🚘

البحر المحيط في التّفسير - ج ٨

محمّد بن يوسف [ أبي حيّان الأندلسي الغرناطي ]

البحر المحيط في التّفسير - ج ٨

المؤلف:

محمّد بن يوسف [ أبي حيّان الأندلسي الغرناطي ]


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع
🚘 نسخة غير مصححة

الثماني. أراد بذلك تقرير الخيار ، وأنه ثابت مستقر ، وأن الأجلين على السواء ، إما هذا ، وإما هذا من غير تفاوت بينهما في القضاء. وأما التتمة فموكولة إلى رأيي ، إن شئت أتيت بها وإلا لم أجبر عليها. وقيل : معناه فلا أكون متعديا ، وهو في نفي العدوان عن نفسه ، كقولك : لا إثم عليّ ولا تبعة. انتهى ، وجوابه الأول فيه تكثير. (وَاللهُ عَلى ما نَقُولُ) : أي على ما تعاهدنا عليه وتواثقنا ، (وَكِيلٌ) : أي شاهد. وقال قتادة : حفيظ. وقال ابن شجرة : رقيب ، والوكيل الذي وكل إليه الأمر ، فلما ضمن معنى شاهد ونحوه عدى بعلى.

(فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ) : جاء على النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه وفي أطول الأجلين ، وهو العشر. وعن مجاهد : وفي عشر أو عشرا بعدها ، وهذا ضعيف. (وَسارَ بِأَهْلِهِ) : أي نحو مصر بلده وبلد قومه. والخلاف فيمن تزوّج ، الكبرى أم الصغرى ، وكذلك في اسمها. وتقدّم كيفية مسيره ، وإيناسه النار في سورة طه وغيرها. وقرأ الجمهور : جذوة ، بكسر الجيم ؛ والأعمش ، وطلحة ، وأبو حيوة ، وحمزة : بضمها ؛ وعاصم ، غير الجعفي : بفتحها. (لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) : أي تتسخنون بها ، إذ كانت ليلة باردة ، وقد أضلوا الطريق.

(فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ، وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ ، اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ ، قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ، وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ ، قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ).

من ، في : من شاطىء ، لابتداء الغاية ، ومن الشجرة كذلك ، إذ هي بدل من الأولى ، أي من قبل الشجرة. والأيمن : يحتمل أن يكون صفة للشاطىء وللوادي ، على معنى اليمن والبركة ، أو الأيمن : يريد المعادل للعضو الأيسر ، فيكون ذلك بالنسبة إلى موسى ، لا للشاطىء ، ولا للوادي ، أي أيمن موسى في استقباله حتى يهبط الوادي ، أو بعكس ذلك ؛ وكل هذه الأقوال في الأيمن مقول. وقرأ الأشهب العقيلي ، ومسلمة : في البقعة ، بفتح الباء. قال أبو زيد : سمعت من العرب : هذه بقعة طيبة ، بفتح الباء ، ووصفت البقعة بالبركة ، لما خصت به من آيات الله وأنواره وتكليمه لموسى عليه‌السلام ، أو لما حوت من الأرزاق والثمار الطيبة. ويتعلق في البقعة بنودي ، أو تكون في موضع الحال من شاطىء.

٣٠١

والشجرة عناب ، أو عليق ، أو سمرة ، أو عوسج ، أقوال. وأن : يحتمل أن تكون حرف تفسير ، وأن تكون مخففة من الثقيلة. وقرأت فرقة : (إِنِّي أَنَا) ، بفتح الهمزة ، وفي إعرابه إشكال ، لأن إن ، إن كانت تفسيرية ، فينبغي كسر إني ، وإن كانت مصدرية ، تتقدر بالمفرد ، والمفرد لا يكون خبرا لضمير الشأن ، فتخريج هذه القراءة على أن تكون إن تفسيرية ، وإني معمول لمضمر تقديره : إني يا موسى أعلم إني أنا الله.

وجاء في طه : (نُودِيَ يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ) (١) ، وفي النمل : (نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ) (٢) ، وهنا : (نُودِيَ مِنْ شاطِئِ) ، ولا منافاة ، إذ حكى في كل سورة بعض ما اشتمل عليه ذلك النداء. والجمهور : على أنه تعالى كلمه في هذا المقام من غير واسطة. وقال الحسن : ناداه نداء الوحي ، لا نداء الكلام. وتقدم الكلام على نظير قوله : (وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ) ، ثم أمره فقال : (اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ) ، وهو فتح الجبة من حيث تخرج الرأس ، وكان كم الجبة في غاية الضيق. وتقدّم الكلام على : (تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ) وفسر الجناح هنا باليد وبالعضد وبالعطاف ، وبما أسفل من العضد إلى الرسغ ، وبجيب مدرعته. والرهب : الخوف ، وتأتي القراءات فيه. وقيل : بفتح الراء والهاء : الكم ، بلغة بني حنيفة وحمير ، وسمع الأصمعي قائلا يقول : اعطني ما في رهبك ، أي في كمك ، والظاهر حمل : (وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ) على الحقيقة.

قال الثوري : خاف موسى أن يكون حدث به سوء ، فأمره تعالى أن يعيد يده إلى جيبه لتعود على حالتها الأولى ، فيعلم موسى أنه لم يكن سوءا بل آية من الله. وقال مجاهد ، وابن زيد : أمره بضم عضده وذراعه ، وهو الجناح ، إلى جنبه ، ليخفف بذلك فزعه. ومن شأن الإنسان إذا فعل ذلك في وقت فزعه أن يقوي قلبه. وقيل : لما انقلبت العصا حية ، فزع موسى واضطرب ، فاتقاها بيده ، كما يفعل الخائف من الشيء ، فقيل له : أدخل يدك تحت عضدك مكان اتقائك بها ، ثم أخرجها بيضاء لتظهر معجزة أخرى ، وهذا القول بسطه الزمخشري ، لأنه كالتكرار لقوله : (اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ). وقد قال هو والجناح هنا اليد ، قال : لأن يدي الإنسان بمنزلة جناحي الطائر ، وإذا أدخل يده اليمنى تحت عضده اليسرى ، فقد ضم جناحه إليه. وقيل : المعنى إذا هالك أمر لما يغلب من شعاعها ، فاضممها إليك تسكن. وقالت فرقة : هو مجاز أمره بالعزم على ما أمره به ، كما تقول العرب : أشدد

__________________

(١) سورة طه : ٢٠ / ١١ ـ ١٢.

(٢) سورة النمل : ٢٧ / ٨.

