ليلة عاشوراء في الحديث والأدب

الشيخ عبد الله الحسن

ليلة عاشوراء في الحديث والأدب

المؤلف:

الشيخ عبد الله الحسن


الموضوع : الشعر والأدب
الناشر: المؤلّف
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٣٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

لَيلَةُ عاشُوراءْ

الأستاذ جواد جميل

آه يا ليلةَ الأسى والدموع

اطفئي في دم الطفوف شموعي

ودعيني أعيش في ظلمة الحزن

فعمري شمسٌ بغيرِ طلوع

وانثري في عيوني الجمرَ وقّاداً

وخلي اللهيبَ بين ضلوعي

وأمسحي بالسواد لونَ وجودي

فلقد كفّن الرمادُ ربيعي

الشيخ مهدي المصلي

ليلةٌ أسهرت عيون الليالي

لتُرينا عزائمَ الأبطالِ

وتُرينا الشموسَ تفترسُ اللي‍

‍لَ لتمحو عصرَ الليالي الطوالِ

وتُرينا الإنسان يسمو على النج‍

‍مِ مناراً ورجلُهُ في الرمالِ

الأستاذ جاسم الصحيّح

يا ليلةً كستَ الزمانَ بغابة

من روحها قمرية الأدغالِ

ذكراكِ ملحمةٌ توشَّحَ سِفرُها

بروائعٍ نُسجت منَ الأهوال

فهنا الحسين بخيطُ من أحلامه

فجرينِ فجرَ هوىً وفجرَ نِضال

٢١

الأستاذ يقين البصري

يا ليلة يا مخاض الدهر يا حقباً

قدسيةً يا نضالاً مورقاً ذهبا

يا ليلة من عذابات مطرزة

بالكبرياء شطبت المحل والجدبا

الأستاذ فرات الأسدي

جنهم في الطفِ ليلٌ وهمُ

بالحسين الطهر قد جنّوا خبالا

فاشهدي يا ليلة الضوء هوىً

نضراً يبتكر الرؤيا جمالا

السيد مدين الموسوي

يا ليلةً وقفَ الزمانُ بها

وجلاً يُدوّنُ أروع الصور

وقف الحسين بها ومن معه

جبلاً وهم كجنادل الحجر

الشيخ عبد الكريم آل زرع

أليلةَ عاشوراءَ يا حلكاً شَبَّا

حنينك أدرى من نهارك ما خبّا

وما خبّأ الآتي صهاريج أدهُرٍ

بساعَاتِه قد صبّ صاليَها صبّا

الشيخ علي الفرج

أنت يا ليلة انخساف المرايا

في وجوه السنين والأحقاب

غُرست فيك آهتي واحتضاري

ونمت فيك صرختي واغترابي

٢٢

الحسين عليه‌السلام يخطب في أصحابه

ويأذن لهم بالتفرّق عنه

روي عن الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه‌السلام قال : جمع الحسين عليه‌السلام أصحابه بعدما رجع عمر بن سعد وذلك عند قُرب المساء ، قال : فدنوت منه لأسمع وأنا مريض فسمعتُ أبي وهو يقول لأصحابه : أُثني على الله تبارك وتعالى أحسنَ الثناء وأحمدَهُ على السّراء والضراء اللهم اني أحمَدُك على أن أكرمتنا بالنبوّة ، وعلّمتنا القرآن وفقهتنا في الدين ، وجعلت لنا أسماعاً وأبصاراً وأفئدةً ، فاجعلنا من الشاكرين.

أما بعد فإني لا أعلمُ أصحاباً أولى ولا خيراً من أصحابي ولا أهل بيت أبرَّ ولا أوصل من أهل بيتي فجزاكُم الله عني جميعاً خيراً ، ألا وإني أظنُ يوَمنا من هؤلاءِ الأعداء غداً إلاّ وإني قد أذنتُ لكم ، فانطلقوا جميعاً في حلٍ ليس عليكم حَرجٌ منّي ولا ذمام ، هذا الّليلُ قد غشيكم فاتّخذوه جَمَلا (١).

__________________

(١) جاء فى المثل : اتخذ الليل جملاً ، وهو يضرب للرجل يجدُّ فى طلب الحاجه ، يقال : شمر ذيلا وادرع ليلا هكذا قال بعضهم ، وقال اخرون : معناه ركب الليل فى حاجته ولم يَنمْ حتى نالها.

وقولهم : الليل أخفى للويل ، اذا اردت ان تاتى بريبةٍ فأتها ليلاً فإنَّهُ أستر لها ، وكتب عبد الله بن طاهر إلى ابنه ، وقد بلغه عنه إقبالٌ على اللهو :

فبادر الليل بما تشتهى

فإنما الليل نهار الاديب

٢٣

وليأخُذ كلُ رجلٍ منكم بيد رجل من أهل بيتي ، وتفرّقوا في سَوادِكم ومدائنكم حتى يُفرجَ الله ، فإنَّ القومَ إنما يطلبونني ولو قد أصابوني لَهوا عن طلب غيري.

جواب بني هاشم والأنصار للحسين عليه‌السلام

فقال له إخوتُه وأبناؤه وبنو أخيه وابنا عبد الله بن جعفر : لِم نفعل ؟ لنبقى بعدَكَ ! لا أرانا الله ذلك أبداً ، بدأهم بهذا القولِ ، العباسُ بن علي عليه‌السلام ثم إنهم تكلموا بهذا أو نحوه ... .

وفي رواية أخرى : فقام اليه العباس بن علي أخوه عليهما‌السلام وعلي ابنه ، وبنو عقيل ، فقالوا له : معاذ الله والشهر الحرام ، فماذا نقول للناس إذا رجعنا إليهم ، إنا تركنا سيدنا ، وابن سيدنا وعمادنا ، وتركناه غرضاً للنبل ، ودريئةً للرماح ، وجزراً للسباع ، وفررنا عنه رغبةً في الحياة ، معاذ الله ، بل نحيا بحياتك ، ونموت معك !! فبكى وبكوا عليه ، وجزاهم خيراً (١).

