🚘

البحر المحيط في التّفسير - ج ٨

محمّد بن يوسف [ أبي حيّان الأندلسي الغرناطي ]

البحر المحيط في التّفسير - ج ٨

المؤلف:

محمّد بن يوسف [ أبي حيّان الأندلسي الغرناطي ]


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع
🚘 نسخة غير مصححة

وإذا لم يجز ذلك في جواب الشرط إلا في الشعر ، فأحرى أن لا يجوز في جواب الأمر إلا في الشعر. وكونه جواب الأمر متنازع فيه على ما قرر في النحو ، ومثال مجيء نون التوكيد في جواب الشرط ، قول الشاعر :

نبتم نبات الخيزرانة في الثرى

حديثا متى يأتك الخير ينفعا

وقول الآخر :

مهما تشا منه فزارة يعطه

ومهما تشا منه فزارة يمنعا

قال سيبويه : وذلك قليل في الشعر ، شبهوه بالنفي حيث كان مجزوما غير واجب. انتهى. وقد تنبه أبو البقاء لشيء من هذا قال : وقيل هو جواب الأمر ، وهو ضعيف ، لأن جواب الشرط لا يؤكد بالنون في الاختيار. وأما تخريجه على البدل فلا يجوز ، لأن مدلول (لا يَحْطِمَنَّكُمْ) مخالف لمدلول (ادْخُلُوا). وأما قوله : لأنه في معنى لا تكونوا حيث أنتم فيحطمنكم ، فهذا تفسير معنى لا تفسير إعراب ، والبدل من صفة الألفاظ. نعم لو كان اللفظ القرآني لا تكونوا حيث أنتم لا يحطمنكم لتخيل فيه البدل ، لأن الأمر بدخول المساكن. نهي عن كونهم في ظاهر الأرض. وأما قوله : أنه أراد لا يحطمنكم جنود سليمان إلى آخره ، فيسوغ زيادة الأسماء ، وهو لا يجوز ، بل الظاهر إسناد الحطم إليه وإلى جنوده ، وهو على حذف مضاف ، أي خيل سليمان وجنوده ، أو نحو ذلك مما يصح تقديره. (وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) : جملة حالية ، أي إن وقع حطم ، فليس ذلك بتعمد منهم ، إنما يقع وهم لا يعلمون بحطمنا ، كقوله : (فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ) (١) ، وهذا التفات حسن ، أي من عدل سليمان وأتباعه ورحمته ورفقه أن لا يحطم نملة فما فوقها إلا بأن لا يكون لهم شعور بذلك.

وما أحسن ما أتت به هذه النملة في قولها وأغربه وأفصحه وأجمعه للمعاني ، أدركت فخامة ملك سليمان ، فنادت وأمرت وأنذرت. وذكروا أنه جرى بينها وبين سليمان محاورات ، وأهدت له نبقة ، وأنشدوا أبياتا في حقارة ما يهدى إلى العظيم ، والاستعذار من ذلك ، ودعاء سليمان للنمل بالبركة ، والله أعلم بصحة ذلك أو افتعاله. والنمل حيوان قوي الحس شمام جدا ، يدخر القوت ، ويشق الحبة قطعتين لئلا تنبت ، والكزبرة بأربع ، لأنها إذا قطعت قطعتين أنبتت ، وتأكل في عامها بعض ما تجمع ، وتدخر الباقي عدة. وفي

__________________

(١) سورة الفتح : ٤٨ / ٢٥.

٢٢١

الحديث : «النهي عن قتل أربع من الدواب : الهدهد والصرد والنملة والنحلة» ، خرجه أبو داود عن ابن عباس. وروي من حديث أبي هريرة : وتبسم سليمان عليه‌السلام ، إما للعجب بما دل عليه قولها : (وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) ، وهو إدراكها رحمته وشفقته ورحمة عسكره ، وإما للسرور بما آتاه الله مما لم يؤت أحدا ، وهو إدراكه قول ما همس به ، الذي هو مثل في الصغر ، ولذلك دعا أن يوزعه الله شكر ما أنعم به عليه. وانتصب ضاحكا على الحال ، أي شارعا في الضحك ومتجاوزا حد التبسم إلى الضحك ، ولما كان التبسم يكون للاستهزاء وللغضب ، كما يقولون ، تبسم تبسم الغضبان ، وتبسم تبسم المستهزئ ، وكان الضحك إنما يكون للسرور والفرح ، أتى بقوله : (ضاحِكاً). وقرأ ابن السميفع : ضحكا ، جعله مصدرا ، لأن تبسم في معنى ضحك ، فانتصابه على المصدرية ، أو على أنه مصدر في موضع الحال ، كقراءة ضاحكا.

(وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي) : أي اجعلني أزع شكر نعمتك وآلفه وأرتبطه ، حتى لا ينفلت عني ، حتى لا أنفك شاكرا لك. وقال ابن عباس : أوزعني : اجعلني أشكر. وقال ابن زيد : حرضني. وقال أبو عبيدة : أولعني. وقال الزجاج : امنعني عن الكفران. وقيل : ألهمني الشكر ، وأدرج ذكر نعمة الله على والديه في أن يشكرهما ، كما يشكر نعمة الله على نفسه ، لما يجب للوالد على الولد من الدعاء لهما والبر بهما ، ولا سيما إذا كان الولد تقيا لله صالحا ، فإن والديه ينتفعان بدعائه وبدعاء المؤمنين لهما بسببه ، كقولهم : رحم الله من خلفك ، رضي الله عنك وعن والديك. ولما سأل ربه شيئا خاصا ، وهو شكر النعمة ، سأل شيئا عاما ، وهو أن يعمل عملا يرضاه الله تعالى ، فاندرج فيه شكر النعمة ، فكأنه سأل إيزاع الشكر مرتين ، ثم دعا أن يلحق بالصالحين. قال ابن زيد : هم الأنبياء والمؤمنون ، وكذا عادة الأنبياء أن يطلبوا جعلهم من الصالحين ، كما قال يوسف عليه‌السلام : (تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) (١). وقال تعالى ، عن إبراهيم عليه‌السلام : (وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) (٢). قيل : لأن كمال الصلاح أن لا يعصي الله تعالى ولا يهم بمعصية ، وهذه درجة عالية.

(وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ ، لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ، فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ، إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ ،

__________________

(١) سورة يوسف : ١٢ / ١٠١.

(٢) سورة البقرة : ٢ / ١٣٠.

٢٢٢

وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ ، أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ ، اللهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ، قالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ ، اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ما ذا يَرْجِعُونَ).

الظاهر أنه تفقد جميع الطير ، وذلك بحسب ما تقتضيه العناية بأمور الملك والاهتمام بالرعايا. قيل : وكان يأتيه من كل صنف واحد ، فلم ير الهدهد. وقيل : كانت الطير تظله من الشمس ، وكان الهدهد يستر مكانه الأيمن ، فمسته الشمس ، فنظر إلى مكان الهدهد ، فلم يره. وعن عبد الله بن سلام : أن سليمان عليه‌السلام نزل بمفازة لا ماء فيها ، وكان الهدهد يرى ظاهر الأرض وباطنها ، وكان يخبر سليمان بذلك ، فكانت الجن تخرجه في ساعة تسلخ الأرض كما تسلخ الشاة ، فسأل عنه حين حلوا تلك المفازة ، لاحتياجهم إلى الماء. وفي قوله (وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ) دلالة على تفقد الإمام أحوال رعيته والمحافظة عليهم. وقال عمر رضي‌الله‌عنه : لو أن سخلة على شاطىء الفرات أخذها الذئب لسئل عنها عمر ، وفي الكلام محذوف ، أي فقد الهدهد حين تفقد الطير.

