أدب الطّف أو شعراء الحسين عليه السلام - ج ١

جواد شبّر

أدب الطّف أو شعراء الحسين عليه السلام - ج ١

المؤلف:

جواد شبّر


الموضوع : الشعر والأدب
الناشر: دار المرتضى
الطبعة: ٠
الصفحات: ٣٥١

١٣ ـ ابو الاسود الدؤلي :

ابو الأسود الدؤلي يرثي الحسين بن علي عليهما‌السلام ومن أُصيب معه من بني هاشم :

أقول لعاذلتي مرةً

وكانت على ودّنا قائمه

اذا أنتِ لم تبصري ما أرى

فبيني وأنتِ لنا صارمه

ألستِ ترينَ بني هاشم

قد افنتهمو الفئة الظالمه

فانت تزينتهم بالهدى

وبالطف هام بني فاطمه

فلو كنت راسخة في الكتا

بالاحزاب خابرة عالمه (١)

علمتِ بأنهّم معشر

لهم سبقت لعنة جاثمه

سأجعل نفسي لهم جنةً

فلا تكثري لي من اللائمه

أُرجيّ بذلك حوض الرّسو

ل والفوز والنّعمة الدّائمه

لتهلكَ إن هلكتْ بّرةً

وتخلص إن خلصت غانمه (٢)

وقال ايضاً يرثيه ويحرض على ثأره :

يا ناعي الدين الذي ينعى التقى

قم فانعه والبيت ذا الاستارِ

أبني علىٍ آل بيت محمد

بالطّف تقتلهم جفاة نزارِ

سبحان ذا العرش العليَّ مكانه

أنى يكأبره ذووا الاوزار

__________________

١ ـ وفي نسخة : وبالحرب خابرة عالمة.

٢ ـ ديوان ابي الأسود

١٠١

أبني ( قشيرٍ ) إنني ادعوكمو

للحق قبل ضلالة وخسار

كونوا لهم جنناً وذودوا عنهمو

أشياعَ كل منافق جبار

وتقدموا في سهمكم من هاشم

خير البرية في كتاب الباري

بهمو اهتديتم فاكفروا إن شئتمو

وهمو الخيار وهم بنو الاخيار (١)

وقال :

أقول وذاك من جزع ووجد

أزال الله ملك بني زياد

وأبعدهم بما غدروا وخانوا

كما بعدت ثمود وقوم عاد

ولا رجعت ركائبهم اليهم

الى يوم القيامة والتناد (٢)

__________________

١ ـ ديوان ابي الاسود.

٢ ـ تاريخ ابن عساكر ج ٧ ص ٢١٦.

١٠٢

الشاعر

أبو الأسود الدؤلي ـ ظالم بن عمرو :

ذكره المرزباني في شعراء الشيعة وقال : كان من قدماء التابعين وكبرائهم ، وكان شاعراً مجيداً وكان شيعياً ، وعدَّه ابن شهر آشوب من شعراء أهل البيت المقتصدين.

توفي عام ٦٩ هـ بالبصرة بالطاعون (١) الجارف وعمره ٨٥ سنة. قال ابن بدران في تهذيب ابن عساكر قال الواقدي : كان ابو الأسود ممن أسلم على عهد رسول الله وقاتل مع علي (ع) يوم الجمل وكان علوياً وأبو الاسود معدود من التابعين ، والفقهاء ، والشعراء ، والمحدثين ، والأشراف والفرسان ، والامراء ، والدهاة ، والنحويين والحاضري الجواب ، والشيعة ، والبخلاء.

وهو واضع علم النحو بارشاد من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام ، ومن أراد تفصيل ذلك فليرجع الى الكتب المؤلفة في هذا الفن ، وقد جمع الاستاذ المعاصر عبد الكريم الدجيلي ديوان أبو الأسود الدؤلي وحققه وشرحه وكتب عن حياة أبي الاسود وقام بطبعه فشكراً له على هذه الخدمة الادبية.

وفي الاعيان قال : هاجر أبو الأسود الى البصرة على عهد عمر بن الخطاب.

ومن شعر أبي الأسود مشيراً الى أمير المؤمنين عليه‌السلام :

__________________

١ ـ قال الذهبي في تاريخ الاسلام عند ذكر سنة ٦٩ قال المدائني حدثني من ادرك الطاعون الجارف قال ثلاثة ايام جرف فيها الناس فمات فيها في كل يوم نحو سبعين الفا حتى عجز الناس عن دفن الموتى فكانت الوحوش تدخل البيوت فتصيب منهم.