فقال الحسين عليه‌السلام : يا بني عَقيل ، حَسبُكم من القتلِ بمسلِم ، اذهبوا قد أذِنتُ لكم !.

قالوا : فما يقولُ الناس ؟ يقولون : إنّا تركنا شَيخَنا وسيدَنا وبني عمومتِنا خيرَ الأعمام ، ولم نرْم معَهم بسهم ، ولم نطعن معهم برمح ، ولم نضرب معهم بسيف ، ولا

__________________

وقال بعض العرب وأنشدني بالحجاز فتى من هلال :

فلم ار مثل الليل جنة هارب

ولا مثل حد السيف للمرء صاحبا

راجع : كتاب جمهرة الامثال لأبي هلال العسكري : ج ١ص ٨٨ ج ٢ ص ١٨١ ـ ١٨٢.

(١) مقاتل الطالبيين لأبي فرج الاصفهاني : ص ١١٢.

٢٤

ندري ما صنعوا ! لا والله لا نفعل ، ولكن تفديك أنفُسنا وأموالُنا وأهلونا ونقاتلُ معك حتى نردَ مورِدَك فقبّحَ اللهُ العيشَ بعدَك !.

فقام إليه مسلمُ بنُ عوسجة الأسدي (١) فقال : أنحنُ نخلي عنك ولمّا نعذر إلى الله في أداء حقِك ؟ أما واللهِ حتى أكسر في صدورِهمْ رمحي وأضربَهمْ بسيفي ما ثبت قائمُه في يدي ولا أُفارقُكَ ولو لم يكنْ معي سلاح أقاتُلهم به لَقذفتُهم بالحجارة دونَك حتى أموت معك.

وقال سعد بن عبد الله الحنفي (٢) : واللهِ لا نخليكَ حتى يعلمَ اللهُ أنا قد حفظنا

__________________

(١) هو : مسلم بن عوسجة بن سعد بن ثعلبة بن دردان بن أسد بن خزيمة ابو حجل الأسدي السعدي ، كان رجلاً شريفاً عابداً متنسكاً ، قال ابن سعد في طبقاته : وكان صحابياً ممن رأى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكان فارساً شجاعاً له ذكرٌ في المغازي والفتوح الإسلامية ، وكان ممن كاتب الحسين عليه‌السلام في الكوفة ووفى له ، وممّن أخذ البيعة له عند مجيء مسلم بن عقيل إلى الكوفة ، وهو أول قتيل من أنصار الحسين بعد قتلى الحملة الاُولى ، وقد جاء في الزيارة المنسوبة للناحية المقدسة في مسلم بن عوسجة : وكنت أول من شرى نفسه وأول شهيد من شهداء الله قضى نحبه ، ففزت ورب الكعبة ، شكر الله لك استقدامك ومواساتك إمامك إذ مشى إليك وأنت صريع فقال : يرحمك الله يا مسلم بن عوسجة وقرأ : ( فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ) لعن الله المشتركين في قتلك عبد الله الضبابي وعبد الله بن خشكارة البجلي ، وفيه يقول السماوي :

ان امرءاً يمشي لمصرعه

سبط النبي لفاقد التربِ

أوصى حبيباً ان يجود له

بالنفس من مقةٍ ومن حب

اعزز علينا يا بن عوسجةٍ

من ان تفارق ساعة الحرب

عانقت بيضهم وسمرهم

ورجعت بعد معانق الترب

ابكي عليك وما يفيد بكا

عيني وقد أكل الأسى قلبي

راجع : بحار الأنوار : ج ٤٥ ص ٦٩ ، أبصار العين للسماوي : ص ٦١ و ٦٤.

(٢) هو : سعد بن عبد الله الحنفي ، وذكر في كتاب الحسين عليه‌السلام إلى أهل الكوفة باسم سعيد ، أما بعد فإن

٢٥

غَيبةَ رسول اللهِ صلى‌الله‌عليه‌وآله فيك ، واللهَ لو علمتُ أني أقتلُ ثم أحيا ثم أحرقُ حيَّاً ثم اذرُّ يُفعلُ ذلك بي سبعين مرةً ما فارقتُك حتى ألقى حِمامي دونَك ، فكيف لا أفعل ذلكَ وإنما هي قتلةٌ واحدةٌ ، ثمَّ هيَ الكرامةُ التي لا انقضاء لها أبداً !.

ثم قام زُهير بن القين (١) وقال : واللهِ لوددتُ أني قُتلتُ ثم نُشرتُ ثم قُتلتُ حتى أقتلَ كذا ألف قتلةٍ ، وأن اللهَ يدفعُ بذلكَ القتلَ عن نفسِك وعن أنفُس هؤلاءِ الفتيةِ من أهل بيتك !.

وتكلم جماعةُ أصحابه بكلامٍ يشبهُ بعضه في وجهٍ واحدٍ ، فقالوا : واللهِ لا نُفارِقُكَ ، ولكن أنفُسنا لكَ الفداء ! نَقيكَ بنحورِنا وجباهِنا وأيدينا ، فإذا نحنُ قُتِلنا كُنا وفَينا وقضينا ما علينا (٢).

