إذ لم يفهم مدلول التركيب. والمعنى : أنه تعالى إن يشأ أهلك ناسا وأنجى ناسا على طريق العفو عنهم. وقال الزمخشري : فإن قلت : على م عطف يوبقهن؟ قلت : على يسكن ، لأن المعنى : إن يشأ يسكن الريح فيركدن ، أو يعصفها فيغرقن بعصفها. انتهى. ولا يتعين أن يكون التقدير : أو يعصفها فيغرقن ، لأن إهلاك السفن لا يتعين أن يكون بعصف الريح ، بل قد يهلكها تعالى بسبب غير الريح ، كنزول سطحها بكثرة الثقل ، أو انكسار اللوح يكون سببا لإهلاكها ، أو يعرض عدو يهلك أهلها. وقرأ الأعرج ، وأبو جعفر ، وشيبة ، ونافع ، وابن عامر ، وزيد بن علي : (وَيَعْلَمَ) بالرفع على القطع. وقرأ الجمهور : ويعلم بالنصب ؛ قال أبو علي وحسن : النصب إذا كان قبله شرط وجزاء ، وكل واحد منهما غير واجب. وقال الزجاج : على إضمار أن ، لأن قبلها جزاء. تقول : ما تصنع أصنع مثله ، وأكرمك ، وإن أشئت ، وأكرمك علي ، وأنا أكرمك ، وإن شئت ، وأكرمك جزما. قال الزمخشري : فيه نظر ، لما أورده سيبويه في كتابه قال : واعلم أن النصب بالفاء والواو في قوله : إن تأتني آتك وأعطيك ضعيف ، وهو نحو من قوله :

وألحق بالحجاز فاستريحا

فهذا لا يجوز ، وليس بحد الكلام ولا وجهه ، إلا أنه في الجزاء صار أقوى قليلا ، لأنه ليس بواجب أنه يفعل إلا أن يكون من الأول فعل. فلما ضارع الذي لا يوجبه ، كالاستفهام ونحوه ، أجازوا فيه هذا على ضعفه. قال الزمخشري : ولا يجوز أن تحمل القراءة المستفيضة على وجه ضعيف ليس بحد الكلام ولا وجهه ، ولو كانت من هذا الباب ، لما أخلى سيبويه منها كتابه ، وقد ذكر نظائرها من الآيات المشكلة. انتهى. وخرج الزمخشري النصب على أنه معطوف على تعليل محذوف ، قال تقديره : لينتقم منهم ويعلم الذين يجادلون ، يكره في العطف على التعليل المحذوف غير عزيز في القرآن ، ومنه قوله

٣٤١

تعالى : (وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ) (١) ، وقوله : (خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ*) (٢) ، (وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ) (٣). انتهى. ويبعد تقديره لينتقم منها ، لأنه ترتب على الشرط إهلاك قوم ، فلا يحسن لينتقم منهم. وأما الآيتان فيمكن أن تكون اللام متعلقة بفعل محذوف ، أي (وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ) ، (وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ). فعلنا ذلك ، وكثيرا ما يقدر هذا الفعل محذوفا قبل لام العلة ، إذا لم يكن فعل ظاهر يتعلق به.

وذكر الزمخشري أن قوله تعالى : (وَيَعْلَمَ) قرىء بالجزم ، فإن قلت : فكيف يصح المعنى على جزم ويعلم؟ قلت : كأنه قال : أو إن يشأ يجمع بين ثلاثة أمور : هلاك قوم ، ونجاة قوم ، وتحذير آخرين ، لأن قوله : (وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ) يتضمن تحذيرهم من عقاب الله ، و (ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ) في موضع نصب ، لأن يعلم معلقة ، كقولك : علمت ما زيد قائم. وقال ابن عطية في قراءة النصب ، وهذه الواو ونحوها التي تسميها الكوفيون واو الصرف ، لأن حقيقة واو الصرف التي يريدونها عطف فعل على اسم مقدر ، فيقدر أن ليكون مع الفعل بتأويل المصدر ، فيحسن عطفه على الاسم. انتهى. وليس قوله تعليلا لقولهم واو الصرف ، إنما هو تقرير لمذهب البصريين. وأما الكوفيون فإن واو الصرف ناصبة بنفسها ، لا بإضمار أن بعدها. وقال أبو عبيد على الصرف كالذي في آل عمران : (وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) (٤) ، ومعنى الصرف أنه كان على جهة ، فصرف إلى غيرها ، فتغير الإعراب لأجل الصرف. والعطف لا يعين الاقتران في الوجود ، كالعطف في الاسم ، نحو : جاء زيد وعمرو. ولو نصب وعمرو اقتضى الاقتران ؛ وكذلك واو الصرف ، ليفيد معنى الاقتران ويعين معنى الاجتماع ، ولذلك أجمع على النصب في قوله : (وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) ، أي ويعلم المجاهدين والصابرين معا.

عن عليّ ، رضي‌الله‌عنه ، اجتمع لأبي بكر رضي‌الله‌عنه مال ، فتصدق به كله في سبيل الله والخير ، فلامه المسلمون وخطأه الكافرون ، فنزلت : (فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ) ، والظاهر أنه خطاب للناس. وقيل : للمشركين ، وما شرطية مفعول ثان لأوتيتم ، ومن شيء بيان لما ، والمعنى : من شيء من رياش الدنيا ومالها والسعة فيها ، والفاء جواب الشرط ، أي فهو متاع ، أي يستمتع في الحياة. (وَما عِنْدَ اللهِ) : أي من ثوابه وما أعد لأوليائه ،

__________________

(١) سورة مريم : ١٩ / ٢١.

(٢) سورة العنكبوت : ٢٩ / ٤٤.

(٣) سورة الجاثية : ٤٥ / ٢٢.

(٤) سورة آل عمران : ٣ / ١٤٢.

٣٤٢

(خَيْرٌ وَأَبْقى) مما أوتيتم ، لأنه لا انقطاع له. وتقدم الكلام في الكبائر في قوله : (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ) (١) ، في النساء. وقرأ الجمهور : (كَبائِرَ) جمعا هنا ، وفي النجم ، وحمزة ، والكسائي : بالإفراد.

(وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ) : عطف على (لِلَّذِينَ آمَنُوا) ، وكذلك ما بعده. ووقع لأبي البقاء وهم في التلاوة ، اعتقد أنها الذين يجتنبون بغير واو ، فبنى عليه الإعراب فقال : الذين يجتنبون في موضع جر بدلا من الذين آمنوا ، ويجوز أن يكون في موضع نصب بإضمار ، أعني : وفي موضع رفع على تقديرهم. انتهى. والعامل في إذا يغفرون ، وهي جملة من مبتدأ وخبر معطوف على يجتنبون ، ويجوز أن يكون هم توكيدا للفاعل في غضبوا. وقال أبو البقاء : هم مبتدأ ، ويغفرون الخبر ، والجملة جواب إذا. انتهى ، وهذا لا يجوز ، لأن الجملة لو كانت جواب إذا لكانت بالفاء ، تقول : إذا جاء زيد فعمرو منطلق ، ولا يجوز حذف الفاء إلا إن ورد في شعر. وقيل : هم مرفوع بفعل محذوف يفسره يغفرون ، ولما حذف ، انفصل الضمير ، وهذا القول فيه نظر ، وهو أن جواب إذا يفسر كما يفسر فعل الشرط بعدها ، نحو : (إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ) (٢) ، ولا يبعد جواز ذلك على مذهب سيبويه ، إذ جاء ذلك في أداة الشرط الجازمة ، نحو : إن ينطلق زيد ينطلق ، فزيد عنده فاعل بفعل محذوف يفسره الجواب ، أي ينطلق زيد ، منع ذلك الكسائي والفراء. وقال الزمخشري : هم يغفرون ، أي هم الأخصاء بالغفران ، في حال الغضب لا يغول الغضب أحلامهم ، كما يغول حلوم الناس. والمجيء لهم وإيقاعه مبتدأ ، وإسناد يغفرون إليه لهذه الفائدة. انتهى ، وفيه حض على كسر الغضب. وفي الحديث : «أوصني ، قال : لا تغضب ، قال : زدني ، قال : لا تغضب ، قال : زدني ، قال : لا تغضب».

(وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ) ، قيل : نزلت في الأنصار ، دعاهم الله للإيمان به وطاعته فاستجابوا له. وكانوا قبل الإسلام ، وقبل أن يقدم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم المدينة ، إذا نابهم أمر تشاوروا ، فأثنى الله عليهم ، لا ينفردون بأمر حتى يجتمعوا عليه. وعن الحسن : ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمرهم. انتهى. وفي الشورى اجتماع الكلمة والتحاب والتعاضد على الخير. وقد شاور الرسول عليه‌السلام فيما يتعلق بمصالح الحروب والصحابة بعده في ذلك ، كمشاورة عمر للهرمز. وفي الأحكام ، كقتال أهل الردّة ، وميراث الحربي ، وعدد

__________________

(١) سورة النساء : ٤ / ٣١.

(٢) سورة الانشقاق : ١٨ / ١.

٣٤٣

مدمني الخمر ، وغير ذلك. والشورى مصدر كالفتيا بمعنى التشاور ، على حذف مضاف ، أي وأمرهم ذو شورى بينهم. و (هُمْ يَنْتَصِرُونَ) : صلة للذين ، وإذا معمولة لينتصرون ، ولا يجوز أن يكون (هُمْ يَنْتَصِرُونَ) جوابا لإذا ، والجملة الشرطية وجوابها صلة لما ذكرناه من لزوم الفاء ، ويجوز هنا أن يكون هم فاعلا بفعل محذوف على ذلك القول الذي قيل في (هُمْ يَغْفِرُونَ). وقال الحوفي : وإن شئت جعلت هم توكيدا للهاء والميم ، يعني في أصابهم ، وهو ضمير رفع ، وفي هذا نظر ، وفيه الفصل بين المؤكد والتوكيد بالفاعل ، وهو فعل الظاهر أنه لا يمتنع ، والانتصار : أن يقتصر على ما حده الله له ولا يعتدي. وقال النخعي : كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم ، فتجترىء عليهم الفساق ، ومن انتصر غير متعد فهو مطيع محمود. وقال مقاتل ، وهشام عن عروة : الآية في المجروح ينتصف من الجارح بالقصاص. وقال ابن عباس : تعدى المشركون على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وعلى أصحابه ، وأخرجوهم من مكة ، فأذن الله لهم بالخروج في الأرض ، ونصرهم على من بغى عليهم. وقال الكيا الطبري : ظاهره أن الانتصار في هذا الموضع أفضل ، ألا ترى أنه قرنه إلى ذكر الاستجابة لله ولرسوله وإقامة الصلاة؟ فهذا على ما ذكره النخعي ، وهذا فيمن تعدى وأصر ، والمأمور فيه بالعفو إذا كان الجاني نادما مقلعا. وقد قال عقيب هذه الآية (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ) الآية ، فيقتضي إباحة الانتصار. وقد عقبه بقوله : (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ) ، وهذا محمول على القرآن عند غير المصر. فأما المصر على البغي ، فالأفضل الانتصار منه بدليل الآية قبلها. وقال ابن بحر : المعنى تناصروا عليه فأزالوه عنهم. وقال أبو بكر بن العربي نحوا من قول الكيا. قال الجمهور : إذا بغى مؤمن على مؤمن ، فلا يجوز له أن ينتصر منه بنفسه ، بل يرفع ذلك إلى الإمام أو نائبه. وقالت فرقة : له ذلك.

(وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها) : هذا بيان للانتصار ، أي لا يتعدى فيما يجازي به من بغى عليه. قال ابن أبي نجيح ، والسدي : إذا شتم ، فله أن يرد مثل ما شتم به دون أن يتعدى ، وسمى القصاص سيئة على سبيل المقابلة ، أو لأنها تسوء من اقتص منه ، كما ساءت الحيض. وظاهر قوله : مثلها المماثلة مطلقا في كل الأحوال ، لا فيما خصه الدليل. والفقهاء أدخلوا التخصيص في صور كثيرة بناء على القياس. قال مجاهد ، والسدي : إذا قال له أخزاك الله فليقل أخزاك الله ، وإذا قذفه قذفا يوجب الحد ، بل الحد الذي أمره الله به. (فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ) : أي بينه وبين خصمه بالعفو ، (فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ) : عدة مبهمة لا يقاس عظمها ، إذ هي على الله. (إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) : أي الخائنين ، وإذا كان

٣٤٤

لا يحبه وقد ندب إلى العفو عنه ، فالعفو الذي يحبه الله أولى أن يعفي عنه ، أو لا يحب الظالمين من تجاوز واعتدى من المجنى عليهم ، إذا انتصروا خصوصا في حالة الحرب والتهاب الحمية ، فربما يظلم وهو لا يشعر. وفي الحديث : «إذا كان يوم القيامة نادى مناد من كان له أجر على الله فليقم ، قال : فيقوم خلق ، فيقال لهم : ما أجركم على الله؟ فيقولون : نحن عفونا عمن ظلمنا ، فيقال لهم : ادخلوا الجنة بإذن الله». واللام في (وَلَمَنِ انْتَصَرَ) لام توكيد. قال الحوفي : وفيها معنى القسم. وقال ابن عطية : لام التقاء القسم يعنيان أنها اللام التي يتلقى بها القسم ، فالقسم قبلها محذوف ، ومن شرطية ، وحمل (انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ) على لفظ من ، وفأولئك على معنى من ، والفاء جواب الشرط ، وظلمه مصدر مضاف إلى المفعول. قال الزمخشري : ويفسره قراءة من قرأ : بعد ما ظلم ما عليهم من سبيل ، قيل : أي من طريق إلى الحرج ؛ وقيل : من سبيل للمعاقب ، ولا المعاتب والعاتب ، وهذه مبالغة في إباحة الانتصار. (إِنَّمَا السَّبِيلُ) : أي سبيل الإثم والحرج ، (عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ) : أي يبتذلون بالظلم ، (وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ) : أي يتكبرون فيها ويعلون ويفسدون. وقيل : ويظلمون الناس : أي يضعون الأشياء غير مواضعها من القتل وأخذ المال والأذى باليد واللسان. والبغي بغير الحق ، فهو نوع من أنواع الظلم ، خصه بالذكر تنبيها على شدته وسوء حال صاحبه. انتهى. (وَلَمَنْ صَبَرَ) : أي على الظلم والأذى ، (وَغَفَرَ) ، ولم ينتصر. واللام في ولمن يجوز أن تكون اللام الموطئة القسم المحذوف ، ومن شرطية ، وجواب القسم قوله : (إِنَّ ذلِكَ) ، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه. ويجوز أن تكون اللام لام الابتداء ، ومن موصولة مبتدأ ، والجملة المؤكدة بأن في موضع الخبر. وقال الحوفي : من رفع بالابتداء وأضمر الخبر ، وجواب الشرط إن وما تعلقت به على حذف الفاء ، كما قال الشاعر :

من يفعل الحسنات الله يشكرها

أي : فالله يشكرها. انتهى ، وهذا ليس بجيد ، لأن حذف الفاء مخصوص بالشعر عند سيبويه. والإشارة بذلك إلى ما يفهم من مصدر صبر وغفر والعائد على الموصول المبتدأ من الخبر محذوف ، أي إن ذلك منه لدلالة المعنى عليه : (لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) ، إن كان ذلك إشارة إلى المصدر المفهوم من قوله : (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ) ، لم يكن في عزم الأمور حذف ، وإن كان ذلك إشارة إلى المبتدأ ، كان هو الرابط ، ولا يحتاج إلى تقدير منه ، وكان في (عَزْمِ الْأُمُورِ) ، أي أنه لمن ذوي عزم الأمور. وسب رجل آخر في مجلس الحسن ،

٣٤٥

فكان المسبوب يكظم ويعرق ويمسح العرق ، ثم قام فتلا الآية ، فقال الحسن : عقلها والله وفهمها ، لم هذه ضيعها الجاهلون. والجملة من قوله : (إِنَّمَا السَّبِيلُ) اعتراض بين قوله : (وَلَمَنِ انْتَصَرَ) ، وقوله : (وَلَمَنْ صَبَرَ).

(وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ) : أي من ناصر يتولاه من بعده ، أي من بعد إضلاله ، وهذا تحقير لأمر الكفرة. (وَتَرَى الظَّالِمِينَ) : الخطاب للرسول ، والمعنى : وترى حالهم وما هم فيه من الحيرة ، (لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ) ، يقولون : (هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ) : هل سبيل إلى الردّ للدنيا؟ وذلك من فظيع ما اطلعوا عليه ، وسوء ما يحل بهم. (وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها) : أي على النار ، دل عليها ذكر العذاب ، (خاشِعِينَ) متضائلين صاغرين مما يلحقهم. (مِنَ الذُّلِ). وقرأ طلحة : من الذل ، بكسر الذال ؛ والجمهور بالضم ، والخشوع : الاستكانة ، وهو محمود. وإنما أخرجه إلى الذم اقترانه بالعذاب. وقيل : (مِنَ الذُّلِ) متعلق ب (يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍ). قال ابن عباس : ذليل. انتهى. قيل : ووصف بالخفاء لأن نظرهم ضعيف ولحظهم نهاية ، قال الشاعر :

فغض الطرف إنك من نمير

وقيل : يحشرون عميا. ولما كان نظرهم بعيون قلوبهم ، جعله طرفا خفيا ، أي لا يبدو نظرهم ، وهذا التأويل فيه تكلف. وقال السدي ، وقتادة : المعنى يسارقون النظر لما كانوا فيه من الهمّ وسوء الحال ، لا يستطيعون النظر بجميع العين ، وإنما ينظرون من بعضها ، فيجوز على هذا التأويل أن يكون الطرف مصدرا ، أي من نظر خفي. وقال الزمخشري : (مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍ) ، أي يبتدىء نظرهم من تحريك لأجفانهم ضعيف خفي بمسارقة ، كما ترى المصور ينظر إلى السيف ، وهكذا نظر الناظر إلى المكاره ، ولا يقدر أن يفتح أجفانه عليها ويملأ عينه منها ، كما يفعل في نظره إلى المتحاب.

(وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ ، وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ ، اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ ، فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ وَإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ ، لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ ، أَوْ

٣٤٦

يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ، وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ، وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ، صِراطِ اللهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ).

