أدب الطّف أو شعراء الحسين عليه السلام - ج ١

جواد شبّر

أدب الطّف أو شعراء الحسين عليه السلام - ج ١

المؤلف:

جواد شبّر


الموضوع : الشعر والأدب
الناشر: دار المرتضى
الطبعة: ٠
الصفحات: ٣٥١

وذكره ابن شهر آشوب في شعراء أهل البيت المجاهرين ، اسنتفد شعره في معنى واحد وهو مدح اهل البيت ولم يترك منقبة لأمير المؤمنين عليه‌السلام إلا نظم فيها شعراً. ومن شعره :

جعلتُ آل الرسول لي سبباً

أرجو نجاتي به من العَطَبِ

على مَ اُلحى على مودة مَن

جعلتهم عدةً لمنقلبي

لو لم أكن قائلاً بحبهم

أشفقتُ من بعضهم على نسبي

قال الشيخ الاميني أومىء الى الحديث المشهور بحديث الخيمة الذي يرويه الخليفة أبوبكر فيما يوثر عنه قال : رأيت رسول الله في خيمته وهو متكئ على قوس عربية وفي الخيمة علي وفاطمة والحسن والحسين فقال : يامعشر المسلمين إني سلم لمن سالم اهل الخيمة ، حرب لمن حاربهم ، وليُّ لمن والاهم ، لا يحبهم إلا سعيد الجدُّ طيب المولد ، ولا يبغضهم إلا شقي الجد رديء الولادة.

وقال الأمير سيف الدولة :

حبُّ علي ابن ابي طالب

للناس مقياس ومعيار

يخرج ما في أصلهم مثلما

يخرج غشَّ الذهب النارُ

وقال عبد الله بن المعتز :

مَن رام هجوَ عليٍ

فشعره قد هجاهُ

لو أنه لأبيه

ما كان يهجو أباهُ

وقال صفي الدين الحلي :

أمير المؤمنين أراك لما

ذكرتك عند ذي نسب صفالي

وان كررتُ ذكرك عند نغلٍ

تكدَّر صفوه وبغا قتالي

٢٠١

فصرت إذا شككت بأصل مرءٍ

ذكرتك بالجميل من الفعال

فليس يطيق سمع ثناك إلا

كريم الأصل محمود الخلال

فها أنا قد خبرت بك البرايا

فأنت محك أولاد الحلال

روى ابن الأثير في النهاية عن ابي سعيد الخدري قال : كنا معاشر الانصار نَبور (١) اولادنا بحبهم علياً رضي الله عنه ، فإذا ولد فينا مولود فلم يحبه عرفنا انه ليس منا. ورواه الحافظ الجزري في كتابه ( اسنى المطالب ) وعن عبادة بن الصامت قال : كنا نبور اولادنا بحب علي ابن ابي طالب فإذا رأينا أحدهم لا يحب علي بن أبي طالب علمنا أنه ليس منا وانه لغير رشده (٢) كذا ذكر ذلك في النهاية ولسان العرب.

قال الحافظ الجزري في أسنى المطالب بعد ذكر هذا الحديث : وهذا مشهور من قديم والى اليوم أنه ما يبغض علياً الا ولد الزنا.

وجاء في فوات الوفيات :

اسماعيل بن محمد بن يزيد بن ربيعة ، كان شاعراً محسناً كثير القول. له مدائح جمّة في آل البيت ، وكان مقيما بالبصرة ، وكان أبواه يبغضان علياً ، وسمعهما يسبّانه بعد صلاة الفجر فقال :

لعن الله والديّ جميعاً

ثم أصلاهما عذاب الجحيم

وكان أسمر اللون ، تام القامة ، حسن الالفاظ ، جميل الخطاب مقدّماً عند المنصور والمهدي ، ومات اول ايام الرشيد سنة ثلاث وسبعين ومائة ، وولد سنة خمس ومائة. وكان

__________________

١ ـ نبور : اي نجربه ونختبره.

٢ ـ يقال. فلان لغير رشده اي لغير ابيه.

٢٠٢

احد الشعراء الثلاثة الذين لم يضبط ما لهم من الشعر كم ، هو وبشار وأبو العتاهية.

