🚘

همع الهوامع - ج ١

جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي

همع الهوامع - ج ١

المؤلف:

جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي


الموضوع : اللغة والبلاغة
الناشر: دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع
🚘 نسخة غير مصححة

البناء

(ص) والبناء ضده.

(ش) البناء ضد الإعراب فعلى القول بأنه لفظي يحد كما أفصح به في «التسهيل» بأنه : ما جيء به لا لبيان مقتضى عامل من حركة أو حرف أو سكون أو حذف ، وعلى أنه معنوي يحد كما قال ابن جني في «الخصائص» بأنه : لزوم آخر الكلمة ضربا واحدا لا لشيء أحدث ذلك من العوامل ، ولذلك سمي بناء للزومه طريقة واحدة كلزوم البناء موضعه ، وينقسم أيضا إلى ظاهر ك : اضرب وضرب ، وإلى مقدر ك : عدّ أو ردّ أمرا ، ومحله آخر الكلمة كما مثل ، ولا يكون فيما نزل منزلته فيما أعلم ، وهو فرع في الأسماء ، وقيل : في الأفعال ، وقيل : فيهما

أقسام المبني :

(ص) والمبني الحروف والماضي ، وكذا الأمر خلافا للكوفية ، والاسم قيل : إن أشبه الفعل المبني ، وقيل : إن لم يركب ، وقيل : إن تضمن معنى الحرف ، وقيل : أو وقع موقع مبني ، أو ضارع ما وقع أو أضيف إليه ، وقيل : أو كثرت علل منع الصرف ، والمختار وفاقا لابن مالك وأبي الفتح وأبي البقاء إن أشبه الحرف بلا معارض.

(ش) هذا حصر للمبنيات فالمجمع على بنائه الحروف والماضي ؛ لعدم وجود مقتضى الإعراب السابق فيهما ، فإن قيل : قد يحصل الإلباس في بعض الحروف ، ألا ترى أن لام الأمر ولام كي صورتهما واحدة والمعنى مختلف ، وكذا لا في النهي ولا في النفي ، وأجيب بحصول الفرق بتقدم العامل على لام كي ووقوع لام الأمر ابتداء ، وأنه إذا خيف التباس لا النافية بالناهية أتي بغيرها من حروف النفي نحو : ما.

وأما الأمر فالبصرية على بنائه ، والكوفية على إعرابه ، ومنشأ الخلاف الاختلاف السابق في أن الإعراب أصل في الأفعال أيضا أو لا ، فعلى الأول هو معرب ؛ لأنه الأصل فيه ولا مقتضي لبنائه ، وعلى الثاني هو مبني ؛ لأنه الأصل فيه ولا مقتضي لإعرابه ، وربما علل الكوفية ذلك بأنه مقتطع من المضارع فأعرب كأصله ، والبصرية لا يرون ذلك ، بل يقولون : إنه أصل برأسه كما تقدم ، فالخلاف في هذه المسألة مبني على الخلاف في أصلين ، وهذا أمر لطيف نذكره إن شاء الله تعالى في كتاب السلسلة الذي عزمنا أن نؤلفه محاكاة «لسلسلة الجويني» في الفقه و «لسلاسل الذهب» للزركشي في الأصول.

٤١

والاسم بعضه مبني قطعا ، ثم اختلف في سبب البناء هل هو شيء واحد أو أكثر؟ فذهب كثيرون إلى الثاني فمنهم من قال : من أسبابه شبه الفعل المبني ومثله ب : نزال وهيهات فإنهما بنيا لشبههما ب : انزل ، وبعد في المعنى ، ورد هذا طردا بلزوم بناء سقيا لك وضربا زيدا ؛ لأنهما بمعنى الأمر ، وعكسا بلزوم إعراب أف وأوه ؛ لأنهما بمعنى أتضجر وأتوجع المعربين.

ومنهم من قال : من أسبابه عدم التركيب ، وعلى هذا ابن الحاجب حيث قال : المبني ما ناسب مبني الأصل أو وقع غير مركب ، فعنده أن الأسماء قبل التركيب مبنية ، وقيل : أسباب البناء تضمن معنى الحرف كأسماء الشرط والاستفهام ، ووقوعه موقع المبني ك : نزال الواقع موقع انزل ، ويا زيد الواقع موقع كاف الخطاب ، ومضارعته لما وقع موقع المبني كالعلم المؤنث المعدول ك : حذام فإنه ضارع نزال الواقع موقع انزل في العدل والتعريف ، وإضافته إلى مبني كأسماء الزمان المضافة إلى جملة أولها ماض.

وزاد بعضهم أن تكثر علل منع الصرف ، قال ابن جني في «الخصائص» : ذهب بعضهم إلى أنه إذا انضم إلى سببين من أسباب منع الصرف ثالث امتنع الاسم من الإعراب أصلا ؛ لأنه ليس بعد منع الصرف إلا ترك الإعراب ، ومثل ذلك بحذام وقطام وبابه ، فإن ثم العلمية والتأنيث والعدل عن حاذمة وقاطمة ، قال : وما ذكره فاسد ؛ لأن سبب البناء في الاسم ليس طريقه طريق حديث الصرف ، وتركه إنما سببه مشابهة الاسم للحرف لا غير ، وقوله : ليس بعد منع الصرف إلا ترك الإعراب ممنوع ، وتمثيله بباب حذام مردود فإن سبب البناء فيه شبهه بدراك ونزال ، وقد وجدنا ما اجتمع فيه خمسة أسباب من موانع الصرف ولم يبن وذلك أذربيجان فإن فيه العلمية والتأنيث والعجمة والتركيب والألف والنون اه كلام ابن جني.

والذي جزم به ابن مالك في كتبه أنه لا سبب للبناء سوى شبه الحرف فقط وهذا هو المختار ، ونقله جماعة من المتأخرين عن ظاهر كلام سيبويه ، وصرح به ابن جني في «الخصائص» كما تقدم في كلامه ، وكذلك أبو البقاء في «التلقين» ، ثم رأيته أيضا في «تقييد» أكمل الدين العطار ، وعبارته : «وأما ما بني من الأسماء فإنما بني لشبهه بالحرف ، ثم حكى كلامهم في البناء للخروج عن النظائر وللوقوع موقع الأمر ، ثم قال : وهذا إنما هو على وجه التقريب ، والصحيح أن كل اسم بني فإنما بني لشبهه بالحروف ، وهذا الشبه على ضربين لفظي ومعنوي ، فاللفظي نحو : كم ؛ لأنها أشبهت هل ؛ لكونها على حرفين ،

٤٢

والمعنوي أن يتضمن معنى الحرف أو يكون مفتقرا إلى ما بعده ، وهذا مذهب الحذاق من النحويين» اه كلامه بحروفه.