__________________

سعيداً وهانياً قدما عليَّ بكتبكم ، وذكر باسم سعد كما في زيارة الناحية ، كان من وجوه الشيعة في الكوفة ، وذوي الشجاعة والعبادة فيهم ، وهو أحد الرسل الذين حملوا رسائل الكوفيين إلى الحسين عليه‌السلام وبعثه مسلم بن عقيل بكتاب إلى الحسين وبقي معه حتى جاء معه كربلاء ، وروى أبو مخنف : أنه لما صلّى الحسين الظهر صلاة الخوف ، اقتتلوا بعد الظهر ، فاشتد القتال ، ولما قرب الأعداء من الحسين عليه‌السلام وهو قائم بمكانه ، استقدم سعيد الحنفي أمام الحسين ، فاستهدف لهم يرمونه بالنبل يميناً وشمالاً ، وهو قائم بين يدي الحسين يقيه السهام طوراً بوجهه ، وطوراً بصدره ، وطوراً بيديه ، وطوراً بجنبيه ، فلم يكد يصل إلى الحسين عليه‌السلام شيء من ذلك ، حتى سقط الحنفي إلى الأرض وهو يقول : اللهم العنهم لعن عاد وثمود ، اللهم أبلغ نبيك عني السلام وأبلغه ما لقيت من ألم الجراح فإني أردت ثوابك في نصرة نبيك ، ثم التفت إلى الحسين ، فقال اوفيت يا بن رسول الله ، قال : نعم أنت أمامي في الجنة ، ثم فاضت نفسه النفيسة.

راجع : إبصار العين : ص ١٢٥ ـ ١٢٦ ، أنصار الحسين لشمس الدين : ص ٩٠ ـ ٩١.

(١) تقدمت ترجمته.

(٢) تاريخ الطبري : ج ٤ ، ص ٣١٧ ـ ٣١٨ ، نهاية الأرب للنويري : ج ٢٠ ص ٤٣٤ ، الكامل في التاريخ

٢٦

الحسين عليه‌السلام يأذن للحضرمي (١) بالانصراف لفكاك ولده

وقيلَ لمحمّدِ بن بشر الحضرمي في تلكَ الحال : قد أُسرَ ابنُك بثغر الرّي (٢) فقال : عندَ اللهِ احتسبه ، ونفسي ما كُنتُ اُحبّ أَن يُؤسرَ وأن أبقى بعده !

فَسمِعَ الحسين عليه‌السلام قولَه ، فقال : رَحِمكَ اللهُ ، أنت في حل من بيعتي ، فاعملْ

__________________

لابن الأثير : ج ٤ ، ص ٥٧ ـ ٥٨ ، مقتل الحسين للخوارزمي : ص ٢٤٦ ـ ٢٤٧ ، اللهوف : ص ٣٩ ـ ٤٠ ، الإرشاد للمفيد : ص ٢٣١ ، اعلام الورى للطبرسي : ص ٢٣٧ ـ ٢٣٩ ، امالي الصدوق : ص ١٣٣ ، بحار الأنوار : ج ٤٤ ، ص ٣١٦.

(١) هو : بشر بن الأحدوث الحضرمي الكندي ، ذُكر في زيارة الناحية باسم بشر ، وذكر في الزيارة الرجبية باسم بشير ، وذكره السيد الخوئي قدس‌سره مردداً بين بشر وبشير ، وقال الشيخ شمس الدين : ومن المؤكد أنه هو : محمد بن بشير الحضرمي الذي ورد ذكره عند السيد ابن طاووس بقرينة ذكره لقصة ابنه وقد وردت القصة في الزيارة مقرونة باسم بشر أو بشير على اختلاف النسخ. وكان بشر من حضرموت وعداده في كندة ، وكان تابعياً وله أولاد معرفون بالمغازي ، وكان بشر ممن جاء إلى الحسين عليه‌السلام أيام المهادنة ، وهو أحد آخر رجلين بقيا من أصحاب الحسين قبل أن يقع القتل في بني هاشم ، والآخر هو سويد بن عمرو بن أبي المطاع ، وقتل بشر في الحملة الاُولى.

راجع : إبصار العين : ص ١٠٣ ـ ١٠٤ ، أنصار الحسين لشمس الدين ص ٧٧ ـ ٧٨ ، معجم رجال الحديث للسيد الخوئي قدس‌سره : ج ٣ ص ٣١٩.

(٢) الثغر : بالفتح ، ثم السكون ، وراء كل موضع قَرُب من أرض العدو وسمي ثغراً من ثغرة الحائط ، لأنه يحتاج أن يحفظ لئلا يأتي العدوّ منه.

والرَّيّ : بفتح أوله ، وتشديد ثانيه : مدينة مشهورة من أمهات البلاد واعلام المدن ، كثيرة الخيرات ، قصبة بلاد الجبال ، على طريق السابلة وبين طهران نحو فرسخ. مراصد الإطلاع ج ١ ، ص ٥٩٧ ، و ج ٢ ، ص ٦٥١ و ص ٨٩٩.

٢٧

في فكاكِ ابنِك ؟!

فقال : أكلتني السّباعُ حيّاً إنْ فارقتُكَ !

قال : فاعطِ ابنَكَ هذهِ الأثواب البُرُود ، (١) يستعينُ بها في فداء (٢) أخيهِ ، فأعطاه خَمسةَ أثوابَ قيمتُها ألف دينار (٣).