قال ابن عطية وقوله : (ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ) ، مقصد الكلام الهدهد ، غاب ولكنه أخذ اللازم عن مغيبه ، وهو أن لا يراه ، فاستفهم على جهة التوقيف عن اللازم ، وهذا ضرب من الإيجاز والاستفهام الذي في قوله : (ما لِيَ) ، ناب مناب الألف التي تحتلجها أم. انتهى. فظاهر هذا الكلام أن أم متصلة ، وأن الاستفهام الذي في قوله : ما لي ، ناب مناب ألف الاستفهام ، فمعناه عنده : أغاب عني الآن فلم أره حالة التفقد؟ أم كان ممن غاب قبل ولم أشعر بغيبته؟ وقال الزمخشري : أم هي المنقطعة ، نظر إلى مكان الهدهد فلم يبصره فقال : (ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ)؟ على معنى : أنه لا يراه ، وهو حاضر ، لساتر ستره أو غير ذلك ، ثم لاح له أنه غائب ، فأضرب عن ذلك وأخذ يقول : أهو غائب؟ كأنه سأل صحة ما لاح له ، ونحوه قولهم : إنها لإبل أم شاء؟ انتهى. والصحيح أن أم في هذا هي المنقطعة ، لأن شرط المتصلة تقدم همزة الاستفهام ، فلو تقدمها أداة الاستفهام غير الهمزة ، كانت أم منقطعة ، وهنا تقدم ما ، ففات شرط المتصلة. وقيل : يحتمل أن تكون من المقلوب وتقديره : ما للهدهد لا أراه؟ ولا ضرورة إلى ادعاء القلب. وفي الكشاف ، أن سليمان لما تم له بناء بيت المقدس ، تجهز للحج ، فوافى الحرم وأقام به ما شاء ، ثم عزم على المسير إلى اليمن ، فخرج من مكة صباحا يؤم سهيلا ، فوافى صنعاء وقت الزوال ، وذلك مسيرة شهر ، فرأى أرضا حسناء أعجبته خضرتها ، فنزل ليتغدى

٢٢٣

ويصلي ، فلم يجد الماء ، وكان الهدهد يأتيه ، وكان يرى الماء من تحت الأرض. وذكر أنه كان الجن يسلخون الأرض حتى يظهر الماء.

(لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً) : أبهم العذاب الشديد ، وفي تعيينه أقوال متعارضة ، والأجود أن يجعل أمثلة. فعن ابن عباس ، ومجاهد ، وابن جريج : نتف ريشه. وقال ابن جريج : ريشه كله. وقال يزيد بن رومان : جناحه. وقال ابن وهب : نصفه ويبقى نصفه. وقيل : يزاد مع نتفه تركه للشمس. وقيل : يحبس في القفص. وقيل : يطلى بالقطران ويشمس. وقيل : ينتف ويلقى للنمل. وقيل : يجمع مع غير جنسه. وقيل : يبعد من خدمة سليمان عليه‌السلام. وقيل : يفرق بينه وبين إلفه. وقيل : يلزم خدمة امرأته ، وكان هذا القول من سليمان غضبا لله ، حيث حضرت الصلاة وطلب الماء للوضوء فلم يجده ، وأباح الله له ذلك للمصلحة ، كما أباح ذبح البهائم والطيور للأكل ، وكما سخر له الطير ، فله أن يؤذّيه إذا لم يأت ما سخر له.

وقرأ الجمهور : أو ليأتيني ، بنون مشددة بعدها ياء المتكلم ، وابن كثير : بنون مشددة بعدها نون الوقاية بعد الياء ؛ وعيسى بن عمر : بنون مشددة مفتوحة بغير ياء. والسلطان المبين : الحجة والعذر ، وفيه دليل على الإغلاط على العاصين وعقابهم. وبدأ أولا بأخف العقابين ، وهو التعذيب ؛ ثم أتبعه بالأشد ، وهو إذهاب المهجة بالذبح ، وأقسم على هذين لأنهما من فعله ، وأقسم على الإتيان بالسلطان وليس من فعله. لما نظم الثلاثة في الحكم بأو ، كأنه قال : ليكونن أحد الثلاثة ، والمعنى : إن أتى بالسلطان ، لم يكن تعذيب ولا ذبح ، وإلا كان أحدهما. ولا يدل قسمه على الإتيان على ادعاء دراية ، على أنه يجوز أن يتعقب حلفه بالفعلين وحي من الله بأنه يأتيه بسلطان ، فيكون قوله : (أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ) عن دراية وإيقان.

وقرأ الجمهور : فمكث ، بضم الكاف ؛ وعاصم ، وأبو عمرو في رواية الجعفي ، وسهل ، وروح : بضمها. وفي قراءة أبيّ : فيمكث ، ثم قال : وفي قراءة عبد الله : فيمكث ، فقال : وكلاهما في الحقيقة تفسير لا قراءة ، لمخالفة ذلك سواد المصحف ، وما روي عنهما بالنقل الثابت. والظاهر أن الضمير في فمكث عائد على الهدهد ، أي غير زمن بعيد ، أي عن قرب. ووصف مكثه بقصر المدة ، للدلالة على إسراعه ، خوفا من سليمان ، وليعلم كيف كان الطير مسخرا له ، ولبيان ما أعطى من المعجزة الدالة على نبوته وعلى قدرة الله. وقيل : وقف مكانا غير بعيد من سليمان ، وكأنه فيما روي ، حين نزل سليمان حلق الهدهد ،

٢٢٤

فرأى هدهدا ، فانحط عليه ووصف له ملك سليمان وما سخر له من كل شيء ، وذكر له صاحبه ملك بلقيس وعظم منه ، وذهب معه لينظر ، فما رجع إلا بعد العصر. وقيل : الضمير في فمكث لسليمان. وقيل : يحتمل أن يكون لسليمان وللهدهد ، وفي الكلام حذف ، فإن كان غير بعيد زمانا ، فالتقدير : فجاء سليمان ، فسأله : ما غيبك؟ فقال : أحطت ؛ وإن كان مكانا ، فالتقدير : فجاء فوقف مكانا قريبا من سليمان ، فسأله : ما غيبك؟ وكان فيما روي قد علم بما أقسم عليه سليمان ، فبادر إلى جوابه بما يسكن غيظه عليه ، وهو أن غيبته كانت لأمر عظيم عرض له ، فقال : (أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ) ، وفي هذا جسارة من لديه علم ، لم يكن عند غيره ، وتبجحه بذلك ، وإبهام حتى تتشوف النفس إلى معرفة ذلك المبهم ما هو. ومعنى الإحاطة هنا : أنه علم علما ليس عند نبي الله سليمان.

قال الزمخشري : ألهم الله الهدهد ، فكافح سليمان بهذا الكلام ، على ما أوتي من فضل النبوة والحكمة والعلوم الجملة والإحاطة بالمعلومات الكثيرة ، ابتلاء له في علمه ، وتنبيها على أن في أدنى خلقه وأضعفه من أحاط علما بما لم يحط به سليمان ، لتتحاقر إليه نفسه ويصغر إليه علمه ، ويكون لطفا له في ترك الإعجاب الذي هو فتنة العلماء ، وأعظم بها فتنة ، والإحاطة بالشيء علما أن يعلم من جميع جهاته ، لا يخفى منه معلوم ، قالوا : وفيه دليل على بطلان قول الرافضة إن الإمام لا يخفى عليه شيء ، ولا يكون في زمانه أعلم منه. انتهى.

ولما أبهم في قوله : (بِما لَمْ تُحِطْ) ، انتقل إلى ما هو أقل منه إبهاما ، وهو قوله : (وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ) ، إذ فيه إخبار بالمكان الذي جاء منه ، وأنه له علم بخبر مستيقن له. وقرأ الجمهور : من سبأ ، مصروفا ، هذا وفي : (لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ) (١) ، وابن كثير ، وأبو عمرو : بفتح الهمزة ، غير مصروف فيهما ، وقنبل من طريق النبال : بإسكانها فيهما. فمن صرفه جعله اسما للحي أو الموضع أو للأب ، كما في حديث فروة بن مسيك وغيره ، عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أنه اسم رجل ولد عشرة من الولد ، تيامن منهم ستة ، وتشاءم أربعة. والستة : حمير ، وكندة ، والأزد ، وأشعر ، وخثعم ، وبجيلة ؛ والأربعة : لخم ، وجذام ، وعاملة ، وغسان. وكان سبأ رجلا من قحطان اسمه عبد شمس. وقيل : عامر ، وسمي سبأ لأنه أول من سبا ، ومن منعه الصرف جعله اسما للقبيلة أو البقعة ، وأنشدوا على الصرف :

__________________

(١) سورة سبأ : ٣٤ / ١٥.