الظاهر أن (وَقالَ) ماض لفظا ومعنى ، أي (وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا) في الحياة الدنيا ، ويكون يوم القيامة معمولا لخسروا ، ويحتمل أن يكون معنى (وَقالَ) : ويقول ، ويوم القيامة معمول لو يقولوا ، أي ويقولوا في ذلك اليوم لما عاينوا ما حل بالكفار وأهليهم. الظاهر أنهم الذين كانوا أهليهم في الدنيا ، فإن كانوا معهم في النار فقد خسروهم ، أي لا ينتفعون بهم ؛ وإن كانوا في الجنة لكونهم كانوا في الجنة لكونهم كانوا مؤمنين ، كآسية امرأة فرعون ، فهم لا ينتفعون بهم أيضا. وقيل : أهلوهم ما كان أعد لهم من الحور لو كانوا آمنوا ، والظاهر أن قوله : (أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ) من كلام المؤمنين ؛ وقيل : استئناف إخبار من الله تعالى.

(مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ) ، قيل : هو يوم ورود الموت ، والظاهر أنه يوم القيامة. و (مِنَ اللهِ) متعلق بمحذوف يدل عليه ما مر ، أي لا يرد ذلك اليوم من ما حكم الله به فيه. وقال الزمخشري : (مِنَ اللهِ) : من صلة للامرد. انتهى ، وليس الجيد ، إذ لو كان من صلته لكان معمولا له ، فكان يكون معربا منونا. وقيل : (مِنَ اللهِ) يتعلق بقوله : (يَأْتِيَ) ، من قبل أن يأتي من الله يوم لا يقدر أحد على رده. (ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ) تلجأون إليه ، فتتخلصون من العذاب ، وما لكم من إنكار شيء من أعمالكم التي توردكم النار ، والنكير مصدر أنكر على غير قياس. قيل : ويحتمل أن يكون اسم فاعل للمبالغة ، وفيه بعد ، لأن نكر معناه لم يميز. (فَإِنْ أَعْرَضُوا) الآية : تسلية للرسول وتأنيس له ، وإزالة لهمه بهم. والإنسان : يراد به الجنس ، ولذلك جاء : (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ). وجاء جواب الشرط (فَإِنَّ الْإِنْسانَ) ولم يأت فإنه ، ولا فإنهم ، ليدل على أن هذا الجنس موسوم بكفران النعم ، كما قال : (إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) (١) ، (إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ) (٢).

ولما ذكر أنه يكفر النعم ، أتبع ذلك بأن له ملك العالم العلوي والسفلي ، وأنه يفعل

__________________

(١) سورة إبراهيم : ١٤ / ٣٤.

(٢) سورة العاديات : ١٠٠ / ٦.

٣٤٧

ما يريد ، ونبه على عظيم قدرته ، وأن الكائنات ناشئة عن إرادته ، فذكر أنه يهب لبعض إناثا ، ولبعض ذكورا ، ولبعض الصنفين ، ويعقم بعضا فلا يولد له. وقال إسحاق بن بشر : نزلت هذه الآية في الأنبياء ، ثم عمت. فلوط أبو بنات لم يولد له ذكور ، وإبراهيم ضده ، ومحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم وعليهما ولد له الصنفان ، ويحيى عقيم. انتهى. وذكر أيضا مع لوط شعيب ، ومع يحيى عيسى ، وقدم تعالى هبة البنات تأنيسا لهن وتشريفا لهن ، ليهتم بصونهن والإحسان إليهن. وفي الحديث : «من ابتلي بشيء من هذه البنات فأحسن إليهن كن له سترا من النار». وقال واثلة بن الأسقع : من يمن المرأة تبكيرها بالأنثى قبل الذكر ، لأن الله تعالى بدأ بالإناث. وقال الزمخشري : فإن قلت : لم قدم الإناث على الذكور مع تقدمهم عليهن ، ثم رجع فقدمهم؟ ولم عرف الذكور بعد ما نكر الإناث؟ قلت : لأنه ذكر البلاء في آخر الآية الأولى. وكفران الإنسان : نسيانه الرحمة السابقة عنده.

ثم ذكره بذكر ملكه ومشيئته ، وذكر قسمة الأولاد ، فقدم الإناث ، لأن سياق الكلام أنه فاعل ما يشاؤه ، لا ما يشاء الإنسان ، فكان ذكر الإناث اللائي من جملة ما لا يشاؤه الإنسان أهم ، والأهم أوجب التقديم. والبلاء : الجنس الذي كانت العرب تعده بلاء ، ذكر البلاء وآخر الذكور. فلما أخرهم لذلك تدارك تأخيره ، وهم أحق بالتقديم بتعريفهم ، لأن التعريف تنويه وتشهير ، كأنه قال : ويهب لمن يشاء الفريقين ، الأعلام المذكورين الذين لا يخفون عليكم. ثم أعطى بعد ذلك كلا الجنسين حظه من التقديم والتأخير ، وعرفان تقديمهن لم يكن لتقدمهن ، ولكن لمقتضى آخر فقال : (ذُكْراناً وَإِناثاً) ، كما قال : (إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى) (١) ، (فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى) (٢). انتهى. وقيل : بدأ بالأنثى ثم ثنى بالذكر ، لتنقله من الغم إلى الفرح. وقيل : ليعلم أنه لا اعتراض على الله فيرضى. فإذا وهب له الذكر ، علم أنه زيادة وفضل من الله وإحسان إليه. وقيل : قدمها تنبيها على أنه إذا كان العجز والحاجة لهم ، كانت عناية الله أكثر. وقال مجاهد : هو أن تلد المرأة غلاما ، ثم تلد جارية. وقال محمد بن الحنفية : أن تلد توأما ، غلاما وجارية. وقال أبو بكر بن العربي : أو يزوجهم ذكرانا وإناثا. قال علماؤنا : يعني آدم ، كانت حواء تلد له في كل بطن توأمين ، ذكرا وأنثى ؛ تزوج ذكر هذا البطن أنثى البطن الآخر. انتهى.

ولما ذكر الهبة في الإناث ، والهبة في الذكور ، اكتفى عن ذكرها في قوله :

__________________

(١) سورة الحجرات : ٤٩ / ١٣.

(٢) سورة القيامة : ٧٥ / ٣٩.