١٠٣

حسدوا الفتى اذ لم ينالوا سعيه

فالقوم أعداءٌ له وخصوم

كضرائر الحسناء قلن لوجهها

حسداً وبغياً إنه لدميم

والوجه يشرق في الظلام كأنه

بدر منير والسماء نجوم

وكذاك من عظمت عليه نعمة

حسّاده سيف عليه صروم

فاترك مجاراة السفيه فانها

ندم وغبٌ بعد ذاك وخيم

وإذا جريت مع السفيه كما جرى

فكلا كما في جريه مذموم

واذا عتبت على السفيه ولمته

في مثل ما يأتي فأنت ظلوم

يا أيها الرجل المعلم غيره

هلا لنفسك كأن ذا التعليم

لاتنه عن خلق وتأتي مثله

عار عليك اذا فعلت عظيم

ابدأ بنفسك وأنهها عن غيها

فاذا انتهت عنه فأنت حكيم

فهناك يقبل ما وعظت ويٌقتدى

بالرأي منك وينفع التعليم

تصف الدواءَ وأنت أولى بالدوا

وتعالج المرضى وأنت سقيم

وكذاك تلقح بالرشاد عقولنا

أبداً وأنت من الرشاد عقيم

ويل الشجيّ من الخليّ فانه

نصب الغواة بشجوه مغموم

وترى الخلي قرير عين لاهياً

وعلى الشجي كأبة وهموم

ويقول مآلك لاتقول مقالتي

ولسان ذا طلق وذا مكضوم

لاتكلمنْ عرض ابن عمك ظالماً

فاذا فعلت فعرضك المكلوم

وحريمه ايضاً حريمك فاحمه

كيلا يباح لديك منه حريم

واذا اقتضضت من ابن عمك كلمة

فكلامه لك ان فعلت كلوم

واذا طلبت الى كريم حاجةً

فلقاؤه يكفيك والتسليم

فاذا راك مسلّماً ذكر الذي

حملته فكأنه محتوم

فارج الكريم وان رأيت جفاءه

فالعتب منه والفعال كريم

وعجبت للدنيا ورغبة أهلها

والرزق فيما بينهم مقسوم

١٠٤

والاحمق المرزوق احمق من ارى

من اهلها والعاقل المحروم

ثم انقضى عجبي لعلمي انه

قدر مواف وقته معلوم

وقال في رثاء أمير المؤمنين عليه‌السلام :

ألا يا عين ويحك فاسعدينا

ألا فابك أميرَ المؤمنينا

رُزئنا خير من ركب المطايا

وخيّسها ومن ركب السفينا

ومن لبس النعال ومن حذاها

ومن قرأ المثاني والمئينا

فكل مناقب الخيرات فيه

وحب رسول رب العالمينا

وكنا قبل مقتله بخير

نرى مولى رسول الله فينا

يقيم الدين لا يرتاب فيه

ويقضي بالفرائض مستبينا

ويدعو للجماعة من عصاه

وينهك قطع ايدي السارقينا

وليس بكأتم علماً لديه

ولم يخلق من المتجبرينا

ألا أبلغ معاوية بن حرب

فلا قرّت عيون الشامتينا

أفي شهر الصيام فجعتمونا

بخير الناس طراً أجمعينا

ومن بعد النبي فخير نفس

ابو حسن وخير الصالحينا

لقد علمت قريش حيث كانت

بأنك خيرها حسباً ودينا

اذا استقبلت وجه أبي حسين

رأيت البدر راع الناظرينا

كأن الناس اذ فقدوا عليا

نعام جال في بلد سنينا

فلا واللّه لا أنسى علياً

وحسن صلاته في الراكعينا

تبكى أمَّ كلثوم عليه

بعبرتها وقد رأت اليقينا

ولو انا سئلنا المال فيه

بذلنا المال فيه والبنينا

فلا تشمت معاوية بن حرب

فانّ بقية الخلفاء فينا

وأجمعنا الامارة عن تراض

إلى ابن نبينا وإلى أخينا

١٠٥

وإن سراتنا وذوي حجانا

تواصوا أن نجيب إذا دعينا

بكل مهند عضبٍ وجردٍ

عليهن الكماة مسومينا

وروى ابن قتيبة في الشعر والشعراء قوله :

اذا كنتَ مظلوماً فلا تلف راضيا

عن القوم حتى تأخذَ النصف واغضب

وإن كنت انت الظالم القوم فاطرّح

مقالتهم واشغب بهم كل مَشغب

وقارب بذى جهل وباعد بعالم

جلوب عليك الحق من كل مجلب

وإن حدبوا فاقعس ، وإن هم تقاعسوا

لينتزعوا ماخلف ظهرك فاحدب

وقال :