وقال السيد اتى بي أبي الى محمد بن سيرين وانا صغير فقال لي : يابني ، اقصص رؤياك فقلت : رأيت كأني في أرض سبخة والى جانبها أرض حسنة ، والنبي (ص) واقف فيها ، وليس فيها نبت ، وفي الأرض السبخة سوك ونخل ، فقال لي يا اسماعيل ، أتدري لمن هذا النخل قلت : لا ، قال : هذا لامرىء القيس بن حجر ، فانقله الى هذه الأرض الطيبة التي أنا فيها ، فجعلت انقله ، الى أن نقلت جميع النخل وحولت شيئاً من الشوك فقال ابن سيرين لأبي : أما ابنك هذا فسيقول الشعر في مدح طَهرة ابرار فما مضت إلا مدة ، حتى قلت الشعر.

قال الصولي : قال أبو العيناء للسيد : بلغنى انك تقول بالرجعة قال : هو ما بلغك ، قال فأعطني ديناراً بمائة دينار الى الرجعة فقال السيد : علي ان توّثق لي بمن يضمن انك ترجع انساناً ، اخاف ان ترجع قردا او كلباً فيذهب مالي.

وحكى ان اثنين تلاحيا في أي الخلق أفضل بعد رسول الله (ص) فقال أحدهما : أبو بكر ، وقال الآخر : علي ، فتراضيا بالحكم الى اول من يطلع عليهما ، فطلع عليهما السيد الحميري ، فقال القائل بفضل علي : قد تنافرت انا وهذا اليك في افضل الخلق بعد رسول الله (ص) فقلت انا : علي ، فقال السيد : وما قال هذا ابن الزانية؟ فقال ذاك لم أقل شيئاً.

قيل لما استقام الأمر للسفاح خطب يوما فأحسن الخطبة ، فلما

٢٠٣

نزل عن المنبر قام اليه السيد الحميري فأنشده :

دونكموها يا بني هاشم

فجددوا من آيها الدارسا

دونكموها فالبسوا تاجها

لاتعدموا منكم لها لابسا

دونكموها لا عَلت كعب من أمسى

عليكم مُلكها نافسا

خلافة الله وسلطانه

وعنصرٍاً كان لكم دارسا

فساسها قبلكم ساسةُ

ما تركوا رطبا ولا يابسا

لو خيرَّ المنير فرسانه

ما اختار إلا منكم فارسا

فلست من ان تملكوها الى

هبوط عيسي منكم آبسا

روائع من شعر السيد الحميري :

قال في موقف امير المؤمنين ليلة بدر الكبرى لما عطش المسلمون فقال النبي من يأتينا بالماء ، قال علي : أنا فأخذ القربة ومضى وجاء بالماء :

اقسم بالله وآلائه

والمرء عما قال مسؤلُ

أن علي بن أبي طالب

على التقى والبِِرِِِّ مجبول

وأنه الهادي الامآم الذي

له على الأمة تفضيل

يقول بالحق ويقضي به

وليس تلهيه الأباطيل

يمشي الى الحرب وفي كفّه

ابيضُ ماضي الحّد مصقول

مشى العفرنى بين اشباله

ابرزه للقنص الغيل

ذاك الذي سلم في ليلة

عليه ميكأل وجبريل

ميكال في ألف وجبريل في

ألفٍ ويتلوهم سرافيل

ليلة بدر رمداً انزلوا

كأنهم طير أبابيل

فسلموا لمآ أتوا نحوه

وذاك إعظام وتبجيل

٢٠٤

عن سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس : أسألك عن اختلاف الناس في علي (ع) قال يابن جبير : تسألني عن رجل كانت له في ليلة واحدة ثلاثة ألاف منقبة وهي ليلة القربة في قليب بدر ، سلم عليه ثلاثة آلاف من الملائكة من عند ربهم ، وتسألني عن وصي رسول الله وصاحب حوضه. فكانت الأبيات المتقدمة متضمنة لهذه الرواية.