ثم إن شبه الحرف إنما يؤثر حيث لم يعارضه معارض فإن عارضه ما يقتضي الإعراب فلا أثر له وذلك كأيّ شرطا واستفهاما وموصولة ، فإنها معربة مع مشابهتها للحرف في الأحوال الثلاثة ، لكن عارض هذا الشبه لزومها للإضافة ، وكونها بمعنى كل إن أضيفت إلى نكرة ، وبمعنى بعض إن أضيفت إلى معرفة ، فعارضت مناسبتها للمعرب مناسبتها للحرف فغلبت مناسبة المعرب ؛ لأنها داعية إلى ما هو مستحق بالأصالة ، ونقضه أبو حيان ب : لدن فإنها ملازمة للإضافة ، بل هي أقوى من أي فيها ، فإنها لا تنفك عنها لفظا وهي مبنية ، وقال بعضهم : إنما أعربت أيّ تنبيها على الأصل ليعلم أن أصل المبنيات الإعراب ، كما صححوا بعض الأسماء والأفعال التي وجب إعلالها تنبيها على أن الأصل فيها التصحيح ، وبذلك جزم ابن الأنباري في كتابه «لمع الأدلة».

شبه الحرف :

(ص) في وضعه على حرف أو حرفين وأب ونحوه ثلاثي ، ومع لزمت الإضافة ، وقيل : أصلها معي ، ومعناه ولو لم يوضع كالإشارة ، وذان وتان للتنبيه ، واستعماله بأن ينوب عن الفعل ولا يتأثر كأسماء الأفعال ، وقيل : هي منصوبة بمضمر ، وقيل : هي مبتدآت فلتضمنها لام الأمر ، وحمل الباقي وافتقاره بتأصل كموصول ، وإهماله كأوائل السور ، ولفظه ك : حاشا ، وعلة المضمر المعنوي ، أو الافتقار ، أو الوضع في كثير ، أو استغناؤه باختلاف صيغه احتمالات.

(ش) الوجوه المعتبرة في شبه الحرف ستة :

أحدها : الوضعي بأن يكون الاسم موضوعا على حرف أو حرفين ، فإن ذلك هو الأصل في وضع الحرف ؛ إذ الأصل في وضع الاسم والفعل أن يكون على ثلاثة : حرف يبتدأ به ، وحرف يوقف عليه ، وحرف فاصل بينهما ، والحروف إنما جيء بها ؛ لأنه اختصر بها الأفعال ؛ إذ معنى ما قام زيد نفيت القيام عن زيد ، فلا بد أن تكون أخصر من الأفعال ، وإلا لم يكن للعدول عنها إليها فائدة ، فإن أورد على ذلك نحو : أب وأخ وحم وهن وفم وذي ويد ودم فإنها معربة مع كونها على حرفين ، فالجواب أنها وضعت ثلاثية ثم حذفت لاماتها ، والعبرة بالوضع الأصلي لا بالحذف الطارئ ، فإن أورد على ذلك مع فإنها

٤٣

وضعت على حرفين مع أنها معربة على الأصح كما سيأتي في الظروف ، فالجواب أن ذلك للزومها للإضافة وذلك معارض للشبه كما تقدم في أي ، وقيل : إنها ثلاثية الوضع وإن أصلها معي فحذفت لامها اعتباطا ولذا ردت إليها عند نصبها على الحال فيقال : معا.

تنبيه : قال أبو حيان : لم أقف على مراعاة الشبه الوضعي إلا لابن مالك ، وقال ابن الصائغ : قال سيبويه في باب التسمية : إذا سميت بباب اضرب قلت : اب باجتلاب همزة الوصل وبالإعراب.

قال ابن هشام : وهذا ينفي اعتبار الشبه الوضعي.

الثاني : المعنوي بأن يتضمن الاسم معنى من المعاني التي حقها أن تكون للحرف ، سواء وضع لذلك المعنى حرف كأدوات الاستفهام والشرط ، أم لم يوضع كأسماء الإشارة فإنها بنيت لتضمنها معنى كان حقه أن يوضع له حرف يدل عليه وهو الإشارة ؛ لأنه كالتنبيه والتشبيه والخطاب وغير ذلك من معاني الحروف ، لكن لم يوضع له حرف يدل عليه كذا قيل.

واعترضه الشيخ سعد الدين بأنهم قد صرحوا بأن اللام العهدية يشار بها إلى معهود ذهنا وهي حرف ، فقد وضعوا للإشارة حرفا ، غاية ما في الباب أنها للإشارة الذهنية ، ولا فرق بينها وبين الخارجية فإن أورد على هذا الشبه تثنية اسم الإشارة فإنها معربة بالألف رفعا والياء نصبا وجرا ، فالجواب أن ذلك لمعارضة الشبه بالتثنية التي هي من خصائص الأسماء.

الثالث : الاستعمالي بأن يكون الاسم نائبا عن الفعل ، أي : عاملا عمله ويكون مع ذلك غير متأثر بالعوامل لا لفظا ولا محلا ، وذلك أسماء الأفعال فإنها تلزم النيابة عن أفعالها فتعمل عملها ولا تتأثر هي بالعوامل ، فأشبهت الحروف العاملة عمل الفعل وهي إن وأخواتها ، فإنها تعمل عمل الفعل ولا تتأثر بالعوامل ، وهذا على مذهب من يرى أن أسماء الأفعال لا محل لها من الإعراب وهو رأي الأخفش ونسبه في «الإيضاح» للجمهور ، وفيها قولان آخران ، أحدهما : أن محلها نصب بأفعال مضمرة وعليه المازني ، والثاني : أنها في محل رفع بالابتداء وأن مرفوعها أغنى عن الخبر كما في أقائم الزيدان ، وعلى القولين إنما بنيت لتضمن الأمر منها لام الأمر ، وحمل الباقي عليه طردا للباب.

واحترزنا بقولنا : «ولا يتأثر» من المصدر الواقع بدلا من فعله نحو : (فَضَرْبَ

٤٤

الرِّقابِ) [محمد : ٤] ، فإنه ينوب عن الفعل ويتأثر بالعوامل فأعرب ؛ لعدم مشابهته للحرف ، وكذلك اسم الفاعل ونحوه مما يعمل عمل الفعل.

الرابع : الافتقاري بأن يكون الاسم لازم الافتقار إلى ما يتمم معناه كالموصولات والغايات المقطوعة عن الإضافة وإذا ونحوها ، بخلاف ما لا يلزم الافتقار كافتقار النكرة الموصوفة بجملة إلى صفتها ، والفاعل للفعل ، والمبتدأ للخبر ، وإعراب اللذان واللتان لما تقدم في ذان وتان.

الخامس : الإهمالي ذكره ابن مالك في «الكافية الكبرى» ومثل له في شرحها بأوائل السور ، فإنها تشبه الحروف المهملة ك : بل ولو في كونها لا عاملة ولا معمولة ، وهذا على القول بأن أوائل السور لا محل لها من الإعراب ؛ لأنها من المتشابه الذي لا يدرك معناه ، وقيل : إنها في محل رفع على الابتداء أو الخبر أو نصب ب : اقرأ أو جر قسما ، وجعل بعضهم من هذا النوع الأسماء قبل التركيب وأسماء الهجاء المسرودة كألف باء تاء ثاء جيم ، وأسماء العدد كواحد اثنين ثلاثة.