تعودتُ مس الضر حتى ألفته

وأسلمني طول البلاء الى الصبر

ووسّع صدري للاذى كثرة الاذى

وكان قديماً قد يضيق به صدري

إذا أنا لم اقبل من الدهر كل مآ

ألاقيه منه طال عتبي على الدهر

١٠٦

١٤ ـ ابن مفرغ الحميري :

قال يخاطب عبيد الله بن زياد :

كم يا عبيد الله عندك من دمٍِ

يسعى ليدركه بقتلك ساعي

ومعاشر أُنف أبحت دماءهم

فرّقتهم من بعد طول جماع

اذكر حسيناً وابن عروة هانئاً

وبني عقيلٍ فارس المرباع

١٠٧

يزيد بن ربيعة بن مفرغ (١) كان شاعراً مقداماً هجا زياداً وآل زياد وعرف سجن عبيد الله بن زياد وهو القائل لما استلحق معاوية زياداً ونسبه الى ابيه (٢) :

الا أبلغ معاوية بن حرب

مغلغلة من الرجل اليماني

أتغضب أن يقال ابوك عفّ

وترضى أن يقال أبوك زاني

فاشهد أنّ رحمك من زياد

كرحم الفيل من وَلد الأتان

وأشهد أنها ولدت زياداً

وصخر من سمية غير داني

فاستأذن عبيد الله بن زياد معاوية في قتله فلم يأذن له وأمره بتأديبه فلما قدم ابن زياد البصرة أخذ ابن المفرغ من دار المنذر بن الجارود ـ وكان أجاره ـ فأمر به فسقى دواء ثم حمل على حمار وطيف به وهو يسلخ في ثيابه ، فقال لعبيد الله :

يغسل الماء ماصنعت ، وقولي

راسخ منك في العظام البوالي (٣)

أقول وتمثل سيدنا الحسين عليه‌السلام بشعره لما خرج من دار والي المدينة الوليد بن عتبه بن أبي سفيان ، وكان قد طلب من الحسين البيعة ليزيد ابن معاوية فأبى سيد الشهداء قائلاً : يا أمير انا أهل بيت النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة بنا فتح الله وبنا يختم ومثلي لا يبايع مثله ولكن نصبح وتصبحون وننظر وتنظرون أيّنا أحق بالخلافة ، ثم خرج يتمثل بقول يزيد بن المفرغ :

__________________

١ ـ انما سمي مفرغاً لأنه راهن على سقاء من لبن يشربه كله فشربه حتى فرغه فسمي مفرغاً ، وكان شاعراً غزلا محسناً من شعراء الصدر الأول وزمن معاوية بن ابي سفيان.

٢ ـ وفي خزانة الأدب ، والحيوان : ان هذه الأشعار لعبد الرحمن بن الحكم ـ اخي مروان ـ قال ابو الفرج والناس ينسبونها الى ابن المفرغ لكثرة هجائه لزياد.

٣ ـ هذا البيت من قصيدة يذكر فيها ما فعل به ابن زياد واهمال حلفائه من قريش اياه.

١٠٨

لاذعرت السوام في غسق الصبح

مغيراً ولا دعيت يزيدا

يوم أعطى مخافة الموت ضيماً

والمنايا يرصدنني أن أحيدا

وقال ابن قتيبة في الشعر الشعراء : هو يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري حليف لقريش ، صحب عباد بن زياد بن ابي سفيان فلم يحمده وكان عباد طويل اللحية عريضها ، فركب ذات يوم وابن مفرغ معه في موكبه فهبت الريح فنفشت لحيته قال ابن مفرغ :

ألا ليت اللحي كانت حشيشاً

فنعلفها دواب المسلمينا

فبلغ ذلك عباداً فجفاه وحقد عليه ، فأخذه عبيد الله بن زياد فحبسه وعذبه وسقاه التربذ في النبيذ (١) وحمله على بعير وقرن به خنزيرة ، فامشاه بطنة مشياً شديداً ، فكان يسيل ما يخرج منه على الخنزيرة فتصيءُ ، فكلما صاءت قال ابن مفرغ :

ضجت سميةُ لما مسها القَرنُ

لا تجزعي إن شر الشيمة الجزع

وسمية ام زياد ، فطيف به في أزقة البصرة وأسواقها والناس يصيحون خلفه فمر به فارسي فرآه فقال : ( اين جيست ) ، لما يسيل منه وهو يقول :

أبست نبيذست عصارات زبيبست سمية رو سفيدست.

ومعناه هذا ماء نبيذ ، هذا عصارة زبيب ، وسمية عاهر فلما ألح عليه ما يخرج منه قيل لابن زياد : انه لما به. لا نأمن أن يموت فأمر به فانزل ، فاغتسل فلما خرج من الماء قال :

يغسل الماء مافعلت ، وقولي

راسخ منك في العظام البوالي (٣)

__________________

١ ـ هو راسب زئبقي اصفر.