٣٤٨

(أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً). ولما كان العقم ليس بمحمود قال : (وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً) ، وهو قسيم لمن يولد له. ولما كانت الخنثى مما يحزن بوجوده ، لم يذكره تعالى. قالوا : وكانت الخلقة مستمرة ، ذكرا وأنثى ، إلى أن وقع في الجاهلية الأولى الخنثى ، فسئل فارض العرب ومعمرها عامر بن الظرب عن ميراثه ، فلم يدر ما يقوله وأرجأهم. فلما جن عليه الليل ، جعل يتقلب وتذهب به الأفكار ، وأنكرت خادمه حاله فسألته ، فقال : بهرت لأمر لا أدري ما أقول فيه ، فقالت له : ما هو؟ فقال : شخص له ذكر وفرج ، كيف يكون حاله في الميراث؟ قالت له الأمة : ورثه من حيث يبول ، فعقلها وأصبح فعرضها عليهم ، فرضوا بها. وجاء الإسلام على ذلك ، وقضى بذلك علي ، كرم الله وجهه ، إنه عليم بمصالح العباد ، قدير على تكوين ما يشاء.

كان من الكفار خوض في معنى تكليم الله موسى ، فذهبت قريش واليهود في ذلك إلى التجسيم ، فنزلت. وقيل : كانت قريش تقول : ألا تكلم الله وتنظر إليه إن كنت نبيا صادقا ، كما كلمه موسى ونظر إليه؟ فقال لهم الرسول عليه‌السلام : «لم ينظر موسى إلى الله» ، فنزلت : (وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ) ، بيانا لصورة تكليم الله عباده أي ما ينبغي ولا يمكن البشر إلا يوحى إليه أحد وجوه الوحي من الإلهام. قال مجاهد : أو النفث في القلب. وقال النقاش : أو وحي في المنام. وقال النخعي : كان في الأنبياء من يخط له في الأرض ، أو بأن يسمعه كلامه دون أن يعرف هو للمتكلم جهة ولا حيزا ، كموسى عليه‌السلام ، وهذا معنى (مِنْ وَراءِ حِجابٍ) : أي من خفاء عن المتكلم ، لا يحده ولا يتصور بذهنه عليه ، وليس كالحجاب في المشاهد ، أو بأن يرسل إليه ملكا يشافهه بوحي الله تعالى ، قاله ابن عطية. وقال الزمخشري : وما صح لأحد من البشر أن يكلمه الله إلا على ثلاثة أوجه : إما على طريق الوحي ، وهو الإلهام والقذف في القلب والمنام ، كما أوحى إلى أم موسى وإلى إبراهيم عليه‌السلام في ذبح ولده. وعن مجاهد : أوحى الله الزبور إلى داود عليه‌السلام في صدره ، قال عبيد بن الأبرص :

وأوحى إلى الله أن قد تأمروا

بابن أبي أوفى فقمت على رجل

أي : ألهمنى وقذف في قلبي.

وإما على أن يسمعه كلامه الذي يخلقه في بعض الأجرام من غير أن يبصر السامع من يكلمه ، لأنه في ذاته غير مرئي. (مِنْ وَراءِ حِجابٍ) مثل ، أي : كما يكلم الملك

٣٤٩

المحتجب بعض خواصه ، وهو من وراء حجاب ، فيسمع صوته ولا يرى شخصه ، وذلك كما كلم الله موسى ويكلم الملائكة.

وإما على أن يرسل إليه رسولا من الملائكة فيوحي الملك إليه ، كما كلم الأنبياء غير موسى. انتهى ، وهو على طريق المعتزلة في استحالة رؤية الله تعالى ونفي الكلام الحقيقي عن الله.

وكل هذه الأقسام الثلاثة يصدق عليها أنها وحي ، وخص الأول باسم الوحي هنا ، لأن ما يقع في القلب على سبيل الإلهام يقع دفعة واحدة ، فكان تخصيص لفظ الوحي به أولى. وقيل : (وَحْياً) كما أوحى إلى الرسل بواسطة الملائكة ، أو (يُرْسِلَ رَسُولاً) : أي نبيا ، كما كلم أمم الأنبياء على ألسنتهم ، حكاه الزمخشري ، وترك تفسير (أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ) ، ومعناه في هذا القول : كما كلم محمدا وموسى صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وقرأ الجمهور : (حِجابٍ) ، مفردا ؛ وابن أبي عبلة : حجب جمعا. وقرأ الجمهور : بنصب الفعلين عطف ، أو يرسل على المضمر الذي يتعلق به من وراء حجاب تقديره : أو يكلمه من وراء حجاب ، وهذا المضمر معطوف على وحيا ، والمعنى : إلا بوحي أو سماع من وراء حجاب ، أو إرسال رسول فيوحي ذلك الرسول إلى النبي الذي أرسل عنه بإذن الله ما يشاء ، ولا يجوز أن يطف (أَوْ يُرْسِلَ) على (أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ) لفساد المعنى. وقال الزمخشري : ووحيا ، وأن يرسل ، مصدران واقعان موقع الحال ، لأن أن يرسل في معنى إرسالا ، ومن وراء حجاب ظرف واقع موقع الحال أيضا ، كقوله : (وَعَلى جُنُوبِهِمْ) (١) ، والتقدير : وما صح أن يكلم أحدا إلا موحيا أو مسمعا من وراء حجاب ، أو مرسلا. انتهى. أما وقوع المصدر موقع الحال ، فلا ينقاس ، وإنما قالته العرب. وكذلك لا يجوز : جاء زيد بكاء ، تريد باكيا ، وقاس منه المبرد ما كان منه نوعا للفعل ، نحو : جاء زيد مشيا أو سرعة ، ومنع سيبويه أن يقع أن والفعل المقدر بالمصدر موقع الحال ، فلا يجوز ، نحو : جاء زيد أن يضحك في معنى ضحك الواقع موقع ضاحكا ، فجعله وحيا مصدرا في موضع الحال مما لا ينقاس ، وأن يرسل في معنى إرسالا الواقع موقع مرسلا ممنوع بنص سيبويه. وقرأ نافع وأهل المدينة : أو يرسل رسولا فيوحي بالرفع فيهما ، فخرج على إضمار هو يرسل ، أو على ما يتعلق به من وراء ، إذ تقديره : أو يسمع من وراء حجاب ، ووحيا مصدر في موضع

__________________

(١) سورة آل عمران : ٣ / ١٩١.

