أسماء وألقاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام

علي أصغر شكوهي قوچاني

أسماء وألقاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام

المؤلف:

علي أصغر شكوهي قوچاني


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مجمع البحوث الاسلامية
المطبعة: زيبا نگار
الطبعة: ٣
ISBN: 978-964-444-949-9
الصفحات: ٣٩٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

وقوله تعالى : (خَيْرُ الْبَرِيَّةِ) لفظ عامّ شامل لجميع البريّة، فيجب لعليّ عليه‌السلام السيادة على جميع البريّة، والحاجة إليه أدعى والانقياد إليه أرعى وأحجى، والاتّباع له من سائر البريّة أولىٰ، وشاهد الحال في هذا المعنى أظهر من شاهد الاستدلال. وممّا يدلّ على أنّه خير البريّة بعد الرّسول صلى‌الله‌عليه‌وآله إجماع الطّائفة الّذين هم علماء الشيعة الإماميّة، فإنّهم مجمعون على أنّ عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام أفضل العالم بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وإجماعها حجّة يجب العمل به؛ لإنّ الإمام المعصوم عليه‌السلام فيها.١

خير البشر

ينظر : خير البريّة.

خير الرجال

ينظر : سيّد الأوصياء.

خير مَن ترك النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله من بعده

ينظر : الخليل، سيّد الأوصياء.

خير الناس

ينظر : سيّد الأوصياء، خير البريّة، الزاهد.

_______________________

٦ / ٣٩٧؛ تفسير الطبريّ ٣٠ / ١٧١؛ كفاية الطالب ٢٤٥؛ المعجم الكبير للطبرانيّ ١ / ٣١٩؛ نور الأبصار ٧٠ ـ ١٠١؛ فردوس الأخبار ٣ / ٨٨ رقم ٣٩٩١ عن عدّة مصادر؛ نهج الإيمان ٥٦٠.

١ ـ نهج الإيمان ٥٦٠.

١٤١

خير هذه الأمّة

ينظر : خير البريّة.

دابّة الجنّة

ينظر : دابّة الأرض.

دابّة الأرض١

قال الله تعالى : (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ).٢

عن جابر بن يزيد عن أبي عبد الله الجَدَليّ، قال : قال عليّ عليه‌السلام : أنا دابّة الأرض. وعن الأصبغ بن نباتة قال : دخلت على عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام وهو يأكل خبزاً وخَلّاً وزيتاً، فقلت : يا أمير المؤمنين، قال الله عزّ وجلّ : (أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ) فما هذه الدابّة؟ قال : هي دابّةٌ تأكل خبزاً وخلّاً وزيتاً. وقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : تخرج دابّة الأرض ومعها عصا موسى وخاتم سليمان عليهما‌السلام، تجلو وجه المؤمن بعصا موسى عليه‌السلام، وتَسِم وجه الكافر بخاتم سليمان عليه‌السلام.

وعن الحسين بن بشّار قال : سألت أبا الحسن الرّضا عليه‌السلام عن الدابّة، قال : أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام الدابّة.٣

_______________________

١ ـ مناقب آل أبي طالب ٣ / ٣٢٨.

٢ ـ النمل / ٨٢.

٣ ـ تأويل ما نزل من القرآن الكريم ٢١١ ـ ٢١٦؛ تأويل الآيات الظاهرة ٣٩٩ ـ ٤٠١ ؛

١٤٢

وقال الهيثميّ : وعن عمرو بن الحمق قال : هاجرتُ إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، فبينما أنا عنده ذات يوم قال لي : يا عمرو، هل أُرِيك دابَّةَ الجنّة تأكل الطعام وتشرب الشراب وتمشي في الأسواق؟ قال : قلت : بلىٰ بأبي أنت وأمّي. قال : هذا دابّة الجنّة، وأشار إلى عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام.١

الداعي

من أسمائه عليه‌السلام : الداعي٢.

وقوله تعالى : (قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ).٣

وقال المفسّرون : الدّاعي عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام، وأولو بأس شديد : أهل صفّين٤.

الدالّ

من أسمائه عليه‌السلام : الدالّ، الدليل لمن طلب البيان.٥ عن أنس قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : إذا كان يوم القيامة يُنادُون عليّ بن أبي طالب بسبعة أسماء : يا دالّ،

_______________________

الأصول من الكافي ١ / ١٩٨؛ تفسير القمّيّ ٢ / ١٣٠ ـ ١٣١؛ فضائل أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام لابن عقدة الكوفيّ ٢٠٦؛ اللوامع النورانيّة ٢٧٥، ٢٩٩.

١ ـ مجمع الزوائد ٩ / ١٥٦؛ معجم الكبير للطبرانيّ ٢٤ / ٣٠١؛ ميزان الاعتدال ١ / ٣٨٤.

٢ ـ مناقب آل أبي طالب ٣ / ٣٢٥، ٣٢٨.

٣ ـ الفتح / ١٦.

٤ ـ تنبيه الغافلين ١٧٨.

٥ ـ مناقل آل أبي طالب ٣ / ٣٢١.