ولله درّ السيد رضا الهندي ـ عليه الرحمة ـ إذ يقول في هذه الصفوة الانجاب :

صيداً إذا شبّ الهياج وشابت ال‍

ارض الدما والطفل رعباً شابا

ركزوا قناهم في صدور عداتهم

ولبيضهم جعلوا الرقاب قرابا

تجلو وجوههم دجى النقع الذي

يكسو بظلمته ذكاء نقابا

وتنادبت للذبّ عنه عصبة

ورثوا المعالي أشيباً وشبابا

من ينتدبهم للكريهة ينتدبْ

منهم ضراغمة الأسود غضابا

خفّوا لداعي الحرب حين دعاهم

ورسوا بعرصة كربلاء هضابا

أسدٌ قد اتخذوا الصوارم حليةً

وتسربلوا حلق الدروع ثيابا

تخذت عيونهم القساطل كحلها

وأكفّهم فيض النحور خضابا

يتمايلون كأنما غنّى لهم

وقع الضبا وسقاهُمُ أكوابا

__________________

(١) البرود : مفرده بُرد بالضم فالسكون ، وهو : ثوب مخطَّط ، وقد يُقال لغير المخطَّط أيضاً ، وجمعه بُرُود وأبرادٌ وأبرُد ، ومنه الحديث : الكفن يكون بُرداً ، فإن لم يكُن بُرداً فاجعله كله قطناً ! والبُردَة : كساءٌ أسود مربّع فيه صغر يكتسيه الأعراب ، وفي المنجد انه كساء من الصوف الأسود يلتحف به ، انظر : مجمع البحرين للطريحي : ج ٣ ، ص ١٣ ، المنجد : ص ٣٣.

(٢) الفداء : بكسر أوله يُمدّ ويقصر وإذا فتح فهو مقصور ، والمراد به فكاك الأسير واستنقاذه بالمال ، يقال : فداه من الاسر تفدية إذا استنقذه بمالٍ. مجمع البحرين للطريحي : ج ١ ص ٣٢٨.

(٣) اللهوف : ص ٤٠ ، بحار الأنوار : ج ٤٤ ، ص ٣٩٤ ، العوالم : ج ١٧ ، ص ٢٤٤ ، أسرار الشهادة للدربندي : ج ٢ ، ص ٢٢١ ، ترجمة الإمام الحسين ( من تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ) ص ٢٢١ ، ح ٢٠٢.

٢٨

برقت سيوفهم فأمطرت الطلا

بدمائها والنقعُ ثار سحابا

وكأنهم مستقبلون كواعباً

مستقبلين أسنةً وكعابا

وجدوا الردى من دون آل محمدٍ

عذباً وبعدهم الحياة عذابا

ودعاهم داعي القضاء وكلُهُم

ندبٌ إذا الداعي دعاه أجابا (١)

الإمام الحسين عليه‌السلام لا يأذن بالشهاده لمن كان عليه دين

روي عن موسى بن عمير ، عن أبيه قال : أمرني الحسين بن علي عليه‌السلام قال : نادِ أَنْ لا يُقتل معي رجلٌ عليه دَينٌ ، وناد ِبها في الموالي فإنّي سمعتُ رسولَ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : من مات وعليه دين اُخذ من حسناته يومَ القيامة (٢).

وبمضون آخر وردت أيضاً عن موسى بن عمير الأنصاري ، عن أبيه ، قال : أمرني حسين بن علي عليهما‌السلامفقال : نادِ في الناس أنْ لا يقاتلِنَّ معي رجلٌ عليه دينٌ ، فإنَّهُ ليس من رجُلٍ يموتُ وعليه دينٌ لا يَدعُ له وفاءً إلا دخلَ النَّار !!

فقام إليه رجلٌ فقالَ : إنَّ امرأتي تكفّلت عنّي ؟

فقال : وما كفالَةُ امرأةٍ ، وهل تقضي امراةٌ (٣).

وذكرها الذهبي أيضاً : عن الثوري عن أبي الجحَّاف ، عن أبيه : أن رجلاً قال للحسين عليه‌السلام : إنَّ عليَّ ديناً.

قال عليه‌السلام : لا يُقاتلُ معي مَنْ عليه دين (٤).

__________________

(١) رياض المدح والرثاء للقديحي : ص ٩٤ ـ ٩٥.

(٢) إحقاق الحق : ج ١٩ ص ٤٢٩ ، موسوعة كلمات الإمام الحسين : ص ٤١٧.

(٣) احقاق الحق : ج ١٩ ، ص ٤٢٩ ، موسوعة كلمات الإمام الحسين ، ص ٤١٧ ـ ٤١٨ ، حياة الإمام الحسين للقرشي : ج ٣ ، ص ١٧١ ، المعجم الكبير للطبراني : ج ٣ ، ص ١٣٢ ، ح ٦٨٧٢.

(٤) سير أعلام النبلاء للذهبي : ج ٣ ، ص ٣٠١.

٢٩

سكينة تصف ليلة العاشر

روي مؤلف كتاب نور العيون بإسناده ، عن سكينةَ بنت الحسين عليه‌السلام ، أنها قالت : كُنتُ جالسةً في ليلة مقمّرة وسط الخيمة ، وإذا أنا أسمع من خلفها بكاءً وعويلاً ، فخشيت أن يفقه بي النساء ، فخرجت أعثر بأذيالي ، وإذا بأبي عليه‌السلام جالس وحوله أصحابه وهو يبكي ، وسمعته يقول لهم : أعلموا أنّكم خرجتم معي لعلمكم أنّي أقدم على قوم بايعوني بألسنتهم وقلوبهم ، وقد إنعكس الأمر لأنهم استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله ، والآن ليس لهم مقصدٌ إلاّ قتلي وقتل من يجاهد بين يدي وسبي حرمي بعد سلبهم ، وأخشى أنّكُمْ ما تعلمون وتستحون ، والخدع عندنا أهل البيت محرّم (١) ، فمن كره منكم ذلك فلينصرف ، فإنّ الليل ستير والسبيل غير خطير ، والوقت ليس بهجير ، ومَنْ واسانا بنفسه كان معنا غداً في الجنان نجيّاً من غضب الرحمن ، وقد قال جدّي محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله : ولدي الحسين يُقتل بأرض كربلاء غريباً وحيداً عطشاناً فريداً ، فمن نصره فقد نصرني ونصر ولده القائم ـ عجل الله فرجه ـ ، ولو نصرنا بلسانه فهو في حزبنا يوم القيامة.