٣٥٠

الحال ، عطف عليه ذلك المقدر المعطوف عليه ، أو يرسل والتقدير : إلا موحيا أو مسمعا من وراء حجاب ، أو مرسلا ، وإسناد التكلم إلى الله بكونه أرسل رسولا مجاز ، كما تقول : نادى الملك في الناس بكذا ، وإنما نادى الريح الدائر في الأسواق ، نزل ما كان بواسطة منزلة ما كان بغير واسطة. قال ابن عطية : وفي هذه الآية دليل على أن الرسالة من أنواع التكلم ، وأن الحالف الرسل ، كانت إذا حلف أن لا يكلم إنسانا فأرسل إليه ، وهو لم ينو المشافهة وقت يمينه. انتهى. (إِنَّهُ عَلِيٌ) : أي عليّ عن صفات المخلوقين ، (حَكِيمٌ) : تجري أفعاله على ما تقتضيه الحكمة ، يكلم بواسطة وبغير واسطة.

(وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا) : أي مثل ذلك الإيحاء الفصل أوحينا إليك ، إذ كان عليه الصلاة والسلام اجتمعت له الطرق الثلاث : النفث في الروع ، والمنام ، وتكليم الله له حقيقة ليلة الإسراء ، وإرسال رسول إليه ، وهو جبريل. وقيل : كما أوحينا إلى الأنبياء قبلك ، (أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا). قال ابن عباس : النبوة. وقال السدي : الوحي ؛ وقال قتادة : رحمة ؛ وقال الكلبي : كتابا ؛ وقال الربيع : جبريل ؛ وقيل : القرآن ؛ وسمى ما أوحى إليه روحا ، لأن به الحياة من الجهل. وقال مالك بن دينار : يا أهل القرآن ، ماذا زرع القرآن في قلوبكم؟ فإن القرآن ربيع القلوب ، كما أن العشب ربيع الأرض. (ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ) : توقيف على عظم المنة ، وهو صلى‌الله‌عليه‌وسلم أعلم الناس بها ، وعطف ولا الإيمان على ما الكتاب ، وإنما معناه : الإيمان الذي يدركه السمع ، لأن لنا أشياء من الإيمان لا تعلم إلا بالوحي. أما توحيد الله وبراءته عن النقائص ، ومعرفة صفاته العلا ، فجميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عالمون ذلك ، معصومون أن يقع منهم زلل في شيء من ذلك ، سابق لهم علم ذلك قبل أن يوحى إليهم. وقد أطلق الإيمان على الصلاة في قوله : (وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ) (١) ، إذ هي بعض ما يتناوله الإيمان.

ومن طالع سير الأنبياء من نشأتهم إلى مبعثهم ، تحقق عنده أنهم معصومون من كل نقيصة ، موحدون لله منذ نشأوا. قال الله تعالى في حق يحيى عليه‌السلام : (وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) (٢). قال معمر : كان ابن سنتين أو ثلاث. وعن أبي العالية : ما كنت تدري قبل الوحي أن تقرأ القرآن ، ولا كيف تدعو الخلق إلى الإيمان. وقال القاضي : (وَلَا الْإِيمانُ) : الفرائض والأحكام. قال : وكان قبل مؤمنا بتوحيد الله ، ثم نزلت الفرائض التي

__________________

(١) سورة البقرة : ٢ / ١٤٣.

(٢) سورة مريم : ١٩ / ١٢.

٣٥١

لم يكن يدريها قبل ، فزاد بالتكليف إيمانا. وقال القشيري : يجوز إطلاق الإيمان على تفاصيل الشرع. وقال الحسين بن الفضل : هو على حذف مضاف ، أي ولا أهل الإيمان من الذي يؤمن أبو طالب أو العباس أو غيرهما. وقال علي بن عيسى : إذ كنت في المهد. وقيل : ما الكتاب لو لا إنعامنا عليك ، ولا الإيمان لو لا هدايتنا لك. وقيل : أي كنت من قوم أميين لا يعرفون الإيمان ولا الكتاب ، فتكون أخذت ما جئتهم به عمن كان يعلم ذلك منهم. ما الكتاب : جملة استفهامية مبتدأ وخبر ، وهي في موضع نصب بتدري ، وهي معلقة.

(وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً) : يحتمل أن يعود إلى قوله : (رُوحاً) ، وإلى (الْكِتابُ) ، وإلى (الْإِيمانُ) ، وهو أقرب مذكور. وقال ابن عطية : عائد على الكتاب. انتهى. وقيل : يعود إلى الكتاب والإيمان معا لأن مقصدهما واحد ، فهو نظير : (وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ) (١). وقرأ الجمهور : (لَتَهْدِي) ، مضارع هدى مبنيا للفاعل ؛ وحوشب : مبنيا للمفعول ، إجابة سؤاله عليه الصلاة والسلام : (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) (٢). وقرأ ابن السميفع : لتهدي بضم التاء وكسر الدال ؛ وعن الجحدري مثلها ومثل قراءة حوشب. (صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) ، قال علي : هو القرآن ؛ وقيل : الإسلام. (أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ) : أخبر بالمضارع ، والمراد به الديمومة ، كقوله : زيد يعطي ويمنع ، أي من شأنه ذلك ، ولا يراد به حقيقة المستقبل ، أي ترد جميع أمور الخلق إليه تعالى يوم القيامة فيقضي بينهم بالعدل ، وخص ذلك بيوم القيامة ، لأنه لا يمكن لأحد أن يدعي فيه لنفسه شيئا ، قاله الفراء.

تم الجزء السابع ويليه الجزء الثامن وأوله سورة الزخرف

__________________

(١) سورة التوبة : ٩ / ٦٢.

(٢) سورة الفاتحة : ١ / ٦.