١٤٣

يا صدّيق، يا عابد، يا هادي، يا مهدي، يا فتى، يا عليّ.١

دَيّان هذه الأمّة

في أسماء الله تعالى : «الدَّيّان»، قيل : هو القهّار، وقيل : هو الحاكم والقاضي، وهو فعّال، من دانَ النّاسَ، أي قَهَرهم على الطاعة، يقال دِنْتُهم فدنوا : أي قهرتهم فأطاعوا، ومنه شعر الأعشى الحِرمازيّ يخاطب النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله : «يا سيّدَ النّاسِ ودَيَّانَ العَرَبْ».

ومنه الحديث : كان عليّ عليه‌السلام ديّان هذه الأمّة بعد نبيّها، أي قاضيها.٢

الدِّين٣

عن أبي الربيع الشاميّ، عن الإمام الصادق عليه‌السلام في قوله تعالى : (فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ)٤. قال : ولاية عليّ بن أبي طالب.٥

وعن الحاكم الحسكانيّ في رواية عن الإمام موسى بن جعفر عليه‌السلام، في قوله : (فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ)، قال : يعني ولاية أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام.٦

وعن محمّد بن فضيل عن الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه‌السلام أنّ «الدين» في

_______________________

١ ـ المناقب للخوارزميّ ٣١٩؛ كتاب مائة منقبة لابن شاذان ١٣٣ رقم ٦٥، وص ١٤٣ رقم ٧٧.

٢ ـ مناقب أهل البيت للشروانيّ ١٨٠؛ النهاية ٢ / ١٤٨.

٣ ـ مناقب آل أبي طالب ٣ / ٣٢٨.

٤ ـ التين / ٧.

٥ ـ اللوامع النورانيّة ٥٢١.

٦ ـ شواهد التنزيل ٢ : ٤٥٦.

١٤٤

الآية أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام.١

الذِّكر٢

عن أبي جعفر الباقر عليه‌السلام قال : (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ * إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ)٣، قال : عليّ بن أبي طالب. وقال ابن عبّاس في قوله : ذكراً رسولاً، النبيّ ذكر من الله، وعليّ ذكر من محمّد، كما قال : (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ)٤. ٥

عن جابر الجعفيّ، قال : لمّا نزلت الآية (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)،٦ قال عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام : نحن أهل الذّكر.٧

وعن السُّدّيّ عن حارث، قال : سألت عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام عن هذه الآية (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ) فقال : والله إنّا لَنحن أهل الذكر، ونحن معدن التأويل والتنزيل، ولقد سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : أنا مدينة العلم وعليّ بابها، فمن أراد المدينة فليأتها من بابها.٨

وقال العلّامة الحلّيّ : روى الحافظ محمّد بن موسى الشيرازيّ في تفسيره

_______________________

١ ـ اللوامع النورانيّة ٥٢٢.

٢ ـ مناقب آل أبي طالب ٣ / ٣٢٦؛ اللّوامع النورانيّة ٣٧٠ ـ ٣٧٢.

٣ ـ ص / ٨٦ ـ ٨٧.

٤ ـ الزخرف / ٤٤.

٥ ـ مناقب آل أبي طالب ٣ / ١١٧.

٦ ـ النحل / ٤٣؛ الأنبياء / ٧.

٧ ـ تفسير الثعلبيّ ٦ / ٢٧٠؛ تفسير القرطبيّ ١١ / ٢٧٢؛ تفسير الطبريّ ١٤ / ٧٥؛ فضائل أمير المؤمنين لابن عقدة ١٩٧.

٨ ـ شواهد التنزيل ١ / ٤٣٢ ـ ٤٣٧؛ كفاية الطالب ٢٠٥؛ تنبيه الغافلين ١٠٤.

١٤٥

الذي استخرجه من التفاسير الاثني عشر١، عن ابن عبّاس في هذه الآية، قال : هم محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم أجمعين، هم أهل الذّكر والعلم والعقل والبيان، وهم أهل بيت النبوّة، ومعدن الرّسالة، ومختلف الملائكة. واللهِ ما سُمّي المؤمن مؤمناً إلّا كرامة لأمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام.٢

وروى الحاكم الحسكانيّ في شواهد التنزيل في ذلك عدّة أحاديث، منها : عن محمّد بن عليّ عليهما‌السلام، قال : لمّا نزلت هذه الآية : (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) قال عليّ عليه‌السلام : نحن أهل الذكر الّذي عَنانا الله جلّ وعلا في كتابه.

وعن أبي جعفر عليه‌السلام في قوله تعالى : (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ) قال : هم الأئمّة من عترة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وتلا (قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا * رَّسُولًا)٣.

الذائذ عن حوض رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله المنافقين

ينظر : صاحب اللواء، صاحب حوض الكوثر، قاضي الدَّين.

_______________________

١ ـ قال الحاكم الحسكانيّ في شواهد التنزيل ٢ / ٤٨٤ : التفاسير الاثنا عشر هي أجلّ ما دوّن في التّفسير عند أهل السنّة وأوثقها، وهي : تفسير قتادة، تفسير يعقوب بن سفيان، تفسير ابن جريج، تفسير مقاتل بن سليمان، تفسير وكيع بن الجرّاح، تفسير يوسف بن موسى القطّان، تفسير أبي عبيد القاسم بن سلّام، تفسير عليّ بن حرب الطائيّ، تفسير السدّيّ، تفسير مجاهد، تفسير مقاتل بن سليمان، تفسير أبي صالح.

٢ ـ نهج الحقّ وكشف الصدق ٢١٠.

٣ ـ شواهد التنزيل ١ / ٤٣٦. الطلاق / ١٠ ـ ١١.