٣٠٢

حيازيمك واربط جأشك ، أي شمر في أمرك ودع الرهب ، وذلك لما كثر تخوفه وفزعه في غير موطن ، قاله أبو علي ، وكأنه طيره الفزع ، وآلة الطيران الجناح. فقيل له : اسكن ولا تخف ، وضم منشور جناحك من الخوف إليك ، وذكر هذا القول الزمخشري ، فقال والثاني أن يراد بضم جناحه إليه : تجلده وضبطه نفسه وتشدده عند انقلاب العصا حية ، حتى لا يضطرب ولا يرهب ، استعارة من فعل الطائر ، لأنه إذا خاف نشر جناحيه وأرخاهما ، وإلا فجناحاه مضمومان إليه مشمران. ومعنى (مِنَ الرَّهْبِ) : من أجل الرهب ، أي إذا أصابك الرهب عند رؤية الحية ، فاضمم إليك جناحك. جعل الرهب الذي كان يصيبه سببا وعلة فيما أمر به من ضم جناحه إليه. ومعنى : (وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ) ، وقوله : (اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ) على أحد التفسيرين واحد ، ولكن خولف بين العبارتين ، وإنما كرر المعنى الواحد لاختلاف الغرضين ، وذلك أن الغرض في أحدهما خروج اليد بيضاء ، وفي الثاني إخفاء الرهب. فإن قلت : قد جعل الجناح ، وهو اليد ، في أحد الموضعين مضموما وفي الآخر مضموما إليه ، وذلك قوله : (وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ) ، (وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ) (١) ، فما التوفيق بينهما؟ قلت : المراد بالجناح المضموم هو اليد اليمنى ، وبالمضموم إليه اليد اليسرى ، وكل واحدة من يمنى اليدين ويسراهما جناح. ومن بدع التفاسير أن الرهب : الكم ، بلغة حمير ، وأنهم يقولون : اعطني ما في رهبك ؛ وليت شعري ؛ كيف صحته في اللغة؟ وهل سمع من الأثبات الثقات التي ترضي عربيتهم؟ ثم ليت شعري : كيف موقعه في الآية؟ وكيف يعطيه الفصل كسائر كلمات التنزيل؟ على أن موسى ، صلوات الله عليه ، ما كان عليه ليلة المناجاة إلّا زرماتقة من صوف ، لا كمين لها. انتهى. أما قوله : وهل سمع من الأثبات؟ وهذا مروي عن الأصمعي ، وهو ثقة ثبت. وأما قوله : كيف موقعه من الآية؟ فقالوا : معناه أخرج يدك من كمك ، وكان قد أخذ العصا بالكم. وقرأ الحرميان ، وأبو عمرو : من الرهب ، بفتح الراء والهاء ؛ وحفص : بفتح الراء وسكون الهاء ؛ وباقي السبعة : بضم الراء وإسكان الهاء. وقرأ قتادة ، والحسن ، وعيسى ، والجحدري : بضمهما.

(فَذانِكَ) : إشارة إلى العصا واليد ، وهما مؤنثتان ، ولكن ذكرا لتذكير الخبر ، كما أنه قد يؤنث المذكر لتأنيث الخبر ، كقراءة من قرأ : ثم لم يكن فتنتهم إلا أن قالوا ، بالياء في تكن. (بُرْهانانِ) : حجتان نيرتان. وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو : فذانك ، بتشديد النون ؛ وباقي السبعة : بتخفيفها. وقرأ ابن مسعود ، وعيسى ، وأبو نوفل ، وابن هرمز ، وشبل :

__________________

(١) سورة طه : ٢٠ / ٢٢.

٣٠٣

فذانيك ، بياء بعد النون المكسورة ، وهي لغة هذيل. وقيل : بل لغة تميم ، ورواها شبل عن ابن كثير ، وعنه أيضا : فذانيك ، بفتح النون قبل الياء ، على لغة من فتح نون التثنية ، نحو قوله :

على أحوذيين استقلت عشية

وقرأ ابن مسعود : بتشديد النون مكسورة بعدها ياء. قيل : وهي لغة هذيل. وقال المهدوي : بل لغتهم تخفيفها. و (إِلى فِرْعَوْنَ) : يتعلق بمحذوف دل عليه المعنى تقديره : اذهب إلى فرعون. (قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً) : هو القبطي الذي وكزه فمات ، فطلب من ربه ما يزداد به قوة ، وذكر أخاه والعلة التي تكون له زيادة التبليغ. و (أَفْصَحُ) : يدل على أن فيه فصاحة ، ولكن أخوه أفصح. (فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً) : أي معينا يصدقني ، ليس المعنى أنه يقول لي : صدقت ، إذ يستوي في قول هذا اللفظ العيي والفصيح ، وإنما المعنى : أنه لزيادة فصاحته يبالغ في التبيان ، وفي الإجابة عن الشبهات ، وفي جداله الكفار. وقرأ الجمهور : ردأ ، بالهمزة ؛ وأبو جعفر ، ونافع ، والمدنيان : بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى الدال ؛ والمشهور عن أبي جعفر بالنقل ، ولا همز ولا تنوين ، ووجهه أنه أجرى الوصل مجرى الوقف. وقرأ عاصم ، وحمزة : يصدقني ، بضم القاف ، فاحتمل الصفة لردأ ، والحال احتمل الاستئناف. وقرأ باقي السبعة : بالإسكان. وقرأ أبي ، وزيد بن علي : يصدقوني ، والضمير لفرعون وقومه. قال ابن خالويه : هذا شاهد لمن جزم ، لأنه لو كان رفعا لقال : يصدقونني. انتهى ، والجزم على جواب الأمر. والمعنى في يصدقوني : أرجو تصديقهم إياي ، فأجابه تعالى إلى طلبته وقال : (سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ). وقرأ زيد بن علي ، والحسن : عضدك ، بضمتين. وعن الحسن : بضم العين وإسكان الضاد. وعن بعضهم : بفتح العين وكسر الضاد ؛ وفتحهما ، قرأ به عيسى ، ويقال فيه : عضد ، بفتح العين وسكون الضاد ، ولا أعلم أحدا قرأ به. والعضد : العضو المعروف ، وهي قوام اليد ، وبشدتها يشتد. قال الشاعر :

أبني لبيني لستما بيد

إلا يدا ليست لها عضد

والمعنى فيه : سنقويك بأخيك. ويقال في الخير : شد الله عضدك ، وفي الشر : فتّ الله في عضدك. والسلطان : الحجة والغلبة والتسليط. (فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما) : أي بسوء ، أو إلى إذايتكما. ويحتمل (بِآياتِنا) أن يتعلق بقوله : ويجعل ، أو بيصلون ، أو بالغالبون ، وإن كان موصولا على مذهب من يجوز عنده أن يتقدم الظرف والجار والمجرور على صلة أل ، وإن

٣٠٤

كان عنده موصولا على سبيل الاتساع ، أو بفعل محذوف ، أي اذهبا بآياتنا. كما علق في تسع آيات باذهب ، أو على البيان ، فالعامل محذوف ، وهذه أعاريب منقولة. وقال الزمخشري : ويجوز أن يكون قسما جوابه (فَلا يَصِلُونَ) مقدما عليه ، أو من لغو القسم. انتهى. أما أنه قسم جوابه (فَلا يَصِلُونَ) ، فإنه لا يستقيم على قول الجمهور ، لأن جواب القسم لا تدخله الفاء. وأما قوله : أو من لغو القسم ، فكأنه يريد والله أعلم. إنه لم يذكر له جواب ، بل حذف لدلالة عليه ، أي بآياتنا لتغلبن.

(فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ ، وَقالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ، وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ ، وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ ، فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ، وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ ، وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ ، وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ).

(بِآياتِنا) : هي العصا واليد. (بَيِّناتٍ) : أي واضحات الدلالة على صدقه ، وأنه أمر خارق معجز ، كفوا عن مقاومته ومعارضته ، فرجعوا إلى البهت والكذب ، ونسبوه إلى أنه سحر ، لأنهم يرون الشيء على حالة ، ثم يرونه على حالة أخرى ، ثم يعود إلى الحالة الأولى ، فزعموا أنه سحر يفتعله موسى ويفتريه على الله ، فليس بمعجز. ثم مع دعواهم أنه سحر مفترى ، وكذبهم في ذلك ، أرادوا في الكذب أنهم ما سمعوا بهذا في آبائهم ، أي في زمان آبائهم وأيامهم. وفي آبائنا : حال ، أي بهذا ، أي بمثل هذا كائنا في أيام آبائنا. وإذا نفوا السماع لمثل هذا في الزمان السابق ، ثبت أن ما ادّعاه موسى هو بدع لم يسبق إلى مثله ، فدل على أنه مفترى على الله ، وقد كذبوا في ذلك ، وطرق سمعهم أخبار الرسل السابقين موسى في الزمان. ألا ترى إلى قول مؤمن من آل فرعون : (وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ) (١)؟

__________________

(١) سورة غافر : ٤٠ / ٣٤.