٢٢٥

الواردون وتيم في ذرى سبأ

قد عض أعناقهم جلد الجواميس

ومن سكن الهمزة ، فلتوالي الحركات فيمن منع الصرف ، وإجراء للوصل مجرى الوقف. وقال مكي : الإسكان في الوصل بعيد غير مختار ولا قوي. انتهى. وقرأ الأعمش : من سبأ ، بكسر الهمزة من غير تنوين ، حكاها عنه ابن خالويه وابن عطية ، ويبعد توجيهها. وقرأ ابن كثير في رواية : من سبأ ، بتنوين الباء على وزن رحى ، جعله مقصورا مصروفا. وذكر أبو معاذ أنه قرأ من سبأ : بسكون الباء وهمزة مفتوحة غير منونة ، بناه على فعلى ، فامتنع الصرف للتأنيث اللازم. وروى ابن حبيب ، عن اليزيدي : من سبأ ، بألف ساكنة ، كقولهم : تفرقوا أيدي سبا. وقرأت فرقة : بنبإ ، بألف عوض الهمزة ، وكأنها قراءة من قرأ : لسبا ، بالألف ، لتتوازن الكلمتان ، كما توازنت في قراءة من قرأهما بالهمزة المكسور والتنوين. وقال في التحرير : إن هذا النوع في علم البديع يسمى بالترديد ، وفي كتاب التفريع بفنون البديع. إن الترديد رد أعجاز البيوت على صدورها ، أو رد كلمة من النصف الأول إلى النصف الثاني ، ويسمى أيضا التصدير ، فمثال الأول قوله :

سريع إلى ابن العم يجبر كسره

وليس إلى داعي الخنا بسريع

ومثال الثاني قوله :

والليالي إذا نأيتم طوال

والليالي إذا دنوتم قصار

وذكر أن مثل : (مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ) ، يسمى تجنيس التصريف ، قال : وهو أن تنفرد كل كلمة من الكلمتين عن الأخرى بحرف ، ومنه قوله تعالى : (ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ) ، وما ورد في الحديث : «الخيل معقود في نواصيها الخير». وقال الشاعر :

لله ما صنعت بنا

تلك المعاجر والمحاجر

وقال الزمخشري : وقوله : (مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ) ، من جنس الكلام الذي سماه المحدثون البديع ، وهو من محاسن الكلام الذي يتعلق باللفظ ، بشرط أن يجيء مطبوعا ، أو بصيغة عالم بجوهر الكلام ، يحفظ معه صحة المعنى وسداده. ولقد جاء هاهنا زائدا على الصحة ، فحسن وبدع لفظا ومعنى. ألا ترى لو وضع مكان بنبإ بخبر لكان المعنى صحيحا؟ وهو كما جاء أصح ، لما في النبأ من الزيادة التي يطابقها وصف الحال. انتهى. والزيادة التي أشار

٢٢٦

إليها هي أن النبأ لا يكون إلا الخبر الذي له شأن ، ولفظ الخبر مطلق ، ينطلق على ما له شأن وما ليس له شأن.

ولما أبهم الهدهد أولا ، ثم أبهم ثانيا دون ذلك الإبهام ، صرح بما كان أبهمه فقال : (إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ). ولا يدل قوله : (تَمْلِكُهُمْ) على جواز أن تكون المرأة ملكة ، لأن ذلك كان من فعل قوم بلقيس ، وهم كفار ، فلا حجة في ذلك. وفي صحيح البخاري ، من حديث ابن عباس ، أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، لما بلغه أن أهل فارس قد ملكوا بنت كسرى قال : «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة». ونقل عن محمد بن جرير أنه يجوز أن تكون المرأة قاضية ، ولم يصح عنه. ونقل عن أبي حنيفة أنها تقضي فيما تشهد فيه ، لا على الإطلاق ، ولا أن يكتب لها مسطور بأن فلانة مقدمة على الحكم ، وإنما ذلك على سبيل التحكم والاستنابة في القضية الواحدة. ومعنى وجدت هنا : أصبت ، والضمير في تملكهم عائد على سبأ ، إن كان أريد القبيلة ، وإن أريد الموضع ، فهو على حذف ، أي وجئتك من أهل سبأ.

والمرأة بلقيس بنت شراحيل ، وكان أبوها ملك اليمن كلها ، وقد ولد له أربعون ملكا ، ولم يكن له ولد غيرها ، فغلبت على الملك ، وكانت هي وقومها مجوسا يعبدون الشمس. واختلف في اسم أبيها اختلافا كثيرا. قيل : وكانت أمها جنية تسمى ريحانة بنت السكن ، تزوجها أبوها ، إذ كان من عظمه لم ير أن يتزوج أحدا من ملوك زمانه ، فولدت له بلقيس ، وقد طولوا في قصصها بما لم يثبت في القرآن ، ولا الحديث الصحيح.

وبدأ الهدهد بالإخبار عن ملكها ، وأنها (أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) ، وهذا على سبيل المبالغة ، والمعنى : من كل شيء احتاجت إليه ، أو من كل شيء في أرضها. وبين قول الهدهد ذلك ، وبين قول سليمان : (وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) فرق ، وذلك أن سليمان عطف على قوله : (عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ) ، وهو معجزة ، فيرجع أولا إلى ما أوتي من النبوة والحكمة وأسباب الدين ، ثم إلى الملك وأسباب الدنيا ، وعطف الهدهد على الملك ، فلم يرد إلا ما أوتيت من أسباب الدنيا اللائقة بحالها. (وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ) ، قال ابن زيد : هو مجلسها. وقال سفيان : هو كرسيها ، وكان مرصعا بالجواهر ، وعليه سبعة أبواب. وذكروا من وصف عرشها أشياء ، الله هو العالم بحقيقة ذلك ، واستعظام الهدهد عرشها ، إما لاستصغار حالها أن يكون لها مثل هذا العرش ، وإما لأن سليمان لم يكن له مثله ، وإن كان عظيم المملكة في كل شيء ، لأنه قد يوجد لبعض أمراء الأطراف شيء لا يكون للملك الذي هو تحت طاعته.

٢٢٧

ولما كان سليمان قد آتاه الله من كل شيء ، وكان له عرش عظيم ، أخبره بهذا النبأ العظيم ، حيث كان في الدنيا من يشاركه فيما يقرب من ذلك. ولم يلتفت سليمان لذلك ، إذ كان معرضا عن أمور الدنيا. فانتقل الهدهد إلى الإخبار إلى ما يتعلق بأمور الدين ، وما أحسن انتقالات هذه الأخبار بعد تهدد الهدهد وعلمه بذلك ، أخبر أولا باطلاعه على ما لم يطلع عليه سليمان ، تحصنا من العقوبة ، بزينة العلم الذي حصل له ، فتشوف السامع إلى علم ذلك. ثم أخبر ثانيا يتعلق ذلك العلم ، وهو أنه من سبأ ، وأنه أمر متيقن لا شك فيه ، فزاد تشوف السامع إلى سماع ذلك النبأ. ثم أخبر ثالثا عن الملك الذي أوتيته امرأة ، وكان سليمان عليه‌السلام قد سأل الله أن يؤتيه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده. ثم أخبر رابعا ما ظاهره الاشتراك بينه وبين هذه المرأة التي ليس من شأنها ولا شأن النساء أن تملك فحول الرجال ، وهو قوله : (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) ، وقوله : (وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ) ، وكان سليمان له بساط قد صنع له ، وكان عظيما. ولما لم يتأثر سليمان للإخبار بهذا كله ، إذ هو أمر دنياوي ، أخبره خامسا بما يهزه لطلب هذه الملكة ، ودعائها إلى الإيمان ، وإفراده بالعبادة فقال : (وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ) ، وقد تقدم القول : إنهم كانوا مجوسا يعبدون الأنوار ، وهو قول الحسن. وقيل : كانوا زنادقة.