١٤٦

ذو القَرنَين١

قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : يا عليّ، إنّ لك بيتاً في الجنّة، وإنّك لَذو قَرنَيها، أي ذو طرفَي الجنّة، والكلام للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ـ وملكها الأعظم، تسلك ملك جميع الجنّة، كما سلك ذو القرنين جميع الأرض.٢

قيل لابن عبّاس : ما تقول في عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام؟ فقال : ذكرت واللهِ أحد الثقلين، سبق بالشّهادتين، وصلّى القبلتين، وبايع البيعتين، وأُعطي السِّبطين، وهو أبو السّبطين الحسن والحسين، وردّت عليه الشّمس مرّتين بعد ما غابت عن الثقلين، وجَرَّد السيف تارتين، وهو صاحب الكرّتين، فمَثَله في الأمّة مَثَل ذي القَرنَين، ذاك مولاي عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام.٣

قال أبو جعفر الطحاويّ : اختلف النّاس في المراد بقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : وإنّك ذو قَرنَيها، فذهب بعضهم إلى أنّه أراد أنّك ذو قَرنَي الجنّة، يريد طَرَفَيها، إذ كان ذكره ذلك يعقب ذكره الجنّة. وذهب بعضهم إلى أنّه أراد أنّك ذو قرنَي هذه الأمّة. وذهب قوم في ذلك إلى معنى سوى هذا المعنى، وهو أنّهم ذهبوا إلى أنّ عليّاً عليه‌السلام في هذه الأمّة كذي القَرنَين في أمّته في دعائه إيّاها إلى الله عزّ وجلّ.٤

قال المحبّ الطبريّ : وقال الهرويّ في قوله تعالى : (وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي

_______________________

١ ـ تذكرة الخواصّ ٤؛ المناقب للخوارزميّ ٤٠.

٢ ـ نفس المصدر، فضائل الصحابة ح ١١٠١؛ المستدرك للحاكم ٣ / ١٢٣؛ الرياض النضرة ٢ / ١٨٣؛ المفردات للراغب ٤٠١؛ الترغيب والترهيب ٣ / ٣٥؛ النهاية ٤ / ٥١ «قرن»؛ تاج العروس ٩ / ٣٠٧؛ مسند أحمد بن حنبل ١ / ١٥٩؛ نزل الأبرار ٦٢؛ مناقب أهل البيت للشروانيّ ١٨١؛ فردوس الأخبار ٥ / ٤٠٩، ٣١٩، رقم ٨٣١٢؛ المعرفة والتاريخ ٣ / ١٢٣.

٣ ـ المناقب للخوارزميّ ٣٣٠.

٤ ـ مشكل الآثار ١ / ق ٢ ص ٢٤٠.

١٤٧

الْقَرْنَيْنِ)١، قال إنّما سُمّي ذا القَرنَين لأنّه دعا قومه إلى عبادة الله عزّ وجلّ، فضربوه على قرنه الأيمن، فمات ثمّ أحياه الله عزّ وجلّ، فضربوه على قرنه الأيسر، فمات فأحياه الله تعالى. قال : ومن ذلك قول عليّ عليه‌السلام حين ذكر قصّة ذي القرنين قال : وفيكم مثله، فنرى أنّه إنّما عنى نفسَه ؛ لأنّه ضُرِبَ على رأسه ضربتين، إحداهما يوم الخندق والأخرى ضربة ابن ملجم، فيجوز أن تكون الإشارة إلى ذلك بقوله : «وإنّك ذو قرنيها»، أي قرنَي هذه الأمّة كما كان ذو القرنين في تلك الأمّة.٢

وعن أبي الفتوح الرازيّ بإسناده في حديث طويل حين سأل ابنُ الكوّاء أميرَ المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام عن ذي القرنين : مَلِك أو نبيّ؟ قال عليه‌السلام : ما كان ذو القرنين مَلِكاً ولا نبيّاً، بل كان عبداً صالحاً لله، أحبّ الله وأحبّه الله، وكان ينصح عباد الله. قال : قَرناه من ذهب أو فضّة؟ قال : ما كان له قرن، فلا ذهب ولا فضّة، إنّه دعا قومه إلى الله أوّلاً فضربوه على قرنه الأيمن، فغاب عنهم حيناً، ثمّ عاد إليهم. ثانياً فضربوه على قرنه الأيسر، فقيل له : ذو القرنين، وفيكم مِثله (يقصد نفسه إذ ضُرب بالسيف على رأسه ضربتين، الأولى في غزوة الأحزاب، ضربه عمرو بن عبد ودّ، والأخرى في محراب العبادة ضربه ابن ملجم المراديّ)، ولذلك قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : عليّ فاروق هذه الأمّة وصدّيقها وذوقرنيها.٣

وعن أبي الطفيل قال : سمعت عليّاً يخطب فقال : «سلوني قبل أن تفقدوني»، فقام إليه ابن الكوّاء، فقال : ما (وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا)؟ قال : الرياح. قال :

_______________________

١ ـ الكهف / ٨٣.

٢ ـ الرياض النّضرة ٢ / ١٨٤؛ نظم درر السمطين ١٢٧.

٣ ـ تفسير روح الجِنان وروح الجَنان ٣ / ٤٤٥، الاحتجاج للطبرسيّ ١ / ٢٢٩، انظر مؤدّاه في : المعيار والموازنة ٢٩٩.