٣٠٥

ولما رأى موسى ما قابلوه به من كون ما أتى به سحرا ، وانتفاء سماع مثله في الزمان السابق ، (قالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ) ، حيث أهله للرسالة ، وبعثه بالهدى ، ووعده حسن العقبى ، ويعني بذلك نفسه ، ولو كان كما يزعمون لم يرسله. ثم نبه على العلة الموجبة لعدم الفلاح ، وهي الظلم. وضع الشيء غير موضعه ، حيث دعوا إلى الإيمان بالله ، وأتوا بالمعجزات ، فادعوا الإلهية ، ونسبوا ذلك المعجز إلى السحر. وعاقبة الدار ، وإن كانت تصلح للمحمودة والمذمومة ، فقد كثر استعمالها في المحمودة ، فإن لم تقيد ، حملت عليها. ألا ترى إلى قوله : (أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ جَنَّاتُ عَدْنٍ) (١)؟ وقال : (وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ) (٢) وقرأ ابن كثير : قال موسى ، بغير واو ؛ وباقي السبعة : بالواو. ومناسبة قراءة الجمهور أنه لما جاءهم بالبينات قالوا : كيت وكيت ، وقال موسى : كيت وكيت ؛ فيتميز الناظر فصل ما بين القولين وفساد أحدهما ، إذ قد تقابلا ، فيعلم يقينا أن قول موسى هو الحق والهدى. ومناسبة قراءة ابن كثير ، أنه موضع قراءة لما قالوا : كيت وكيت ، قال موسى : كيت وكيت. ونفى فرعون علمه بإله غيره للملأ ، ويريد بذلك نفي وجوده ، أي ما لكم من إله غيري. ويجوز أن يكون غير معلوم عنده إله لهم ، ولكنه مظنون ، فيكون النفي على ظاهره ، ويدل على ذلك قوله : (وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ) ، وهو الكاذب في انتفاء علمه بإله غيره. ألا ترى إلى قوله حالة غرقه : (آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ) (٣)؟ واستمر فرعون في مخرقته ، ونادى وزيره هامان ، وأمره أن يوقد النار على الطين. قيل : وهو أول من عمل الآجر ، ولم يقل : أطبخ الآجر ، لأنه لم يتقدم لهامان علم بذلك ، ففرعون هو الذي يعلمه ما يصنع.

(فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً) : أي ابن لي ، لعل أطلع إلى إله موسى. أوهم قومه أن إله موسى يمكن الوصول إليه والقدرة عليه ، وهو عالم متيقن أن ذلك لا يمكن له ؛ وقومه لغباوتهم وجهلهم وإفراط عمايتهم ، يمكن ذلك عندهم ، ونفس إقليم مصر يقتضي لأهله تصديقهم بالمستحيلات وتأثرهم للموهمات والخيالات ، ولا يشك أنه كان من قوم فرعون من يعتقد أنه مبطل في دعواه ، ولكن يوافقه مخافة سطوه واعتدائه. كما رأيناه يعرض لكثير من العقلاء ، إذا حدث رئيس بحضرته بحديث مستحيل ، يوافقه على ذلك الحديث. ولا يدل الأمر ببناء الصرح على أنه بني ، وقد اختلف في ذلك ، فقيل : بناه ، وذكر من وصفه بما

__________________

(١) سورة الرعد : ١٣ / ٢٢ ـ ٢٣.

(٢) سورة الرعد : ١٣ / ٤٢.

(٣) سورة يونس : ١٠ / ٩٠.

٣٠٦

الله أعلم به. وقيل : لم يبن. واطلع في معنى : اطلع ، يقال : طلع إلى الجبل واطلع بمعنى واحد ، أي صعد ، فافتعل فيه بمعنى الفعل المجرد وبغير الحق ، إذ ليس لهم ذلك ، فهم مبطلون في استكبارهم ، حيث ادعى الإلهية ووافقوه على ذلك ؛ والكبرياء في الحقيقة إنما هو لله. وقرأ حمزة ، والكسائي ، ونافع : لا يرجون ، مبنيا للفاعل ؛ والجمهور : مبنيا للمفعول. والأرض هنا أرض مصر. (فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِ) : كناية عن إدخالهم في البحر حتى غرقوا ، شبهوا بحصيات. قذفها الرامي من يده ، ومنه نبذ النواة ، وقول الشاعر :

نظرت إلى عنوانه فنبذته

كنبذك نعلا من نعالك باليا

وقوم فرعون وفرعون ، وإن ساروا إلى البحر باختيارهم في طلب بني إسرائيل ، فإن ما ضمهم من القدر السابق ، وإغراقهم في البحر ، هو نبذ الله إياهم. وجعل هنا بمعنى : صير ، أي صيرناهم أئمة قدوة للكفار يقتدون بهم في ضلالتهم ، كما أن للخير أئمة يقتدى بهم ، اشتهروا بذلك وبقي حديثهم. وقال الزمخشري : وجعلناهم : دعوناهم ، أئمة : دعاة إلى النار ، وقلنا : إنهم أئمة دعاة إلى النار ، وهو من قولك : جعله بخيلا وفاسقا إذا دعاه فقال : إنه بخيل وفاسق. ويقول أهل اللغة في تفسير فسقه وبخله : جعله بخيلا وفاسقا ، ومنه قوله عزوجل : (وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً) (١). ومعنى دعوتهم إلى النار : دعوتهم إلى موجباتها من الكفر. انتهى. وإنما فسر جعلناهم بمعنى دعوناهم ، لا بمعنى صيرناهم ، جريا على مذهبه من الاعتزال ، لأن في تصييرهم أئمة ، خلق ذلك لهم. وعلى مذهب المعتزلة ، لا يجوّزون ذلك من الله ، ولا ينسبونه إليه ، قال : ويجوز خذلناهم حتى كانوا أئمة الكفر ، ومعنى الخذلان : منع الإلطاف ، وإنما يمنعها من علم أنه لا ينفع فيه ، وهو المصمم على الكفر ، الذي لا تغني عنه الآيات والنذر. انتهى ، وهو على طريقة الاعتزال أيضا. (لَعْنَةً) : أي طردا وإبعادا ، وعطف يوم القيامة على : (فِي هذِهِ الدُّنْيا). (مِنَ الْمَقْبُوحِينَ) ، قال أبو عبيدة : من الهالكين. وقال ابن عباس : من المشوهين الخلقة ، لسواد الوجوه وزرقة العيون. وقيل : من المبعدين.

ولما ذكر تعالى ما آل إليه فرعون وقومه من غضب الله عليهم وإغراقه ، ذكر ما امتن به على رسوله موسى عليه‌السلام فقال : (وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ) ، وهو التوراة ، وهو أول كتاب أنزلت فيه الفرائض والأحكام. (مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى) : قوم نوح وهود

__________________

(١) سورة الزخرف : ٤٣ / ١٩.

٣٠٧

وصالح ولوط ، ويقال : لم تهلك قرية بعد نزول التوراة غير القرية التي مسخ أهلها قردة. وانتصب بصائر على الحال ، أي طرائق هدي يستبصر بها.

(وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ ، وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ، وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ، وَلَوْ لا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْ لا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ ، قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ).

لما قص الله تعالى من أنباء موسى وغرائب ما جرى له من الحمل به في وقت ذبح الأبناء ، ورميه في البحر في تابوت ، ورده إلى أمّه ، وتبني فرعون له ، وإيتائه الحكم والعلم ، وقتله القبطي ، وخروجه من منشئه فارا ، وتصاهره مع شعيب ، ورعيه لغنمه السنين الطويلة ، وعوده إلى مصر ، وإضلاله الطريق ، ومناجاة الله له ، وإظهار تينك المعجزتين العظيمتين على يديه ، وهي العصا واليد ، وأمره بالذهاب إلى فرعون ، ومحاورته معه ، وتكذيب فرعون وإهلاكه وإهلاك قومه ، والامتنان على موسى بإيتائه التوراة ؛ وأوحى تعالى بجميع ذلك إلى محمد رسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ؛ ذكره بإنعامه عليه بذلك ، وبما خصه من الغيوب التي كان لا يعلمها لا هو ولا قومه فقال : (وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ).