وهذه الإخبارات من الهدهد كانت على سبيل الاعتذار عن غيبته عن سليمان ، وعرف أن مقصد سليمان الدعاء إلى توحيد الله والإيمان به ، فكان ذلك عذرا واضحا أزال عنه العقوبة التي كان سليمان قد توعده بها. وقام ذلك الإخبار مقام الإيقان بالسلطان المبين ، إذ كان في غيبته مصلحة لإعلام سليمان بما كان خافيا عنه ، ومآله إلى إيمان الملكة وقومها. وخفي ملك هذه المرأة ومكانها على سليمان ، وإن كانت المسافة بينهما قريبة ، كما خفي ملك يوسف على يعقوب ، وذلك لأمر أراده الله تعالى. قال الزمخشري : ومن نوكي القصاص من يقف على قوله : (وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ) ، وجدتها يريد أمر عظيم ، إن وجدتها فر من استعظام الهدهد عرشها ، فوقع في عظيمة وهي نسخ كتاب الله. انتهى. وقال أيضا فإن قلت : من أين للهدهد الهدى إلى معرفة الله ووجوب السجود له ، وإنكار السجود للشمس ، وإضافته إلى الشيطان وتزيينه؟ قلت : لا يبعد أن يلهمه الله ذلك ، كما ألهمه وغيره من الطيور وسائر الحيوانات المعارف اللطيفة التي لا تكاد العقلاء يهتدون لها. ومن أراد استقراء ذلك فعليه بكتاب الحيوان خصوصا في زمان نبي سخرت له الطيور وعلم منطقها ، وجعل ذلك معجزة له. انتهى.

٢٢٨

وأسند التزيين إلى الشيطان ، إذ كان هو المتسبب في ذلك بأقدار الله تعالى. (فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ) ، أي الشيطان ، أو تزيينه عن السبيل وهو الإيمان بالله وإفراده بالعبادة. (فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ) ، أي إلى الحق. وقرأ ابن عباس ، وأبو جعفر ، والزهري ، والسلمي ، والحسن ، وحميد ، والكسائي : ألا ، بتخفيف لام الألف ، فعلى هذا له أن يقف على : (فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ) ، ويبتدىء على : (أَلَّا يَسْجُدُوا). قال الزمخشري : وإن شاء وقف على ألا يا ، ثم ابتدأ اسجدوا ، وباقي السبعة : بتشديدها ، وعلى هذا يصل قوله : (فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ) بقوله : (أَلَّا يَسْجُدُوا). وقال الزمخشري : وفي حرف عبد الله ، وهي قراءة الأعمش : هلا وهلا ، بقلب الهمزتين هاء ، وعن عبد الله : هلا يسجدون ، بمعنى : ألا تسجدون ، على الخطاب. وفي قراءة أبي : ألا تسجدون لله الذي يخرج الخبء من السماء والأرض ويعلم سركم وما تعلنون ، انتهى. وقال ابن عطية : وقرأ الأعمش : هلا يسجدون ؛ وفي حرف عبد الله : ألا هل تسجدون ، بالتاء ، وفي قراءة أبي : ألا تسجدون ، بالتاء أيضا ؛ فأما قراءة من أثبت النون في يسجدون ، وقرأ بالتاء أو الياء ، فتخريجها واضح. وأما قراءة باقي السبعة فخرجت على أن قوله : (أَلَّا يَسْجُدُوا) في موضع نصب ، على أن يكون بدلا من قوله : (أَعْمالَهُمْ) ، أي فزين لهم الشيطان أن لا يسجدوا. وما بين المبدل منه والبدل معترض ، أو في موضع جر ، على أن يكون بدلا من السبيل ، أي نصدهم عن أن لا يسجدوا. وعلى هذا التخريج تكون لا زائدة ، أي فصدهم عن أن يسجدوا لله ، ويكون (فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ) معترضا بين المبدل منه والبدل ، ويكون التقدير : لأن لا يسجدوا. وتتعلق اللام إما بزين ، وإما بقصدهم ، واللام الداخلة على أن داخلة على مفعول له ، أي علة تزيين الشيطان لهم ، أو صدهم عن السبيل ، هي انتفاء سجودهم لله ، أو لخوفه أن يسجدوا لله. وقال الزمخشري : ويجوز أن تكون لا مزيدة ، ويكون المعنى فهم لا يهتدون إلى أن يسجدوا. انتهى. وأما قراءة ابن عباس ومن وافقه ، فخرجت على أن تكون ألا حرف استفتاح ، ويا حرف نداء ، والمنادى محذوف ، واسجدوا فعل أمر ، وسقطت ألف يا التي للنداء ، وألف الوصل في اسجدوا ، إذ رسم المصحف يسجدوا بغير ألفين لما سقطا لفظا سقطا خطا. ومجيء مثل هذا التركيب موجود في كلام العرب. قال الشاعر :

ألا يا اسلمي ذات الدمالج والعقد

وقال :

ألا يا اسقياني قبل غارة سنجال

٢٢٩

وقال :

ألا يا اسلمي يا دار ميّ على البلى

وقال :

ألا يا اسقياني قبل حبل أبي بكر

وقال :

فقالت ألا يا اسمع أعظك بخطبة

فقلت سمعنا فانطقي وأصيبي

وقال :

ألا يا اسلمي يا هند هند بني بدر

وإن كان جبانا عدا آخر الدهر

وسمع بعض العرب يقول :

ألا يا ارحمونا ألا تصدّقوا علينا

ووقف الكسائي في هذه القراءة على يا ، ثم يبتدىء اسجدوا ، وهو وقف اختيار لا اختبار ، والذي أذهب إليه أن مثل هذا التركيب الوارد عن العرب ليست يا فيه للنداء ، وحذف المنادى ، لأن المنادى عندي لا يجوز حذفه ، لأنه قد حذف الفعل العامل في النداء ، وانحذف فاعله لحذفه. ولو حذفنا المنادى ، لكان في ذلك حذف جملة النداء ، وحذف متعلقه وهو المنادى ، فكان ذلك إخلالا كبيرا. وإذا أبقينا المنادى ولم نحذفه ، كان ذلك دليلا على العامل فيه جملة النداء. وليس حرف النداء حرف جواب ، كنعم ، ولا ، وبلى ، وأجل ؛ فيجوز حذف الجمل بعدهنّ لدلالة ما سبق من السؤال على الجمل المحذوفة. فيا عندي في تلك التراكيب حرف تنبيه أكد به ألا التي للتنبيه ، وجاز ذلك لاختلاف الحرفين ، ولقصد المبالغة في التوكيد ، وإذا كان قد وجد التأكيد في اجتماع الحرفين المختلفي اللفظ العاملين في قوله :

فأصبحن لا يسألنني عن بما به

والمتفقي اللفظ العاملين في قوله :

ولا للما بهم أبدا دواء

وجاز ذلك ، وإن عدوه ضرورة أو قليلا ، فاجتماع غير العاملين ، وهما مختلفا اللفظ ، يكون جائزا ، وليس يا في قوله :