١٤٨

(فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا)؟ قال : السّحاب. قال : (فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا)؟ قال : السفن. قال (فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا)؟ قال : الملائكة. قال : فمَن (الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا)؟ قال : الأفجَران من قريش : بنو اُميّة، وبنو مخزوم. قال : فما كان ذو القرنين أنبيّاً أم مَلكاً؟ قال : كان عبداً مؤمناً ـ أو قال صالحاً ـ أحبّ الله وأحبّه، ضُرب ضربةً على قَرنه الأيمن فمات، ثمّ بُعث وضُرب ضربةً على قرنه الأيسر فمات، وفيكم مِثله.١

ينظر : سفينة نجاة الأمّة

ذو مَترَبة

في قوله تعالى : (أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ) عن عليّ بن إبراهيم بإسناده قال : قال أبو جعفر عليه‌السلام (أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ) رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، (وَلِسَانًا) يعني أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام، (وَشَفَتَيْنِ) يعني الحسن والحسين عليهما‌السلام، (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) إلى ولايتهما، (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ  وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ)، يقول : ما أعلمك وكلّ شيء في القرآن وما أدراك فهو ما أعلمك، (يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ) يعني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله والمقربة قرباه، (أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ) يعني عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام مترب العلم.٢

أرأف المؤمنين

نقل الحافظ أبو نعيم بسنده في حليته أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال : يا عليّ ـ وضرب بين كتفيه ـ لك سبع خصال لا يحاجّك أحد يوم القيامة فيهنّ : أنت أوّل

_______________________

١ ـ الأغاني ١٥ / ١٤٨.

٢ ـ اللوامع النورانيّة ٥١٢.

١٤٩

المؤمنين بالله إيماناً، وأوفاهم بعهد الله، وأقومهم بأمر الله، وأرأفهم بالرّعيّة، وأقسمهم بالسّويّة، وأعلمهم بالقضيّة، وأعظمهم مزيّة يوم القيامة.١

وقال الحاكم الحسكانيّ بإسناده : عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ قال : كنّا جلوساً عند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، إذ أقبل عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام، فلمّا نظر إليه النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله قال : قد أتاكم أخي. ثمّ التفت إلى الكعبة، فقال : وربِّ هذه البنية، إنّ هذا وشيعته هم الفائزون يوم القيامة. ثمّ أقبل علينا بوجهه فقال : أما والله إنّه أوّلكم إيمانا بالله، وأقومكم بأمر الله، وأوفاكم بعهد الله، وأقضاكم بحكم الله، وأقسمكم بسويّة، وأعدلكم في الرعيّة، وأعظمكم عند الله مزيّة. قال جابر : فأنزل الله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ).٢

وقال الكنجيّ الشّافعيّ : كان عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام شديداً على الكافرين رؤوفاً على المؤمنين، كما وصفة الله في القرآن بقوله : (وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ).٣

وروى الزمخشريّ بإسناده : دخل عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام على صعصعة بن صوحان عائداً، فقال عليّ عليه‌السلام لصعصعة : واللهِ ما علمتك إلّا خفيف المؤنة، حسن العونة، فقال صعصعة... وأنت يا أمير المؤمنين، إنّ الله تعالى في عينيك لَعظيم ،

_______________________

١ ـ حلية الأولياء ١ / ٦٦؛ المعيار والموازنة ٢٢٨؛ فردوس الأخبار ٥ / ٣٢٠ رقم ٨٣١٥؛ مطالب السؤول ١٣٣؛ المناقب للخوارزميّ ١٠٦، ١١٠، ١١١؛ كفاية الطالب ٢١٤، ٢٣٨؛ شواهد التنزيل ٢ / ٣٥٧؛ تاريخ دمشق الكبير ٢٣ / ٤٥ ـ ٤٧.

٢ ـ شواهد التنزيل ٢ / ٤٦٧؛ انظر : الصواعق المحرقة ١٦١؛ النور المشتعل ٢٧٣؛ فرائد السّمطين ١ / ١٥٦؛ الأربعين عن الأربعين ٧٢؛ ذخائر العقبى ٥٨، ٥٩؛ تاريخ دمشق الكبير ٢٣ / ٢٨٣؛ شرح قصيدة الصاحب بن عبّاد لليمانيّ المعتزليّ ٣٧.

٣ ـ كفاية الطالب ١٠٦، والآية ٢٩ في سورة الفتح.

١٥٠

وإنّك بالمؤمنين لرحيم، وإنّك بكتاب الله لَعليم.١

الراكع

ينظر : الختن.

الرؤوف

ينظر : أرأف المؤمنين.

الرحيم بالمؤمنين

ينظر : أرأف المؤمنين.

راية الهدىٰ

ينظر : إمام الأولياء، كلمة التقوىٰ، الأمين.

رَبّانيّ هذه الأمّة٢

الرّبّان : منسوب إلى الربّ، وهو الّذي يربّ العلم كالحكيم. وقيل : منسوب إليه ومعناه يربّ نفسه بالعلم، وكلاهما في التّحقيق متلازمان، لأنّ مَن رَبّ نفسه بالعلم فقد ربّ العلم، ومن ربّ العلم فقد ربّ نفسه به.٣ قال عليّ بن أبي

_______________________

١ ـ ربيع الأبرار ٤ / ١٣٣.