٢ ـ انظر هذا في الطبري.

٣ ـ والقصيدة طويلة رواها ابو الفرج في الأغاني.

١٠٩

ثم دس اليه غرماءه يقتضونه ويستعدون عليه ففعلوا ذلك فامر ببيع ما وجد له في اعطاء غرمائه ، فكان فيما بيغ له غلام كان رباه يقال له ( بُرد ) كان يعدل عنه ولده ، وجارية يقال لها ( اراكة ) أو ( اراك ) فقال ابن مفرغ فيهما :

يا برد مآ مسنا دهر أضرّ بنا

من قبل هذا ولا بعنا له ولداً

أما الاراك فكانت من محارمنا

عيشاً لذيذاً وكانت جنةً رغدا

لولا الدعي ولولا ما تعرّض لي

من الحوادث ما فارقتها أبداً

وقال من قصيدة له ، وهي أجود شعره :

وشريت برداً ليتني

من بعد برد كنت هامه

أو بومة تدعو الصدى

بين المشقّر واليمآمة

وأَول الشعر :

اصرمت حبلك من أمامه

من بعد أيام برامه (١)

ثم ان عبيد الله بن زياد أمر به فحمل إلى سجستان الى عباد بن زياد ، فحبس بها.

وقال الشيخ القمي في الكنى : ابو عثمان يزيد بن زياد بن ربيعة ابن مفرغ الحميري لقب جده مفرغاً ، وقد هجا عباد بن زياد وعبيد الله بن زياد وقد نكّلا به وحبساه ولولا قومه وعشيرته الذين كانوا مع يزيد بن معاوية لقتلاه ، ومن شعره في لحية عباد ـ وكان عظيم اللحية كأنها جوالق :

ألا ليت اللحى كانت حشيشاً

فتعلفها خيول المسلمينا

وله أيضاً في هجاء زياد :

فاشهدُ أن امك لم تباشر

أبا سفيان واضعة القناع

__________________

١ ـ انظرها في طبقات ابن سلام والخزانة والاغاني والكامل.

١١٠

ولكن كان أمر فيه لبس

على وجل شديد وامتناع

وله في هجاء عبيد الله بن زياد :

وقل لعبيد الله مالك والد

بحق ولا يدري امرءً كيف ينسب

ومن شعره أيضاً :

إن زياداً ونافعاً وأبا بكرةَ

عندي من أعجب العجبِ (١)

هم رجال ثلاثة خلقوا

في رحم أنثى وكلهم لأبِ

ذا قرشي كما يقول وذا

مولى وهذا ابن عمه عربي

توفي سنة ٦٩ هـ بعد ان قضى عمراً تارة في سجن عبيد الله ابن زياد بالبصرة ، واخرى في سجن عباد بن زياد بسجستان ومع ذلك كان ينطلق بهجاء آل زياد فلما طال مقامه في السجن استأجر رسولاً الى دمشق وقال له : إذا كان يوم الجمعة فقف على درج جامع دمشق وانشد هذه الأبيات :

ابلغ سراةَ بني قحطان قاطبةً

عضّت بأير أبيها سادة اليمن

اضحى دعي زياد فقع قرقرة

يا للحوادث يلهو بابن ذي يزن

والحميري صريع وسط مزبلة

هذا لعمرك غبن ليس كالغبن

قولوا جميعاً امير المؤمنين لنا

عليك حق ومنّ ليس كالمنن

اكفف دعيّ زياد عن أكارمنا

ماذا تريد بذي الأحقاد والاحن

ففعل الرسول ما أمره به وأنشد الأبيات فحميت اليمانية وغضبوا وركب طلحة الطلحات الى الحجاز وليس قرشيا وكان ابن مفرغ حليفاً لبني أمية فقال لهم طلحة يا معشر قريش إن اخاكم وحليفكم ابن مفرغ قد ابتلى بهذه الاعبد من بني زياد وهو عديدكم وحليفكم ورجل منكم

__________________

١ ـ أراد بهم اولاد سمية وهم ، زياد ، ونافع وابو بكرة كل واحد من هؤلاء ينتمي وينسب لأب غير الاخر واراد بالنبطي : نافعاً : وبالعربي ابا بكرة. ، وبالمولى زياد لان اباه عبيد كان عبد بني علاج.

١١١

ووالله ما احب أن يجري الله عافيته الى يدي دونكم ولا أفوز بالمكرمة في أمره وتخلوا أنتم منها ، فانهضوا معي بجماعتكم الى يزيد بن معاوية فان أهل اليمن قد تحركوا بالشام.