والأمر ، قيل : النبوّة والحكم الذي آتاه الله موسى. وقيل : الأمر : أمر محمد عليه‌السلام أن يكون من أمته ، وهذا التأويل يلتئم معه ما بعده من قوله : (وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً). وقيل : الأمر : هلاك فرعون بالماء ، ويحمل بجانب الغربي على اليم ، وبدأ أولا بنفي شيء خاص ، وهو أنه لم يحضر وقت قضاء الله لموسى الأمر ، ثم ثنى بكونه لم يكن من الشاهدين. والمعنى ، والله أعلم ؛ من الشاهدين بجميع ما أعلمناك به ، فهو نفي لشهادته جميع ما جرى لموسى ، فكان عموما بعد خصوص. وبجانب الغربي : من إضافة الموصوف إلى صفته عند قوم ، ومن حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه عند قوم. فعلى

٣٠٨

القول الأول أصله بالجانب الغربي ، وعلى الثاني أصله بجانب المكان الغربي ، والترجيح بين القولين مذكور في النحو. والغربي ، قال قتادة : غربي الجبل ، وقال الحسن : بعث الله موسى بالغرب ، وقال أبو عبيدة : حيث تغرب الشمس والقمر والنجوم. وقيل : هنا جبل غربي. وقيل : الغربي من الوادي ، وقيل : من البحر. قال ابن عطية : المعنى : لم تحضر يا محمد هذه الغيوب التي تخبر بها ، ولكنها صارت إليك بوحينا ، أي فكان الواجب أن يسارع إلى الإيمان بك ، ولكن تطاول الأمر على القرون التي أنشأناها زمنا زمنا ، فعزبت حلومهم ، واستحكمت جهالتهم وضلالتهم. وقال الزمخشري : الغرب : المكان الواقع في شق الغرب ، وهو المكان الذي وقع فيه ميقات موسى من الطور ، وكتب الله له في الألواح. والأمر المقضي إلى موسى : الوحي الذي أوحى إليه. والخطاب لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، يقول : وما كنت حاضرا المكان الذي أوحينا فيه إلى موسى ، ولا كنت من جملة الشاهدين للوحي إليه ، أو على الوحي إليه ، وهم نقباؤه الذين اختارهم للميقات ، حتى نقف من جملة المشاهدة على ما جرى من أمر موسى في ميقاته ، وكتب التوراة له في الألواح ، وغير ذلك. فإن قلت : كيف يتصل قوله : (وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً) بهذا الكلام ، ومن أي جهة يكون استدراكا؟ قلت : اتصاله به وكونه استدراكا من حيث أن معناه : ولكنا أنشأنا بعد عهد الوحي إلى عهدك قرونا كثيرة ، فتطاول على آخرهم ، وهو القرن الذي أنت فيهم.

(الْعُمُرُ) : أي أمد انقطاع الوحي ، واندرست العلوم ، فوجب إرسالك إليهم ، فأرسلناك وكسبناك العلم بقصص الأنبياء وقصة موسى ، كأنه قال : وما كنت شاهدا لموسى وما جرى عليه ، ولكنا أوحيناه إليك ، فذكر سبب الوحي الذي هو إطالة النظرة ، ودل به على المسبب على عادة الله في اختصاره. فإذن ، هذا الاستدراك شبيه للاستدراكين بعده. (وَما كُنْتَ ثاوِياً) : أي مقيما في أهل مدين ، هم شعيب والمؤمنون. (تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا) : تقرأ عليهم تعلما منهم ، يريد الآيات التي فيها قصة شعيب وقومه. ولكنا أرسلناك وأخبرناك بها وعلمناكها. (إِذْ نادَيْنا) ، يريد مناداة موسى ليلة المناجاة وتكليمه ، ولكن علمناك. وقيل : (فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ) ، وفترت النبوة ، ودرست الشرائع ، وحرف كثير منها ؛ وتمام الكلام مضمر تقديره : وأرسلناك مجددا لتلك الأخبار ، مميزا للحق بما اختلف فيه منها ، رحمة منا. وقيل : يحتمل أن يكون المعنى : وما كنت من الشاهدين في ذلك الزمان ، وكانت بينك وبين موسى قرون تطاولت أعمارهم ، وأنت تخبر الآن عن تلك الأحوال أخبار مشاهدة وعيان بإيحائنا ، معجزة لك. وقيل : تتلو حال ، وقيل : مستأنف ، أي أنت الآن تتلو قصة

٣٠٩

شعيب ، ولكنا أرسلناك رسولا ، وأنزلنا عليك كتابا فيه هذه الأخبار المنسية تتلوها عليهم ، ولولاك ما أخبرتهم بما لم يشاهدوه.

وقال الفراء : (وَما كُنْتَ ثاوِياً) في أهل مدين مع موسى ، فتراه وتسمع كلامه ، وها أنت (تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا) : أي على أمتك ، فهو منقطع. انتهى. قيل : وإذا لم يكن حاضرا في ذلك المكان ، فما معنى : (وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ)؟ فقال ابن عباس : التقدير : لم تحضر ذلك الموضع ، ولو حضرت ، فما شاهدت تلك الوقائع ، فإنه يجوز أن يكون هناك : ولا يشهد ولا يرى. وقال مقاتل : لم يشهد أهل مدين فيقرأ على أهل مكة خبرهم ، ولكنا أرسلناك إلى أهل مكة ، وأنزلنا إليك هذه الأخبار ، ولو لا ذلك ما علمت. وقال الضحاك : يقول إنك يا محمد لم تكن الرسول إلى أهل مدين ، تتلو عليهم آيات الكتاب ، وإنما كان غيرك ، ولكنا كنا مرسلين في كل زمان رسولا ، فأرسلنا إلى مدين شعيبا ، وأرسلناك إلى العرب لتكون خاتم الأنبياء. انتهى.

وقال الطبري : (إِذْ نادَيْنا) بأن : (فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) (١) الآية. وعن أبي هريرة : أنه نودي من السماء حينئذ يا أمة محمد استجبت لكم قبل أن تدعوني ، وغفرت لكم قبل أن تسألوني ، فحينئذ قال موسى عليه‌السلام : اللهم اجعلني من أمة محمد. فالمعنى : إذ نادينا بأمرك ، وأخبرناك بنبوتك. وقرأ الجمهور : (رَحْمَةً) ، بالنصب ، فقدر : ولكن جعلناك رحمة ، وقدر أعلمناك ونبأناك رحمة. وقرأ عيسى ، وأبو حيوة : بالرفع ، وقدر : ولكن هو رحمة ، أو هو رحمة ، أو أنت رحمة. (لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ) : أي في زمن الفترة بينك وبين عيسى ، وهو خمسمائة وخمسون عاما ونحوه. وجواب (لَوْ لا) محذوف. والمعنى : لو لا أنهم قائلون ، إذ عوقبوا بما قدموا من الشرك والمعاصي ، هلا أرسلت إلينا رسولا؟ محتجين بذلك علينا ما أرسلنا إليهم : أي إنما أرسلنا الرسل إزالة لهذا العذر ، كما قال : (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) (٢) ، أن (تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ) (٣). وتقدير الجواب : ما أرسلنا إليهم الرسل ، هو قول الزجاج. وقال ابن عطية : تقديره : لعاجلناهم بما يستحقونه. والمصيبة : العذاب. ولما كان أكثر الأعمال تزاول بالأيدي ، عبر عن كل عمل باجتراح الأيدي ، حتى أعمال القلوب ، اتساعا في الكلام ، وتصيير الأقل تابعا للأكثر ، وتغليب الأكثر على الأقل. والفاء في (فَيَقُولُوا) للعطف على نصيبهم ، ولو لا الثانية للتحضيض. وفنتبع : الفاء فيه جواب للتحضيض.

__________________

(١) سورة الأعراف : ٧ / ١٥٧.

(٢) سورة النساء : ٤ / ١٦٥.