٢ ـ مناقب آل أبي طالب ٣ / ٣٢٧، ٣٢٨.

٣ ـ المفردات للراغب ١٨٤.

١٥١

طالب عليه‌السلام : أنا ربّانيّ هذه الأمّة.١

وفي قوله تعالى : (كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ).٢ قال الثعلبيّ في تفسيره : الرّبانيّون : أرباب العلم، واحدها ربّان، وهو الّذي يربّ العلم، ويربّب النّاس، أي يعلّمهم ويصلحهم فيقوم بأمرهم، والألف والنون للمبالغة. والربّانيّ : العالم بالحلال والحرام، والأمر والنهي، العارف بأنباء الأمّة وما كان وما يكون، وقد جمع عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام هذه الأقاويل أجمع، وهو الّذي يُربّي علمه بعمله.٣

ربيب نبيّ الله٤

ربّاه النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وأزلفه وهداه إلى مكارم الأخلاق والعلم والفقه، وكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قبل بدو أمره إذا أراد الصلاة خرج إلى شِعاب مكّة مستخفياً وأخرج عليّاً معه فيصلّيان ما شاء الله، فإذا قضيا رجعا إلى مكانهما.

عن ابن الصبّاغ المالكيّ قال : أصاب أهلَ مكّة جدبٌ شديد وقحط أجحف، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لعمّه العبّاس، وكان من أيسر بني هاشم : يا عمّ، إنّ أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد أصاب الناسَ ما ترى فانطَلِقْ بنا إلى بيته لنخفّف من عياله، فتأخذ أنت رجلاً واحداً وآخذ أنا رجلاً، فأخذ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله عليّاً

_______________________

١ ـ نظم درر السمطين ١١٨.

٢ ـ آل عمران / ٧٩.

٣ ـ تفسير الثعلبيّ ٣ / ١٠٢؛ ذخائر العقبى ٧٩، وفيه : ربّانيّ، هو العالم الراسخ في العلم والدّين، أو الّذي يبتغي بعلمه وجه الله. وقيل : العالم العامل المعلّم، ونسب إلى الربّ لذلك والنّون فيه زائدة، وقيل : منسوب إلى الربّ، بمعنى التربية، كأنّه يربّى بصغار العلم قبل كباره، وذكر في الصّحاح الرّبانيّ : هو المتألّه العارف بالله عزّ وجلّ.

٤ ـ مناقب آل أبي طالب ٣ / ٣٢٤.

١٥٢

وضمّه إليه، فلم يَزَل عليّ مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآلهحتّى بعث الله عزّ وجلّ محمّداً نبيّاً فاتّبعه عليّ عليه‌السلام وآمن به وصدّقه، وإنّه أوّل من أسلم وآمن برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله.

وعن جابر بن عبد الله قال : سمعت عليّاً عليه‌السلام ينشد ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يسمع : أنا أخو المصطفى لا شكّ في نَسَبي

أنا أخو المصطفى لا شكّ في نَسَبي

به رُبِيتُ وسِبطاه هما وَلَدي

جدّي وجدّ رسول الله منفردٌ

وفاطمٌ زوجتي لا قول ذي فَنَدِ

صَدّقتُه وجميعُ الناس في بُهَمٍ

من الضلالةِ والإشراكِ والنَّكَدِ١

ركن الايمان

ينظر : الأمين، الصراط المستقيم.

الرفيق

من الأسماء الّتي سمّاه بها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : سيّد العرب، وسيّد البَرَرَة، والرفيق، والعَضُد، وقاتل الفَجَرة، واليعسوب، والصدّيق الأكبر، والفاروق، وفارس العرب، وسيف الله، وقاتل الناكثين والمارقين والقاسطين، ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة، وشيخ المهاجرين والأنصار، وابن العمّ، والختن، واللحم والدم، والشعر والبشرة، ومفرّج الكرب، وأسد الله، والوصيّ، وخير الوصيّين، وخير الأوصياء، وسيّد المسلمين، وإمام المتّقين، وقائد الغرّ المحجّلين، والخليل ،

_______________________

١ ـ الفصول المهمّة ٣٢، ٣٣.

١٥٣

والوزير، والخليفة ومنجز الموعود، وقاضي الدِّين، وباب مدينة العلم، وباب دار الحكمة، ووليّ الله، والسعيد، والصالح، والذائد.

قال الخطيب الخوارزميّ بإسناده في حديث طويل : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : يا عليّ، أنت معي في قصري في الجنّة مع فاطمة ابنتي، وأنت أخي ورفيقي، ثمّ تلا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله (إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ)١، المتحابّين في الله ينظر بعضهم إلى بعض.٢

وقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : يا عليّ، أنت أخي وصاحبي ورفيقي في الجنّة.٣

ينظر : مقاتل الناكثين.

الزاهد

من ألقابه عليه‌السلام : الزّاهد، والعالم الزّاهد، أزهد الأولياء، أزهد الأوصياء، أزهد النّاس، وسيّد الزّهّاد.٤

والزّاهد : من عُرضت عليه الدّنيا فأبى أن يقبلها، ورضي لنفسه أن يعيش عيش الفقراء، وكلّما كان المعروض عليه أكبر فيتركه كان أزهد وأشدّ إعراضاً وليس الزّاهد مَن لا يملك الشيء، وليس الزهد العدم، وإنّ المرتبة العالية من الزهد هي الإعراض عن الدّنيا بالعين والقلب، ولا تبلغه مرتبة الإعراض بالطرف

_______________________

١ ـ الحجر / ٤٧.