قالت سكينة : فو الله ما أتمّ كلامه إلاّ وتفرق القوم من عشرة وعشرين ، فلم يبق معه إلا واحد وسبعون رجلاً ، فنظرت إلى أبي منكساً رأسه فخنقتني العبرة ، فخشيت أن يسمعني ورفعت طرفي إلى السماء وقلت : اللهم انّهم خذلونا فاخذلهم

__________________

(١) وفي أسرار الشهادة : وأخاف أن لا تعلموا ذلك ، أو تعلموا ولا تتفرقوا للحياء منّي ، ويحرم المكر والخدعة عندنا أهل البيت.

٣٠

ولا تجعل لهم دعاءً مسموعاً ، وسلط عليهم الفقر ولا ترزقهم شفاعة جدّي يوم القيامة ، ورجعت ودموعي تجري على خدي ، فرأتني عمتي أم كلثوم ، فقالت : ما دهاك يا بنتاه ، فأخبرتها الخبر ، فصاحت وا جدّاه وا عليّاه ، وا حسناه وا حسيناه ، وا قلّة ناصراه ، أين الخلاص من الأعداء ليتهم يقنعون بالفداء ، تركت جوار جدّك وسلكت بنا بُعدَ المدى ، فعلا منّا البكاء والنحيب.

فسمع أبي ذلك فأتى إلينا يعثر في أذياله ودموعه تجري ، وقال : ما هذا البكاء ؟

فقالت : يا أخي ردّنا إلى حرم جدّنا ، فقال : يا اختاه ليس لي إلى ذلك سبيل ، قالت : أجل ، ذكرهم محل جدّك وأبيك وأمك وأخيك ، قال : ذكّرتهم فلم يذكّروا ووعظتهم فلم يتعظوا ، ولم يسمعوا قولي ، فما لهم غير قتلي سبيل ، ولا بدّ أن تروني على الثّرى جديلاً ، ولكن أوصيكنّ بتقوى الله ربّ البريه والصبر على البلية وكظم نزول الرزيّة ، وبهذا أوعد جدّكم ولا خلف لما أوعد ، ودّعتكم إلهي الفرد الصمد ، ثم تباكينا ساعة والإمام عليه‌السلام يقول : ( وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) (١) (٢).

__________________

(١) سورة البقرة : الآية ٥٧.

(٢) الدمعة الساكبة : ج ٤ ، ص ٢٧١ ـ ٢٧٢ ، أسرار الشهادة للدربندي : ج ٢ ، ص ٢٢٢ ـ ٢٢٣ ، الأيقاد : ص ٩٣ ـ ٩٤.

٣١

الإمام الحسين عليه‌السلام يُخبر أصحابه بالشهادة

روى عن أبي حمزة الثمالي رضي‌الله‌عنه قال : سمعت علي بن الحسين زين العابدين عليهما‌السلام يقول : لمّا كان اليوم الذي اُستشهد فيه أبي عليه‌السلام جمعَ اهله واصحابه في ليلة ذلك اليوم ، فقال لهم : يا أهلي وشيعتي اتخذوا هذا الليل جملاً لكم وانجو بانفسكم ، فليس المطلوب غيري ، ولو قتلوني ما فكروا فيكم ، فانجوا رحمكم الله ، فأنتم في حلٍّ وسعة من بيعتي وعهدي الذي عاهدتموني

فقال إخوته وأهله وأنصاره بلسان واحد : والله يا سيدنا يا أبا عبد الله ، لا خذلناك أبداً ، والله لا قال الناس : تركوا إمامهم وكبيرهم وسيدهم وحده حتى قُتل ، ونبلو بيننا وبين الله عُذراً ولا نخليك أو نُقتل دونك !!

فقال لهم : يا قوم إني في غَدٍ اُقتلُ وتُقتَلون كُلكُم معي ولا يَبقى مِنكم واحدٌ فقالوا : الحمدُ للهِ الذي أكرمَنا بنصرِكَ وشرّفَنَا بالقتل معك ، أو لا ترضى أن نكون معكَ في درجتِكَ يا ابن رَسولِ اللهِ ؟

فقال عليه‌السلام جزاكم الله خيراً ! ودعا لهم بخير ، ـ فأصبح وقُتل وقُتلوا معه أجمعون ـ.

فقال له القاسم بن الحسن عليه‌السلام : وأنا فيمن يُقتل ؟ فأشفق عليه ، فقال له : يا بُني كيف الموت عندك ؟ قال : يا عم فيك أحلى مِنَ العسل ، فقال : إي واللهِ فداك عَمُكَ ، إنك لأحد من يُقتل من الرجال معي بعد أن تبلو ببلاءٍ عظيم ، ويُقتل ابني عبد الله.

٣٢

فقال : يا عم ويصلون إلى النساء حتى يُقتل عبد الله وهو رضيع ؟ فقال : فداك عمك ( يُقتل ابني عبد الله إذا جفت روحه عطشاً وصرت إلى خيمنا فطلبتُ له ماءً ولبناً فلا أجد قط فأقول : ناولوني ابني لاُشربه مِنْ فيَّ ) (١) ، فيأتوني به فيضعونه على يديَّ فأحمله لأُدنيه من فيَّ فيرميه فاسق بسهم فينحره وهو يناغي فيفيض دمه في كفي فأرفعه إلى السماء وأقول : اللهم صبراً واحتساباً فيك ، فتعجلني الأسنة منهم ، والنار تسعر في الخندق الذي في ظهر الخيم ، فأكرُّ عليهم في أمرّ أوقاتٍ في الدنيا ، فيكونُ ما يُريد الله ، فبكى وبكينا وارتفع البكاءُ والصُراخ من ذراري رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في الخيم.

ويسألني زهير بن القين وحبيب بن مظاهر عن علي ، فيقولون : يا سيدّنا فسيدّنا علي ؟ فيشيرون اليَّ ماذا يكون من حاله ؟

ـ فيقول مستعبراً ـ : ما كان الله ليقطع نسلي من الدنيا ، فكيف يصلون إليه وهو أبُ ثمانية أئمة (٢).

