🚘

فرائد الأصول - ج ٣

الشيخ مرتضى الأنصاري

فرائد الأصول - ج ٣

المؤلف:

الشيخ مرتضى الأنصاري


المحقق: لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مجمع الفكر الاسلامي
المطبعة: خاتم الأنبياء
ISBN: 964-5662-04-4
🚘 نسخة غير مصححة

أمّا الكلام في المقام الأوّل فيقع في مسائل :

الاولى

تقدّم «اليد» على الاستصحاب والاستدلال عليه

أنّ اليد ممّا لا يعارضها الاستصحاب ، بل هي حاكمة عليه.

بيان ذلك : أنّ اليد ، إن قلنا بكونها من الأمارات المنصوبة دليلا على الملكيّة ؛ من حيث كون الغالب في مواردها كون صاحب اليد مالكا أو نائبا عنه ، وأنّ اليد المستقلّة الغير المالكيّة قليلة بالنسبة إليها ، وأنّ الشارع إنّما اعتبر هذه الغلبة تسهيلا على العباد ، فلا إشكال في تقديمها على الاستصحاب على ما عرفت : من حكومة أدلّة الأمارات على أدلّة (١) الاستصحاب (٢).

وإن قلنا بأنّها غير كاشفة بنفسها عن الملكيّة ، أو أنّها كاشفة لكن اعتبار الشارع لها ليس من هذه الحيثيّة ، بل جعلها في محلّ الشكّ تعبّدا ؛ لتوقّف استقامة نظام معاملات العباد على اعتبارها ـ نظير أصالة الطهارة ـ كما يشير إليه قوله عليه‌السلام في ذيل رواية حفص بن غياث ، الدالّة على الحكم بالملكيّة على ما في يد المسلمين : «ولو لا ذلك لما قام

__________________

(١) في (ر) ، (ظ) و (ه) بدل «أدلّة» : «دليل».

(٢) راجع الصفحة ٣١٤.

٣٢١

للمسلمين سوق» (١) ، فالأظهر أيضا تقديمها على الاستصحاب ؛ إذ لو لا هذا لم يجز التمسّك بها في أكثر المقامات ، فيلزم المحذور المنصوص ، وهو اختلال السوق وبطلان الحقوق ؛ إذ الغالب العلم بكون ما في اليد مسبوقا بكونه ملكا للغير ، كما لا يخفى.

الوجه في الرجوع إلى الاستصحاب لو تقارنت «اليد» بالإقرار

وأمّا حكم المشهور بأنّه : «لو اعترف ذو اليد بكونه سابقا ملكا للمدّعي ، انتزع منه العين ، إلاّ أن يقيم البيّنة على انتقالها إليه» فليس من تقديم الاستصحاب ، بل لأجل أنّ دعواه الملكيّة في الحال إذا انضمّت إلى إقراره بكونه (٢) قبل ذلك للمدّعي ، ترجع إلى دعوى انتقالها إليه ، فينقلب مدّعيا ، والمدّعي منكرا ؛ ولذا لو لم يكن في مقابله مدّع ، لم تقدح هذه الدعوى منه في الحكم بملكيّته ، أو كان في مقابله مدّع لكن أسند الملك السابق إلى غيره ، كما لو قال في جواب زيد المدّعي : اشتريته من عمرو.

بل يظهر ممّا ورد في محاجّة عليّ عليه‌السلام مع أبي بكر في أمر فدك ـ المرويّة في الاحتجاج (٣) ـ أنّه لم يقدح في تشبّث فاطمة عليها‌السلام باليد ، دعواها عليها‌السلام (٤) تلقّي الملك من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، مع أنّه قد يقال : إنّها حينئذ صارت مدّعية لا تنفعها اليد.

__________________

(١) الوسائل ١٨ : ٢١٥ ، الباب ٢٥ من أبواب كيفية الحكم ، الحديث ٢.

(٢) المناسب : «بكونها» ، لرجوع الضمير إلى «العين» ، كضمير «انتقالها».

(٣) الاحتجاج ١ : ١٢١ ، والوسائل ١٨ : ٢١٥ ، الباب ٢٥ من أبواب كيفيّة الحكم ، الحديث ٣.

(٤) لم ترد «دعواها عليها‌السلام» في (ظ).