(٣) سورة المائدة : ٥ / ١٩.

٣١٠

وقال الزمخشري : فإن قلت : كيف استقام هذا المعنى ، وقد جعلت العقوبة هي السبب في الإرسال لا القول لدخول حرف الامتناع عليها دونه؟ قلت : القول هو المقصود بأن يكون سببا لإرسال الرسل ، ولكن العقوبة ، لما كانت هي السبب للقول ، فكان وجوده بوجودها ، جعلت العقوبة كأنها سبب الإرسال بواسطة القول ، فأدخلت عليها لو لا ، وجيء بالقول معطوفا عليها بالفاء المعطية معنى السببية ، ويؤول معناها إلى قولك : ولو لا قولهم هذا ، (إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ) (١) لما أرسلنا ، ولكن اختيرت هذه الطريقة لنكتة ، وهو أنهم لم يعاقبوا مثلا على كفرهم ، وقد عاينوا ما ألجئوا به إلى العلم اليقين. لم يقولو : لو لا أرسلت إلينا رسولا ، وإنما السبب في قولهم هذا هو العقاب لا غير ، لا التأسف على ما فاتهم من الإيمان بخالقهم. وفي هذا من الشهادة القوية على استحكام كفرهم ورسوخهم فيه ما لا يخفى ، كقولهم : (وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ) (٢). انتهى.

(الْحَقُ) : هو الرسول ، محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، جاء بالكتاب المعجز الذي قطع معاذيرهم. وقيل : القرآن ، (مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى). (مِنْ قَبْلُ) : أي من قبل الكتاب المنزل جملة واحدة ، وانقلاب العصا حية ، وفلق البحر ، وغيرها من الآيات. اقترحوا ذلك على سبيل التعنت والعناد ، كما قالوا : لو لا أنزل عليه كنز ، وما أشبه ذلك من المقترحات لهم. وهذه المقالة التي قالوها هي من تعليم اليهود لقريش ، قالوا لهم. ألا يأتي بآية باهرة كآيات موسى ، فرد الله عليهم بأنهم كفروا بآيات موسى ، وقد وقع منهم في آيات موسى ما وقع من هؤلاء في آيات الرسول. فالضمير في : (أَوَلَمْ يَكْفُرُوا) لليهود ، قاله ابن عطية. وقيل : قائل ذلك العرب بالتعليم ، كما قلنا. وقيل : قائل ذلك اليهود ، ويظهر عندي أنه عائد على قريش الذين قالوا : (لَوْ لا أُوتِيَ) : أي محمد ، (بِما أُوتِيَ مُوسى) ، وذلك أن تكذبيهم لمحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم تكذيب لموسى عليه‌السلام ، ونسبتهم السحر للرسول نسبة السحر لموسى ، إذ الأنبياء هم من واد واحد. فمن نسب إلى أحد من الأنبياء ما لا يليق ، كان ناسبا ذلك إلى جميع الأنبياء. وتتناسق الضمائر كلها في هذا ، في قوله : (قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ) وإن كان الظاهر من القول إنه النطق اللساني ، فقد ينطلق على الاعتقاد وهم من حيث إنكار النبوات ، معتقدون أن ما ظهر على أيدي الأنبياء من الآيات إنما هو من باب السحر.

وقال الزمخشري : (أَوَلَمْ يَكْفُرُوا) ، يعني آباء جنسهم ، ومن مذهبهم مذهبهم ، وعنادهم عنادهم ، وهم الكفرة في زمن موسى (بِما أُوتِيَ مُوسى). وعن الحسن : قد كان

__________________

(١) سورة البقرة : ٢ / ١٥٦ ، وسورة النساء : ٤ / ٦٢.

(٢) سورة الأنعام : ٦ / ٢٨.

٣١١

للعرب أصل في أيام موسى ، فمعناه على هذا : أو لم يكفر آباؤهم؟ قالوا في موسى وهارون : (سِحْرانِ تَظاهَرا) ، أي تعاونا. انتهى. ومن قيل : يحتمل أن يتعلق ب (يَكْفُرُوا) ، و (بِما أُوتِيَ). وقرأ الجمهور : ساحران. قال مجاهد : موسى وهارون. وقال الحسن : موسى وعيسى. وقال ابن عباس : موسى ومحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وقال الحسن أيضا : عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام. وقرأ عبد الله ، وزيد بن علي ، والكوفيون : سحران. قال ابن عباس : التوراة والقرآن. وقيل : التوراة والإنجيل ، أو موسى وهارون جعلا سحرين على سبيل المبالغة. (تَظاهَرا) : تعاونا. قرأ الجمهور : تظاهرا : فعلا ماضيا على وزن تفاعل. وقرأ طلحة ، والأعمش : اظاهرا ، بهمزة الوصل وشد الظاء ، وكذا هي في حرف عبد الله ، وأصله تظاهرا ، فأدغم التاء في الظاء ، فاجتلبت همزة الوصل لأجل سكون التاء المدغمة. وقرأ محبوب عن الحسن ، ويحيى بن الحارث الذماري ، وأبو حيوة ، وأبو خلاد عن اليزيدي : تظاهرا بالتاء ، وتشديد الظاء. قال ابن خالويه : وتشديده لحن لأنه فعل ماض ، وإنما يشدد في المضارع. وقال صاحب اللوامح : ولا أعرف وجهه. وقال صاحب الكامل في القراءات : ولا معنى له. انتهى. وله تخريج في اللسان ، وذلك أنه مضارع حذفت منه النون ، وقد جاء حذفها في قليل من الكلام وفي الشعر ، وساحران خبر مبتدأ محذوف تقديره : أنتما ساحران تتظاهران ؛ ثم أدغمت التاء في الظاء وحذفت النون ، وروعي ضمير الخطاب. ولو قرىء : يظاهرا ، بالياء ، حملا على مراعاة ساحران ، لكان له وجه ، أو على تقدير هما ساحران تظاهرا.

(وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ) : أي بكل من الساحرين أو السحرين ، ثم أمره تعالى أن يصدع بهذه الآية ، وهي قوله : (قُلْ فَأْتُوا) : أي أنتم أيها المكذبون ، بهذه الكتب التي تضمنت الأمر بالعبادات ومكارم الأخلاق ، ونهت عن الكفر والنقائص ، ووعد الله عليها الثواب الجزيل. إن كان تكذيبكم لمعنى (فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ) يهدي أكثر من هدي هذه ، أتبعه معكم. والضمير في منها عائد على ما أنزل على موسى ، وعلى محمد صلى الله عليهما وسلم ، وتعليق إتيانهم بشرط الصدق أمر متحقق متيقن ، أنه لا يكون ولا يمكن صدقهم ، كما أنه لا يمكن أن يأتوا بكتاب من عند الله يكون أهدى من الكتابين. ويجوز أن يراد بالشرط التهكم بهم. وقرأ زيد بن علي : أتبعه ، برفع العين الاستئناف ، أي أنا أتبعه. (فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ) ، قال ابن عباس : يريد فإن لم يؤمنوا بما جئت به من الحجج ، ولم يمكنهم أن يأتوا بكتاب هو أفضل ، والاستجابة تقتضي دعاء ، وهو صلى‌الله‌عليه‌وسلم يدعو دائما إلى

٣١٢

الإيمان ، أي فإن لم يستجيبوا لك بعد ما وضح لهم من المعجزات التي تضمنها كتابك الذي أنزل ، أو يكون قوله : (فَأْتُوا بِكِتابٍ) ، هو الدعاء إذ هو طلب منهم ودعاء لهم بأن يأتوا به. ومعلوم أنهم لا يستجيبون لأن يأتوا بكتاب من عند الله ، فاعلم أنه ليس لهم إلا اتباع هوى مجرد ، لا اتباع دليل. واستجاب : بمعنى أجاب ، ويعدى للداعي باللام ودونها ، كما قال : (فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ) (١) ، (فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى) (٢) ، (فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ) (٣). وقال الشاعر :

فلم يستجبه عند ذاك مجيب

فعداه بغير لام. وقال الزمخشري : هذا الفعل يتعدى إلى الدعاء وإلى الداعي باللام ، ويحذف الدعاء إذا عدى إلى الداعي في الغالب ، فيقال : استجاب الله دعاءه ، واستجاب له ، فلا يكاد يقال استجاب له دعاءه. وأما البيت فمعناه : فلم يستجب دعاء ، على حذف المضاف. انتهى. (وَمَنْ أَضَلُ) : أي لا أحد أضل ، و (بِغَيْرِ هُدىً) : في موضع الحال ، وهذا الحال قيد في اتباع الهوى ، لأنه قد يتبع الإنسان ما يهواه ، ويكون ذلك الذي يهواه فيه هدى من الله ، لأن الأهواء كلها تنقسم إلى ما يكون فيه هدى وما لا يكون فيه هدى ، فلذلك قيد بهذه الحال. وقال الزمخشري : يعني مخذولا مخلى بينه وبين هواه. انتهى ، وهو على طريق الاعتزال.

(وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ، الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ ، وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ، أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ، وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ ، إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ، وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ).

قرأ الجمهور : (وَصَّلْنا) ، مشدد الصاد ؛ والحسن : بتخفيفها ، والضمير في لهم لقريش. وقال رفاعة القرظي : نزلت في عشرة من اليهود ، أنا أحدهم. قال الجمهور : وصلنا : تابعنا القرآن موصولا بعضه ببعض في المواعظ والزجر والدعاء إلى الإسلام. وقال

__________________

(١) سورة يوسف : ١٢ / ٣٤.

(٢) سورة الأنبياء : ٢١ / ٩٠.

(٣) سورة هود : ١١ / ١٤.

٣١٣

الحسن : وفي ذكر الأمم المهلكة. وقال مجاهد : جعلناه أوصالا من حيث كان أنواعا من القول في معان مختلفة. وقال ابن زيد : وصلنا لهم خبر الآخرة بخبر الدنيا ، حتى كأنهم عاينوا الآخرة. وقال الأخفش : أتممنا لوصلك الشيء بالشيء ، وأصل التوصل في الحبل ، يوصل بعضه ببعض. وقال الشاعر :

فقل لبني مروان ما بال ذمتي

بحبل ضعيف لا يزال يوصل

وهذه الأقوال معناها : توصيل المعاني فيه بها إليهم. وقالت فرقة : التوصيل بالنسبة إلى الألفاظ ، أي وصلنا لهم قولا معجزا دالا على نبوتك. وأهل الكتاب هنا جماعة من اليهود أسلمت ، وكان الكفار يؤذونهم. أو بحيرا الراهب ، أو النجاشي ، أو سلمان الفارسي. وابن سلام ، وأبو رفاعة ، وابنه في عشرة من اليهود أسلموا. أو أربعون من أهل الإنجيل كانوا مؤمنين بالرسول قبل مبعثه ، اثنان وثلاثون من الحبشة أقبلوا مع جعفر بن أبي طالب ، وثمانية قدموا من الشام : بحيرا ، وأبرهة ، وأشرف ، وأربد ، وتمام ، وإدريس ، ونافع ، وتميم وقيل ابن سلام ، وتميم الداري ، والجارود العبدي ، وسلمان ، سبعة أقوال آخرها لقتادة. والظاهر أنها أمثلة لمن آمن منهم ، والضمير في به عائد على القول ، وهو القرآن. وقال الفراء : عائد على الرسول ، وقال أيضا : إن عاد على القرآن ، كان صوابا ، لأنهم قد قالوا : إنه الحق من ربنا. انتهى.

(إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا) : تعليل للإيمان به ، لأن كونه حقا من الله حقيق بأن نؤمن به. (إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ) : بيان لقوله : (آمَنَّا بِهِ) ، أي إيماننا به متقادم ، إذ كان الآباء الأقدمون إلى آبائنا قرأوا ما في الكتاب الأول ، وأعلموا بذلك الأبناء ، فنحن مسلمون من قبل نزوله وتلاوته علينا ، والإسلام صفة كل موحد مصدق بالوحي. وإيتاء الأجر مرتين ، لكونه آمن بكتابه وبالقرآن ؛ وعلل ذلك بصبرهم : أي على تكاليف الشريعة السابقة لهم ، وهذه الشريعة وما يلقون من الأذى. وفي الحديث : «ثلاثة يؤتيهم الله أجرهم مرتين : رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي» ، الحديث. (وَيَدْرَؤُنَ) : يدفعون ، (بِالْحَسَنَةِ) : بالطاعة ، (السَّيِّئَةَ) : المعصية المتقدمة ، أو بالحلم الأذى ، وذلك من مكارم الأخلاق. وقال ابن مسعود : يدفعون بشهادة أن لا إله إلّا الله الشرك. وقال ابن جبير : بالمعروف المنكر. وقال ابن زيد : بالخير الشر. وقال ابن سلام : بالعلم الجهل ، وبالكظم الغيظ. وفي وصية الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، لمعاذ : «أتبع السيئة الحسنة تمحها ، وخالق الناس بخلق حسن». و (اللَّغْوَ) : سقط القول. وقال مجاهد : الأذى والسب. وقال الضحاك : الشرك. وقال ابن

٣١٤

زيد : ما غيرته اليهود من وصف الرسول ، سمعه قوم منهم ، فكرهوا ذلك وأعرضوا. (وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ) : خطاب لقائل اللغو المفهوم ذلك من قوله : (وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ).

(سَلامٌ عَلَيْكُمْ) ، قال الزجاج : سلام متاركة لإسلام تحية. (لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ) : أي لا نطلب مخالطتهم. (إِنَّكَ لا تَهْدِي) من أحببت : أي لا تقدر على خلق الهداية فيه ، ولا تنافي بين هذا وبين قوله : (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) (١) ، لأن معنى هذا : وإنك لترشد. وقد أجمع المسلمون على أنها نزلت في أبي طالب ، وحديثه مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، حالة أن مات ، مشهور. وقال الزمخشري : لا تقدر أن تدخل في الإسلام كل من أحببت ، لأنك لا تعلم المطبوع على قلبه من غيره ، ولكن الله يدخل في الإسلام من يشاء ، وهو الذي علم أنه غير مطبوع على قلبه ، وأن الألطاف تنفع فيه ، فتقرب به ألطافه حتى يدعوه إلى القبول. (وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) : بالقابلين من الذين لا يقبلون. انتهى ، وهو على طريقة الاعتزال في أمر الألطاف. وقالوا : الضمير في وقالوا لقريش. وقيل ، القائل الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف : إنك على الحق ، ولكنا نخاف إن اتبعناك وخالفنا العرب ، فذلك وإنما نحن أكلة رأس ، أي قليلون أن يتخطفونا من أرضنا.

وقولهم : (الْهُدى مَعَكَ) : أي على زعمك ، فقطع الله حجتهمم ، إذ كانوا ، وهم كفار بالله ، عباد أصنام قد أمنوا في حرمهم ، والناس في غيره يتقاتلون ، وهم مقيمون في بلد غير ذي زرع ، يجيء إليهم ما يحتاجون من الأقوات ، فكيف إذا آمنوا واهتدوا؟ فهو تعالى يمهد لهم الأرض ، ويملكهم الأرض ، كما وعدهم تعالى ، ووقع ما وعد به ؛ ووصف الحرم بالأمن مجاز ، إذ الآمنون فيه هم ساكنوه. و (ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ) : عام مخصوص ، يراد به الكثرة. وقرأ المنقري : يتخطف ، برفع الفاء ، مثل قوله تعالى : (أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ) (٢) ، برفع الكاف ، أي فيدرككم ، أي فهو يدرككم. وقوله : من يفعل الحسنات الله يشكرها : أي فيتخطف ، وفالله يشكرها ، وهو تخريج شذوذ. وقرأ نافع وجماعة ، عن يعقوب ؛ وأبو حاتم ، عن عاصم : تجبى ، بتاء التأنيث ، والباقون بالياء. وقرأ الجمهور : ثمرات ، بفتحتين ؛ وأبان بن تغلب : بضمتين ؛ وبعضهم : بفتح الثاء وإسكان الميم. وانتصب رزقا على أنه مصدر من المعنى ، لأن قوله : (يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ) : أي برزق ثمرات ، أو على أنه مفعول له ، وفاعل الفعل المعلل محذوف ، أي نسوق إليه ثمرات كل

__________________

(١) سورة الشورى : ٤٢ / ٥٢.