وفتية من بني عدنان ما نظرت

عين الغزالة أعلى منهمُ حسبا

اكفُهم يخصبُ المرعى الجديب بها

وفي وجوههم تستمطر السُحبا

أكرم بهم من مصاليت وليدهمُ

بغير ضرب الطلى بالبيض ما طربا

__________________

(١) كان في العبارة تصحيف وما بين القوسين هو ما أثبته صاحب معالي السبطين كما لا يخفى.

(٢) مدينة المعاجز للبحراني : ج ٤ ، ص ٢١٤ ، ح ٢٩٥ ، و ص ٢٨٦ ، ط ـ قديم ، وروى هذه الرواية بإسناده إلى أبي حمزة ، ابن حمدان الحضيني في الهداية الكبرى : ص ٤٣ ( مخطوط ) ، معالي السبطين للحائري : ج ١ ، ص ٣٤٣ ـ ٣٤٤ ، نفس المهموم للقميّ : ص ٣٤٣ ـ ٣٤٤.

٣٣

الإمام الحسين عليه‌السلام يُري أصحابه منازلهم في الجنة

وروي أنَّ الحسين عليه‌السلام كشفَ لأصحابه عن أبصارهم فرأوا ما حباهمُ اللهُ من نعيم ، وعرَّفَهم منازلَهم فيها ، وليس ذلك في القدرةِ الإلهية بعزيز ولا في تصرفاتِ الإمام بغريب ، فإنَّ سحرةَ فرعون لمّا آمنوا بموسى عليه‌السلام وأراد فرعون قتْلَهم أراهم النبيُ موسى عليه‌السلام منازلَهم في الجنة (١).

قال شاعر أهل البيت الفرطوسي ـ عليه الرحمة ـ :

وأراهم وقد رأى الصدقَ منهم

في الموالاة بعد كشف الغطاءِ

مالهم من منازل قد اُعدت

في جنان الخلود يوم الجزاءِ

ولعمري وليس ذا بعسيرٍ

أو غريب من سيد الشّهداءِ

فلقد أطلعَ الكليمُ عليها

منهم كلَّ ساحرٍ بجلاءِ

حينما آمنوا بما جاءَ فيه

عندَ إبطال سحرِهم والرياءِ

بعد خوف من آلِ فرعونَ مُردٍ

لهم منذر بسوءِ البلاءِ

فأراهم منازلَ الخيرِ زلفىً

وثواباً في جنةِ الأتقياءِ

لازدياد اليقين بالحق فيهم

بعد دحضٍ للشك والافتراءِ

وثَباتاً منهم على الدين فيما

شاهدوه من عالم الإرتقاءِ (٢)

وروي عن سعد بن عبد الله ، عن احمد بن محمد ابن عيسى ، عن الاهوازي ،

__________________

(١) أخبار الزمان للمسعودي : ص ٢٧٤ ، مقتل الحسين للمقرم : ص ٢١٥.

(٢) ملحة أهل البيت للفرطوسي : ج ٣ ، ص ٢٩١.

٣٤

عن النضر بن سويد ، عن عاصم بن حميد ، عن ابي حمزة الثمالي ، قال : علي بن الحسين عليه‌السلام كنت مع أبي في الليلة التي قُتل في صبيحتها فقال عليه‌السلام لأصحابه : هذا الليل فاتّخذوه جملاً فإنَّ القوم إنما يريدونني ، ولو قتلوني لم يلتفتوا اليكم ، وانتم في حلٍ وسعةٍ.

فقالوا : والله لا يكون هذا ابداً ! قال : إنكم تُقتلون غداً ( كُلّكُم ) ولا يفلت منكم رجُل ، قالوا الحمد لله الذي شرفّنا بالقتل معك ثم دعا ، وقال لهم : ارفعوا رؤوسَكم وانظروا ، فَجعلوا يَنظرون إلى مواضعِهم ومنازلِهم من الجنة ، وَهو يقولُ لهم : هذا منزِلُكَ يا فلان ، وهذا قصرُك يا فلان ، وهذه درجتك يا فلان ، فكان الرجلُ يَستقبلُ الرّماحَ والسيوفَ بصدرِه وَوجهِه ، ليصلَ إلى مَنزِلِه مِنَ الجنة (١).

وَفي حديثِ أبي جعفر الباقر عليه‌السلام إن الحسينَ عليه‌السلام قال لأصحابه : ابشروا بالجنةِ فواللهِ إنّا نَمكثُ مَا شاء اللهُ بعدَ مَا يجري عَلينا ، ثم يُخرجُنا اللهُ وإياكم حتى يَظهر قَائمُنا فَينتقمَ من الظالمينَ ، وأنا وأنتم نُشاهِدهم في السلاسل والاغلال وأنواع العذاب !!

فَقيلَ له : مَنْ قائمُكُم يا ابن رسولِ الله ؟

قال : السابع مِن ولدِ ابني محمد بن عليِّ الباقر ، وهو الحجةُ ابنُ الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي ابني ، وهو الذي يَغيبُ مدةً طويلةً ثم يظهرُ وَيملأُ الأرض قسطاً وَعدلاً كما مُلئت ظلماً وَجوراً (٢).

__________________

(١) الخرائج والجرائح للراوندي : ج ٢ ، ص ٨٤٧ ـ ٨٤٨ ، بحار الأنوار : ج ٤ ، ص ٢٩٨ ، أسرار الشهادة للدربندي : ج ٢ ، ص ٢٢١.

(٢) مقتل الحسين عليه‌السلام للمقرم : ص ٢١٥ عن إثبات الرجعة.