السادس : ذكر ابن مالك في حاشا الاسمية أنها بنيت لشبهها بحاشا الحرفية في اللفظ ، ومثلها على الاسمية ، وكلّا بمعنى حقا ذكرهما ابن الحاجب.

وقد يجتمع في مبني شبهان فأكثر ، ومن ذلك المضمرات فإن فيها الشبه المعنوي ؛ إذ التكلم والخطاب والغيبة من معاني الحروف ، والافتقاري ؛ لأن كل ضمير يفتقر إلى ما يفسره ، والوضعي ؛ إذ غالب الضمائر على حرف أو حرفين ، وحمل الباقي عليه ليجري الباب على سنن واحد.

زاد ابن مالك في «التسهيل» : والجمودي فإنه عديم التصرف في لفظه بوجه حتى بالتصغير والوصف ، وهذا ليس واحدا من الوجوه الستة ، ويمكن رجوعه إلى اللفظي بتكلف.

زاد أيضا : والاستغناء باختلاف صيغة لاختلاف المعاني ، وذلك مغن عن الإعراب ؛ لحصول الامتياز به وهذه علة عدمية خارجة عن الوجوه الستة أيضا ، وفي «أمالي» ابن الحاجب : إنما كفى في بناء الاسم شبهه للحرف من وجه واحد بخلاف منع الصرف فلا بد فيه من شبهه بالفعل من وجهين ؛ لأن الشبه الواحد بالحرف يبعده عن الاسمية ويقربه مما

٤٥

ليس بينه وبينه مناسبة إلا في الجنس الأعم وهو كونه كلمة ، وشبه الاسم بالفعل وإن كان نوعا آخر إلا أنه ليس في البعد عن الاسم كالحرف.

المعرب من الأسماء والأفعال :

(ص) والمعرب اسم بخلاف ذلك ، والمضارع لشبهه في اعتوار المعاني ، وقيل : إبهامه وتخصيصه ، قيل : ودخول اللام ، قيل : وجريانه ، فإن لحقته نون إناث بني خلافا لابن درستويه ، أو تأكيد فثالثها الأصح إن باشرت لا تنفيس ، خلافا لابن درستويه.

(ش) المعرب من الأسماء ما عري من أسباب البناء السابقة وهو كثير جدا ، قال ابن خروف : أكثر الأسماء معرب وأكثر الأفعال مبني ، والمعرب من الأفعال المضارع بالإجماع ، لكن اختلف في علة إعرابه :

فقال البصريون : إنما أعرب لمشابهته الاسم في إبهامه وتخصيصه فإنه يصلح للحال والاستقبال ، ويتخلص إلى أحدهما بأحد الأمور السابقة ، كما أن الاسم يكون مبهما بالتنكير ويتخصص بالتعريف ، قيل : وفي دخول لام الابتداء عليه كما تدخل على الاسم ، فإن ذلك يدل على مشابهة بينهما ولذا لم تدخل على الماضي والأمر ، والأصح أنه لا عبرة بدخول اللام في الشبه ؛ لأنها دخلت بعد استحقاق الإعراب لتخصيص المضارع بالحال كما خصصته السين ونحوها بالاستقبال ، وزاد بعضهم في وجوه الشبه جريانه على حركات اسم الفاعل وسكناته.

وقال الكوفيون : إنما أعرب ؛ لأنه تدخله المعاني المختلفة والأوقات الطويلة ، قال صاحب «البديع» : وذلك أنه يصلح للأزمنة المختلفة من الحال والاستقبال والماضي نحو : يضرب الآن ولن يضرب غدا ولم يضرب أمس ، كما أن الاسم يصلح للمعاني المختلفة من الفاعلية والمفعولية والإضافة.

وقال ابن مالك : بل وجه الشبه أنه يعرض له بعد التركيب معان مختلفة تتعاقب على صيغة واحدة كما يعرض ذلك في الاسم ولا يميز بينها إلا الإعراب كما في مسألة لا تأكل السمك وتشرب اللبن ، فلما كان الاسم والفعل شريكين في قبول المعاني بصيغة واحدة اشتركا في الإعراب ، لكن الاسم ليس له ما يغنيه عن الإعراب ؛ لأن معانيه مقصورة عليه والمضارع قد يغنيه عن الإعراب تقدير اسم مكانه ، فلهذا جعل في الاسم أصلا والمضارع

٤٦

فرعا ، قال : والجمع بينهما بذلك أولى من الجمع بينهما بالإبهام والتخصيص ودخول لام الابتداء ومجاراة اسم الفاعل ؛ لأن المشابهة بهذه الأمور بمعزل عما جيء بالإعراب لأجله بخلاف المشابهة التي اعتبرتها اه.

قال ابن هشام : وهذا مركب من مذهب البصريين والكوفيين معا ، فإن البصريين لا يسلمون قبوله ويرون إعرابه بالشبه ، والكوفيون يسلمون ويرون إعرابه كالاسم ، وابن مالك سلم وادعى أن الإعراب بالشبه.

فإن لحقت المضارع نون إناث بني ، وذكر له ثلاث علل الحمل على الماضي المتصل بها ، ونقصان شبهه بالاسم ؛ لأن النون من خصائص الأفعال كما تعارض الإضافة ونحوها سبب البناء وتركبه معها ؛ لأن الفاعل كالجزء من فعله.

فإن قيل : فيلزم بناؤه إذا اتصل به ألف أو واو أو ياء ، قيل : منع من ذلك شبهه بالمثنى والجمع ، وادعى ابن مالك في شرح «التسهيل» أنه لا خلاف في بنائه معها وليس كذلك ، فقد قال بإعرابه حينئذ جماعة منهم ابن درستويه والسهيلي وابن طلحة ، وعللوه بأنه قد استحق الإعراب فلا يعدم إلا لعدم موجبه ، وبقاء موجبه دليل على بقائه فهو مقدر في الحرف الذي كان فيه ظاهرا ، ومنع من ظهوره ما عرض فيه من الشبه بالماضي.

وإن لحقته نون توكيد فأقوال :

أصحها : بناؤه إن باشرت لتركبه معها وتنزله منزلة صدر المركب من عجزه ، وإعرابه إن فصلت منه بألف اثنين أو واو جمع أو ياء مخاطبة ولو تقديرا لعدم التركيب مع الحاجز ؛ إذ لا تركب ثلاثة أشياء فتجعل شيئا واحدا ، ويدل على إعرابه حينئذ رجوع علامة الرفع عند الوقف على المؤكد بالخفيفة نحو : هل تفعلن ، فإنه عند الوقف تحذف وترد الواو والنون فيقال : هل تفعلون ، ولو كان مبنيا لم يختلف حال وصله ووقفه.