وقال السيد :

أُحبُّ الذي مات من أهل وده

تلّقاه بالبشرى لدى الموت يضحكُ

ومن مات يهوى غيره من عدوّه

فليس له إلا الى النار مسلك

أبا حسن تفديك نفسي واسرتي

ومالي وما أصبحت بالارض أملك

أبا حسن إني بفضلك عارف

وإني بحبل من ولاك لممسك

وأنت وصي المصطفى وابن عمه

فإنا نعادي مبغضيك ونترك

مواليك ناج مؤمن بيِّن الهدى

وقاليك معروف الضلالة مشرك

ولاح لحاني في عليٍّ وحزبه

فقلتُ لحاك الله إنك اعفك (١)

__________________

١ ـ الأعفك : الاحمق

٢٠٥

وقال في الامام علي عليه‌السلام :

مشيراً الى الخبر الذي يرويه ابن شهر آشوب في المناقب عن الحافظ أبي نعيم عن جماعة من الرواة عن الحارث الهمداني عن علي عليه‌السلام قال : لا يموت عبد يحبني إلا رآني حيث يحب ولا يموت عبد يبغضني إلا رآني حيث يكره والي ذلك أشار السيد الحميري ايضاً بقوله. ومنهم من ينسب هذا الشعر الى علي عليه‌السلام وهو من الخطأ :

قولُ علي لحارث عجبُ

كم ثمّ أعجوبةٍ له حملا

يا حار (١) همدان من يمت يرنى

من مؤمن أو منافق قبلا

يعرفني طرفه وأعرفه

بنعته واسمه ومآ فعلا

وأنت عند الصراط تعرفني

فلا تخف عثرة ولا زللا

أسقيك من باردٍ على ظمأ

تخاله في الحلاوة العسلا

أقول للنار حين تعرض للعرض ،

ذريه لاتقبلي الرجلا

ذريه لا تقبيله إن له

حبلا بحبل الوصي متصلا

وكان آخر له قوله :

كذب الزاعمون أنّ علياً

لا ينجّي محبة من هناتِ

قدوربي دخلت جنّة عدن

وعفاني الإله عن سيئاتي

فأبشر اليوم أولياء عليًّ

وتولوا عليّ حتى الممات

ثم من بعده تولّوا بنيه

واحداً بعد واحد بالصفات

__________________

١ ـ حار : ترخيم حارث كقولهم : يا اسم والمراد : اسماء.

٢٠٦

وقال أشهد أن لا إله الا الله حقاً ، وأشهد أن محمدا رسول الله صدقاً صدقاً ، وأشهد أن عليا ولي الله رفقا رفقا.

ثم غمض عينيه لنفسه ، فكأنما روحه ذُبالة طُفئت أو حصاة سقطت.

٢٠٧

٨ ـ منصور النمري :

قال يرثي الحسين عليه‌السلام :

شاءُ من الناس راتع هاملْ

يُعللون النفوس بالباطل

تُقتلُ ذريـّة النبي وير

جون جنانَ الخلود للقاتل

ويلك يا قاتل الحسين لقد

بؤت بحمل ينوء بالحامل

أيّ حباء حبوتَ أحمد في

حفرته من حرارة الثاكل

بأيّ وجه تلقى النبي وقد

دخلت في قتله مع الداخل

هلّم فاطلب غدا شفاعته

أو لا فرد حوضه مع الناهل

ما الشك عندي في كفر قاتله

لكنني قد أشك في الخاذل

نفسي فداءُ الحسين حين غدا

الى المنايا غدّو لا قافل

ذلك يومُ أنحى بشفرته

على سنام الإسلام والكأهل

حتى متى أنتِ تعجلين ألا

تنزل بالقوم نقمة العاجل

لا يعجلُ الله ان عجلت وما

ربك عما ترين بالغافل

أعاذلي إنني أحبُّ بني

أحمد فالترب في فم العاذل

قد دنت ما دينكم عليه فما

رجعت من دينكم إلى طائل

جفوتم عترة النبي وما الجافي

لآل النبي كألواصل

مظلومة والنبي والدها

تدير أرجاء مقلة حافل

ألا مصاليتَ يغضبون لها

بسلةِ البيض والقنا الذابل (١)

__________________

١ ـ رواها ابو الفرج في الاغاني وفي مقاتل الطالبيين وتاريخ بغداد.