٢٣٠

يا لعنة الله والأقوام كلهم

حرف نداء عندي ، بل حرف تنبيه جاء بعده المبتدأ ، وليس مما حذف منه المنادى لما ذكرناه. وقال الزمخشري : فإن قلت : أسجدة التلاوة واجبة في القراءتين جميعا ، أو في واحدة منهما؟ قلت : هي واجبة فيهما ، وإحدى القراءتين أمر بالسجود ، والأخرى ذمّ للتارك ؛ وما ذكره الزجاج من وجوب السجدة مع التخفيف دون التشديد فغير مرجوع إليه ، انتهى. والخبء : مصدر أطلق على المخبوء ، وهو المطر والنبات وغيرهما مما خبأه تعالى من غيوبه. وقرأ الجمهور : الخبء ، بسكون الباء والهمزة. وقرأ أبيّ ، وعيسى : بنقل حركة الهمزة إلى الباء وحذف الهمزة. وقرأ عكرمة : بألف بدل الهمزة ، فلزم فتح ما قبلها ، وهي قراءة عبد الله ، ومالك بن دينار. ويخرج على لغة من يقول في الوقف : هذا الخبو ، ومررت بالخبي ، ورأيت الخبا ، وأجرى الوصل مجرى الوقف. وأجاز الكوفيون أن تقول في المرأة والكمأة : المرأة والكمأة ، فيبدل من الهمزة ألفا ، فتفتح ما قبلها ، فعلى قولهم هذا يجوز أن يكون الخبأ منه. قيل : وهي لغة ضعيفة ، وإجراء الوصل مجرى الوقف أيضا نادر قليل ، فيعادل التخريجان. ونقل الحركة إلى الباء ، وحذف الهمزة ، حكاه سيبويه ، عن قوم من بني تميم وبني أسد. وقراءة الخبا بالألف ، طعن فيها أبو حاتم وقال : لا يجوز في العربية ، قال : لأنه إن حذف الهمزة ألقى حركتها على الباء فقال : الخب ، وإن حولها قال : الخبي ، بسكون الباء وياء بعدها. قال المبرد : كان أبو حاتم دون أصحابه في النحو ، ولم يلحق بهم ، إلا أنه إذا خرج من بلدتهم لم يلق أعلم منه. والظاهر أن (فِي السَّماواتِ) متعلق بالخبء ، أي المخبوء في السموات. وقال الفراء في ومن يتعاقبان بقول العرب : لأستخرجن العلم فيكم ، يريد منكم. انتهى. فعلى هذا يتعلق بيخرج ، أي من في السموات.

ولما كان الهدهد قد أوتي من معرفة الماء تحت الأرض ما لم يؤت غيره ، وألهمه الله تعالى ذلك ، كان وصفه ربه تعالى بهذا الوصف الذي هو قوله : (الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ) ، إذ كل مختص بوصف من علم أو صناعة ، يظهر عليه مخايل ذلك الوصف في روائه ومنطقه وشمائله ، ولذلك ما ورد : «ما عمل عبد عملا إلا ألقى الله عليه رداء عمله». وقرأ الحرميان والجمهور : ما يخفون وما يعلنون ، بياء الغيبة ، والضمير عائد على المرأة وقومها. وقرأ الكسائي وحفص : بتاء الخطاب ، فاحتمل أن يكون خطابا لسليمان عليه‌السلام والحاضرين معه ، إذ يبعد أن تكون محاورة الهدهد لسليمان ، وهما ليس معهما أحد. وكما جاز له أن يخاطبه بقوله : (أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ) ، جاز أن يخاطبه والحاضرين معه بقوله :

٢٣١

(ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ) ، بل خطابه بهذا ليس فيه ظهور شغوف بخلاف ذلك الخطاب. والظاهر أن قوله : (أَلَّا يَسْجُدُوا) إلى العظيم من كلام الهدهد. وقيل : من كلام الله تعالى لأمة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وقال ابن عطية : القراءة بياء الغيبة تعطي أن الآية من كلام الهدهد ، وبتاء الخطاب تعطي أنها من خطاب الله عزوجل لأمة محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وقال صاحب الغنيان : لما ذكر الهدهد عرش بلقيس ووصفه بالعظم ، رد الله عزوجل عليه وبين أن عرشه تعالى هو الموصوف بهذه الصفة على الحقيقة ، إذ لا يستحق عرش دونه أن يوصف بالعظمة. وقيل : إنه من تمام كلام الهدهد ، كأنه استدرك ورد العظمة من عرش بلقيس إلى عرش الله. وقال الزمخشري : فإن قلت : كيف سوى الهدهد بين عرش بلقيس وعرش الله في الوصف بالعظم؟ قلت : بين الوصفين فرق ، لأن وصف عرشها بالعظم تعظيم له بالإضافة إلى عروش أبناء جنسها من الملوك ، ووصف عرش الله بالعظم تعظيم له بالنسبة إلى سائر ما خلق من السموات والأرض. انتهى. وقرأ ابن محيصن وجماعة : العظيم بالرفع ، فاحتمل أن تكون صفة للعرش ، وقطع على إضمار هو على سبيل المدح ، فتستوي قراءته وقراءة الجمهور في المعنى. واحتمل أن تكون صفة للرب ، وخص العرش بالذكر ، لأنه أعظم المخلوقات ، وما عداه في ضمنه.

ولما فرغ الهدهد من كلامه ، وأبدى عذره في غيبته ، أخر سليمان أمره إلى أن يتبين له صدقه من كذبه فقال : (سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ) في أخبارك أم كذبت. والنظر هنا : التأمل والتصفح ، وأصدقت : جملة معلق عنها سننظر ، وهي في موضع نصب على إسقاط حرف الجر ، لأن نظر ، بمعنى التأمل والتفكر ، إنما يتعدى بحرف الجر الذي هو في. وعادل بين الجملتين بأم ، ولم يكن التركيب أم كذبت ، لأن قوله : (أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ) أبلغ في نسبة الكذب إليه ، لأن كونه من الكاذبين يدل على أنه معروف بالكذب ، سابق له هذا الوصف قبل الإخبار بما أخبر به. وإذا كان قد سبق له الوصف بالكذب ، كان متهما فيما أخبر به ، بخلاف من يظن ابتداء كذبه فيما أخبر به. وفي الكلام حذف تقديره : فأمر بكتابة كتاب إليهم ، وبذهاب الهدهد رسولا إليهم بالكتاب ، فقال : (اذْهَبْ بِكِتابِي هذا) : أي الحاضر المكتوب الآن. (فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ) : أي تنح عنهم إلى مكان قريب ، بحيث تسمع ما يصدر منهم وما يرجع به بعضهم إلى بعض من القول.

وفي قوله : (اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ) دليل على إرسال الكتب إلى المشركين

٢٣٢

من الإمام ، يبلغهم الدعوة ويدعوهم إلى الإسلام. وقد كتب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى كسرى وقيصر وغيرهما ملوك العرب. وقال وهب : أمره بالتولي حسن أدب ليتنحى حسب ما يتأدّب به الملوك ، بمعنى : وكن قريبا بحيث تسمع مراجعاتهم. وقال ابن زيد : أمره بالتولي بمعنى الرجوع إليه ، أي ألقه وارجع. قال : وقوله : (فَانْظُرْ ما ذا يَرْجِعُونَ) في معنى التقديم على قوله : (ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ). انتهى. وقاله أبو علي ، ولا ضرورة تدعو إلى التقديم والتأخير ، بل الظاهر أن النظر معتقب التولي عنهم. وقرىء في السبعة : فألقه ، بكسر الهاء وياء بعدها ، وباختلاس الكسرة وبسكون الهاء. وقرأ مسلم بن جندب : بضم الهاء وواو بعدها ، وجمع في قوله : (إِلَيْهِمْ) الهدهد قال : (وَجَدْتُها وَقَوْمَها). وفي الكتاب أيضا ضمير الجمع في قوله : (أَنْ لا تَعْلُوا عَلَى) (١) ، والكتاب كان فيه الدعاء إلى الإسلام لبلقيس وقومها. ومعنى : (فَانْظُرْ ما ذا يَرْجِعُونَ) : أي تأمل واستحضره في ذهنك. وقيل معناه : فانتظر. ماذا : إن كان معنى فانظر معنى التأمل بالفكر ، كان انظر معلقا ، وماذا : إما كلمة استفهام في موضع نصب ، وإما أن تكون ما استفهاما وذا موصول بمعنى الذي. فعلى الأول يكون يرجعون خبرا عن ماذا ، وعلى الثاني يكون ذا هو الخبر ويرجعون صلة ذا. وإن كان معنى فانظر : فانتظر ، فليس فعل قلب فيعلق ، بل يكون ماذا كله موصولا بمعنى الذي ، أي فانتظر الذي يرجعون ، والمعنى : فانظر ماذا يرجعون حتى ترد إلى ما يرجعون من القول.

(قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ ، إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ، أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ، قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ ، قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ما ذا تَأْمُرِينَ ، قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ ، وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ، فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ، ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ).

في الكلام حذف تقديره : فأخذ الهدهد الكتاب وذهب به إلى بلقيس وقومها وألقاه إليهم ، كما أمره سليمان. فقيل : أخذه بمنقاره. وقيل : علقه في عنقه ، فجاءها حتى وقف على رأسها ، وحولها جنودها ، فرفرف بجناحيه ، والناس ينظرون إليه ، حتى رفعت رأسها ،

__________________

(١) سورة النمل : ٢٧ / ٣١.

٢٣٣

فألقى الكتاب في حجرها. وقيل : كانت في قصرها قد غلقت الأبواب واستلقت على فراشها نائمة ، فألقى الكتاب على نحرها. وقيل : كانت في البيت كوة تقع الشمس فيها كل يوم ، فإذا نظرت إليها سجدت ، فجاء الهدهد فسدها بجناحه ، فرأت ذلك وقامت إليه ، فألقى الكتاب إليها ، وكانت قارئة عربية من قوم تبع. وقيل : ألقاه من كوة وتوارى فيها.

فأخذت الكتاب ونادت أشراف قومها : (قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ). وكرم الكتاب لطبعه بالخاتم ، وفي الحديث : «كرم الكتاب ختمه» أو لكونه من سليمان ، وكانت عالمة بملكه ، أو لكون الرسول به الطير ، فظنته كتابا سماويا ؛ أو لكونه تضمن لطفا ولينا ، لا سبأ ولا ما يغير النفس ، أو لبداءته باسم الله ، أقوال. ثم أخبرتهم فقالت : (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ) ، كأنها قيل لها : ممن الكتاب وما هو؟ فقالت : (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ) ، وإنه كيت وكيت. أبهمت أولا ثم فسرت ، وفي بنائها ألقي للمفعول دلالة على جهلها بالملقي ، حيث حذفته ، أو تحقيرا له ، حيث كان طائرا ، إن كانت شاهدته. والظاهر أن بداءة الكتاب من سليمان باسم الله الرحمن الرحيم ، إلى آخر ما قص الله منه خاصة ، فاحتمل أن يكون من سليمان مقدما على بسم الله ، وهو الظاهر ، وقدمه لاحتمال أن يندر منها ما لا يليق ، إذ كانت كافرة ، فيكون اسمه وقاية لاسم الله تعالى. أو كان عنوانا في ظاهر الكتاب ، وباطنه فيه بسم الله إلى آخره. واحتمل أن يكون مؤخرا في الكتابة عن بسم الله ، وإن ابتدأ الكتاب باسم الله ، وحين قرأته عليهم بعد قراءتها له في نفسها ، قدمته في الحكاية ، وإن لم يكن مقدما في الكتابة.

وقال أبو بكر بن العربي : كانت رسل المتقدمين إذا كتبوا كتابا بدأوا بأنفسهم ، من فلان إلى فلان ، وكذلك جاءت الإشارة. وعن أنس : ما كان أحد أعظم حرمة من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكان أصحابه إذا كتبوا إليه كتابا بدأوا بأنفسهم. وقال أبو الليث في (كتاب البستان) له : ولو بدأ بالمكتوب إليه جاز ، لأن الأمة قد أجمعت عليه وفعلوه. وقرأ الجمهور : إنه من سليمان ، وإنه بكسر الهمزة فيهما. وقرأ عبد الله : وإنه من سليمان ، بزيادة واو عطفا على (إِنِّي أُلْقِيَ). وقرأ عكرمة ، وابن أبي عبلة : بفتحهما ، وخرج على البدل من كتاب ، أي ألقي إليّ أنه ، أو على أن يكون التقدير لأنه كأنها. عللت كرم الكتاب لكونه من سليمان وتصديره ببسم الله. وقرأ أبي : أن من سليمان وأن بسم الله ، بفتح الهمزة ونون ساكنة ، فخرج على أن أن هي المفسرة ، لأنه قد تقدمت جملة فيها معنى القول ، وعلى أنها أن المخففة من الثقيلة ، وحذفت الهاء وبسم الله الرحمن الرحيم ، استفتاح

٢٣٤

شريف بارع المعنى مبدوء به في الكتب في كل لغة وكل شرع. وأن في قوله : (أَنْ لا تَعْلُوا) ، قيل : في موضع رفع على البدل من كتاب. وقيل : في موضع نصب على معنى بأن لا تعلوا ، وعلى هذين التقديرين تكون أن ناصبة للفعل. وقال الزمخشري : وأن في (أَنْ لا تَعْلُوا عَلَى) مفسرة ، فعلى هذا تكون لا في لا تعلوا للنهي ، وهو حسن لمشاكلة عطف الأمر عليه. وجوز أبو البقاء أن يكون التقدير هو أن لا تعلوا ، فيكون خبر مبتدأ محذوف. ومعنى لا تعلوا : لا تتكبروا ، كما يفعل الملوك. وقرأ ابن عباس ، في رواية وهب بن منبه والأشهب العقيلي : أن لا تغلوا ، بالغين المعجمة ، أي ألا تتجاوزوا الحد ، وهو من الغلو. والظاهر أنه طلب منهم أن يأتوه وقد أسلموا ، وتركوا الكفر وعبادة الشمس. وقيل : معناه مذعنين مستسلمين من الانقياد والدخول في الطاعة ، وما كتبه سليمان في غاية الإيجاز والبلاغة ، وكذلك كتب الأنبياء.

والظاهر أن الكتاب هو ما نص الله عليه فقط. واحتمل أن يكون مكتوبا بالعربي ، إذ الملوك يكون عندهم من يترجم بعدة ألسن ، فكتب بالخط العربي واللفظ العربي ، لأنها كانت عربية من نسل تبع بن شراحيل الحميري. واحتمل أن يكون باللسان الذي كان سليمان يتكلم به ، وكان عندها من يترجم لها ، إذ كانت هي عارفة بذلك اللسان. وروي أن نسخة الكتاب من عبد الله سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ : السلام على من اتبع الهدى ، أما بعد ، فلا تعلوا عليّ وائتوني مسلمين. وكانت كتب الأنبياء جملا لا يطيلون ولا يكثرون ، وطبع الكتاب بالمسك ، وختمه بخاتمه. وروي أنه لم يكتب أحد بسم الله الرحمن الرحيم قبل سليمان ، ولما قرأت على الملأ الكتاب ، ورأت ما فيه من الانتقال إلى سليمان ، استشارتهم في أمرها. قال قتادة : وكان أولو مشورتها ثلاثمائة واثني عشر ، وعنه : وثلاثة عشر ، كل رجل منهم على عشرة آلاف ، وكانت بأرض مأرب من صنعاء على ثلاثة أيام ، وذكر عن عسكرها ما هو أعظم وأكثر من هذا ، والله أعلم بذلك. وتقدم الكلام في الفتوى في سورة يوسف ، والمراد هنا : أشيروا عليّ بما عندكم في ما حدث لها من الرأي السديد والتدبير. وقصدت بإشارتهم : استطلاع آرائهم واستعطافهم وتطييب أنفسهم ليمالئوها ويقوموا.

(ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً) : أي مبرمة وفاصلة أمرا ، (حَتَّى تَشْهَدُونِ) : أي تحضروا عندي ، فلا أستبد بأمر ، بل تكونون حاضرين معي. وفي قراءة عبد الله : ما كنت قاضية أمرا ، أي لا أبت إلا وأنتم حاضرون معي. وما كنت قاطعة أمرا ، عام في كل أمر ، أي إذا

٢٣٥

كانت عادتي هذه معكم ، فكيف لا أستشيركم في هذه الحادثة الكبرى التي هي الخروج من الملك والانسلاك في طاعة غيري والصيرورة تبعا؟ فراجعها الملأ بما أقر عينها من قولهم : إنهم (أُولُوا قُوَّةٍ) ، أي قوة بالعدد والعدد ، (وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ) : أي أصحاب شجاعة ونجدة. أظهروا القوة العرضية ، ثم القوة الذاتية ، أي نحن متهيؤون للحرب ودفع هذا الحادث. ثم قالوا : (وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ما ذا تَأْمُرِينَ) ، وذلك من حسن محاورتهم ، إذ وكلوا الأمر إليها ، وهو دليل على الطاعة المفرطة ، أي نحن ذكرنا ما نحن عليه ، ومع ذلك فالأمر موكول إليك ، كأنهم أشاروا أولا عليها بالحرب ، أو أرادوا : نحن أبناء الحرب لا أبناء الاستشارة ، وأنت ذات الرأي والتدبير الحسن. فانظري ماذا تأمرين به ، نرجع إليك ونتبع رأيك ، وفانظري من التأمل والتفكر ، وماذا هو المفعول الثاني لتأمرين ، والمفعول الأول محذوف لفهم المعنى ، أي تأمريننا. والجملة معلق عنها انظري ، فهي في موضع مفعول لأنظري بعد إسقاط الحرف من اسم الاستفهام.

ولما وصل إليها كتاب سليمان ، لا على يد رجل بل على طائر ، استعظمت ملك سليمان ، وعلمت أن من سخر له الطير حتى يرسله بأمر خاص إلى شخص خاص مغلق عليه الأبواب ، غير ممتنع عليه تدويخ الأرض وملوكها ، فأخبرت بحال الملوك ومالت إلى المهاداة والصلح فقالت : (إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً) : أي تغلبوا عليها ، (أَفْسَدُوها) : أي خربوها بالهدم والحرق والقطع ، وأذلوا أعزة أهلها بالقتل والنهب والأسر ، وقولها فيه تزييف لآرائهم في الحرب ، وخوف عليهم وحياطة لهم ، واستعظام لملك سليمان. والظاهر أن (وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ) هو من قولها ، أي عادة الملوك المستمرة تلك من الإفساد والتذليل ، وكانت ناشئة في بيت الملك ، فرأت ذلك وسمعت. ذكرت ذلك تأكيدا لما ذكرت من حال الملوك. وقيل : هو من كلام الله إعلاما لرسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأمته ، وتصديقا لإخبارها عن الملوك إذا تغلبوا.

ولما كانت عادة الملوك قبول الهدايا ، وأن قبولها يدل على الرضا والإلفة ، قالت : (وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ) ، أي إلى سليمان ومن معه ، رسلا (بِهَدِيَّةٍ) ، وجاء لفظ الهدية مبهما. وقد ذكروا في تعيينها أقوالا مضطربة متعارضة ، وذكروا من حيلها ومن حال سليمان حين وصلت إليه الهدية ، وكلامه مع رسلها ما الله أعلم به. و (فَناظِرَةٌ) معطوف على (مُرْسِلَةٌ). و (بِمَ) متعلق بيرجع. ووقع للحوفي أن الباء متعلقة بناظرة ، وهو وهم فاحش ، والنظر هنا معلق أيضا. والجملة في موضع مفعول به ، وفيه دلالة على أنها لم تثق بقبول

٢٣٦

الهدية ، بل جوزت الرد ، وأرادت بذلك أن ينكشف لها غرض سليمان. والهدية : اسم لما يهدى ، كالعطية هي اسم لما يعطى. وروي أنها قالت لقومها : إن كان ملكا دنياويا ، أرضاه المال وعملنا معه بحسب ذلك ، وإن كان نبيا ، لم يرضه المال وينبغي أن نتبعه على دينه ، وفي الكلام حذف تقديره : فأرسلت الهدية ، فلما جاء ، أي الرسول سليمان ، والمراد بالرسول الجنس لا حقيقة المفرد ، وكذلك الضمير في ارجع والرسول يقع على الجمع والمفرد والمذكر والمؤنث. وقرأ عبد الله : فلما جاءوا ، وقرأ : ارجعوا ، جعله عائدا على قوله : (الْمُرْسَلُونَ). و (أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ) : استفهام إنكار واستقلال ، وفي ذلك دلالة على عزوفه عن الدنيا ، وعدم تعلق قلبه عليه الصلاة والسلام بها.

ثم ذكر نعمة الله عليه ، وإن ما آتاه الله من النبوة وسعة الملك خير مما آتاكم ، بل أنتم بما يهدى إليكم تفرحون بحبكم الدنيا ، والهدية تصح إضافتها إلى المهدي وإلى المهدى إليه ، وهي هنا مضافة للمهدى إليه ، وهذا هو الظاهر. ويجوز أن تكون مضافة إلى المهدي ، أي بل أنتم بهديتكم هذه التي أهديتموها تفرحون فرح افتخار على الملوك ، فإنكم قدرتم على إهداء مثلها. ويجوز أن تكون عبارة عن الرد ، كأنه قال : بل أنتم من حقكم أن تأخذوا هديتكم وتفرحوا بها. وقرأ جمهور السبعة : أتمدونني ، بنونين ، وأثبت بعض الياء. وقرأ حمزة : بإدغام نون الرفع في نون الوقاية وإثبات ياء المتكلم. وقرأ المسيبي ، عن نافع : بنون واحدة خفيفة. وقال الزمخشري : فإن قلت : ما الفرق بين قولك : أتمدونني بمال وأنا أغنى منكم ، وبين أن يقوله بالفاء؟ قلت : إذا قلته بالواو ، فقد جعلت مخاطبي عالما بزيادتي عليه في الغنى ، وهو مع ذلك يمدني بالمال ، وإذا قلته بالفاء ، فقد جعلته ممن خفيت عنه حالي ، وأنا أخبره الساعة بما لا أحتاج معه إلى إمداده ، كأني أقول له : أنكر عليك ما فعلت ، فإني غني عنه. وعليه ورد قوله : (فَما آتانِيَ اللهُ). فإن قلت : فما وجه الإضراب؟ قلت : لما أنكر عليهم الإمداد وعلل إنكاره ، أضرب عن ذلك إلى بيان السبب الذي حملهم عليه ، وهو أنهم لا يعرفون سبب رضا ولا فرح إلا أن يهدى إليهم حظ من الدنيا التي لا يعلمون غيرها. انتهى.

(ارْجِعْ إِلَيْهِمْ) : هو خطاب للرسول الذي جاء بالهدية ، وهو المنذر بن عمرو أمير الوفد ، والمعنى : ارجع إليهم بهديتهم ، وتقدمت قراءة عبد الله : ارجعوا إليهم ، وارجعوا هنا لا تتعدى ، أي انقلبوا وانصرفوا إليهم. وقيل : الخطاب بقوله : ارجع ، للهدهد محملا كتابا آخر. ثم أقسم سليمان فقال : (فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ) ، متوعدا لهم ، وفيه حذف ، أي إن

٢٣٧

لم يأتوني مسلمين. ودل هذا التوعد على أنهم كانوا كفارا باقين على الكفر إذ ذاك. والضمير في (بِها) عائد على الجنود ، وهو جمع تكسير ، فيجوز أن يعود الضمير عليه ، كما يعود على الواحدة ، كما قالت العرب : الرجال وأعضادها. وقرأ عبد الله : بهم. ومعنى (لا قِبَلَ) : لا طاقة ، وحقيقة القبل المقاومة والمقابلة ، أي لا تقدرون أن تقابلوهم. والضمير في منها عائد على سبأ ، وهي أرض بلقيس وقومها. وانتصب (أَذِلَّةً) على الحال. (وَهُمْ صاغِرُونَ) : حال أخرى. والذل : ذهاب ما كانوا فيه من العز ، والصغار : وقوعهم في أسر واستعباد ، ولا يقتصر بهم على أن يرجعوا سوقة بعد أن كانوا ملوكا. وفي مجيء هاتين الحالتين دليل على جواز أن يقضي العامل حالين لذي حال واحد ، وهي مسألة خلاف ، ويمكن أن يقال : إن الثانية هنا جاءت توكيدا لقوله : (أَذِلَّةً) ، فكأنهما حال واحدة.

(قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ، قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ ، قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ، قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ ، فَلَمَّا جاءَتْ قِيلَ أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَكُنَّا مُسْلِمِينَ ، وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللهِ إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ ، قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها قالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ).

في الكلام حذف تقديره : فرجع المرسل إليها بالهدية ، وأخبرها بما أقسم عليه سليمان ، فتجهزت للمسير إليه ، إذ علمت أنه نبي ولا طاقة لها بقتال نبي. فروي أنها أمرت عند خروجها إلى سليمان ، فجعل عرشها في آخر سبعة أبيات ، بعضها في جوف بعض ، في آخر قصر من قصورها ، وغلقت الأبواب ووكلت به حراسا يحفظونه ، وتوجهت إلى سليمان في أقيالها وأتباعهم.

قال عبد الله بن شداد : فلما كانت على فرسخ من سليمان ، قال : (أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها)؟ وقال ابن عباس : كان سليمان مهيبا ، لا يبتدأ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه. فنظر ذات يوم رهجا قريبا منه فقال : ما هذا؟ فقالوا : بلقيس ، فقال ذلك. واختلفوا

٢٣٨

في قصد سليمان استدعاء عرشها. فقال قتادة ، وابن جريج : لما وصف له عظم عرشها وجودته ، أراد أخذه قبل أن يعصمها وقومها الإسلام ويمنع أخذ أموالهم ، والإسلام على هذا الدين ، وهذا فيه بعد أن يقع ذلك من نبي أوتي ملكا لم يؤته غيره. وقال ابن عباس ، وابن زيد : استدعاه ليريها القدرة التي هي من عند الله ، وليغرب عليها سليمان والإسلام على هذا الاستسلام. وأشار الزمخشري لقول فقال : ولعله أوحي إليه عليه‌السلام باستيثاقها من عرشها ، فأراد أن يغرب عليها ويريها بذلك بعض ما خصه به من إجراء العجائب على يده ، مع اطلاعها على عظيم قدرة الله تعالى ، وعلى ما يشهد لنبوة سليمان ويصدقها. انتهى. وقال الطبري : أراد أن يختبر صدق الهدهد في قوله : (وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ) ، وهذا فيه بعد ، لأنه قد ظهر صدقة في حمل الكتاب ، وما ترتب على حمله من مشورة بلقيس قومها وبعثها بالهدية. وقيل : أراد أن يؤتي به ، فينكر ويغير ، ثم ينظر أتثبته أم تنكره ، اختبارا لعقلها. والظاهر ترتيب هذه الأخبار على حسب ما وقعت في الوجود ، وهو قول الجمهور. وعن ابن عباس أنه قال : (أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها)؟ حين ابتدأ النظر في صدق الهدهد من كذبه لما قال : (وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ). ففي ترتيب القصص تقديم وتأخير ، وفي قوله : (أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها) دليل على جواز الاستعانة ببعض الأتباع في مقاصد الملوك ، ودليل على أنه قد يخص بعض أتباع الأنبياء بشيء لا يكون لغيرهم ، ودليل على مبادرة من طلبه منه الملوك قضاء حاجة ، وبداءة الشياطين في التسخير على الإنس ، وقدرتهم بأقدار الله على ما يبعد فعله من الإنس. وقرأ الجمهور : عفريت ، وأبو حيوة : بفتح العين. وقرأ أبو رجاء ، وأبو السماك ، وعيسى ، ورويت عن أبي بكر الصديق : عفرية ، بكسر العين ، وسكون الفاء ، وكسر الراء ، بعدها ياء مفتوحة ، بعدها تاء التأنيث. وقال ذو الرمة :

كأنه كوكب في إثر عفرية

مصوّب في سواد الليل مقتضب

وقرأت فرقة : عفر ، بلا ياء ولا تاء ، ويقال في لغة طيىء وتميم : عفراة بالألف وتاء التأنيث ، وفيه لغة سادسة عفارية ، ويوصف بها الرجل ، ولما كان قد يوصف به الإنس خص بقوله من الجن. وعن ابن عباس : اسمه صخر. وقيل : كوري. وقيل : ذكران. و (آتِيكَ) : يحتمل أن يكون مضارعا واسم فاعل. وقال قتادة ، ومجاهد ، ووهب : (مِنْ مَقامِكَ) : أي من مجلس الحكم ، وكان يجلس من الصبح إلى الظهر في كل يوم. وقيل : قبل أن تستوي من جلوسك قائما. (وَإِنِّي عَلَيْهِ) : أي على الإتيان به لقوي على حمله ؛

٢٣٩

(أَمِينٌ) : لا أختلس منه شيئا. قال الحسن : كان كافرا ، لكنه كان مسخرا ، والعفريت لا يكون إلا كافرا.

(قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ) ، قيل : هو من الملائكة ، وهو جبريل ، قاله النخعي. والكتاب : اللوح المحفوظ ، أو كتاب سليمان إلى بلقيس. وقيل : ملك أيد الله به سليمان. وقيل : هو رجل من الإنس ، واسمه آصف بن برخيا ، كاتب سليمان ، وكان صديقا عالما قاله الجمهور. أو اسطوم ، أو هود ، أو مليخا ، قاله قتادة. أو اسطورس ، أو الخضر عليه‌السلام ، قاله ابن لهيعة. وقالت جماعة : هو ضبة بن ادجد بني ضبة ، من العرب ، وكان فاضلا يخدم سليمان ، كان على قطعة من خيله ، وهذه أقوال مضطربة ، وقد أبهم الله اسمه ، فكان ينبغي أن لا يذكر اسمه حتى يخبر به نبي. ومن أغرب الأقوال أنه سليمان عليه‌السلام ، كأنه يقول لنفسه : (أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ) ، أو يكون خاطب بذلك العفريت ، حكى هذا القول الزمخشري وغيره ، كأنه استبطأ ما قال العفريت ، فقال له سليمان ذلك على تحقير العفريت. والكتاب : هو المنزل من عند الله ، أو اللوح المحفوظ ، قولان. والعلم الذي أوتيه ، قيل : اسم الله الأعظم وهو : يا حي يا قيوم. وقيل : يا ذا الجلال والإكرام. وقيل بالعبرانية : أهيا شراهيا. وقال الحسن : الله ثم الرحمن. والظاهر أن ارتداد الطرف حقيقة ، وأنه أقصر في المدة من مدة العفريت ، ولذلك روي أن سليمان قال : أريد أسرع من ذلك حين أجابه العفريت ، ولما كان الناظر موصوفا بإرسال البصر ، كما قال الشاعر :

وكنت متى أرسلت طرفك رائدا

لقلبك يوما أتعبتك المناظر

وصف برد الطرف ، ووصف الطرف بالارتداد. فالمعنى أنك ترسل طرفك ، فقبل أن ترده أتيتك به ، وصار بين يديك. فروي أن آصف قال لسليمان عليه‌السلام : مد عينيك حتى ينتهي طرفك ، فمد طرفه فنظر نحو اليمن ، فدعا آصف فغاب العرش في مكانه بمأرب ، ثم نبع عند مجلس سليمان بالشام بقدرة الله ، قبل أن يرد طرفه. وقال ابن جبير ، وقتادة : قبل أن يصل إليك من يقع طرفك عليه في أبعد ما ترى. وقال مجاهد : قبل أن تحتاج إلى التغميض ، أي مدة ما يمكنك أن تمد بصرك دون تغميض ، وذلك ارتداده. قال ابن عطية : وهذان القولان يقابلان قول من قال : إن القيام هو من مجلس الحكم ، ومن قال : إن القيام هو من الجلوس ، فيقول في ارتداد الطرف هو أن تطرف ، أي قبل أن تغمض عينيك وتفتحهما ، وذلك أن الثاني يعطي الأقصر في المدة ولا بد. انتهى. وقيل : طرفك

٢٤٠