فركب خالد بن أسيد وامية بن عبد الله اخوه في وجوه خزاعة وكنانة وخرجوا إلى يزيد فبينما هم يسمرون ذات ليلة إذ سمعوا راكباً يتغنى في سواد الليل بقول ابن مفرغ ويقول :

قلت والليل مطبق بعراه

ليتني مت قبل ترك سعيد

ليتني مت قبل تركي أخا

النجدة والحزم والفعال الشديدَ

عبشمي ابوه عبد مناف

فاز منها بتاجها المعقود

قل لقومي لدى الأباطح من آل

لويّ بن غالب ذي الجود

سامني بعدكم دعي زياد

خطة الغادر اللئيم الزهيد

كان ما كان في الاراكة واجتبَّ

ببرد سنام عيشي وجيدي

أوغل العبد في العقوبة والشتم

وأودى بطارفي وتليدي

فارحلوا في حليفكم واخيكم

نحو غوث المستصرخين يزيد

فاطلبوا النصفَ من دعي زياد

وسلوني بما أدعيت شهودي

فدعوه وسألوه ما هذا الذي سمعنا منك تغني به فقال هذا قول رجل والله إن أمره لعجيب رجل ضاع بين قريش واليمن وهو رجل الناس ، قالوا من هو قال ابن مفرغ ، فقالوا والله ما رحلنا إلا فيه وانتسبوا له فعرفهم وانشد قوله :

لعمري لو كان الأسير بن معمر

وصاحبه أو شكله ابن اسيد

ولو أنهم نالوا أمية أر قلت

براكبها الوجناء نحو يزيد

فابلغت عذراً في لؤى ابن غالب

واتلفت فيهم طارفي وتليدي

فإٍن لم يغيرها الإمآم بحقها

عدلت الى شُمٍ شوامخ صيد

١١٢

فناديت فيهم دعوة يمنية

كما كان آبائي دعوا وجدودي

ودافعت حتى ابلغ الجهد عنهم

دفاع امرىء في الخير غير زهيد

فإن لم تكونوا عند ظني بنصركم

فليس لها غير الأغر سعيد

بنفسي وأهلي ذاك حياً وميتاً

نضارُ وعود المرء أكرم عود

فكم من مقام في قريش كفيته

ويوم يشيب الكاعبات شديد

وخصم تحامآه لؤى بن غالب

شببت له ناري فهاب وقودي

وخير كثير قد أفأتُ عليكم

وأنتم رقود أو شبيه رقود

فاسترجع القوم وقالوا : والله ذلت رؤوسنا في العرب إن لم نغسلها بكفه ، فاغذّ القوم السيرَ حتى قدموا الشام وهناك اجتمعوا مع اليمانية ودخلوا على يزيد وكلموه فأمر بتسريح ابن مفرغ وأرسل بذلك مع رجل له خمخام فأطلقه.

ومن قول ابن مفرغ يذكر هرب عبيد الله بن زياد وتركه أمه :

أعبيدُ هلا كنتَ أول فارس

يوم الهياج دعا بحتفك داعي

أسلمت امك والرماح تنوشها

يا ليتني لك ليلة الأفزاع

إذ تستغيث وما لنفسك مانع

عبد تردده بدار ضياع

هلا عجوز إذ تمد بثديها

وتصيح ان لا تنزعنّ قناعي

فركبت رأسك ثم قلت أرى العدا

كثروا وأخلف موعد الاشياع

فانجي بنفسك وابتغي نفقاً فما

لي طاقة بكِ والسلام وداعي

ليس الكريم بمن يخلّف امه

وفتاتَه في المنزل الجعجاع

حذر المنية والرياح تنوشه

لم يرم دون نسائه بكراع

متأبطاً سيفاً عليه يلمـَّق

مثل الحمآر أثرته بيفاع

لا خير في هذرِ يهز لسانه

بكلامه والقلب غيرَ شجاع

لابن الزبير غداةً يذمر مبدراً

أولى بغاية كل يوم وقاع

١١٣

واحق بالصبر الجميل من امرىءِ

كزّ انامله قصير الباع

جعد اليدين عن السماحة والندى

وعن الضريبة فاحشِ منّاع

كم يا عبيد الله عندك من دمِ

يسعى ليدركه بقتلك ساعي

ومعاشر أنفٍ أبحت حريمهمٍ

فرقتهم من بعد طول جماع

أذكر حسيناً وابن عروة هانئاً

وبني عقيلٍ فارس المرباع

وقال ابن مفرغ في مقتل ابن زياد بالزاب :