٣٥٢

سورة الزّخرف

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤) أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ (٥) وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٧) فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ (١١) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤) وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧) أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨)

٣٥٣

وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ (١٩) وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (٢٠) أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١) بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢) وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٢٤) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٢٥) وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨) بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (٢٩) وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ (٣٠) وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢) وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ (٣٤) وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥) وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩) أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ

٣٥٤

أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٤٠) فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (٤٢) فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ (٤٤) وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٦) فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ (٤٧) وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨) وَقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ (٤٩) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠) وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ (٥٢) فَلَوْ لا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (٥٤) فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ (٥٦) وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨) إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائِيلَ (٥٩) وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٢) وَلَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣) إِنَّ اللهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ

٣٥٥

مُسْتَقِيمٌ (٦٤) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٦٥) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٦٦) الْأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ (٦٧) يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠) يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ (٧١) وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢) لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْها تَأْكُلُونَ (٧٣) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ (٧٤) لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥) وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (٧٦) وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ (٧٧) لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (٧٨) أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (٧٩) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠) قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ (٨١) سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٢) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣) وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤) وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٥) وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧) وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ (٨٨) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩)

يعشو : يعرض ، ويعشى : يعمى. وقال ابن قتيبة : لم نر أحدا حكى : عشوت عن الشيء : أعرضت عنه ، وإنما يقال : تعاشيت عن كذا وتعاميت ، إذا تغافلت عنه. وتقول :

٣٥٦

عشوت إلى النار ، إذا استدللت عليها ببصر ضعيف. وقيل : عشى يعشى ، إذا حصلت الآفة في بصره. وعشا يعشو : نظر المغشي ولا آفة به ، كما قالوا : عرج لمن به الآفة ، وعرج لمن مشى مشية العرجان من غير عرج. قال الحطيئة :

متى تأته تعشو إلى ضوء ناره

تجد خير نار عندها خير موقد

أي : تنظر إليها نظر المغشي ، لما يضعف بصر من عظيم الوقود به ، ومنه قول حاتم :

أعشو إذا ما جارتي برزت

حتى يواري جارتي الخدر

الصحفة ، قال الجوهري : هي القصعة ، وقال الكسائي : أعظم القصاع الجفنة ، ثم القصعة تليها تسع العشرة ، ثم الصحفة تسع الخمسة ، ثم المكيلة تسع الرجلين والثلاثة. والصحيفة : الكتاب ، والجمع : صحف وصحائف. الكوب ، قال قطرب : الإبريق لا عروة له. وقال الأخفش : الإبريق لا خرطوم له ، وقيل : كالإبريق ، إلا أنه لا أذن له ولا مقبض. قال أبو منصور الجواليقي : إنما كان بغير عروة ليشرب الشارب من أين شاء ، لأن العروة ترد الشارب من بعض الجهات. انتهى. وقال عدي :

متكئا تصفق أبوابه

يسعى عليه العبد بالكوب

أبرم ، قال الفراء : أبرم الأمر : بالغ في إحكامه ، وأبرم القاتل ، إذا أدهم ، وهو القتل الثاني ؛ والأول يقال له سجيل ، كما قال زهير :

من سجيل وبرم

انتهى. والإبرام : أن يجمع خيطين ، ثم يفتلهما فتلا متقنا ؛ والبريم : خيط فيه لونان.

(حم وَالْكِتابِ الْمُبِينِ. إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ. أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ. وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ. وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ. فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ. وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ. الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ. وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ. وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ. لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ. وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ. وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ. أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ. وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ

٣٥٧

بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ. أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ).

هذه السورة مكية ، وقال مقاتل : إلا قوله : (وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا) (١). وقال ابن عطية : بإجماع أهل العلم. (إِنَّا جَعَلْناهُ) ، أي صيرناه ، أو سميناه ؛ وهو جواب القسم ، وهو من الأقسام الحسنة لتناسب القسم والمقسم عليه ، وكونهما من واد واحد ، ونظيره قول أبي تمام :

وثناياك أنها إغريض

وقيل : والكتاب أريد به الكتب المنزلة ، والضمير في جعلناه يعود على القرآن ، وإن لم يتقدم له صريح الذكر لدلالة المعنى عليه. وقال الزمخشري : جعلناه ، بمعنى صيرناه ، معدى إلى مفعولين ، أو بمعنى خلقناه معدى إلى واحد ، كقوله : (وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ) (٢). و (قُرْآناً عَرَبِيًّا) : حال. ولعل : مستعارة لمعنى الإرادة ، لتلاحظ معناها ومعنى الترجي ، أي خلقناه عربيا غير عجمي. أراد أن تعقله العرب ، ولئلا يقولوا : (لَوْ لا فُصِّلَتْ آياتُهُ) (٣). انتهى ، وهو على طريقة الاعتزال في كون القرآن مخلوقا. (أُمِّ الْكِتابِ) : اللوح المحفوظ ، لأنه الأصل الذي أثبتت فيه الكتب ، وهذا فيه تشريف للقرآن ، وترفيع بكونه. لديه عليا : على جميع الكتب ، وعاليا عن وجوه الفساد. حكيما : أي حاكما على سائر الكتب ، أو محكما بكونه في غاية البلاغة والفصاحة وصحة المعاني. قال قتادة وعكرمة والسدي : اللوح المحفوظ : القرآن فيه بأجمعه منسوخ ، ومنه كان جبريل ينزل. وقيل : أم الكتاب : الآيات المحكمات ، لقوله : (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ) (٤) ، ومعناه : أن سورة حم واقعة في الآيات المحكمات التي هي الأم. وقرأ الجمهور : في أم ، بضم الهمزة ، والإخوان بكسرها ، وعزاها ابن عطية يوسف بن عمرو إلى العراق ، ولم يعزها للإخوان عقلة منه. يقال : ضرب عن كذا ، وأضرب عنه ، إذا أعرض عنه. والذكر ، قال الضحاك وأبو صالح : القرآن ، أي افترائي عنكم القرآن. وقولهم : ضرب الغرائب عن الحوض ، إذا أدارها ونحاها ، وقال الشاعر :

اضرب عنك الهموم طارقها

ضربك بالسيف قونس الفرس

__________________

(١) سورة الزخرف : ٤٣ / ٤٥.

(٢) سورة الأنعام : ٦ / ١.

(٣) سورة فصلت : ٤١ / ٤٤.

(٤) سورة آل عمران : ٣ / ٧.