٢ ـ المناقب للخوارزميّ ١٥٢؛ نظم درر السمطين ٩٥؛ ذخائر العقبى ٨٩؛ الرياض النّضرة ٢ / ١٨٢؛ فرائد السّمطين ١ / ١١٢؛ شواهد التّنزيل ١ / ٤١٣ ـ ٤١٨؛ ترجمة الإمام عليّ عليه‌السلام لابن عساكر ١ / ١٢٣؛ الدرّ المنثور ٤ / ٣٧١؛ أرجح المطالب ٤٢٤؛ كنز العمّال ١٣ / ٦٠٥ رقم ٣٦٣٤٥؛ ينابيع المودّة ٢ / ٣١٣.

٣ ـ تاريخ بغداد ١٢ / ٢٦٨؛ فضائل الصحابة ح ١٠٨٥.

٤ ـ مناقب آل أبي طالب ٣ / ٣٢٥، ٣٢٧؛ شرح المواقف ٨ / ٣٧٠.

١٥٤

وغضّ البصر.

وأمّا أنّه أزهد النّاس لأنّ النّاس أجمعوا على أنّ عليّ بن أبي طالب أزهد أهل الدنيا بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، ما شبع من طعام قطّ، وكان أخشن النّاس مأكلاً وملبساً، وكان ثوبه مرقوعاً بجلدٍ تارة وليف أخرىٰ، وكان نَعلاه من ليف. وكان يلبس الكرباس الغليظ، فإذا وجد كمّه طويلاً قطعه بشفرة ولم يخطه، فكان لا يزال متساقطاً على ذراعيه، حتّى يبقى سدّى لا لحمة له. وكان يأتدم إذا ائتدم بخلّ أو بملح، فإنْ ترقّى عن ذلك فبعض نبات الأرض، فإن ارتفع عن ذلك فبقليل من ألبان الإبل، ولا يأكل اللحم إلّا قليلاً، ويقول : «لا تجعلوا بطونكم مقابر الحيوان». وكان مع ذلك أشد النّاس قوّة، وأعظمهم أيداً، لا ينقص الجوع قوّته، وهو الذي طلّق الدنيا ثلاثاً وكانت الأموال تجبى إليه من جميع بلاد الإسلام إلّا من الشام، فكان يفرّقها ويمزّقها، ثمّ يقول :

هذا جنايَ وخيارُه فيهِ

إذ كلّ جانٍ يَدهُ إلى فيهِ١

وذلك أنّ عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام عُرضت عليه الدّنيا حين امتلأ بيت المال من صفراء وبيضاء، وتمكّن من الإمساك بزمامها، وهو خليفة المسلمين، وهو يقول : يا صفراء يا بيضاء، غُرّي غيري ٢، ولو أراد التّمتّع بأي اللذائذ شاء لم يمنعه مانع. وقال عليّ عليه‌السلام : فلتكن الدّنيا في أعينكم أصغر من حُثالة القرظ، وقراضة الجَلَم.٣

وعن عبد الله بن عبّاس قال : دخلت على أمير المؤمنين عليه‌السلام بذي قار وهو

_______________________

١ ـ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١ / ٢٦؛ حلية الأولياء ١ / ٨١؛ منهج الشيعة ٥٣.

٢ ـ تذكرة الخواصّ ١١٠.

٣ ـ نهج البلاغة، الخطبة ١٥٨. والحُثالة بالضمّ : الرّدي من كلّ شيء، وما لا خير فيه، القرظ : ورق السَّلم، أو شجر له شوك كثير، والجَلَم : مقراض يُجزّ به الصوف.

١٥٥

يخصف نعله. فقال لي : ما قيمة هذا النعل؟ فقلت : لا قيمة لها، فقال عليه‌السلام : واللهِ لَهي أحبّ إليّ من إمرتكم، إلّا أن أُقيم حقّاً، أو أدفع باطلاً.١

وقد صرّح بذلك في كثير من كلماته الّتي أفصح بإيراد صورها ومعانيها. قال عليه‌السلام : واللهِ لَدُنياكم هذه أهوَن في عيني من عراق خنزير في يدٍ مجذوم.٢

وعنه عليه‌السلام قال : فواللهِ ما كنزتُ من دنياكم تِبراً، ولا أدّخرت من غنائمها وفراً، ولا أعددت لبالي ثوبي طِمراً، ولا حُزت من أرضها شِبراً.٣

وعن ابن أبي الحديد، قال : أقسم عليّ عليه‌السلام، أنّه ما كنز ذهباً، ولا ادّخر مالاً، ولا أعدّ ثوباً سملاً لبالي ثوبَية فضلاً عن أن يعدّ ثوباً قشيباً، كما يفعله النّاس في إعداد ثوب جديد ليلبسوه عوض الأسمال الّتي ينزعونها، ولا حاز من أرضها شبراً.٤

وعن أبي مريم، قال : سمعت عمّار بن ياسر يقول : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : يا عليّ إنّ الله تعالى زيّنك بزينةٍ لم يزيّن العباد بزينة هي أحبّ إليه منها، زهّدك فيها وبغّضك لها، وحبّب إليك الفقراء، فرضيت بهم أتباعاً، ورضوا بك إماماً.