ان الذي عاش حثاراً بذمته

ومات عبداً قتيل الله بالزابِ

العبد للعبد لا أصل ولا طرف

ألوت به ذات أظفار وأنياب

إن المنايا اذا مازرن طاغيةً

هتكن عنه ستوراً بين أبواب

هلا جموع نزار إذ لقيتهم

كنت امرءً من نزار غير مرتاب

لا انت زاحمت عن ملك فتمنعه

ولا مددت إلى قوم بأسباب

ما شق جيب ولا ناحتك نائحة

ولا بكتك جياد عند أسلاب

قال الطبري في تاريخه وفي سنة ٥٩ كان ما كان من امر يزيد بن مفرغ الحميري وعباد بن زياد وهجاء يزيد بني زياد ، وقال :

ان يزيد بن ربيعة بن مفرغ كان مع عباد بن زياد بسجستان فاشتغل عنه بحرب الترك فاستبطأه فاصاب الجند مع عباد ضيق في إعلاف دوابهم فقال ابن مفرغ :

ألا ليت اللحي كانت حشيشا

فيعلفها خيول المسلمينا

ولقد مر ما صنع به عبيد الله ثم حمله الى عباد بسجستان فكلمت اليمانية فيه بالشام معاوية فأرسل رسولاً الى عباد فحمل ابن مفرغ من عنده حتى قدم على معاوية فقال في طريقه :

عدس ما لعبّادٍ عليك إمارة

نجوتِ وهذا تحملين طليقُ

١١٤

١٥ ـ عبيد الله بن عمرو الكندي البدي :

سعيدَ بن عبد الله لا تنسينه

ولا الحر إذ آسى زهيراً على قسر

فلو وقفت صمّ الجبال مكأنهم

لمارت على سهل ودكّت على وعر

فمن قائم يستعرض النبلَ وجهه

ومن مقدم يلقى الاسنة بالصدر

١١٥

قال الشيخ المامقاني في تنقيح المقال : عبيدالله بن عمرو الكندي ذكره علماء السير وانه كان فارساً شجاعاً كوفياً شيعياً شهد مع أمير المؤمنين مشاهده كلها وبايع مسلم بن عقيل ، وكان يأخذ البيعة من أهل الكوفة للحسين وعقد له مسلم راية على ربع كندة يوم حاصر قصر الامارة فلما تخاذل الناس عن مسلم واطمأن ابن زياد ارسل الحصين بن نمير فقبض على عبيدالله واحضره امامه فسأله ممن انت ، قال من كندة قال : انت صاحب راية كندة وربيعة قال نعم ، قال انطلقوا به فاضربوا عنقه فانطلقوا به فضربوا عنقه رضوان الله عليه.

قال التستري صاحب ( قاموس الرجال ) : انما روى الطبري عقد مسلم له على ربع كندة وربيعة واما اخذه وقتله فلا.

وحيث ان الشاعر قد ذكر في الابيات اسماء الأبطال الثلاثة من اصحاب الحسين عليه‌السلام ، رأينا ان نذكر ترجمة كل واحد منهم بالمناسبة :

١ ـ سعيد بن عبد الله الحنفي :

كان ممن استشهد مع الحسين يوم الطف وكان من وجوه الشيعة بالكوفة ، وذوي الشجاعة والعبادة فيهم ، وكان ممن حمل الكتب إلى الحسين عليه‌السلام من اهل الكوفة إلى مكة والحسين فيها ، ولما خطب الحسين اصحابه في اللية العاشرة من محرم وأذن لهم بالتفرق فأجابه اهل بيته ثم قام سعيد بن عبد الله فقال : والله لا نخليك حتى يعلم الله إنا قد حفظنا نبيه محمداً فيك. والله لو علمت أني أُقتل في أُحيي ثم احرق حيَّاً ثم أُذر. يفعل بي ذلك سبعين مرة ما فارقتك حتى القي حمامي دونك ، فكيف لا أفعل ذلك وإنما هي قتلة واحدة ثم الكرامة التي لا انقضاء لها ابداً.

وروى ابن مخنف انه لما صلى الحسين الظهر صلاة الخوف. اقتتلوا

١١٦

بعد الظهر فاشتد القتال ، ولما قرب الأعداء من الحسين ، وهو قائم بمكانه ، استقدم سعيد الحنفي امام الحسين فاستهدف لهم يرمونه بالنبل يميناً وشمالاً وهو قائم بين يدي الحسين يقيه السهام طوراً بوجهه وطوراً بصدره وطوراً بيديه وطوراً بجبينه فلم يكد يصل إلى الحسين شيء من ذلك حتى سقط الحنفي إلى الارض وهو يقول اللهم ألعنهم لعن عاد وثمود. اللهم أبلغ نبيك عني السلام وأبلغه ما لقيت من ألم الجراح فاني أردت ثوابك في نصرة نبيك ، ثم ألتفت إلى الحسين فقال ، أوفيت يابن رسول الله ، قال نعم أنت أمامي في الجنة ثم فاضت نفسه النفيسة.