٢٠٨

وقال أيضاً :

متى يشفيك دمعك من همولِ

ويبرد ما بقلبك من غليلِ

ألا ياربَّ ذي حزن تعايا

بصبرِ فاستراح الى العويل

قتيل ما قتيل بني زياد

ألا بأبي وامي من قتيل

رويد ابن الدعى ومآ أدعاه

سيلقي ما تسلف عن قليل

غدت بيض الصفائح والعوالي

بأيدي كل مؤتشبِ (١) دخيل

معاشر أو دعت أيام بدر

صدورهم وديعات العليل

فلما أمكن الاسلام شدّوا

عليه شدة الحنقِ الصؤول

فوافوا كربلاء مع المنايا

بمرداةِ مسومة الخيول

وأبناء السعادة قد تواصوا

على الحدثان بالصبر الجميل

__________________

١ ـ المؤتشب : الاخلاط والاوباش.

٢٠٩

فما بخلت أكفهم بضرب

كأمثال المصاعبة النزول

ولا وجدت على الأصلاب منهم

ولا الاكتاف آثار النصول

ولكن الوجوه بها كلوم

وفوق نحورهم مجرى السيول

أيخلو قلب ذي ورع ودين

من الأحزان والهم الطويل

وقد شرقت رماح بني زياد

بريّ من دمآء بني الرسول

ألم يحزنك سرب من نساء

لآل محمد خمش الذيول

يشققن الجيوب على حسين

أيامى قد خلون من البعول

فقدن محمداً فلقين ضيماً

وكن به مصونات الحجول

ألم يبلغك والأنبياء تنمى

مصال الدهر في ولد البتول

بتربة كربلاء لهم ديار

نيام الأهل دارسة الطلول

تحيات ومغفرة وروح

على تلك المحلة والحلول

ولا زالت معأدن كل غيث

من الوسمي مرتجس هطول

٢١٠

برئنا يا رسول الله ممن

أصابك بلأذاة وبالذحول

ألا يا ليتني وصلت يميني

هناك بقائم السيف الصقيل

فجدت على السيوف بحرّ وجهي

ولم أخذل بنيك مع الخذول

وقال أيضاً كما روى ابن قتيبة في الشعر والشعراء عن طبقات ابن معتز.

آلُ النبي ومن يُّحبهمُ

يتطامنون مخافةَ القتل

أمنوا النصارى واليهودَ وهم

من امة التوحيد في ازل (١)

قال : وانشد الرشيد هذا بعد موته فقال : لقد هممت أن أنبشه ثم أحرقه.

__________________

١ ـ الازل : الضيق.

٢١١

الشاعر :

هو منصور بن سلمة بن الزبرقان بن شريك بن مطعم الكبش الرخم ابن مالك النمري (١) من النمر بن قاسط من نزار ، وفاته سنة ١٩٠ هجري كما ذكر الزركلي في الاعلام ، وذكر غيره سنة ١٩٣ هجري.

كنيته أبو الفضل الشاعر الجزري البغدادي كان من خاصة هرون الرشيد وهو في الباطن من محبي اهل البيت عليهم‌السلام ، ولما سمع الرشيد قصيدته اللامية غضبت غضباً شديداً وأمر أبا عصمة ـ احد قواده ـ أن يذهب من فوره الى الرقة ويأخذ منصور النمري ويقطع لسانه ويقتله ويبعث اليه برأسه ، فلما وصل ابو عصمة الى باب الرقة رأى جنازة النمري خارجة منه فعاد الى الرشيد وأخبره بوفاة النمري فقال الرشيد فألا إذ صادفته ميتاً أحرقته بالنار كذا قال ابن المتعز في ( الطبقات ). ونجّى الله النمري من عذاب الرشيد.

وروى ابن شهر آشوب : أنهم نبشوا قبره. وروى السيد المرتضى في أماليه المعروف بالغرر والدرر بسنده عن الحافظ أنه قال : كان منصور النمري يأتي باسم هرون الرشيد في شعره ومراده به صاحب منزلة هارون عليه‌السلام ـ يعني امير المؤمنين (ع).