والثاني : مبني مطلقا لضعف شبهه بالاسم ب : النون التي هي من خصائص الأفعال فرجع إلى أصله.

والثالث : الإعراب مطلقا كمثل ما قال ابن درستويه في نون الإناث.

وإن لحقه حرف تنفيس وهو السين وسوف فالجمهور على إعرابه ، وزعم ابن درستويه أنه مبني ؛ لأنه لا يوجد معه إلا مضموما ، ولأنه صار به مستقبلا فأشبه الأمر ، وأجيب بأن لزوم ضمه لعدم الناصب والجازم ؛ إذ لا يدخلان عليه ؛ لأن النواصب وبعض الجوازم

٤٧

للاستقبال ، وهم لا يجمعون حرفين لمعنى ، وبعضها للمضي فلا يجامع التنفيس الذي هو للاستقبال.

تنبيه : قيل ببناء المضارع أيضا إذا وقع موقع الأمر كما سيأتي في نواصب الفعل ، أو في الشرط والجزاء كما سيأتي في الجوازم.

(ص) وزعم الأخفش بناء جمع المؤنث نصبا ، وغير المنصرف جرا ، والزجاج المثنى ، وفي ما قبل التركيب ، ثالثها المختار وفاقا لأبي حيان واسطة ، وأجريت في المحكي ب : من ، والمتبع والمضاف للياء معرب ، وثالثها واسطة.

(ش) فيه مسائل :

الأولى : الجمهور على أن جمع المؤنث السالم في حالة النصب وما لا ينصرف في حالة الجر معربان ، والكسرة في الأول والفتحة في الثاني حركتا إعراب ، وذهب الأخفش إلى بنائهما في الحالة المذكورة ، وقال : إنهما يعربان في حالين ويبنيان في حال ، ورد بأن ذلك لا نظير له ، واحتج بأن أمس كذلك ، وأجيب بأن أمس لا يبنى إلا حال تضمنه معنى الحرف ولا سبب للبناء في المذكورين ، قال الفارسي في «العسكريات» : ومما يدل على إعرابهما في الحالة المذكورة أن هذه الحركة وجبت فيهما بعامل ، والحركات التي تجب بعوامل لا تكون حركات بناء.

الثانية : زعم الزجاج أن المثنى مبني لتضمنه معنى الحرف وهو العاطف ؛ إذ أصل قام الزيدان قام زيد وزيد كما بني لذلك خمسة عشر.

الثالثة : في الأسماء قبل التركيب ثلاثة أقوال :

أحدها : وعليه ابن الحاجب أنها مبنية لجعله عدم التركيب من أسباب البناء ، وعلل غيره بأنها تشبه الحروف المهملة في كونها لا عاملة ولا معمولة.

الثاني : أنها معربة بناء على أن عدم التركيب ليس سببا ، والشبه المذكور ممنوع ؛ لأنها صالحة للعمل.

والثالث : أنها واسطة لا مبنية ولا معربة ؛ لعدم الموجب لكل منهما ، ولسكون آخرها وصلا بعد ساكن نحو : قاف سين ، وليس في المبنيات ما يكون كذلك وهذا هو المختار عندي تبعا لأبي حيان.

٤٨

الرابعة : المحكي ب : من نحو : من زيد؟ من زيدا؟ من زيد؟ قيل : إنه واسطة وإن حركته حركة حكاية لا حركة إعراب ولا بناء. قال أبو حيان : وهو الصحيح ، وقيل : إنه معرب وحركته حركة إعراب ، وأنه في الرفع خبر من ، وفي النصب مفعول فعل مقدر ، وفي الجر بدل ، وقيل : إنه مبني واختاره ابن عصفور ؛ لأن الاختلاف ليس بعامل في المعرب في الكلام الذي هو فيه.

الخامسة : المتبع نحو : الحمد لله بكسر الدال ، قيل : إنه واسطة ، والصحيح أنه معرب تقديرا بمعنى أنه قابل للإعراب ، وقيل : إنه مبني وبه جزم ابن الصائغ.

السادسة : في المضاف للياء ثلاثة أقوال :

أصحها : وعليه الجمهور أنه معرب كغيره من المضافات وإن لم يظهر فيه الإعراب ، فهو مقدر كالمقصور ونحوه.

والثاني : مبني لإضافته إلى مبني بناء على أن ذلك من أسباب البناء وعليه الجرجاني وابن الخشاب.

والثالث : واسطة لا مبني لعدم السبب ، ولا معرب لعدم ظهور الإعراب فيه ، وعلى هذا ابن جني.

محل الحركة :

(ص) مسألة : الحركة مع الحرف ، وقيل : بعده ، وقيل : قبله.

(ش) في محل الحركة ثلاثة أقوال حكاها ابن جني في الخصائص بأدلتها ، وعقد لها بابا :

أحدها : وهو قول سيبويه أنها تحدث بعد الحرف واختاره ابن جني ، قال : ويؤيده أنا رأينا الحركة فاصلة بين المثلين مانعة من إدغام الأول في الآخر نحو : الملل والصفف ، كما تفصل الألف بعدها بينهما نحو : الملال ، فلو لا أن حركة الأول تليه في الرتبة لما حجزت عن الإدغام ، وأن الحركة قد ثبت أنها بعض حرف ؛ إذ الفتحة بعض الألف والكسرة بعض الياء والضمة بعض الواو ، فكما أن الحرف لا يجامع حرفا آخر فينشآن معا في وقت واحد ، فكذلك بعض الحرف لا يجوز أن ينشأ مع حرف آخر في وقت واحد.

والثاني : أنها معه واختاره أبو علي الفارسي ، قال : ويؤيده أن النون الساكنة مخرجها

٤٩

مع حروف الفم من الأنف والمتحركة مخرجها من الفم ، فلو كانت الحركة بعد الحرف لوجب أن تكون النون المتحركة أيضا من الأنف ، واختاره أيضا أبو حيان وأبو البقاء في «اللباب» ، وعلله بأن الحرف يوصف بأنه متحرك ، كما يوصف بالشدة والجهر فهي صفة ، والصفة لا تتقدم الموصوف ولا تتأخر عنه ، وبأن حروف العلة تنقلب إلى غيرها ؛ لتحركها فلو كانت بعدها لم تقلب.

والثالث : وهو أضعفها أنها قبله ، قال ابن جني : ويؤيده إجماع النحاة على أن الفاء في يعد وبابه إنما حذفت ؛ لوقوعها بين ياء وكسرة في يوعد لو خرج على أصله ، فقولهم : بين ياء وكسرة يدل على أن الحركة عندهم قبل حرفها المتحرك بها ، قال : ويبطله إجماعهم على أن الألف لا تقع إلا بعد فتحة ك : ضارب مثلا فلو كانت الحركة قبل حرفها لكانت الألف بعد ضاد لا بعد فتحه ، قال الفارسي : وسبب الخلاف لطف الأمر وغموض الحال.