٢ ـ الحر بن يزيد الرياحي :

تقدت ترجمته في ص ٨٢ ـ ٨٩ من هذه الموسوعة.

٣ ـ زهير بن القين بن قيس الانماري البجلي :

كان زهير رجلاً شريفاً في قومه ، نازلا فيهم بالكوفة ، شجاعاً ، له في المغازي مواقف مشهورة ، ومواطن مشهودة ، وكان أولاً عثمانياً فحج سنة ستين في اهله ، ثم عاد فوافق الحسين في الطريق ، فهداه الله وانتقل علويا ، ( روى ) ابو مخنف عن بعض الفزاريين ، قال كنا مع زهير بن القين حين أقبلنا من مكة نساير الحسين عليه‌السلام فلم يكن شيء ابغض الينا من ان نسايره في منزل ، فاذا سار الحسين عليه‌السلام تخلف زهير ، واذا نزل الحسين تقدم زهير ، حتى نزلنا يوماً في منزل لم نجد بُدّاً من أن ننازله فيه فنزل الحسين في جانب ونزلنا في جانب فبينا نحن نتغدى من طعام لنا ، وإذا أقبل رسول الحسين (ع) فسلم ودخل ، فقال يا زهير بن القين : إن ابا عبدالله الحسين بن علي بعثني اليك لتأتيه ، فطرح كل انسان منا ما في يده حتى كأن على رؤسنا الطير ، ( قال ) ابو مخنف : فحدثتني دلهم بنت عمرو امرأة زهير قالت : فقلت له ايبعث اليك ابن رسول الله (ص)

١١٧

ثم لا تأتيه ، سبحان الله لو أتيته فسمعت من كلامه ثم انصرفتَ.

قالت فأتاه زهير بن القين : فما لبث ان جاء مستبشرا قد اسفر وجهه فأمر بفسطاطه وثقله ومتاعه فقوّض وحمل إلى الحسين (ع) ثم قال لي : انت طالق ، الحقي بأهلك ، فأني لا احب ان يصيبك بسببي إلّا خير ، ثم قال لأصحابه من احب منكم أن يتبعني ، والا فانه آخر العهد ، إني سأحدثكم حديثا ، غزونا بلنجر (١) ، ففتح الله علينا وأصبنا غنائم ، فقال لنا سلمان افرحتم بما فتح الله عليكم : واصبتم من المغانم؟ فقلنا نعم فقال : اذا ادركتم شباب آل محمد (ص) فكونوا اشد فرحاً بقتالكم معه بما اصبتم من المغانم ، فأما انا فاني استودعكم الله ، قال ثم والله ما زال اول القوم حتى قتل معه.

( وقال ) ابو مخنف لما عارض الحر بن يزيد ، الحسين (ع) في الطريق واراد أن ينزله حيث يريد ، فأبى الحسين (ع) عليه ، ثم انه سايره فلما بلغ ذا حسم خطب اصحابه خطبته التي يقول فيها ، اما بعد فانه قد نزل بنا من الأمر ما قد ترون ( الخ ) ، فقام زهير ، وقال لاصحابه أتتكلمون أم أتكلم ، قالوا بل تكلم : فحمد الله واثنى عليه ، ثم قال قد سمعنا هداك الله يابن رسول الله (ص) مقالتك والله لو كانت الدنيا لنا باقية ، وكنا فيها مخلدين ـ إلا أنّ فراقها في نصرك ومواساتك ـ لآثرنا النهوض معك على الاقامة فيها ، فدعا له الحسين وقال له خيراً ( وروى ) ابن مخنف ان الحر لما ضايق الحسين عليه‌السلام بالنزول : واتاه أمر ابن زياد ان ينزل الحسين على غير ماء ولا كلاء ولا في قرية ، قال له الحسين ، دعنا ننزل في هذه القرية. يعني نينوى او هذه يعني الغاضرية ، او هذه يعني شفيّة ، فقال الحر : لا والله

__________________

١ ـ بلنجر بالباء الموحدة واللام المفتوحتين والنون الساكنة والجيم المفتوحة والراء المهملة هي مدينة في الخزر.

١١٨

لا استطيع ذلك ، هذا رجل قد بعث عليَّ عينا. فقال زهير للحسين (ع) يابن رسول الله (ص) ، ان قتال هؤلاء اهون علينا مَن قتال من بعدَهم ، فلعمري ليأتينا من بعدهم ما لا قبل لنا به فقال له الحسين (ع) : ما كنت لأبدئهم بقتال فقال له زهير : فسر بنا إلى هذه القرية فانها حصينة وهي على شاطيء الفرات ، فان منعونا قاتلناهم ، فقتالهم أهون من قتال من يجيء من بعدهم ، فقال الحسين عليه‌السلام واية قرية هي : قال العقر ، فقال الحسين (ع) اللهم اني اعوذ بك من العقر ، فنزل بمكانه وهو كربلاء.