وقال السيد حسن الصدر في ( تأسيس الشيعة ) ذكره ضياء الدين في نسمة السحر في ذكر من تشيع وشعر وحكى عن جماعة من علماء الزيدية أنه كان من الشيعة ، وكان يورى في مدح هرون الرشيد العباسي بعلي (ع) تلميحاً منه الى الحديث المشهور : أنت مني بمنزلة هارون من موسى كقوله :

__________________

١ ـ النمري بفتح النون والميم.

٢١٢

آل الرسول خيار الناس كلهم

وخير آل رسول الله هارون

وحكي في الأغاني عنه حكايات موضوعة وضعها اعداؤه كمروان بن أبي حفصة وامثاله ، وان صحّت فهي من باب التقية ، ضرورة ان الامامة بالنص لا بالإرث باجماع الشيعة.

٢١٣

٩ ـ الامام الشافعي :

تأوَّه قلبي والفؤادُ كئيبُ

وأرّق نومي فالسهادُ عجيبُ

فمن مبلغ ، عني الحسينَ رسالةً

وإن كرهتها أنفسُ وقلوبُ

ذبيحُ ، بلا جرم كأنّ قميصه

صبيغ بماء الارجوان خضيب

فللسيف إعوال وللرمح رّنة

وللخيل من بعد الصهيل نحيب

تزلزلت الدنيا لآل محمد

وكادت لهم صمّ الجبال تذوب

وغارت نجوم واقشعرّت كواكب

وهتكّ أستار وشقّ جيوب

يُصلّى على المبعوث من آل هاشم

ويغزى بنوه إنَّ ذا لعجيب

لئن كأن ذنبي حبّ آلِ محمد

فذلك ذنب لست عنه أتوب

هم شفعائي يوم حشري وموقفي

إذا ما بدت للناظرين خطوب (١)

__________________

١ ـ كذا في المناقب وفي ينابيع المودة للشيخ سليمان الحنفي القندوزي قال : وقال الحافظ جمال الدين المدني في كتابه ( معراج الوصول ) ان الامام الشافعي انشد :

ومما نفى نومي وشيب لمتى

تصاريف أيام لهن خطوب

الابيات.

٢١٤

الشاعر :

هو محمد بن ادريس الشافعي المولود سنة ١٥٠ والمتوفي سنة ٢٤٠ بمصر يوم الجمعة سلخ رجب.

نسبه : محمد بن ادريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب ابن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف فالشافعي قرشي النسب.

نشأ يتيما في حجر امه وتولت تربيته عندما خشيت عليه الضيعة فأرسلته الى مكة المكرمة وهو ابن عشر سنين ، اما ولادته فكانت بغزة وقيل بعسقلان وقيل باليمن في السنة التي توفي فيها أبو حنيفة سنة ١٥٠ ولقد زاد بعضهم فقال انه ولد في الليلة التي توفي فيها ابو حنيفة وجعلوا ذلك من البشائر فيه والاشارة لعظمته.

قدم الشافعي مكة المكرمة وهو يومئذ ابن عشر سنين فحفظ القرآن الكريم وتعلَّم الكتابة وكان حريصاً على استماع الحديث ، وكان يكتب على الخزف مرة وعلى الجلود اخرى ، واتجه لطلب الفقه وحضر على بعض علماء مكة ، ثم توجه الى المدينة وحضر على مالك بن انس واتصل به ، ثم بعد ذلك قدم بغداد ثلاث مرات ، وقدم الشافعي الى مصر سنة ١٩٨ ونزل بالفسطاط ضيفاً كريماً على محمد بن عبد الله بن عبد الحكم فأكرم مثواه ووازره ، وكانت لمحمد بن عبد الله مكانة في مصر ورياسة علمية ، وكان أهل مصر لا يعدلون به احداً ، وتأكدت بينه وبين الشافعي مودة وإخاء وقام في معونة الشافعي ومؤازرته ونشر علمه وللشافعي شعر كثير في الحكم والنصائح.