٣٢٢

«اليد» على تقدير كونها من الاصول مقدّمة على الاستصحاب وإن جعلناه من الأمارات

وكيف كان ، فاليد على تقدير كونها من الاصول التعبّديّة أيضا مقدّمة على الاستصحاب وإن جعلناه من الأمارات الظنّيّة ؛ لأنّ الشارع نصبها في مورد الاستصحاب. وإن شئت قلت : إنّ دليلها أخصّ من عمومات الاستصحاب (١).

هذا ، مع أنّ الظاهر من الفتوى والنصّ الوارد في اليد ـ مثل رواية حفص بن غياث (٢) ـ أنّ اعتبار اليد أمر كان مبنى عمل الناس في امورهم وقد أمضاه الشارع ، ولا يخفى أنّ عمل العرف عليها من باب الأمارة ، لا من باب الأصل التعبّديّ.

تقدّم البيّنة على «اليد» والوجه في ذلك

وأمّا تقديم البيّنة على اليد وعدم ملاحظة التعارض بينهما أصلا ، فلا يكشف عن كونها من الاصول ؛ لأنّ اليد إنّما جعلت أمارة على الملك عند الجهل بسببها ، والبيّنة مبيّنة لسببها.

والسرّ في ذلك : أنّ مستند الكشف في اليد هي الغلبة ، والغلبة إنّما توجب إلحاق المشكوك بالأعمّ الأغلب ، فإذا كان في مورد الشكّ أمارة معتبرة تزيل الشكّ ، فلا يبقى مورد للإلحاق ؛ ولذا كانت جميع الأمارات في أنفسها مقدّمة على الغلبة. وحال اليد مع البيّنة (٣) حال أصالة الحقيقة في الاستعمال على مذهب السيّد (٤) مع أمارات المجاز ، بل حال مطلق الظاهر والنصّ ، فافهم.

__________________

(١) لم ترد «وإن شئت ـ إلى ـ الاستصحاب» في (ظ).

(٢) الوسائل ١٨ : ٢١٥ ، الباب ٢٥ من أبواب كيفية الحكم ، الحديث ٢.

(٣) كذا في (ت) و (ه) ، وفي غيرهما بدل «البيّنة» : «الغلبة».

(٤) انظر الذريعة ١ : ١٣.

٣٢٣
٣٢٤

المسألة الثانية

تقدّم قاعدة «الفراغ والتجاوز» على الاستصحاب والاستدلال عليه

في أنّ أصالة الصحّة في العمل بعد الفراغ عنه لا يعارض بها الاستصحاب :

إمّا لكونها من الأمارات ؛ كما يشعر به قوله عليه‌السلام ـ في بعض روايات ذلك (١) الأصل ـ : «هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ» (٢).

وإمّا لأنّها وإن كانت من الاصول إلاّ أنّ الأمر بالأخذ بها في مورد الاستصحاب يدلّ على تقديمها عليه ، فهي خاصّة بالنسبة إليه ، يخصّص بأدلّتها أدلّته ، ولا إشكال في شيء من ذلك.

إنّما الإشكال في تعيين مورد ذلك الأصل من وجهين :

أحدهما : من جهة تعيين معنى «الفراغ» و «التجاوز» المعتبر في الحكم بالصحّة ، وأنّه هل يكتفى به ، أو يعتبر الدخول في غيره؟ وأنّ المراد بالغير ما هو؟

الثاني : من جهة أنّ الشكّ في وصف الصحّة للشيء ، ملحق

__________________

(١) لم ترد «ذلك» في (ه).

(٢) الوسائل ١ : ٣٣٢ ، الباب ٤٢ من أبواب الوضوء ، الحديث ٧.

٣٢٥

بالشكّ في أصل الشيء أم لا؟

أخبار القاعدة

وتوضيح الإشكال من الوجهين موقوف على ذكر الأخبار الواردة في هذه القاعدة ، ليزول ببركة تلك الأخبار كلّ شبهة حدثت أو تحدث في هذا المضمار ، فنقول (١) مستعينا بالله :

١ ـ الأخبار العامّة

روى زرارة ـ في الصحيح ـ عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : «إذا خرجت من شيء ودخلت في غيره فشكّك ليس بشيء» (٢).

وروى إسماعيل بن جابر عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : «إن شكّ في الركوع بعد ما سجد فليمض ، وإن شكّ في السّجود بعد ما قام فليمض ، كلّ شيء شكّ فيه وقد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه» (٣).

وهاتان الروايتان ظاهرتان في اعتبار الدخول في غير المشكوك.