تقسيم الحركات :

(ص) وهي إعراب وبناء وحكاية وإتباع ونقل وتخلص من سكونين ، قيل : وحركة المضاف للياء ، ورجحه أبو حيان ، وعندي ومناسبة وتعمها ، وهل حركة الإعراب أصل أو البناء أو هما؟ أقوال ، وليسا مثلين خلافا لقطرب وهو لفظي ، ولا الحرف مجتمع من حركتين على الصحيح.

(ش) الحركات سبع حركة إعراب وحركة بناء وسيأتيان ، وحركة حكاية نحو : من زيد من زيدا من زيد ، وحركة إتباع كقراءة (الْحَمْدُ لِلَّهِ) [الفاتحة : ١] بكسر الدال ، (لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا) [البقرة : ٣٤] بضم التاء ، وحركة نقل كقراءة (قَدْ أَفْلَحَ) [المؤمنون : ١] بفتح الدال ، (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ) [البقرة : ١٠٦] بفتح الميم ، وحركة تخلص من سكونين نحو : (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ) [البينة : ١] ، والسابعة واستدركها أبو حيان وغيره على «التسهيل» : حركة المضاف إلى ياء المتكلم نحو : غلامي فإنها ليست عندهم إعرابا ولا بناء ، ولا هي من الحركات الستة ، وعندي أن يقال بدله : حركة مناسبة فتشملها وما يجري مجراها.

واختلف في حركات الإعراب وحركات البناء أيهما أصل؟ فقيل : حركات الإعراب ؛ لأنها لعامل ، وقيل : حركات البناء ؛ لأنها لازمة ، وقيل : هما أصلان ، قال بعضهم : وهو الصحيح ، قلت : وينبغي أن يكون الخلاف مبنيا على أن الإعراب أصل في الأسماء فقط أو فيها وفي الأفعال أو في الأفعال فقط ، فعلى الأول يكونان أصلين كما أن الإعراب والبناء

٥٠

أصلان ، وعلى الثاني حركات الإعراب أصل ؛ لأن البناء فرع فيهما ، وعلى الثالث حركات البناء ؛ لأنه الأصل في الاسم الأشرف ، والذي يظهر ترجيحه أن حركات الإعراب فقط أصل ؛ لأن الأصل في الإعراب الحركة والأصل في البناء السكون والحركة طارئة.

ثم إن الجمهور على أن حركات الإعراب غير حركات البناء ، وقال قطرب : هي هي والخلاف لفظي ؛ لأنه عائد إلى التسمية فقط ، فالأولون يطلقون على حركات الإعراب الرفع والنصب والجر والجزم ، وعلى حركات البناء الضم والفتح والكسر والوقف ، وقطرب ومن وافقه يطلقون أسماء هذه على هذه ، وفي «اللباب» لأبي البقاء : ذهب قوم إلى أن الحرف مجتمع من حركتين ؛ لأن الحركة إذا أشبعت نشأ الحرف المجانس لها ، والمحققون على خلافته ؛ لأن الحرف له مخرج مخصوص ، والحركة لا تختص بمخرج ، ولأنها إذا أشبعت نشأ منها حرف تام وبقيت الحركة قبله بكمالها فلو كان الحرف بحركتين لم تبق الحركة قبل الحرف.

(ص) مسألة الأصل في البناء السكون كالأمر ، فالفتح كالماضي ، فالكسر فالضم ، ولا يكونان في الفعل ، خلافا للزنجاني ، وقد تقدر ويناب عنها.

(ش) الأصل في البناء السكون ؛ لأنه أخف فلا يعدل عنه إلا لسبب ، ولأن الأصل عدم الحركة فوجب استصحابه ما لم يمنع منه مانع ، وإذا عدل إلى الحركة قدم الأخف فالأخف ، وذلك الفتح ثم الكسر ثم الضم ، فالسكون يكون في الحروف نحو : قد وهل وبل والأفعال كالأمر والماضي المتصل بضمير رفع متحرك والمضارع المتصل بنون الإناث والأسماء نحو : من وكم ، والفتح يكون في الثلاثة أيضا نحو : سوف وثم وواو العطف وفائه ، والماضي المجرد والمضارع مع نون التوكيد ، وكيف وأين وأيان ، والكسر والضم يكونان في الحرف والاسم كباء الجر ولامه ومنذ وأمس وحيث ونحن ، ولا يكونان في الفعل.

وزعم الزنجاني في شرح «الهادي» وجودها فيه في نحو : ع ، وش ، ورد بضم الدال ، وهو مردود فإن الأول مبني على الحذف ، والثاني على السكون تقديرا ، والضمة إتباع لا بناء ، وقد استوفيت أسباب البناء على الحركة ، وأسباب تخصيص الفتحة والكسرة والضمة في كتاب «الأشباه والنظائر في العربية» ، وهو الكتاب الذي لا يستغني الطالب عنه ، وقد يقدر سكون البناء وحركته كما تقدر حركات الإعراب مثال تقدير السكون رد إذا ضممت الدال إتباعا ، ومثال تقدير الفتح عدا ونحوه من الماضي المعتل الآخر ، ومثال تقدير الضم

٥١

يا سيبويه فإنه مبني على الكسر لفظا وعلى الضمة تقديرا كما سيأتي في المنادى.

وقد ينوب عن السكون الحذف ، وعن الحركة الحركة أو الحرف ، كما يقع ذلك في الإعراب ، مثال نيابة الحذف عن السكون اغز واخش وارم واضربا واضربوا واضربي ، ومثال نيابة الحركة عن الحركة لا مسلمات لك نابت الكسرة عن الفتحة ، ومثال نيابة الحرف عن الحركة لا رجلين في الدار لا رجلان ، على لغة كنانة نابت الياء والألف عن الفتحة ، وفي يا زيدان يا زيدون نابت الألف والواو عن الضمة.

أنواع الإعراب :

(ص) مسألة : أنواع الإعراب رفع للعمد ، ونصب للفضلات ، وجر لما بينهما ، وكذا جزم خلافا للمازني والكوفية ، وخص الاسم بالجر ، وقيل : ليس إعرابا له ، بل ضعف للنصب والفعل بالجزم.