٢١٥

قال ابن خلكان : ومن الشعر المنسوب الى الشافعي :

كلما أدبنى الدهر

أراني نقص عقلي

واذا ما ازددت علماً

زادني علماً بجهلي

وقال الشافعي : تزوجت امرأة من قريش بمكة ، وكنت امازحها فأقول :

ومن البليّة أن تحبّ

فلا يحبّك من تحبه

فتقول هي :

وتصدُّ عنك بوجهه

وتلحّ أنتَ فلا تغبّه

وقال ابن خلكان : ومن شعره ما نقلته من خط الحافظ ابي طاهر السلفي :

إن الذي رزق اليسار ولم يُصب

حمداً ولا أجراً لغير موفـّق

الجدّ يُدني كل أمر شاسع

والجد يفتح كل باب مغلق

واذا سمعت بأن مجدوداً حوى

عودا فاثمر في يديه فصدّق

وإذا سمعتَ بأن محروماً أتى

ماءً ليشربه فغاض فحقق

لو كان بالحيل الغنى لو جدتني

بنجوم أقطار السما تعلّقي

لكن من رزق الحجا حُرمَ الغنى

ضدّ ان مفترقان أي تفرق

ومن الدليل على القضاء وكونه

بؤس اللبيب وطيب عيش الاحمق

ومن قوله :

امطرى لؤلؤاً جبال سرنديب

وفيضي آبار تكريت تبرا

همتي همة الملوك ونفسي

نفس حرّ ترى المذلة كفرا

٢١٦

أنا إن عشت لست اعدم قوتاً

وإذا مت لست أعدم قبراً

وهو القائل :

ولو الشعر بالعلماء يزري

لكنتُ اليومَ أشعرَ من لبيد

كان الامام الشافعي يتظاهر بمدح أهل البيت صلوات الله عليهم ويميل اليهم فيقول:

آل النبي ذريعتي

وهموا اليه وسيلتي

ارجو بأن اعطى غداً

بيدي اليمين صحيفتي

واشتهر عند قوله :

يا آل بيت رسول الله حبكموا

فرضُ من الله في القرآن انزله (١)

يكفيكم من عظيم الذكر انكموا

من لم يصلِّ عليكم لا صلاة له

ويوضح في الابيات الآتية عن سبب اتهامه بالرفض أو التشيع :

قالوا ترفضتَ قلت كلا

ما الرفض ديني واعتقادي

لكن توليتُ دون شك

خير إمام وخير هادي

إن كان حبُّ الوصي رفضاً

فأنني أرفض العباد

وروى شيخ الاسلام الحموي في فوائده في الباب الثاني والعشرين من طريق ابي الحسن الواحدي باسناده عن الربيع بن سلمان ، قال : قال النبهاني في الشرف المؤبد لآل محمد ص ٩٩ روى السبكي في

__________________

١ ـ اشارة الى الآية الشريفة : « قل لا أسئلكم عليه أجراً الا المودة في القربى »

٢١٧

طبقاته بسنده المتصل الى الربيع بن سليمان المرادي ـ صاحب الامام الشافعي ـ قال خرجنا مع الشافعي من مكة نريد منى ، فلم ينزل وادياً ولم يصعد شعبا إلا وهو يقول :

يا راكباً قف بالمحّصب من منى

واهتف بساكن خيفها والناهضِ

سحراً اذا فاض الحجيج الى منى

فيضاً كملتطم الفرات الفائض

إن كان رفضاً حبُّ آل محمد

فليشهد الثقلان اني رافضي

ورواها الفخر الرازي في مناقب الشافعي ص ١٥.

وسئل الشافعي يوماً عن علي عليه‌السلام فقال : ما اقول في رجل أخفت أولياؤه فضائله خوفا ، وأخفت اعداؤه فضائله حسداً وقد شاع من بين ذين ما ملأ الخافقين. وأخذ هذا المعنى السيد تاج الدين فقال :

لقد كتمت آثار آل محمد

محبوهم خوفا وأعداؤهم بغضا

فشاع لهم بين الفريقين نبذةُ

بها ملأ الله السماوات والارضا

وقال محمد بن ادريس الشافعي ايضا :