وفي الموثّقة : «كلّ ما شككت فيه ممّا قد مضى فامضه كما هو» (٤).

وهذه الموثّقة ظاهرة في عدم اعتبار الدخول في الغير.

وفي موثّقة ابن أبي يعفور : «إذا شككت في شيء من الوضوء

__________________

(١) كذا ، والمناسب : «فأقول» كما لا يخفى.

(٢) الوسائل ٥ : ٣٣٦ ، الباب ٢٣ من أبواب الخلل الواقع في الصلاة ، الحديث الأوّل.

(٣) الوسائل ٤ : ٩٣٧ ، الباب ١٣ من أبواب الركوع ، الحديث ٤ ، وفيه بدل «وقد» : «ممّا قد».

(٤) أي : موثّقة محمد بن مسلم ، الوسائل ٥ : ٣٣٦ ، الباب ٢٣ من أبواب الخلل الواقع في الصلاة ، الحديث ٣.

٣٢٦

وقد دخلت في غيره فشكّك ليس بشيء (١) ، إنّما الشّكّ إذا كنت في شيء لم تجزه» (٢).

وظاهر صدر هذه الموثّقة كالاوليين ، وظاهر عجزها كالثالثة.

هذه تمام ما وصل إلينا من الأخبار العامّة.

٢ ـ الأخبار الخاصّة

وربما يستفاد العموم من بعض ما ورد في الموارد الخاصّة ، مثل : قوله عليه‌السلام في الشكّ في فعل الصلاة بعد خروج الوقت ، من قوله عليه‌السلام (٣) : «وإن كان بعد ما خرج وقتها فقد دخل حائل فلا إعادة» (٤).

وقوله عليه‌السلام : «كلّ ما مضى من صلاتك وطهورك فذكرته تذكّرا فأمضه كما هو» (٥).

وقوله عليه‌السلام في من شكّ في الوضوء بعد ما فرغ : «هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ» (٦).

ولعلّ المتتبّع يعثر على أزيد من ذلك (٧).

__________________

(١) في الوسائل : «فليس شكّك بشيء».

(٢) الوسائل ١ : ٣٣١ ، الباب ٤٢ من أبواب الوضوء ، الحديث ٢.

(٣) كذا في النسخ ، والظاهر زيادة : «من قوله عليه‌السلام».

(٤) الحديث منقول بالمعنى ، انظر الوسائل ٣ : ٢٠٥ ، الباب ٦٠ من أبواب المواقيت ، الحديث الأوّل.

(٥) الوسائل ١ : ٣٣١ ، الباب ٤٢ من أبواب الوضوء ، الحديث ٦ ، وليس فيه :«كما هو».

(٦) تقدّم الحديث في الصفحة ٣٢٥.

(٧) مثل : ما في صحيحتي زرارة ومحمد بن مسلم المرويّتين في الوسائل ١ : ٣٣٠ و ٣٣١ ، الباب ٤٢ من أبواب الوضوء ، الحديث ١ و ٥.

٣٢٧

تنقيح مضامين الأخبار

وحيث إنّ مضمونها لا يختصّ بالطهارة والصلاة ، بل يجري في غيرهما ـ كالحجّ ـ فالمناسب الاهتمام في تنقيح مضامينها ودفع ما يتراءى من التعارض بينها ـ فنقول مستعينا بالله ، فإنّه وليّ التوفيق.

إنّ الكلام يقع في مواضع ـ :

٣٢٨

الموضع الأوّل

ما هو المراد من «الشكّ في الشيء»؟

أنّ الشكّ في الشيء ظاهر ـ لغة وعرفا ـ في الشكّ في وجوده ، إلاّ أنّ تقييد ذلك في الروايات بالخروج عنه ومضيّه والتجاوز عنه ، ربما يصير قرينة على إرادة كون وجود أصل الشيء مفروغا عنه ، وكون الشكّ فيه باعتبار الشكّ في بعض ما يعتبر فيه شرطا أو شطرا.

نعم لو اريد الخروج والتجاوز عن محلّه ، أمكن إرادة المعنى الظاهر من الشكّ في الشيء. وهذا هو المتعيّن ؛ لأنّ إرادة الأعمّ من الشكّ في وجود الشيء والشكّ الواقع في الشيء الموجود ، في استعمال واحد (١) ، غير صحيح. وكذا إرادة خصوص الثاني ؛ لأنّ مورد غير واحد من تلك الأخبار هو الأوّل. لكن يبعد ذلك في ظاهر موثّقة محمّد ابن مسلم (٢) ؛ من جهة قوله : «فأمضه كما هو» ، بل لا يصحّ ذلك في موثّقة ابن أبي يعفور (٣) ، كما لا يخفى.