(ش) أنواع الإعراب أربعة : الرفع وهو إعراب العمد ، والنصب وهو إعراب الفضلات ، قيل : ووجه التخصيص أن الرفع ثقيل فخص به العمد ؛ لأنها أقل ؛ إذ هي راجعة إلى الفاعل والمبتدأ والخبر ، والفضلات كثيرة ؛ إذ هي المفاعيل الخمسة والمستثنى والحال والتمييز ، وقد يتعدد المفعول به إلى اثنين وثلاثة ، وكذلك المستثنى والحال إلى ما لا نهاية له ، وما كثر تداوله فالأخف أولى به ، والجر وهو لما بين العمدة والفضلة ؛ لأنه أخف من الرفع وأثقل من النصب والجزم ، خلافا للمازني في قوله : إنه ليس بإعراب إنما هو يشبه الإعراب وهو مذهب الكوفيين ، ثم الرفع والنصب يكونان إعرابا للاسم والفعل لقوة عواملها باستقلالها بالعمل وعدم تعلقها بعامل آخر ، فقيل : رافع الاسم وناصبه أن يفرع عليهما ويشاركه المضارع في حكمهما ، وأما الجر فعامله غير مستقل ؛ لافتقاره إلى ما يتعلق به ، ولذلك إذا حذف الجار نصب معموله ، وإذا عطف على المجرور جاز نصب المعطوف فضعف عن تفريع غيره عليه فانفرد به الاسم ، وخص الجزم بالفعل ليكون فيه كالعوض عما فاته من المشاركة في الجر ؛ ليكون لكل واحد من صنفي المعرب ثلاثة أوجه من الإعراب.

وقال أبو حيان : «الصواب في ذلك ما حرره بعض أصحابنا أن التعرض لامتناع الجر من الفعل ، والجزم من الاسم ولحوق التاء الساكنة للماضي دون أخويه وأشباه ذلك من تعليل الوضعيات ، والسؤال عن مبادئ اللغات ممنوع ؛ لأنه يؤدي إلى تسلسل السؤال ؛ إذ

٥٢

ما من شيء إلا ويقال : فيه لم كان كذلك؟ وإنما يسأل عما كان يجب قياسا فامتنع ، والذي كان يجب قياسا هنا خفض المضارع إذا أضيف إليه أسماء الزمان نحو : (هذا يَوْمُ يَنْفَعُ) [المائدة : ١١٩] ، وجزم الأسماء التي لا تنصرف لشبهها بالفعل ، وعلة امتناع الأول أن الإضافة في المعنى للمصدر المفهوم من الفعل لا للفعل ، وعلة امتناع الثاني ما يلزم من الإجحاف لو حذفت الحركة أيضا بعد حذف التنوين ؛ إذ ليس في كلامهم حذف شيئين من جهة واحدة ، ولا إعلالان من جهة واحدة» انتهى.

(ص) والأصل رفع بضم ، ونصب بفتح ، وجر بكسر ، وجزم بسكون ، وخرج عن ذلك سبعة.

(ش) الإعراب بالحركات أصل للإعراب بالحروف ، وبالسكون أصل للإعراب بالحذف ؛ لأنه لا يعدل عنهما إلا عند تعذرهما ، والأصل أن يكون الرفع بالضمة ، والنصب بالفتحة ، والجر بالكسرة ، والجزم بالسكون ، وخرج عن ذلك سبعة أبواب تأتي ، قيل : وكان القياس أن يقال : برفعة ونصبة وجرة ؛ لأن الضم والفتح والكسر للبناء ، ولكنهم أطلقوا ذلك توسعا.

***

٥٣

الباب الأول

ما جمع بألف وتاء

(ص) الأول ما جمع بألف وتاء فينصب بالكسرة ، وأجاز الكوفية الفتح ، وهشام في المعتل ، وكذا أولات وما سمّي به كأذرعات ، وقد يجرى كأرطاة ، أو يكسر ولا ينون.

(ش) الباب الأول من أبواب النيابة : ما جمع بألف وتاء فإن نصبه بالكسرة نيابة عن الفتحة حملا لنصبه على جره ، كما حمل نصب أصله جمع المذكر السالم على جره ، وذكر الجمع بألف وتاء أحسن من التعبير بجمع المؤنث السالم ؛ لأنه لا فرق بين المؤنث كهندات ، والمذكر كإصطبلات ، والسالم كما ذكر ، والمغيّر نظم واحده كتمرات وغرفات وكسرات ، ولا حاجة إلى التقيد بمزيدتين ليخرج نحو : قضاة وأبيات ؛ لأن المقصود ما دل على جمعيته بالألف والتاء ، والمذكوران ليسا كذلك.

أما رفع هذا الجمع وجره فبالضمة والكسرة على الأصل ، وأجاز الكوفية نصب هذا الجمع بالفتحة مطلقا ، وأجازه هشام منهم في المعتل خاصة كلغة وثبة ، وحكي : سمعت لغاتهم.

وألحق بهذا الجمع في النصب بالكسرة أولات وليست بجمع ؛ إذ لا واحد لها من لفظها ، بل من معناها وهي ذات كما قال أبو عبيدة ، قال الله تعالى : (وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ) [الطلاق : ٦].

وما سمي به من هذا الجمع فصار علما مفردا كأذرعات اسم لبلد فأصله جمع أذرعة جمع ذراع ، فالأشهر بقاؤه على حاله الكائن قبل التسمية من النصب بالكسرة منونا ، ويجوز ترك تنوينه مع الكسرة ، وإعرابه إعراب ما لا ينصرف فيجر وينصب بالفتحة ، كواحد زيد في آخره ألف وتاء كأرطاة وعلقاة وسعلاة ، ويروى بالأوجه الثلاثة قول امرئ القيس :

٥٤

١٥ ـ تنوّرتها من أذرعات وأهلها

(ص) ويجمع بهما ذو التاء وعلم مؤنث مطلقا ، لا قطام المبني ، قيل : ولا غير عاقل وصفة مذكر لا يعقل ومصغره واسم جنس مؤنث بالألف ، لا شاة وشفة وأمة وفعلى فعلان أو أفعل غير منقولين إلى الاسمية على الأصح فيها ، وفي غير ذات أفعل خلف ، وشذ في أم فقيل : أمهات في الناس وأمات في غيرهم ، وعكسه قليل ، ويقاس ما سوى ذلك ، وقيل : يقاس ما لم يكسّر.

(ش) لما ذكرت إعراب هذا الجمع ذكرت كيفيته ، والذي يجمع بالألف والتاء خمسة أنواع :

أحدها : ما فيه تاء تأنيث مطلقا سواء كان علما لمؤنث كفاطمة ، أو مذكر كطلحة ، أو اسم جنس كتمرة ، أو صفة كنسابة ، أبدلت تاؤه في الوقف هاء أم لا كبنت وأخت ، ويستثنى من ذلك شاة وشفة وأمة فلا تجمع بالألف والتاء على الأصح ولو سمي بها استغناء بتكسيرها على شياه وشفاه وإماء.

الثاني : علم المؤنث مطلقا سواء كان فيه التاء كما تقدم ، أم لم يكن كزينب وسعدى وعفراء ، سواء كان لعاقل كما ذكر أم لغيره ، وقال ابن أبي الربيع : شرطه أن يكون لعاقل ، فلو سميت ناقة بعناق أو شاة بعقرب لم يجز جمعه بالألف والتاء ، قال في شرح «التسهيل» : ولم نره لغيره ، نعم يستثنى باب قطام في لغة من بناه.