يا عليّ طوبى لمن أحبّك وصدّق بك، وويل لمن أبغضك وكذب عليك. أمّا مَن أحبّك وصدّق بك فإخوانك في دينك وشركاؤك في جنّتك، وأمّا مَن أبغضك وكذب عليك فحقيق على الله تعالى يوم القيامة أن يُقيمه مقام الكذّابين.٥

_______________________

١ ـ نفس المصدر، الخطبة ٣٢.

٢ ـ نفس المصدر، الخطبة ٢٣٥.

٣ ـ نفس المصدر، الخطبة ٤٥.

٤ ـ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٦ / ٢٠٥.

٥ ـ المناقب للخوارزميّ ١١٦؛ المناقب لابن المغازليّ ١٠٥؛ كفاية الطالب ١٦٦؛ الرياض

١٥٦

وعن سويد بن غفلة، قال : دخلتُ على عليّ عليه‌السلام القصرَ، فوجدته جالساً وبين يديه إناءٌ فيه لبن أجد ريحه من شدّة حموضته، وفي يديه رغيف أرىٰ أقشار الشعير في وجهه، وهو يكسر بيده أحياناً، فإذا غلبه كسره بركبته وطرحه فيه.

فقال عليه‌السلام : أُذنُ فأصِبْ من طعامنا هذا، فقلت : أنّي صائم، فقال عليه‌السلام : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : من منعه الصيام من طعام يشتهيه كان حقّاً على الله أن يُطعمه من طعام الجنّة، ويسقيه من شرابها.

قال : فقلت لجاريته، وهي قائمة يقرب منه : وَيحَكِ يا فضّة، ألا تتّقين الله في هذا الشيخ! ألا تنحلون له طعاماً ممّا أرى فيه من النُّخالة؟ فقالت : لقد تقدّم إلينا أن لا ننخل له طعاماً. قال : فأخبرته. فقال : بأبي وأمّي من لم يُنخَل له طعام ولم يشبع من خبز البرّ ثلاثة حتّى قبضه الله عزّ وجلّ.١

وكان عليه‌السلام يجعل جَريش الشعير في وعاء ويختم عليه، فقيل له في ذلك، فقال عليه‌السلام : أخاف هذين الولدَين أن يجعلا فيه شيئاً من زيتٍ أو سَمن.٢

وقال كمال الدّين محمّد بن طلحة الشافعيّ : وقد نُقل عنه عليه‌السلام أنّه قال وقد اجتمع حوله خلق كثير : اتّقوا الله، فما خلق الله أمراً عبثاً فيلهو، وما تَرك سُدًى فيلغو، ما دنياه الّتي تحسّنت له بخلف من الآخرة الّتي قبّحها سوء ظنّه عنده، وما المغرور بزخرفها الدنيء بناجٍ من عذاب ربّه عند مردّة إليه.

_______________________

النضرة ٢ / ٢١٠؛ مطالب السؤول ١٢٨؛ حلية الأولياء ١ / ٧١؛ أُسد الغابة ٤ / ٢٣؛ ذخائر العقبى ١٠٠؛ منهج الشيعة ٥٤؛ شرح المقاصد ٥ / ٣٠٠؛ فردوس الأخبار ٥ / ٤٠٩ رقم ٨٣١٨؛ مجمع الزوائد ٩ / ١٦١.

١ ـ المناقب للخواررزميّ ١١٩؛ فرائد السمطين ٢ / ٣٥٣؛ منهج الشيعة ٥٣؛ كشف الغمّة ١ / ١٦٣؛ إرشاد القلوب ٢ / ١٨.

٢ ـ منهج الشيعة ٥٤.

١٥٧

وله عليه‌السلام في هذا الباب من التنفير عن الدنيا والتنفير عن مساوئها جواهر حكم ميثوثة في غضون خطبه، مندرجة في مطاوي مواعظه، منظومة في عقود كلامه.

واقتصرت على هذه النبذة، فإنّها مع قلّتها وافية بالغرض في دلالتها على معرفته بالدنيا، فلهذا لمّا فهمها اتّهمها، وحي عرفها صرفها، وإذ استبانها أبانها، ومذ تحقّقها طلّقها، وحيث تبيّن إقبالها بإيضاعها رفض ويتقّن احتيالها بخداعها، مقتني متاعها أدحض مستحلّي ارتضاعها، فارتدى لباس الزهادة فيها، وامتطى مطا الرغبة عنها، فصار زهده فيها شعاراً مدركاً بالأبصار، وأثراً حقيقيّاً لا يُقابَل دعوى وجوده بالإنكار، حتّى تواترت منه متون الأخبار، وتجاهرت به أقوال أئمّة الأمصار.

فمنها : أنّ ابن النبّاح خازن بيت المال جاءه يوماً فقال : يا أمير الؤمنين، قد امتلأ بيت المال من صفراء وبيضاء، فقال عليه‌السلام : الله اكبر، ثمّ قام متوكّئاً على الخازن حتّى قام على بيت المال. فقال :

هذا جنايَ وخِيارُه فيهِ

إذ كلُّ جانٍ يَدُه إلى فيهِ

يا بن النبّاح، علَيّ بأسباع الكوفة ـ وكانت الكوفة يومئذ أسباعاً ـ فنودي في النّاس، فأعطى النّاس ووضع الحقوق في مَقارّها وهو يقول : يا صفراء يابيضاء غُرّي غَيري، هو وها، حتّى ما بقي دينار ولا درهم. ثمّ أمر بنضحه، وقام فصلّى فيه ركعتَين وانصرف إلى مكانه كما جاء منه لم يصحبه منه شيء. وقال مجمّع التيميّ : كان عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام يكنس بيت المال كلّ جمعة ويصلّي فيه رجاء أن يشهد له يوم القيامة.