لكنّ الإنصاف : إمكان تطبيق موثّقة محمد بن مسلم على ما في الروايات ، وأمّا هذه الموثّقة فسيأتي توجيهها على وجه لا تعارض الروايات إن شاء الله تعالى (٤).

__________________

(١) لم ترد «في استعمال واحد» في (ظ) و (ت).

(٢) تقدّمت في الصفحة ٣٢٧.

(٣) تقدّمت في الصفحة ٣٢٦.

(٤) انظر الصفحة ٣٣٧.

٣٢٩

الموضع الثاني

ما هو المراد من «محلّ الشيء المشكوك فيه»؟

أنّ المراد بمحلّ الفعل المشكوك في وجوده هو الموضع الذي لو اتي به فيه لم يلزم منه اختلال في الترتيب المقرّر.

وبعبارة اخرى : محلّ الشيء هي مرتبته المقرّرة له بحكم العقل ، أو بوضع الشارع ، أو غيره ولو كان نفس المكلّف ؛ من جهة اعتياده بإتيان ذلك المشكوك في ذلك المحلّ.

فمحلّ تكبيرة الإحرام قبل الشروع في الاستعاذة لأجل القراءة بحكم الشارع ، ومحلّ كلمة «أكبر» قبل تخلّل الفصل الطويل بينه وبين لفظ الجلالة بحكم الطريقة المألوفة في نظم الكلام ، ومحلّ الراء من «أكبر» قبل أدنى فصل يوجب الابتداء بالساكن بحكم العقل ، ومحلّ غسل الجانب الأيسر أو بعضه في غسل الجنابة لمن اعتاد الموالاة فيه (١) قبل تخلّل فصل يخلّ بما اعتاده من الموالاة.

هذا كلّه ممّا لا إشكال فيه ، إلاّ الأخير ؛ فإنّه ربما يتخيّل (٢) انصراف إطلاق الأخبار إلى غيره.

مع أنّ فتح هذا الباب بالنسبة إلى العادة يوجب مخالفة إطلاقات كثيرة. فمن اعتاد الصلاة في أوّل وقتها أو مع الجماعة ، فشكّ في فعلها بعد ذلك ، فلا يجب عليه الفعل. وكذا من اعتاد فعل شيء بعد الفراغ من الصلاة فرأى نفسه فيه وشكّ في فعل الصلاة. وكذا من اعتاد

__________________

(١) لم ترد «فيه» في (ر).

(٢) في (ه) ونسخة بدل (ت) بدل «يتخيّل» : «يحتمل».

٣٣٠

الوضوء بعد الحدث بلا فصل يعتدّ به ، أو قبل دخول الوقت للتهيّؤ ، فشكّ بعد ذلك في الوضوء. إلى غير ذلك من الفروع التي يبعد التزام الفقيه بها.

نعم ذكر جماعة من الأصحاب مسألة معتاد الموالاة في غسل الجنابة إذا شكّ في الجزء الأخير ، كالعلاّمة (١) وولده (٢) والشهيدين (٣) والمحقّق الثاني (٤) وغيرهم (٥) قدّس الله أسرارهم.

واستدلّ فخر الدين على مختاره في المسألة ـ بعد صحيحة زرارة المتقدّمة ـ : بأنّ خرق العادة على خلاف الأصل (٦). ولكن لا يحضرني كلام منهم في غير هذا المقام ، فلا بدّ من التتبّع والتأمّل.

والذي يقرب في نفسي عاجلا هو الالتفات إلى الشكّ ، وإن كان الظاهر من قوله عليه‌السلام فيما تقدّم : «هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ» (٧) ، أنّ هذه القاعدة من باب تقديم الظاهر على الأصل ، فهو دائر مدار الظهور النوعيّ ولو كان من العادة. لكنّ العمل بعموم ما يستفاد من الرواية أيضا مشكل ، فتأمّل. والأحوط ما ذكرنا.

__________________

(١) قواعد الأحكام ١ : ٢٠٦ ، والتذكرة ١ : ٢١٢.

(٢) إيضاح الفوائد ١ : ٤٢.