٣٥٨

وقيل : الذكر : الدعاء إلى الله والتخويف من عقابه. قال الزمخشري : والفاء للعطف على محذوف تقديره : أنهملكم فنضرب عنكم الذكر إنكارا؟ لأن يكون الأمر على خلاف ما قدم من إنزاله الكتاب وخلقه قرآنا عربيا لتعقلوه وتعملوا بموجبه. انتهى. وتقدم الكلام معه في تقديره فعلا بين الهمزة والفاء في نحو : (أَفَلَمْ يَسِيرُوا*) (١)؟ (أَفَلا تَعْقِلُونَ*) (٢)؟ وبينها وبين الواو في نحو : (أَوَلَمْ يَسِيرُوا*) (٣)؟ كما وأن المذهب الصحيح قول سيبويه والنحويين : أن الفاء والواو منوي بهما التقديم لعطف ما بعدهما على ما قبلهما ، وأن الهمزة تقدمت لكون الاستفهام له صدر الكلام ، ولا خلاف بين الهمزة والحرف ، وقد رددنا عليه قوله : وقال ابن عباس ومجاهد : المعنى : أفنترك تذكيركم وتخويفكم عفوا عنكم عفوا عن إجرامكم؟ أن كنتم أو من أجل أن كنتم قوما مسرفين؟ أي هذا لا يصلح. ونحا قتادة إلى أن المعنى صفحا ، أي معفوا عنه ، أي نتركه. ثم لا تؤاخذون بقوله ولا بتدبره ، ولا تنبهون عليه. وهذا المعنى نظير قول الشاعر :

ثم الصبا صفحا بساكن ذي الفضا

وبصدع قلبي أن يهب هبوبها

وقول كثير :

صفوحا فما تلقاك إلا بخيلة

فمن مل منها ذلك الوصل ملت

وقال ابن عباس : المعنى : أفحسبتم أن نصفح عنكم ولما تفعلوا ما أمرتم به؟ وقال الكلبي : أن نترككم هملا بلا أمر ولا نهي؟ وقال مجاهد أيضا : أن لا نعاقبكم بالتكذيب؟ وقيل : أن نترك الإنزال للقرآن من أجل تكذيبكم؟ وقرأ حسان بن عبد الرحمن الضبغي ، والسميط بن عمير ، وشميل بن عذرة : بضم الصاد ، والجمهور : بفتحها ، وهما لغتان ، كالسد والسد. وانتصاب صفحا على أنه مصدر من معنى أفنضرب ، لأن معناه : أفنصفح؟ أو مصدر في موضع الحال ، أي صافحين ، قالهما الحوفي ، وتبعه أبو البقاء. وقال الزمخشري : وصفحا على وجهين : إما مصدر من صفح عنه ، إذا أعرض منتصبا على أنه مفعول له على معنى : أفنعزل عنكم إنزال القرآن وإلزام الحجة به إعراضا عنكم؟ وإما بمعنى الجانب من قولهم : نظر إليه بصفح وجهه. وصفح وجهه على معنى : أفننحيه عنكم جانبا؟ فينصب على الظرف ، كما تقول : ضعه جانبا ، وامش جانبا. وتعضده قراءة من قرأ صفحا بالضم. وفي هذه القراءة وجه آخر ، وهو أن يكون تخفيف صفح جمع صفوح ،

__________________

(١) سورة غافر ٤٠ / ٨٢.

(٢) سورة الصافات : ٣٧ / ١٣٨.

(٣) سورة الروم : ٣٠ / ٩.

٣٥٩

وينتصب على الحال ، أي صافحين معرضين. وقال ابن عطية : صفحا ، انتصابه كانتصاب صنع الله. انتهى. يعني أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة ، فيكون العامل فيه محذوفا ، ولا يظهر هذا الذي قاله ، فليس انتصابه انتصاب صنع الله. وقرأ نافع والإخوان : بكسر الهمزة ، وإسرافهم كان متحققا. فكيف دخلت عليه إن الشرطية التي لا تدخل إلا على غير المتحقق ، أو على المتحقق الذي أنبهم زمانه؟ قال الزمخشري : هو من الشرط الذي ذكرت أنه يصدر عن المدل بصحة الأمر المتحقق لثبوته ، كما يقول الأجير : إن كنت عملت لك فوفني حقي ، وهو عالم بذلك ، ولكنه يخيل في كلامه أن تفريطك في الخروج عن الحق فعل من له شك في الاستحقاق ، مع وضوحه ، استجهالا له. وقرأ الجمهور : أن بفتح الهمزة ، أي من أجل أن كنتم. قال الشاعر :

أتجزع أن بان الخيط المودع

وقرأ زيد بن علي : إذ كنتم ، بذال مكان النون ، لما ذكر خطابا لقريش ، (أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ)؟ وكان هذا الإنكار دليلا على تكذيبهم للرسول ، وإنكارا لما جاء به. آنسه تعالى بأن عادتهم عادة الأمم السابقة من استهزائهم بالرسل ، وأنه تعالى أهلك من كان أشد بطشا من قريش ، أي أكثر عددا وعددا وجلدا. (وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ) : أي فليحذر قريش أن يحل بهم مثل ما حل بالأولين مكذبي الرسل من العقوبة. قال معناه قتادة : وهي العقوبة التي سارت سير المثل ، وقيل : مثل الأولين في الكفر والتكذيب ، وقريش سلكت مسلكها ، وكان مقبلا عليهم بالخطاب في قوله : (أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ)؟ فأعرض عنهم إلى إخبار الغائب في قوله : (فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً).

(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ) : احتجاج على قريش بما يوجب التناقض ، وهو إقرارهم بأن موجد العالم العلوي والسفلي هو الله ، ثم هم يتخذون أصناما آلهة من دون الله يعبدونهم ويعظمونهم. قال ابن عطية : ومقتضى الجواب أن يقولوا خلقهن الله ، فلما ذكر تعالى المعنى ، جاءت العبارة عن الله تعالى بالعزيز العليم ، ليكون ذلك توطئة لما عدد من أوصافه الذي ابتدأ الإخبار بها ، وقطعها من الكلام الذي حكي معناه عن قريش. انتهى. وقال الزمخشري : لينسبن خلقها إلى الذي هذه أوصافه ، وليسندنه إليه. انتهى. والظاهر أن : (خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ) نفس المحكي من كلامهم ، ولا يدل كونهم ذكروا في مكان خلقهن الله ، أن لا يقولوا في سؤال آخر. (خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ).

٣٦٠