ومنها : أنّ هارون بن عنترة قال : قال لي أبي : دخلت على أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام بالخورنق وهو يرعد تحت سَمْلِ قطيفة، فقلت : يا أمير المؤمنين : إنّ الله

١٥٨

تعالى قد جعل لك ولأهل بيتك في هذا المال ما يعمّ، وأنت تصنع بنفسك ما تصنع؟ فقال : واللهِ ما أرزأكم من مالكم شيئاً، وإنّ هذه لَقطيفتي الّتي خرجتُ بها من منزلي من المدينة ما عندي غيرها.١

وعن الأرقم قال : رأيت عليّاً عليه‌السلام وهو يبيع له سيفاً في السّوق ويقول : مَن يشتري منّي هذا السيف؟ فوالّذي فلق الحبّة لطالما كشفتُ به الكروب عن وجه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، ولو كان عندي ثمن إزار ما بعتُه.٢

وعن الحسين بن عليّ عليه‌السلام قال : لمّا كان يوم الجمل فتواقفنا، فما لبث أهل البصرة أن انهزموا، فقال : أمير المؤمنين عليه‌السلام ألَا لا تُتبِعوا مُدبِراً ولا تُذفِفُوا على جريحٍ، ومن أغلق بابه فهو آمَنٌ.

قال : فلمّا انقضى أمر النّاس دخل بيت المال فرأى فيه البُدَرَ من الذّهب والفضّة فأنشأ يقول :

صَلْصِلِي صِلْصالكِ

فلستُ من أشكالِكِ

ثمّ قسمه من وقته بين النّاس بالسّويّة، ثمّ رشّه وقال : إشهَد عند الله لي أنّي لم أدّخِرْ عن المسلمين شيئاً.٣

وقال عليه‌السلام في كتابه لعثمان بن حُنيف : ولو شئتُ لَاهتديتُ الطّريقَ إلى مُصفّى هذا العسل ولُباب هذا القمح ونسائج هذا القزّ، ولكن هيهات أن يغلبني هواي، ويقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة، ولعلّ بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في

_______________________

١ ـ مطالب السؤول ١٣٠ ـ ١٣١؛ الرياض النضرة ٢ / ٢١١؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٢ / ١٩٧ ـ ٢٠٢.

٢ ـ الرياض النضرة ٢ / ٢٢٠؛ المناقب للخوارزميّ ١٢١؛ حلية الأولياء ١ / ٨٣، المعرفة والتاريخ ٣ / ٣٩.

٣ ـ تيسير المطالب ٩٤، ٩٣.

١٥٩

القرص، ولا عهد له بالشّبع، أوَ أبيت مِبطاناً وحولي بطونٌ غَرثىٰ وأكبادٌ حَرّىٰ؟!١

وقال أبو جعفر الإسكافيّ : وبلغ من صبره ما إن كان الجوع إذا اشتدّ به وأجهده خرج يؤجر نفسه في سقي الماء بكفِّ تمرٍ لايسدّ جوعته ولا خلّته، فإذا أُعطي أجرته لم يستبدّ به وحده حتّى يأتي به رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وبه من الجوع مثل ما به فيشتر كان جميعاً في أكله.٢

وأخرج الخطيب الخوارزميّ بإسناده عن عمر بن عبد العزيز، قال : ما علمنا أنّ أحداً كان في هذه الأمّة بعد النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أزهد من عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام.٣

وعن الشّعبيّ قال : دخلت الرُّحبة بالكوفة ـ وأنا غلام في غلمان ـ فإذا أنا بعليّ عليه‌السلام قال قائماً على صُبرَتَين من ذهب وفضّة، ومعه مِخفَقَة، وهو يطرد النّاس بِمِخفَقة ثمّ يرجع إلى المال فيقسّمه بين النّاس حتّى لم يَبقَ منه شيء. ثمّ انصرف ولم يحمل إلى بيته قليلاً ولا كثيراً. فرجعت إلى أبي، فقلت له : لقد رأيتُ اليوم خير النّاس، أو أحمق النّاس! قال : مَن هُو يا بُنَيّ؟ قلت : عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين، رأيته يصنع كذا، فقصصت عليه، فبكى وقال : يا بنيّ، بل رأيتَ خير النّاس.٤

وروى بكر بن عيسى، قال : كان عليّ عليه‌السلام يقول : يا أهل الكوفة، إذا أنا خرجتُ من عندكم بغير راحلتي ورَحلي وغلامي فلان فأنا خائن. فكانت نفقته

_______________________

١ ـ نهج البلاغة الرسالة ٤٥.

٢ ـ المعيار والموازنة ٢٣٨.

٣ ـ المناقب للخوارزميّ ١١٧ رقم ١٢٨؛ الغارات ١ / ٨٢؛ الكامل في التاريخ ٣ / ٢٠١؛ تاريخ مدينة دمشق، ترجمة الإمام عليّ عليه‌السلام ٣ / ٢٥٢ باختلاف يسير.

٤ ـ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٢ / ١٩٨.

١٦٠