(٣) لم نعثر عليه فيما بأيدينا من كتبهما قدس‌سره. نعم ، حكاه المحقّق الثاني في جامع المقاصد ١ : ٢٣٨ عن بعض فوائد الشهيد الأوّل ، ولعلّ المراد به حواشيه على القواعد.

(٤) جامع المقاصد ١ : ٢٣٧.

(٥) انظر كشف اللثام ١ : ٥٨٨ ، والجواهر ٢ : ٣٦٣.

(٦) ايضاح الفوائد ١ : ٤٣.

(٧) تقدّم الحديث في الصفحة ٣٢٥.

٣٣١

الموضع الثالث

هل يعتبر في التجاوز والفراغ الدخول في الغير ، أم لا؟

الدخول في غير المشكوك إن كان محقّقا للتجاوز عن المحلّ ، فلا إشكال في اعتباره ، وإلاّ فظاهر الصحيحتين الاوليتين اعتباره ، وظاهر إطلاق موثّقة ابن مسلم عدم اعتباره.

ويمكن حمل التقييد في الصحيحين على الغالب خصوصا في أفعال الصلاة ؛ فإنّ الخروج من أفعالها يتحقّق غالبا بالدخول في الغير ، وحينئذ فيلغو القيد.

ويحتمل ورود المطلق على الغالب ، فلا يحكم بالإطلاق.

ويؤيّد الأوّل ظاهر التعليل المستفاد من قوله عليه‌السلام : «هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ» (١) ، وقوله عليه‌السلام : «إنّما الشكّ إذا كنت في شيء لم تجزه» (٢) بناء على ما سيجيء من التقريب (٣) ، وقوله عليه‌السلام : «كلّ ما مضى من صلاتك وطهورك ... الخبر» (٤).

لكنّ الذي يبعّده أنّ الظاهر من ال «غير» في صحيحة إسماعيل ابن جابر : «إن شكّ في الركوع بعد ما سجد وإن شكّ في السجود بعد ما قام فليمض» (٥) بملاحظة مقام التحديد ومقام التوطئة للقاعدة المقرّرة

__________________

(١) تقدّم الحديث في الصفحة ٣٢٥.

(٢) تقدّم الحديث في الصفحة ٣٢٧.

(٣) انظر الصفحة ٣٣٧.

(٤) تقدّم الحديث في الصفحة ٣٢٧.

(٥) تقدّم الحديث في الصفحة ٣٢٦.

٣٣٢

بقوله عليه‌السلام بعد ذلك : «كلّ شيء شكّ فيه ... الخ» كون السجود والقيام حدّا للغير الذي يعتبر الدخول فيه ، وأنّه لا غير أقرب من الأوّل بالنسبة إلى الركوع ، ومن الثاني بالنسبة إلى السجود ؛ إذ لو كان الهويّ للسجود كافيا عند الشكّ في الركوع ، والنهوض للقيام كافيا عند الشكّ في السجود ، قبح في مقام التوطئة للقاعدة الآتية التحديد بالسجود والقيام ، ولم يكن وجه لجزم المشهور (١) بوجوب الالتفات إذا شكّ قبل الاستواء قائما.

وممّا ذكرنا يظهر : أنّ ما ارتكبه بعض من تأخّر (٢) ، من التزام عموم «الغير» وإخراج الشكّ في السجود قبل تمام القيام بمفهوم الرواية ، ضعيف جدّا ؛ لأنّ الظاهر أنّ القيد وارد في مقام التحديد.

والظاهر أنّ التحديد بذلك توطئة للقاعدة ، وهي (٣) بمنزلة ضابطة كلّية ، كما لا يخفى على من له أدنى ذوق في فهم الكلام ، فكيف يجعل فردا خارجا بمفهوم القيد (٤) عن عموم القاعدة؟!

عدم كفاية الدخول في مقدّمات الغير

فالأولى : أن يجعل هذا كاشفا عن خروج مقدّمات أفعال الصلاة عن عموم «الغير» فلا يكفي في الصلاة مجرّد الدخول ولو في فعل غير

__________________

(١) انظر مفتاح الكرامة ٣ : ٣٠٥ ، بل في الجواهر : «لم أعثر على مخالف في وجوب الرجوع» انظر الجواهر ١٢ : ٣٢٠.

(٢) كصاحبي الذخيرة والجواهر ، انظر الذخيرة : ٣٧٦ ، والجواهر ١٢ : ٣١٦ ـ ٣٢١.