وقال ابو مخنف لما اجمع عمر بن سعد على القتال نادى شمر بن ذي الجوشن : يا خيل الله اركبي وابشري بالجنة ، والحسين عليه‌السلام جالس امام بيته ، محتب بسيفه وقد وضع رأسه على ركبته من نعاس ، فدنت اخته زينب منه وقالت : يا اخي قد اقترب العدو ، وذلك يوم الخميس التاسع من المحرم بعد العصر ، وجائه العباس ، فقال يا أخي أتاك القوم ، فنهض ، ثم قال يا عباس اركب اليهم حتى تسألهم عما جاء بهم ، فركب العباس في عشرين فارسا منهم حبيب بن مظاهر وزهير ابن القين ، فسألهم العباس ، فقالوا جاء أمر الامير بالنزول على حكمه او المنازلة ، فقال لهم العباس : لا تعجلوا حتى أرجع الى ابي عبد الله فاعرض عليه ما ذكرتم ، فوقفوا وقالوا له القه فاعلمه ثم القنا بما يقول ، فذهب العباس راجعاً ووقف اصحابه ، فقال حبيب لزهير كلم القوم إن شئت وإن شئت كلمتهم انا : فقال زهير انت بدأت فكلمهم فكلمم فردّ عليه عزرة بن قيس بقوله : إنك لتزكي نفسك ما استطعت ، فقال له زهير : ان الله قد زكائها وهداها فاتق الله يا عزرة ، فاني لك من الناصحين انشدك الله يا عزرة أن تكون ممن يعين الضلال على قتل النفوس الزكية ، فقال عزرة : ما كنت عندنا من شيعة هذا البيت انما كنت عثمانياً ، قال أفلا تستدل بموقفي هذا على اني منهم ، اما

١١٩

والله ما كتبت اليه كتاباً قط ، ولا أرسلت اليه رسولا قط ، ولا وعدته نصرتي قط ، ولكن الطريق جمع بيني وبينه ، فلما رأيته ذكرت به رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ومكانه منه ، وعرفت ما يقدم عليه من عدوه وحزبكم ، فرأيت أن أنصره وأن أكون في حزبه وأن أجعل نفسي دون نفسه ، حفظاً لما ضيعتم من حق الله وحق رسوله ، قال واقبل العباس. فسألهم امهال العشية ، فتوامروا ، ثم رضوا فرجعوا.

( وروى ) ابو مخنف عن الضحاك بن عبد الله المشرقي قال : لما كانت الليلة العاشرة خطب الحسين (ع) اصحابه واهل بيته ، فقال في كلامه : هذا الليل قد غشيكم ، فاتخذوه جملاً ، وليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من اهل بيتي ، فان القوم انما يطلبوني ، فأجابه العباس وبقية اهله ، ثم اجابه مسلم بن عوسجة واجابه سعيد ، ثم قالم زهير فقال والله لوددت اني قتلت ثم نشرت ثم قتلت حتى أقتل كذا ألف قتلة ، وانّ الله يدفع بذلك القتل عن نفسك ، وعن انفس هؤلاء الفتية من اهل بيتك ( وقال ) اهل السير لما صف الحسين (ع) اصحابه للقتال ، وانما هم زهاء السبعين ، جعل زهير على الميمنة ، وحبيباً على الميسرة ووقف في القلب واعطى الراية لأخيه العباس ، ( وروى ) ابو مخنف عن علي بن حنظلة بن سعد الشبامي عن كثير بن عبد الله الشعبي البجلي ، قال لما زحفنا قبل الحسين عليه‌السلام ، خرج الينا زهير بن القين. على فرس له ذنوب ، وهو شاك في السلاح ، فقال يا اهل الكوفة. نذار لكم من عذاب الله نذار انّ حقنا على المسلم نصيحة اخيه المسلم ، ونحن حتى الآن اخوة وعلى دين واحد وملة واحدة ما لم يقع بيننا وبينكم السيف ، فاذا وقع السيف انقطعت العصمة وكنا امة وكنتم امة ، انّ الله قد ابتلانا واياكم بذرية نبيه ، لينظر ما نحن وانتم عاملون ، انا ندعوكم إلى نصرهم وخذلان الطاغية عبيد الله بن زياد فانكم لا تدركون منهما إلا السوءَ عمرَ سلطانهما

١٢٠