٣٥

وروى الصدوق ـ عليه الرحمة ـ في علّة إقدام أصحاب الحسين عليه‌السلام على القتل ، قال : حدثنا محمد بن ابراهيم بن اسحاق رضي‌الله‌عنه قال : حدثنا عبدالعزيز بن يحيى الجلودي قال حدثنا محمد بن زكريا الجوهري قال : حدثنا جعفر بن محمد بن عمارة عن أبيه عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : قلت له : أخبرني عن أصحابِ الحسين عليه‌السلام وإقدامِهم على الموتِ ، فقال : إنَّهم كُشفَ لَهم الغطاء حتى رَأوا منازلَهم من الجنةِ ، فكانَ الرجلُ منهم يَقدمُ على القتلِ لِيُبادرَ إلى حَوراءَ يُعانِقُها وإلى مكانِه مِن الجنة (١).

وجاء في زيارة الناحية المقدسة : أشْهدُ لَقدْ كَشفَ اللهُ لكمُ الغِطاء ، وَمَهّد لكُمُ الوطاء ، وأجزل لكم العطاء ، وكُنْتُمْ عن الحقِّ غَيرَ بطاء ، وأنتُم لنا فُرطاء ، ونحنُ لكُم خُلطاءُ في دارِ البقاء ، والسلام عليكُمْ ورحمةُ اللهِ وبركاته (٢).

ولقد أجاد من قال فيهم عليهم‌السلام :

وذوو المروة والوفا أنصارُه

لهم على الجيش اللئامِ زئيرُ

طهرت نفوسهم لطيب اُصولها

فعناصرٌ طابت لهم وحجورُ

فتمثّلت لهم القصورُ وما بهِم

لولا تمثّلت القصورُ قصورُ

ما شاقَهم للموت إلاّ دَعْوَة

الرحمن لا ولدانُها والحورُ (٣)

وقال الآخر :

__________________

(١) علل الشرائع : ح ١ ، ص ٢٢٩ ، ب ١٦٣ ، ح ١ ، بحار الأنوار : ج ٤٤ ، ص ٢٩٧ ، مدينة المعاجز : ج ٤ ص ٢١٤.

(٢) الإقبال لابن طاووس : ج ٣ ، ص ٨٠ ، بحار الأنوار : ج ٩٨ ، ص ٢٧٣ ـ ٢٧٤.

(٣) نفثة المصدور للشيخ عباس القمي : ص ٦٢٩.

٣٦

وفتية من رجال الله قد صبروا

على الجلاد وعانوا كلَّ محذورِ

حتّى تراءت لهم عدن بزينتها

مآتماً كُنَّ عُرس الخُرَّد الحورِ (١)

وقال آخرٌ أيضاً :

وبيتوه وقد ضاق الفسيحُ به

منهم على موعد من دونه العطلُ

حتى إذا الحرب فيهم من غدٍ كشفت

عن ساقها وذكا من وقد ما شعلُ

تبادرت فتيةٌ من دونه غررٌ

شمّ العرانين ما مالوا ولا نكلوا

كأنّما يجتنى حلواً لانفسهم

دون المنون من العسّالة العسلُ

تراءت الحور في أعلى القصور لهم

كشفاً فهان عليهم فيه ما بذلوا (٢)

الإمام الحسين عليه‌السلام يعظ أصحابه ويبشّرهم

جاء في تفسير الإمام العسكري عليه‌السلام في قوله عزوجل : ( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ) (٣)

قال عليه‌السلام : ولمّا امتحن الحسين عليه‌السلام ومن معه بالعسكر الذين قتلوه ، وحملوا رأسه قال لعسكره : أنتم من بيعتي في حلٍ فالحقوا بعشائركُم ومواليكم.

وقال : لأهل بيته قد جعلتكم في حلٍّ من مفارقتي ، فإنَّكمْ لا تُطيقونهم

__________________

(١) أدب الطف للسيد جواد شبر : ج ٦ ، ص ٢٦١.

(٢) الدمعة الساكبة : ج ٤ ، ص ٢٧٨.

(٣) سورة البقرة : الآية ٣٤.

٣٧

لتضاعف اعدادهم وقواهُمْ ، وما المقصود غيري ، فدعوني والقوم ، فإنَّ اللهَ ـ عزّوجلّ ـ يُعينُني ولا يُخليني من حُسن نظرهِ كعاداته في أسلافنا الطَّيبين.

فأمّا عسكره ففارقوه ، وأما أهله الأدنون من أقربائه فأبوا !! وقالوا : لا نفارقك ويحلُّ بنا ما يحلُّ بك ، ويحزننا ما يحزنك ، ويصيبنا ما يصيبك ، وإنّا أقرب ما نكونُ إلى الله إذا كنا معك.

فقال لهم : فإنْ كُنتم قد وطنتم أنفسكم على ما وطَّنت نفسي عليه ، فاعلموا أنَّ الله إنّما يهبُ المنازل الشريفة لعباده ( لصبرهم ) باحتمال المكارة ، وأنَّ الله وإنْ كان خَصَّني مع مَنْ مضى مِنْ أهلي الَّذينَ أنا آخرُهُم بقاءً في الدُّنيا من الكرامات بما يَسهل عليَّ معها احتمال الكريهات ، فإنَّ لكم شطرُ ذلك من كرامات الله تعالى ، واعلموا أن الدنيا حُلوها ومرها حُلمٌ (١) والانتباه في الآخرة ، والفائز من فاز فيها ، والشقيُّ مَنْ شقي فيها.

أولا اُحدثكم بأول أمرنا وأمركم معاشرَ أوليائنا ومحبينا ، والمعتصمينَ بنا ليسهل عليكم احتمال ما أنتم له معرضون (٢) ؟

قالوا بلى يابن رسول الله.