(٣) في (ظ) زيادة : «له».

(٤) في (ه) بدل «القيد» : «الغير».

٣٣٣

أصلي ، فضلا عن كفاية مجرّد الفراغ.

الأقوى اعتبار الدخول في الغير وعدم كفاية مجرّد الفراغ

والأقوى : اعتبار الدخول في الغير وعدم كفاية مجرّد الفراغ ، إلاّ أنّه قد يكون الفراغ عن الشيء ملازما للدخول في غيره ، كما لو فرغ عن الصلاة والوضوء ؛ فإنّ حالة عدم الاشتغال بهما يعدّ مغايرة لحالهما وإن لم يشتغل بفعل وجوديّ ، فهو دخول في الغير بالنسبة إليهما.

عدم صحّة التفصيل بين الصلاة والوضوء

وأمّا التفصيل بين الصلاة والوضوء ، بالتزام كفاية مجرّد الفراغ من الوضوء ولو مع الشكّ في الجزء الأخير منه ، فيردّه اتحاد الدليل في البابين (١) ؛ لأنّ ما ورد ، من قوله عليه‌السلام في من شكّ في الوضوء بعد ما فرغ من الوضوء : «هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ» (٢) عامّ بمقتضى التعليل لغير الوضوء أيضا ؛ ولذا استفيد منه حكم الغسل و (٣) الصلاة أيضا. وكذلك موثّقة ابن أبي يعفور المتقدّمة (٤) ، صدرها دالّ على اعتبار الدخول في الغير في الوضوء ، وذيلها يدلّ على عدم العبرة بالشكّ بمجرّد التجاوز مطلقا من غير تقييد بالوضوء ، بل ظاهرها يأبى عن التقييد. وكذلك روايتا زرارة وأبي بصير المتقدّمتان (٥) آبيتان عن

__________________

(١) لم ترد «في البابين» في (ت).

(٢) تقدّم الحديث في الصفحة ٣٢٥.

(٣) في (ه) زيادة : «عمّ» ، وفي (ظ) زيادة : «يعمّ».

(٤) في الصفحة ٣٢٦.

(٥) المتقدّمتان في الصفحة ٣٢٦ ، والظاهر أنّ المراد برواية أبي بصير هي رواية إسماعيل بن جابر ، حيث رواها في الوافي (٨ : ٩٤٩ ، الحديث ٧٤٦٦ ـ ١١) عن التهذيب بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، ولكنّها ليست موجودة بهذا السند في التهذيب ، وانظر الجواهر ١٢ : ٣١٤.

٣٣٤

التقييد.

وأصرح من جميع ذلك في الإباء عن التفصيل بين الوضوء والصلاة قوله عليه‌السلام في الرواية المتقدّمة (١) : «كلّ ما مضى من صلاتك وطهورك فذكرته تذكّرا فأمضه».

__________________

(١) في الصفحة ٣٢٧.

٣٣٥

الموضع الرابع

عدم جريان القاعدة في أفعال الطهارات الثلاث

قد خرج من الكلّيّة المذكورة أفعال الطهارات الثلاث ؛ فإنّهم أجمعوا (١) على أنّ الشاكّ في فعل من أفعال الوضوء قبل إتمام الوضوء يأتي به وإن دخل في فعل آخر ، وأمّا الغسل والتيمّم فقد صرّح بذلك فيهما بعضهم (٢) على وجه يظهر منه كونه من المسلّمات ، وقد نصّ على الحكم في الغسل جمع ممّن تأخّر عن المحقّق ، كالعلاّمة (٣) والشهيدين (٤) والمحقّق الثاني (٥) ، ونصّ غير واحد من هؤلاء (٦) على كون التيمّم كذلك.

مستند الخروج

وكيف كان ، فمستند الخروج ـ قبل الإجماع ـ الأخبار الكثيرة المخصّصة للقاعدة المتقدّمة. إلاّ أنّه يظهر من رواية ابن أبي يعفور المتقدّمة (٧) ـ وهي قوله عليه‌السلام : «إذا شككت في شيء من الوضوء وقد دخلت في غيره فشكّك ليس بشيء ، إنّما الشكّ إذا كنت في شيء

__________________

(١) انظر الجواهر ٢ : ٣٥٤.

(٢) لعلّه صاحب الرياض في الرياض ١ : ٢٧٧ ، ولكنّه صرّح بذلك في الغسل دون التيمّم.