الثالث : صفة المذكر الذي لا يعقل كجبال راسيات ، وأيام معدودات ، بخلاف صفة المؤنث كحائض ، والعاقل كعالم.

الرابع : مصغر المذكر الذي لا يعقل كفليسات ودريهمات ، بخلاف مصغر المؤنث نحو : أرينب وخنيصر.

الخامس : اسم الجنس المؤنث بالألف : سواء كان اسما كبهمى وصحراء ، أو صفة كحبلى وحلة سيراء ، ويستثنى فعلى فعلان كسكرى فلا يقال : سكريات ، وفعلاء أفعل كحمراء ، فلا يقال : حمراوات ، كما لا يجمع مذكرهما بالواو والنون ، وأجازه الفراء وهو

__________________

١٥ ـ البيت من الطويل ، وهو لامرىء القيس في ديوانه ص ٣١ ، والخزانة ١ / ٥٦ ، ورصف المباني ص ٣٤٥ ، وسر صناعة الإعراب ص ٤٩٧ ، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص ١٣٥٩ ، انظر المعجم المفصل ٢ / ٧٤٨.

٥٥

قياس قول الكوفيين الآتي في المذكر ، ومحل الخلاف ما داما باقيين على الوصفية ، فإن سمي بهما جمعا بالألف والتاء بلا خلاف ، أما فعلاء التي لا أفعل لها من حيث الوضع كامرأة عجزاء ، أو من حيث الخلقة كامرأة عذراء ، فقال ابن مالك بجواز جمعها بالألف والتاء ؛ لأن المنع في حمراء ونحوه تابع لمنع الواو والنون ، وذلك مفقود فيما ذكر ، ومنعه غيره كما امتنع جمع أكمر وآدر بالواو والنون ، ولا فعلاء لهما ، واحترز بالمؤنث بالألف عن اسم الجنس المؤنث بلا علامة كقدر وشمس وعنز وعناق فلا يجمع بالألف والتاء ، وشذ من ذلك أم حيث جمعت بهما ، ثم الأكثر أن يقال في الأناسي : أمهات ، وفي غيرهم : أمات بزيادة الهاء في الأول للفرق ، وقيل : لأن الأصل أم أمهة قال :

١٦ ـ أمّهتي خندف والياس أبي

وقد تستعمل أمهات في غير الأناسي وأمات فيهم ، قال الشاعر :

١٧ ـ إذا الأمّهات قبحن الوجوه

فرجت الظّلام بأمّاتكا

وما عدا الأنواع الخمسة من المؤنث شاذ أيضا مقصور على السماع كسموات وثيبات ، وأشذ منه جمع بعض المذكرات الجامدة المجردة كسرادقات وحمامات وحسامات ، وذهب قوم منهم ابن عصفور إلى جواز قياس جمع المكسر من المذكر والمؤنث الذي لم يكسّر اسما كان أو صفة كحمامات وسجلات ، وجمل سبحل ، أي : ضخم وجمال سبحلات ، فإن كسر امتنع قياسا ، ولذلك لحنوا أبا الطيب في قوله :

١٨ ـ ففي النّاس بوقات لها وطبول

(ص) وتحذف له التاء ، فإن كان قبل ألف أو همزة فكالتثنية ، ويقال في ابنة وبنت وأخت وهنة وذات : بنات وأخوات وهنات وهنوات وذوات ، وتجمع حروف المعجم ، فما فيه ألف يقصر ويمد فبيات وباءات.

__________________

١٦ ـ الشطر من الرجز ، وهو لقصي بن كلاب في الخزانة ٧ / ٣٧٩ ، والسمط ص ٩٥٠ ، وشرح شواهد الشافية ص ٣٠١ ، وسر صناعة الإعراب ٤ / ٥٦٤ ، وشرح التصريح ٢ / ٣٦٢ ، انظر المعجم المفصل ٣ / ١١١٥.

١٧ ـ البيت من المتقارب ، وهو بلا نسبة في رصف المباني ص ٤٠١ ، وسر صناعة الإعراب ٢ / ٥٦٤ ، وشرح شافية ابن حاجب ٢ / ٣٨٣ ، وشرح التصريح ٢ / ٣٦٢ ، انظر المعجم المفصل ٢ / ٦١٧.

١٨ ـ البيت من الطويل ، وهو للمتنبي في ديوانه ٣ / ٢٢٩ ، والمحتسب ١ / ٢٩٥ ، والمقرب ١ / ٨١ ، انظر المعجم المفصل ٢ / ٧١٥.

٥٦

(ش) تحذف تاء التأنيث عند جمع ما هي فيه استغناء بتاء الجمع ، فيقال في فاطمة وطلحة : فاطمات وطلحات ، فإن كان قبلها ألف أو همزة فعل بها ما سيأتي في التثنية من القلب للألف ياء في نحو : فتاة ، وواوا في نحو : قناة ، وإقرار الهمزة في نحو : سقاءة ، أو قلبه واوا نحو : فتيات وقنوات وسقاءات وسقاوات ، ويقال في ابنة وبنت : بنات بحذف التاء ، وكان القياس بنتات ، ولأن هذه التاء قد غيرت لأجلها الكلمة وسكن ما قبلها فأشبهت تاء ملكوت في الزيادة ، وفي أخت أخوات بحذف التاء ورد المحذوف ، وكان القياس أختات لما ذكر ، وفي هنة هنات وهنوات فالأول على لفظ هنة بلا رد ، والثاني بالرد ، وفي ذات ذوات بحذف التاء بلا رد كبنات ، ولو رد لقيل : ذويات ؛ إذ لامها ياء كما سيأتي.

وتجمع حروف المعجم بالألف والتاء ؛ لأنها أعلام فما كان فيه ألف كالباء فإنه يجوز قصره ومده بالإجماع ، فيقال فيه على القصر : بيات بقلب الألف المقصورة ياء وعلى المد باءات بالإقرار للهمز.

(ص) وتتبع العين حركة فاء مؤنث بهاء أو لا ، ثلاثي صحيح عين ساكنة غير مضاعف ولا صفة ، وتفتح وتسكن تلو ضم وكسر ، ويمنع ضم قبل ياء ، وكسر قبل واو ، قيل : وياء ، والفراء مطلقا ، وشذ جروات وعيرات ، والتزم لجبات وربعات لفتح المفرد في لغة ، وسكنه المبرد قياسا ، وفتح جوزات وبيضات لغة وكهلات نادر ، خلافا لقطرب ، وسكون ظبيات لغة ، وشبه الصفة قليل وغيره ضرورة سهلة.