(٢) سورة النساء : ٤ / ٧٨.

٣١٥

شيء ، وإن كان الرزق ليس مصدرا ، بل بمعنى المرزوق ، جاز انتصابه على الحال من ثمرات ، ويحسن ذلك تخصيصا بالإضافة. و (أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) : أي جهلة ، بأن ذلك الرزق هو من عندنا.

(وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ ، وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ ، وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أَفَلا تَعْقِلُونَ ، أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ).

هذا تخويف لأهل مكة من سوء عاقبة قوم كانوا في مثل حالهم من إنعام الله عليم بالرقود في ظلال الأمن وخفض العيش ، فعظموا النعمة ، وقابلوها بالأشر والبطر ، فدمرهم الله وخرب ديارهم. و (مَعِيشَتَها) منصوب على التمييز ، على مذهب الكوفيين ؛ أو مشبه بالمفعول ، على مذهب بعضهم ؛ أو مفعول به على تضمين (بَطِرَتْ) معنى فعل متعد ، أي خسرت معيشتها ، على مذهب أكثر البصريين ؛ أو على إسقاط في ، أي في معيشتها ، على مذهب الأخفش ؛ أو على الظرف ، على تقدير أيام معيشتها ، كقولك : جئت خفوق النجم ، على قول الزجاج. (فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ) : أشار إليها ، أي ترونها خرابا ، تمرون عليها كحجر ثمود ، هلكوا وفنوا ، وتقدم ذكر المساكن. و (تُسْكَنْ) ، فاحتمل أن يكون الاستثناء في قوله : (إِلَّا قَلِيلاً) من المساكن ، أي إلا قليلا منها سكن ، واحتمل أن يكون من المصدر المفهوم من قوله : (لَمْ تُسْكَنْ) : أي إلّا سكنى قليلا ، أي لم يسكنها إلّا المسافر ومار الطريق. (وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ) : أي لتلك المساكن وغيرها ، كقوله : (إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ) (١) ، خلت من ساكنيها فخربت.

تتخلف الآثار عن أصحابها

حينا ويدركها الفناء فتتبع

والظاهر أن القرى عامة في القرى التي هلكت ، فالمعنى أنه تعالى لا يهلكها في كل وقت. حتى يبعث في أم تلك القرى ، أي كبيرتها ، التي ترجع تلك القرى إليها ، ومنها يمتارون ، وفيها عظيمهم الحاكم على تلك القرى. (حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولاً) ، لإلزام الحجة وقطع المعذرة. ويحتمل أن يراد بالقرى : القرى التي في عصر الرسول ، فيكون أم

__________________

(١) سورة مريم : ١٩ / ٤٠.

٣١٦

القرى : مكة ، ويكون الرسول : محمدا صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، خاتم الأنبياء ، وظلم أهلها : هو بالكفر والمعاصي. (وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ) : أي حسن يسركم وتفخرون به ، (فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها) : تمتعون أياما قلائل ، (وَما عِنْدَ اللهِ) : من النعيم الدائم الباقي المعد للمؤمنين ، (خَيْرٌ). من متاعكم ، (أَفَلا تَعْقِلُونَ) : توبيخ لهم. وقرأ أبو عمرو : يعقلون ، بالياء ، إعراض عن خطابهم وخطاب لغيرهم ، كأنه قال : انظروا إلى هؤلاء وسخافة عقولهم. وقرأ الجمهور : بالتاء من فوق ، على خطابهم وتوبيخهم ، في كونهم أهملوا العقل في العاقبة. ونسب هذه القراءة أبو علي في الحجة إلى أبو عمرو وحده ، وفي التحرير والتحبير بين الياء والتاء ، عن أبي عمرو. وقرىء : متاعا الحياة الدنيا ، أي يمتعون متاعا في الحياة الدنيا ، فانتصب الحياة الدنيا على الظرف.

(أَفَمَنْ وَعَدْناهُ) : يذكر تفاوت ما بين الرجلين من وعد ، (وَعْداً حَسَناً) ، وهو الثواب ، فلاقاه ، ومن متع في الحياة الدنيا ، ثم أحضر إلى النار. وظاهر الآية العموم في المؤمن والكافر. قيل : ونزلت في الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأبي جهل. وقيل : في حمزة وأبي جهل. وقيل : في عليّ وأبي جهل. وقيل : في عمار والوليد بن المغيرة. وقيل : نزلت في المؤمن والكافر ، وغلب لفظ المحضر في المحضر إلى النار كقوله : (لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ) (١) ، (فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ) (٢). والفاء في : (أَفَمَنْ) ، للعطف ، لما ذكر تفاوت ما بين ما أوتوا من المتاع والزينة ، وما عند الله من الثواب ، قال : أفبعد هذا التفاوت الظاهر يسوى بين أبناء الآخرة وأبناء الدنيا؟ والفاء في : (فَهُوَ لاقِيهِ) ، للتسبيب ، لأن لقاء الموعود مسبب عن الوعد الذي هو الضمان في الخبر ، وثم للتراخي حال الإحضار عن حال التمتع بتراخي وقته عن وقته. وقرأ طلحة : أمن وعدناه ، بغير فاء.

(وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ، قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ ، وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ ، وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ما ذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ ، فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ ، فَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ ، وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ، وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ ، وَهُوَ اللهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ، قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ

__________________

(١) سورة الصافات : ٣٧ / ٥٧.

(٢) سورة الصافات : ٣٧ / ١٢٧.

٣١٧

جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ ، قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ ، وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).

لما ذكر أن الممتعين في الدنيا يحضرون إلى النار ، ذكر شيئا من أحوال يوم القيامة ، أي واذكر حالهم يوم يناديهم الله ، ونداؤه إياهم يحتمل أن يكون بواسطة وبغير واسطة ؛ (فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ)؟ أي على زعمكم ، وهذا الاستفهام على جهة التوبيخ والتقريع ؛ والشركاء هم من عبدوه من دون الله ، من ملك ، أو جنّ ، أو إنس ، أو كوكب ، أو صنم ، أو غير ذلك. ومفعولا (تَزْعُمُونَ) محذوفان ، أحدهما العائد على الموصول ، والتقدير : تزعمونهم شركاء. ولما كان هذا السؤال مسكتا لهم ، إذ تلك الشركاء التي عمدوها مفقودون ، هم أوجدوا هم في الآخرة حادوا عن الجواب إلى كلام لا يجدي.

(قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ) : أي الشياطين ، وأئمة الكفر ورؤوسه ؛ وحق : أي وجب عليهم القول ، أي مقتضاه ، وهو قوله : (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) (١). و (هؤُلاءِ) : مبتدأ ، و (الَّذِينَ أَغْوَيْنا) : هم صفة ، و (أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا) : الخبر ، و (كَما غَوَيْنا) : صفة لمطاوع أغويناهم ، أي فغووا كما غوينا ، أي تسببنا لهم في الغي فقبلوا منا. وهذا الإعراب قاله الزمخشري. وقال أبو عليّ : ولا يجوز هذا الوجه ، لأنه ليس في الخبر زيادة على ما في صفة المبتدأ. قال : فإن قلت : قد وصلت بقوله : (كَما غَوَيْنا) ، وفيه زيادة. قيل : الزيادة بالظرف لا تصيره أصلا في الجملة ، لأن الظروف صلات ، وقال هو : (الَّذِينَ أَغْوَيْنا) هو الخبر ، و (أَغْوَيْناهُمْ) : مستأنف. وقال غير أبي علي : لا يمتنع الوجه الأول ، لأن الفضلات في بعض المواضع تلزم ، كقولك : زيد عمرو قائم في داره. انتهى. والمعنى : هؤلاء أتباعنا آثروا الكفر على الإيمان ، كما آثرناه نحن ، ونحن كنا السبب في كفرهم ، فقبلوا منا. وقرأ أبان ، عن عاصم وبعض الشاميين : كما غوينا ، بكسر الواو. قال ابن خالويه : وليس ذلك مختارا ، لأن كلام العرب : غويت من الضلالة ، وغويت من البشم. ثم قالوا : (تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ) ، منهم ما كانوا يعبدوننا ، إنما عبدوا غيرنا ، و (إِيَّانا) : مفعول (يَعْبُدُونَ) ، لما تقدّم الفصل ، وانفصاله لكون

__________________

(١) سورة هود : ١١ / ١١٩ ، وسورة السجدة : ٣٢ / ١٣.

٣١٨

يعبدون فاصلة ، ولو اتصل ، ثم لم يكن فاصلة. وقال الزمخشري : إنما كانوا يعبدون أهواءهم ويطيعون شهواتهم ؛ وإخلاء الجملتين من العاطف ، لكونهما مقرونين لمعنى الجملة الأولى. انتهى.

(وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ) : لما سئلوا أين شركاؤكم وأجابوا بغير جواب ، سئلوا ثانيا فقيل : ادعوا شركاءكم ، وأضاف الشركاء إليهم ، أي الذين جعلتموهم شركاء لله. وقوله : (ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ) ، على سبيل التهكم بهم ، لأنه يعلم أنه لا فائدة في دعائهم ، (فَدَعَوْهُمْ) ، هذا لسخافة عقولهم في ذلك الموطن أيضا ، إذ لم يعلموا أن من كان موجودا منهم في ذلك الموطن لا يجيبهم ، والضمير في (وَرَأَوُا). قال الضحاك ومقاتل : هو للتابع والمتبوع ، وجواب لو محذوف ، والظاهر أن يقدر مما يدل عليه مما يليه ، أي لو كانوا مؤمنين في الدنيا ، ما رأوا العذاب في الآخرة. وقيل : التقدير : لو كانوا مهتدين بوجه من وجوه الحيل ، لدفعوا به العذاب. وقيل : لعلموا أن العذاب حق. وقيل : لتحيروا عند رؤيته من فظاعته ، وإن لم يعذبوا به ، وقيل : ما كانوا في الدنيا عابدين الأصنام. وقال أبو عبد الله الرازي : وعندي أن الجواب غير محذوف ، وفي تقريره وجوه : أحدها : أن الله إذا خاطبهم بقوله : (ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ) ، اشتدّ خوفهم ولحقهم شيء بحيث لا يبصرون شيئا ، لا جرم ما رأوا العذاب. وثانيها : لما ذكر الشركاء ، وهي الأصنام ، وأنهم لا يجيبون الذين دعوهم ، قال في حقهم : (وَرَأَوُا الْعَذابَ) ، لو كانوا من الأحياء المهتدين ، ولكنها ليست كذلك ، ولا جرم ما رأت العذاب. والضمير في رأوا ، وإن كان للعقلاء ، فقد قال : ودعوهم وهم للعقلاء. انتهى ، وفيه بعض تلخيص. وقد أثنى على هذا الذي اختاره ، وليس بشيء ، لأنه بناه على أن الضمير في رأوا عائد على المدعوين ، قال : وهم الأصنام. والظاهر أنه عائد على الداعين ، كقوله : (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ) (١) ، ولأن حمل مهتدين على الأحياء في غاية البعد ، لأن ما قدره هو جواب ، ولا يشعر به أنه جواب ، إذ صار التقدير عنده : لو كانوا من الأحياء رأوا العذاب ، لكنها ليست من الأحياء ، فلا ترى العذاب. ألا ترى إلى قوله : فلا جرم ما رأت العذاب؟

(وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ) : هذا النداء أيضا قد يكون بواسطة من الملائكة ، أو بغير واسطة. حكى أولا ما يوبخهم من اتخاذهم له شركاء ، ثم ما يقوله رؤوس الكفر عند توبيخهم ، ثم استعانتهم بشركائهم وخذلانهم لهم وعجزهم عن نصرتهم ، ثم ما يبكتون به من الاحتجاج

__________________

(١) سورة البقرة : ٢ / ١٦٦.

٣١٩

عليهم بإرسال الرسل وإزالة العلل. وقرأ الجمهور : (فَعَمِيَتْ) بفتح العين وتخفيف الميم. وقرأ الأعمش ، وجناح بن حبيش ، وأبو زرعة بن عمرو بن جرير : بضم العين وتشديد الميم ، والمعنى : أظلمت عليهم الأمور ، فلم يستطيعوا أن يخبروا بما فيه نجاة لهم ، وأتى بلفظ الماضي لتحقق وقوعه. (فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ) ، وقرأ طلحة : يساءلون ، بإدغام التاء في السين : أي لا يسأل بعضهم بعضا فيما يتحاجون به ، إذا أيقنوا أنه لا حجة لهم ، فهم في عمى وعجز عن الجواب. والمراد بالنبإ : الخبر عما أجاب به المرسل إليه رسوله. ولما ذكر تعالى أحوال الكفار يوم القيامة ، وما يكون منهم فيه ، أخبر بأن من تاب من الشرك وآمن وعمل صالحا ، فإنه مرجو له الفلاح والفوز في الآخرة ، وهذا ترغيب للكافر في الإسلام ، وضمان له للفلاح. ويقال : إن عسى من الله واجبة.

(وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ) : نزلت بسبب ما تكلمت به قريش من استغراب أمر النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقول بعضهم : (لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) (١) ، وقائل ذلك الوليد بن المغيرة. قال القرطبي : هذا متصل بذكر الشركاء الذين دعوهم واختاروهم للشفاعة ، أي الاختيار إلى الله تعالى في الشفعاء ، لا إلى المشركين. وقيل : هو جواب لليهود ، إذ قالوا : لو كان الرسول إلى محمد غير جبريل ، لأمنا به ، ونص الزجاج ، وعليّ بن سليمان ، والنحاس : على أن الوقف على قوله : (وَيَخْتارُ) تام ، والظاهر أن ما نافية ، أي ليس لهم الخيرة ، إنما هي لله تعالى ، كقوله : (ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ) من أمرهم. وذهب الطبري إلى أن ما موصولة منصوبة بيختار ، أي ويختار من الرسل والشرائع ما كان خيرة للناس ، كما لا يختارون هم ما ليس إليهم ، ويفعلون ما لم يؤمروا به. وأنكر أن تكون ما نافية ، لئلا يكون المعنى : إنه لم تكن لهم الخيرة فيما مضى ، وهي لهم فيما يستقبل ، ولأنه لم يتقدّم كلام ينفي. وروي عن ابن عباس معنى ما ذهب إليه الطبري ، وقد رد هذا القول تقدّم العائد على الموصول ، وأجيب بأن التقدير : ما كان لهم فيه الخيرة ، وحذف لدلالة المعنى. قال الزمخشري : كما حذف من قوله : (إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (٢) ، يعني : أن التقدير أن ذلك فيه لمن عزم الأمور. وأنشد القاسم ابن معن بيت عنترة :

أمن سمية دمع العين تذريف

لو كان ذا منك قبل اليوم معروف

وقرن الآية بهذا البيت. والرواية في البيت : لو أن ذا ، ولكن على ما رواه القاسم يتجه في

__________________

(١) سورة الزخرف : ٤٣ / ٣١.

(٢) سورة الشورى : ٤٢ / ٤٣.

٣٢٠