(٣) التذكرة ١ : ٢١٢ ، وفي غير (ر) زيادة : «وولده».

(٤) انظر تمهيد القواعد : ٣٠٥ ، ولم نعثر على ذلك في ما بأيدينا من كتب الشهيد الأوّل قدس‌سره.

(٥) جامع المقاصد ١ : ٢٣٧.

(٦) انظر التذكرة ١ : ٢١٢ ، وجامع المقاصد ١ : ٢٣٨.

(٧) المتقدّمة في الصفحة ٣٢٦.

٣٣٦

ظاهر رواية ابن أبي يعفور أنّ حكم الوضوء من باب القاعدة

لم تجزه» : أنّ حكم الوضوء من باب القاعدة ، لا خارج عنها ، بناء على عود ضمير «غيره» إلى الوضوء ؛ لئلاّ يخالف الإجماع على وجوب الالتفات إذا دخل في غير المشكوك من أفعال الوضوء ، وحينئذ فقوله عليه‌السلام : «إنّما الشكّ» مسوق لبيان قاعدة الشكّ المتعلّق بجزء من أجزاء العمل ، وأنّه إنّما يعتبر إذا كان مشتغلا بذلك العمل غير متجاوز عنه.

الإشكال في ظاهر ذيل الرواية

هذا ، ولكنّ الاعتماد على ظاهر (١) ذيل الرواية مشكل ؛ من جهة أنّه يقتضي بظاهر الحصر أنّ الشكّ الواقع في غسل اليد باعتبار جزء من أجزائه لا يعتنى به إذا جاوز غسل اليد ، مضافا إلى أنّه معارض للأخبار السابقة فيما إذا شكّ في جزء من الوضوء بعد الدخول في جزء آخر قبل الفراغ منه ؛ لأنّه باعتبار أنّه شكّ في وجود شيء بعد تجاوز محلّه يدخل في الأخبار السابقة ، ومن حيث إنّه شكّ في أجزاء عمل قبل الفراغ منه يدخل في هذا الخبر.

دفع الإشكال عن الرواية

ويمكن أن يقال لدفع جميع ما في الخبر من الإشكال : إنّ الوضوء بتمامه في نظر الشارع فعل واحد باعتبار وحدة مسبّبه ـ وهي الطهارة ـ فلا يلاحظ كلّ فعل منه بحياله حتّى يكون موردا لتعارض هذا الخبر مع الأخبار السابقة ، ولا يلاحظ بعض أجزائه ـ كغسل اليد مثلا ـ شيئا مستقلا يشكّ في بعض أجزائه قبل تجاوزه أو بعده ليوجب ذلك الإشكال في الحصر المستفاد من الذيل.

وبالجملة : فإذا فرض الوضوء فعلا واحدا لم يلاحظ الشارع

__________________

(١) لم ترد «ظاهر» في (ظ).

٣٣٧

أجزاءه أفعالا مستقلّة يجري فيها حكم الشكّ بعد تجاوز المحلّ ، لم يتوجّه شيء من الإشكالين في الاعتماد على الخبر ، ولم يكن حكم الوضوء مخالفا للقاعدة ؛ إذ الشكّ في أجزاء الوضوء قبل الفراغ ليس إلاّ شكّا واقعا في الشيء قبل التجاوز عنه. والقرينة على هذا الاعتبار جعل القاعدة ضابطة لحكم الشكّ في أجزاء الوضوء قبل الفراغ عنه أو بعده (١).

عدم غرابة فرض الوضوء فعلا واحدا

ثمّ إنّ فرض الوضوء فعلا واحدا لا يلاحظ حكم الشكّ بالنسبة إلى أجزائه ، ليس أمرا غريبا ؛ فقد ارتكب المشهور مثله في الأخبار السابقة بالنسبة إلى أفعال الصلاة ؛ حيث لم يجروا حكم الشكّ بعد التجاوز في كلّ جزء من أجزاء القراءة حتّى الكلمات والحروف ، بل الأظهر عندهم كون الفاتحة فعلا واحدا ، بل جعل بعضهم القراءة فعلا واحدا (٢) ، وقد عرفت النصّ في الروايات على عدم اعتبار الهويّ للسجود والنهوض للقيام (٣).

وممّا يشهد لهذا التوجيه إلحاق المشهور الغسل والتيمّم بالوضوء في هذا الحكم (٤) ؛ إذ لا وجه له ظاهرا إلاّ ملاحظة كون الوضوء أمرا واحدا يطلب منه أمر واحد غير قابل للتبعيض ، أعني «الطهارة».