ولما رأيت الناس قد ذهبت بهم

مذاهبهم في أبحر الغيَّ والجهل

ركبتُ على اسم الله في سفن النجا

وهم آل بيت المصطفى خاتم الرسل

وأمسكت حبل الله وهو ولاؤهم

كما قد أمرنا بالتمسك بالحبل

اذا افترقت في الدين سبعون فرقةً

ونيفاً كما قد صحَّ في محكم النقل

٢١٨

ولم يك ناجِ منهم غير فرقةِ

فقل لي بها يا ذا الرجاحة والعقل

أفي فرق الهلاك آل محمد

أم الفرقة اللاتي نجت منهم قل لي

فإن قلتَ في الناجين فالقول واحد

وإن قلت في الهّلاك حفت عن العدل

اذا كان مولى القوم منهم فانني

رضيت بهم ما زال في طلهم طلي

فخلَّ عليا لي إمامآ ونسله

وانت من الباقين في سائر الحل

اقول : وتعجبني كلمة للدكتور يعقوب صروف صاحب مجلة ( المقتطف ) ـ وهو من اكبر الشخصيات العلمية ـ قال : وليس ما يفتخر به محصوراً في الفوز السياسي وفتح البلدان ، بل ان للاخلاق والفضائل مقاماً أرفع في حياة الامم ، وكل ما قرأناه في الكتب العريبة والافرنجية التي تذكر تاريخ الممالك الاسلامية رأيناه ينوّه بفضائل اهل البيت ولو خفف من شأنهم في السياسة.

قيل للشافعي ان قوماً لا يصبرون على سماع فضيلة لاهل البيت فاذا اراد احد يذكرها يقولون هذا رافضي قال فأنشأ الشافعي يقول :

اذا في مجلس ذكروا علياً

وسبطيه وفاطمة الزكيه

فاجرى بعضهم ذكرى سواهم

فأيقن انه لسلقلقيه

اذا ذكروا عليا أو بنيه

تشاغل بالروايات الدنيه

وقال تجاوزوا ياقوم عنه

فهذا من حديث الرافضيه

برأت الى المهمين من اناسِ

يرون الرفض حبَّ الفاطميه

على آل الرسول صلاة ربي

ولعنته لتلك الجاهليه

وقال ـ كما روى الفخر الرازي في المناقب ص ٥١ ـ ونحن اخذناه عن كتاب ( الامام الصادق والمذاهب الاربعة ) ج ٣ ص ٣٢١

٢١٩

أنا الشيعي في ديني ، واصلي

بمكة ثم دارى عسقليه

باطيب مولد وأعزّ فخراً

وأحسن مذهبِ سموا البّرية

روى الشيخ القمي في الكنى والالقاب عن فهرست ابن النديم قال : كان الشافعي شديداً في التشيع ، وذكر له رجل يوماً مسألة فأجاب فيها ، فقال له : خالفتَ على بن أبي طالب ، فقال له : ثبت لي هذا عن علي بن أبي طالب حتى أضع خدي على التراب ، واقول : قد اخطأت وأرجع عن قولي الى قوله. وحضر ذات يوما مجلساً فيه بعض الطالبيين ، فقال : لا أتكلم في مجلس يحضره احدهم هو أحق بالكلام ولهم الرياسة والفضل انتهى.

ومن روائع اقواله :

واذا عجزت عن العدو فداره

وامزح له إن المزاح وفاق

فالماء بالنار التي هي ضده

يعطي النضاج وطبعها الاحراق

وله كما في خريدة القصر :

وما خرَّ نصل السيف إغلاقُ غمده

إذا كان عضباً حيث انفذته برى

وله :

يقولون اسباب الفراغ ثلاثة

واربعة خلوّه وهو خيارها

وقد ذكروا مالا وأمناً وصحة

ولم يعلموا ان الشباب مدار

وذكر ابن خلكان في ترجمة ابي عمرو أشهب بن عبد العزيز الفقيه المالكي المصري المتوفي سنة ٢٠٤ قال ابن عبد الحكم سمعت اشهب يدعو على الشافعي بالموت ، فذكرت ذلك للشافعي فقال متمثلاً

تمنى رجال أن اموت فان أمت

فتلك سبيل لست فيها بأوحد

فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى

تزوّد لأخرى غيرها فكأن قد

٢٢٠