قال : إنَّ الله تعالى لمّا خلقَ آدم ، وسوّاهُ وعلَّمَه أسماء كلَّ شيء وعرضهم على الملائكة ، جعل محمداً وعلياً وفاطمةَ والحسنَ والحسينَ عليهم‌السلام أشباحاً خمسةً في ظهرِ آدم ، وكانت أنوارُهم تُضيءُ في الآفاق من السماوات والحُجب والجنان والكرسيّ والعرش ، فأمر الله تعالى الملائكة بالسجود لآدم تعظيماً له ، إنَّه قد فضّله

__________________

(١) وفي أسرار الشهادة : واعلموا أن الدنيا حلوها مرّ ، ومرها حلو.

(٢) وفي بحار الأنوار : مقرّون.

٣٨

بأن جعلهُ وعاء لتلك الأشباح التي قد عمَّ أنوارُها في الآفاق ، فسجدوا إلا إبليس أبى أنْ يتواضع لجلال عظمة الله ، وأن يتواضع لأنوارنا أهلَ البيت ، وقد تواضعت لها الملائكةُ كلُها واستكبر وترفَّع ، وكان باءِبائه ذلك وتكبّره من الكافرين (١).

ومن جملة البشارات التي بشَّر بها الحسين عليه‌السلام أصحابه عليهم‌السلام هو ما رواه القطب الراوندي عن أبي سعيد سهل بن زياد ، عن الحسن بن محبوب ، عن أبن فضيل ، عن سعد الجلاّب ، عن جابر ، عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : قال الحسين بن علي عليهما‌السلام لأصحابه قبل أن يُقتل : إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال : يا بُنيَّ إنك ستساقُ إلى العراق ، وهي أرضٌ قد التقى بها النبيّون وأوصياء النبيّين ، وهي أرضٌ تدعى ( عموراء ) وإنك تستشهد بها ، ويستشهد معك جماعةٌ من أصحابك لا يجدون ألم مس الحديد ، وتلا : ( قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ ) (٢) تكونُ الحرب عليك وعليهم برداً وسلاماً فابشروا ، فو الله لئن قتلونا ، فإنَّا نرد على نبيّنا (٣).

__________________

(١) تفسير الامام العسكري عليه‌السلام : ص ٢١٨ ـ ٢١٩ ، تاويل الآيات : ج ١ ، ص ٤٤ ، ح ١٨ ( باختصار ) ، بحار الأنوار : ج ١١ ، ص ١٤٩ ، ج ٤٥ ، ص ٩٠ ـ ٩١ ، الدمعة الساكبة : ج ٤ ص ٢٧٠ ، أسرار الشهادة للدربندي : ج ٢ ، ص ٢٢٣ إلى قوله الشقي من شقي فيها.

(٢) سوره الأنبياء الآية : ٦٩.

(٣) الجرائح والخرائج للراوندي : ج ٢ ، ص ٨٤٨ ، بحار الأنوار ج ٤٥ ، ص ٨٠ ، ح ٦ ، مدينة المعاجز للبحراني : ج ٣ ، ص ٥٠٤ ص ٢٤٥ الطبعة الحجرية.

٣٩

الإمام الحسين عليه‌السلام يعالج سيفه

ووصيته لاُخته زينب عليها‌السلام

روي عن علي بن الحسينِ بن علي عليه‌السلام قال : إني جالسٌ في تلكَ العشيّةِ التي قُتل أبي صَبيحتَها وَعمتي زينبُ عندِي تُمرضُني إذ اعتزلَ أبي بأصحابِه في خَباءٍ له وَعندَه حُوَى مَولى (١) أبي ذر الغفاري وَهو يُعالجُ سَيفَه (٢) ويُصلِحُهُ وأبي يقولُ :

يَا دهرُ أفٍّ لكَ مِنْ خَليلِ

كَمْ لكَ بالإشراقِ وَالأصيلِ

مِنْ صَاحبٍ أو طالبٍ قَتيلِ

وَالدهرُ لا يَقنعُ بالبديلِ

وإنَّمَا الأمر إلى الجليلِ

وَكلُّ حيٍّ سَالكُ السبيلِ

__________________

(١) هو : جون بن حوى مولى أبي ذر الغفاري ، كما في الزيارة الرجبية وزيارة الناحية ، وكذا في مقاتل الطالبيين ، وذكره الخوارزمي والطبري باسم حُوى ، وذكره الشيخ المفيد في الإرشاد وابن شهراشوب في المناقب باسم جوين. وكان جون منضمَّاً إلى أهل البيت عليهم‌السلام بعد أبي ذر فكان مع الحسن عليه‌السلام ثم مع الحسين عليه‌السلام ، وصحبَه في سفره من المدينة إلى مكة ثم إلى العراق ، وفي كامل بهائي أنه كان بصيراً بمعالجة آلات الحرب واصلاح السلاح ، وقتل بين يدي الحسين عليه‌السلام ووقف عليه وقال : اللهم بيض وجهه وطيب ريحه واحشره مع الأبرار ، وعرف بينه وبين محمد وآل محمد ، وروي عن الباقر عن علي بن الحسين عليهم‌السلام إنّ بني أسد الذين حضروا المعركة ليدفنوا القتلى وجدوا جوناً بعد أيّام تفوح منه رائحة المسك.

راجع : مقتل الحسين للخوارزمي : ج ١ ص ٢٣٧ ، تاريخ الطبري : ج ٤ ص ٣١٨ ، المناقب لابن شهراشوب : ج ٤ ص ١٠٣ ، كامل بهائي : ج ٢ ، ص ٢٨٠ ، إبصار العين : ص ١٠٥ ، أنصار الحسين لشمس الدين : ص ٨٠ ـ ٨١.

(٢) وفي مقاتل الطالبيين : ص ١١٣ ، وهو يعالج سهاماً له ، وبين يديه جون الخ.

٤٠