(ش) تتبع العين في هذا الجمع الفاء في الحركة بشرط أن يكون المفرد مؤنثا ثلاثيا صحيح العين ساكنها غير مضاعف ولا صفة ، وسواء في الحركة الفتحة والضمة والكسرة ، وفي المؤنث ذو التاء والعاري منها ، فيقال في جفنة وغرفة وسدرة ودعد وجمل وهند : جفنات وغرفات وسدرات ودعدات وجملات وهندات ، بخلاف غير الثلاثي كجيأل علما للضبع ، والمعتل العين كدولة ونور علما لمؤنث ، وكذا نارة ونار وديمة وديم مما قبل حرف العلة فيه حركة مجانسة فإنه يبقى على حاله ، فإن كان حرف العلة غير مجانس للحركة نحو : جوزة وبيضة فجمهور العرب أيضا على التسكين ، ولغة هذيل الإتباع ، قرأ بعضهم (ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ) [النور : ٥٨] ، و (عَوْراتِ النِّساءِ) [النور : ٣١] بالتحريك ، وقال شاعرهم :

٥٧

١٩ ـ أخو بيضات رائح متأوّب

ومحل هذه اللغة في غير الصفة ، أما هي كجونة وهي السوداء أو البيضاء ، وعبلة وهي السمينة فلا تتبعها هذيل كغيرها ، وبخلاف المتحرك العين كشجرة ونبقة وسمرة ، والمضاعف كجنة وجنة وجبة ، والصفة كضخمة وجلفة وحلوة فليس فيها إلا التسكين ؛ لثقلها ، بخلاف الاسم وندر كهلات بالفتح جمع كهلة ، وأجاز المبرد القياس عليه نعم فتح لجبات وربعات جمع لجبة وهي الشاة القليلة اللبن ، وربعة وهو معتدل القامة ؛ لأن فيهما لغة بالفتح في المفرد فالتزمت في الجمع استغناء بجمع إحدى اللغتين عن الأخرى ، وأكثر النحاة ظنوا أن ذلك جمع الساكن العين فحكموا عليه بالشذوذ ، قال ابن مالك : وحملهم على ذلك عدم اطلاعهم على أن فتح العين ثابت في الإفراد ، وأجاز المبرد التسكين فيهما قياسا وإن لم يسمع ، ووافقه ابن مالك.

ويمنع الإتباع بالضم قبل الياء ، وبالكسر قبل الواو ، فلا يقال في زبية : زبيات ، ولا في رشوة : رشوات بالإتباع ، بل بالسكون والفتح ، وشذ في جروة جروات حكاه يونس.

وذهب بعض البصريين إلى منع الكسر قبل الياء أيضا فلا يقال في لحية : لحيات ؛ لما فيه من توالي كسرتين والياء ، والصحيح جوازه ، ولا احتفال بذلك كما لم يحتفلوا باجتماع الضمتين والواو في خطوة وخطوات ، وذهب الفراء إلى منع الإتباع بالكسرة مطلقا سواء كان من باب رشوة وهو المتفق على منعه ، أو من باب فدية وهو المختلف فيه ، أو من باب هند وهو الجائز عند غيره ، فإن فعلات تتضمن فعلا وفعل أهمل إلا فيما ندر كإبل ، فإن سمع فعلات قبله الفراء ، ويجوز الفتح والسكون مع الإتباع بشرط أن تكون الفاء مضمومة أو مكسورة لا مفتوحة إلا في ثلاث : معتل اللام نحو : ظبية فيجوز فيه ظبيات بالسكون اختيارا في لغة حكاها ابن جني ، والمشهور الفتح وشبه الصفة كأهل فيقال فيه : أهلات بالسكون على قلة ، والفتح أكثر ، والضرورة كقوله :

٢٠ ـ وحمّلت زفرات الضّحى فأطقتها

وما لي بزفرات العشي يدان

__________________

١٩ ـ البيت من الطويل ، وهو لأحد الهذليين في شرح التصريح ٢ / ٢٢٩ ، وشرح المفصل ٥ / ٣٠ ، وبلا نسبة في أسرار العربية ص ٣٥٥ ، وأوضح المسالك ٤ / ٣٠٦ ، انظر المعجم المفصل ١ / ١٧٤.

٢٠ ـ البيت من الطويل ، وهو لعروة بن حزام في الخزانة ٣ / ٣٨٠ ، وذيل الأمالي ص ١٦٠ ، ولأعرابي من بني عذرة في شرح التصريح ٢ / ٢٩٨ ، والمقاصد النحوية ٤ / ٥١٩ ، انظر المعجم المفصل ٢ / ١٠١٠.

٥٨

وهو من أسهل الضرورات ، وأشذ منه فتح المعتل العين المكسور الفاء كقولهم : عيرات جمع عير وهي الإبل التي عليها الأحمال ، وقيل : الحمير ، ووجه شذوذه أنه ليس فيه ما في بيضات من الإتباع.

***

٥٩

الباب الثاني :

ما لا ينصرف

(ص) الثاني ما لا ينصرف فيجر بالفتحة ما لم يضف أو يصحب أل أو بدلها ، والمختار وفاقا للمبرد والسيرافي وابن السراج والزجاجي صرفه ، وثالثها إن بقي علة فقط.

(ش) الباب الثاني من أبواب النيابة ما لا ينصرف ، واختلف في حده بناء على الاختلاف في تعريف الصرف ، فقيل : هو المسلوب منه التنوين بناء على أن الصرف ما في الاسم من الصوت أخذا من الصريف وهو الصوت الضعيف ، وقيل : هو المسلوب منه التنوين والجر معا بناء على أن الصرف هو التصرف في جميع المجاري ، وقال أبو حيان : وهذا الخلاف لا طائل تحته.

وحكم ما لا ينصرف أنه لا ينون كما سيأتي توجيهه في مبحث التنوين ، ولا يجر بالكسرة ، واختلف لم منع منها؟ فقيل : لشبه الفعل كما منع التنوين ، وقيل : لئلا يتوهم أنه مضاف إلى ياء المتكلم ، وأنها حذفت واجتزئ بالكسرة ، وقيل : لئلا يتوهم أنه مبني ؛ لأن الكسرة لا تكون إعرابا إلا مع التنوين أو الألف واللام أو الإضافة ، فلما منع الكسر حمل جره على نصبه فجر بالفتحة كما ينصب بها لاشتراكهما في الفضلية ، بخلاف الرفع فإنه عمدة ، كما حمل نصب جمع المؤنث السالم على جره لذلك ، فإن أضيف أو صحب أل معرفة كانت أو موصولة أو زائدة أو بدلها وهو أم في لغة طيئ جر بالكسرة اتفاقا نحو : (فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) [التين : ٤] ، (كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِ) [هود : ٢٤] ،

٢١ ـ رأيت الوليد بن اليزيد مباركا

__________________

٢١ ـ البيت من الطويل ، وهو لابن ميادة في ديوانه ص ١٩٢ ، والخزانة ٢ / ٢٢٦ ، وسر صناعة الإعراب ٢ / ٤٥١ ، وشرح شواهد الشافية ص ١٢ ، وشرح شواهد المغني ١ / ١٦٤ ، انظر المعجم المفصل ٢ / ٧١٠.

٦٠