__________________

(١) لم ترد «والقرينة ـ إلى ـ أو بعده» في (ظ).

(٢) الجاعل هو الشهيد الثاني في روض الجنان : ٣٥٠.

(٣) راجع الصفحة ٣٣٢ ـ ٣٣٣.

(٤) كما تقدّم في الصفحة ٣٣٦.

٣٣٨

الموضع الخامس

هل تجري القاعدة في الشروط كما تجري في الأجزاء؟

ذكر بعض الأساطين (١) : أنّ حكم الشكّ في الشروط بالنسبة إلى الفراغ عن المشروط ـ بل الدخول فيه ، بل الكون على هيئة الداخل ـ حكم الأجزاء في عدم الالتفات. فلا اعتبار بالشكّ في الوقت والقبلة واللباس والطهارة بأقسامها والاستقرار ونحوها ، بعد الدخول في الغاية. ولا فرق بين الوضوء وغيره ، انتهى. وتبعه بعض من تأخّر عنه (٢).

واستقرب ـ في مقام آخر ـ إلغاء الشكّ في الشرط بالنسبة إلى غير ما دخل فيه من الغايات (٣).

وما أبعد ما بينه وبين ما ذكره بعض الأصحاب (٤) : من اعتبار الشكّ في الشرط حتّى بعد الفراغ عن المشروط ، فأوجب إعادة المشروط.

الأقوى التفصيل

والأقوى : التفصيل بين الفراغ عن المشروط فيلغو الشكّ في الشرط بالنسبة إليه ؛ لعموم لغويّة الشكّ في الشيء بعد التجاوز عنه ، وأمّا بالنسبة إلى مشروط آخر لم يدخل فيه فلا ينبغي الإشكال في

__________________

(١) هو كاشف الغطاء في كشف الغطاء : ٢٧٨.

(٢) كصاحب الجواهر في الجواهر ٢ : ٣٦٣.

(٣) كشف الغطاء : ١٠٢.

(٤) في (ت) ، (ص) و (ه) زيادة : «كصاحب المدارك وكاشف اللثام» ، راجع الصفحة ٣١٢.

٣٣٩

اعتبار الشكّ فيه ؛ لأنّ الشرط المذكور من حيث كونه شرطا لهذا المشروط لم يتجاوز عنه ، بل محلّه باق ، فالشكّ في تحقّق شرط هذا المشروط شكّ في الشيء قبل تجاوز محلّه.

وربما بنى بعضهم (١) ذلك على أنّ معنى عدم العبرة بالشكّ في الشيء بعد تجاوز المحلّ ، هو البناء على الحصول مطلقا ولو لمشروط آخر (٢) ، أو يختصّ بالمدخول.

معنى عدم العبرة بالشكّ بعد تجاوز المحلّ

أقول : لا إشكال في أنّ معناه البناء على حصول المشكوك فيه ، لكن بعنوانه الذي يتحقّق معه تجاوز المحلّ ، لا مطلقا. فلو شكّ في أثناء العصر في فعل الظهر بنى على تحقّق الظهر بعنوان أنّه شرط للعصر ولعدم وجوب العدول إليه ، لا على تحقّقه مطلقا ، حتّى لا يحتاج إلى إعادتها بعد فعل العصر. فالوضوء المشكوك فيما نحن فيه إنّما فات محلّه من حيث كونه شرطا للمشروط المتحقّق ، لا من حيث كونه شرطا للمشروط المستقبل.

ومن هنا يظهر أنّ الدخول في المشروط أيضا لا يكفي في إلغاء الشكّ في الشرط ، بل لا بدّ من الفراغ عنه ؛ لأنّ نسبة الشرط إلى جميع أجزاء المشروط نسبة واحدة ، وتجاوز محلّه باعتبار كونه شرطا للأجزاء الماضية ، فلا بدّ من إحرازه للأجزاء المستقبلة.

نعم ، ربما يدّعى في مثل الوضوء : أنّ محلّ إحرازه لجميع أجزاء الصلاة قبل الصلاة لا عند كلّ جزء.

__________________

(١) هو كاشف الغطاء أيضا ، انظر كشف الغطاء : ١٠٢.

(٢) عبارة «مطلقا ولو لمشروط آخر» من (ه).

٣٤٠