بحوث في الملل والنّحل - ج ٨

الشيخ جعفر السبحاني

بحوث في الملل والنّحل - ج ٨

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني


الموضوع : الفرق والمذاهب
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
الطبعة: ٢
ISBN: 978-964-357-272-3
الصفحات: ٤٥٣
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

ويقول :

وهذه أُصول قول الشيعة

ولو حكيت معها فروعه

لاتّسع القول بغير فائدة

وكانت الحجة فيه واحدة (١)

وهذا من العجب ، مع أنّ الاثني عشريّة ، من أشهر الفرق ، وهذا يدفعنا إلى القول ، بأنّه كان يميل إليها بعض الميل ، والله العالم.

نظرة في كتاب الدعائم

نرىٰ في كتاب الدعائم أنّ قاضي القضاة حفظ السنة المرويّة عن طريق أئمّة أهل البيت ، وأنّه أكثر الرواية عن الصادقين عليهما‌السلام ، غير أنّه لم تكن له صلة بعلماء المذهب الاثني عشري ، ولذلك خالفهم في نفس كتاب الإرث في موارد عديدة :

١. ممّا روي عن علي أنّه قضىٰ في رجل هلك ، ولم يخلّف وارثاً غير امرأته ، فقضىٰ لها بالميراث كلّه. وفي امرأة هلكت ولم تدع وارثاً غير زوج لها ، فقضىٰ له بالميراث كلّه.

فزعم أنّه يخالف ظاهر نص الكتاب ، وثابت السنة. (٢)

٢. ما روي عن أبي جعفر وأبي عبد الله ، أنّهما قالا : لا يرث النساء من الأرض شيئاً ، وإنّما تعطى المرأة قيمة النقض.

قال : فهذا أيضاً لو حمل على ظاهره وعلى العموم ، لكان يخالف كتاب الله

______________________

١. الارجوزة المختارة : ٢٣٦.

٢. دعائم الإسلام : ٢ / ٣٩٣.

٣٠١
 &

جلّ ذكره ، والسنّة وإجماع الأئمّة والأُمة. (١)

وما روي عن أئمّة أهل البيت ، في عدم إرث النساء من الأرض ، مُخصص للقرآن والسنّة ، وليس مخالفاً ؛ والمخالف هو المتباين.

كما أنّ الردّ مازاد على الثمن والربع ، في الفرع الأوّل إلى الزوج والزوجة ، لا يُعدّ مخالفاً للكتاب ، لأنّ الكتاب ساكت عن حكم مازاد على الفريضة.

نعم نسب إليه المحدّث النوري ، أنّه ممّن يُحرّم المتعة ولكنّ الوارد في النسخة المطبوعة خلافه ، قال القاضي : عن جعفر بن محمد ، أنّه قال : إذا تزوّج الرجل المرأة بصداق إلى أجل ، فالنكاح جائز ، ولكن لابدّ أن يعطيها شيئاً قبل أن يدخل بها ، فيحل له نكاحها ، ولو أن يعطيها ثوباً أو شيئاً يسيراً ، فإن لم يجد شيئاً ، فلا شيء عليه ، وله أن يدخل بها ، ويبقى الصداق ديناً عليه. (٢)

وفي خاتمة المطاف : من طالع كتبه التي أومأنا إليها ، يقف على أنّ الرجل فقيه إسماعيليّ ، يدافع عن المذهب ، وخلافة الخلفاء الفاطميين بحماس ، خصوصاً في كتابه « افتتاح الدعوة في ظهور الدعوة العبيدية الفاطمية ».

٥

أحمد بن حميد الدّين بن عبد الله الكرماني

( ٣٥٢ ـ كان حيّاً سنة ٤١١ هـ )

حميد الدّين ، أحمد بن عبد الله الكرماني الداعي في عهد الحاكم بالله ( ٣٧٥ ـ ٤١١ هـ ) والملقّب بحُجّة العراقين ، وكبير دعاة الإسماعيليّة في جزيرة العراق ،

______________________

١. دعائم الإسلام : ٢ / ٣٩٦.

٢. دعائم الإسلام : ٢ / ٢٢٥ برقم ٨٤٤.

٣٠٢
 &

وصاحب التآليف العديدة في المذهب الإسماعيلي وإثبات الإمامة للفاطميين ، والردّ على مخالفيهم.

« ظهر أثره وعظم شأنه في عهد الخليفة الفاطمي « الحاكم بأمر الله » وكان لقبه المشهور « حجّة العراقين » أي أنّه كان مسؤولاً عن شؤون الدعوة الثقافيّة في فارس والعراق ، وفي القاهرة كان مركزه كمقام ( حجّة جزيرة ) فهو أحد الحجج الاثني عشر ، المكلّفين بإدارة شؤون الدعوة الإسماعيليّة في العالم ، ثمّ استخدم بعد ذلك كرئيس لدار الحكمة في القاهرة ، وهي المؤسسة الثقافيّة التي نستطيع أن نقول عنها : إنّها أوّل جامعة انشئت في العالم.

وفد على القاهرة سنة ٤٠٨ هـ ، بناءً على طلب المأمون افتكين الضيف داعي دعاة الدولة الفاطميّة في عهد الحاكم بأمر الله ، عندما حَمي وطيس المعارك الدينيّة ، وقامت الدعوات الجديدة وراج سوق البدع التي كانت تهدف إلى الغلو والانحراف عن واقع وأُسس الدعوة.

ألّف كثيراً من الكتب أشهرها : « الرسالة الواعظة » في الردّ على الحسن الفرغاني ، القائل بإلوهيّة الحاكم بأمر الله ، و « البشارات » و « المصابيح » و « الرسالة المضيئة » و « المصابيح في إثبات الإمامة » و « تنبيه الهادي والمستهدي » و « راحة العقل » و « الرسالة الدرّية » و « رسالة التوحيد في المعاد » و « الأقوال الذهبية » و « تاج العقول » و « ميزان العقل » و « رسالة المعاد ». (١) وكتاب « الرياض في الحكم بين ( الصادين ) صاحبي الإصلاح والنصرة » مطبوع ، إلىٰ غيرها من المؤلفات.

وقد ظلت سنة وفاته مجهولة بالرغم من وصول أكثر مؤلفاته وآثاره إلينا.

يقول الكرماني عن نفسه في مقدمة كتابه « راحة العقل » : ومؤلفه حميد الدين ، أحمد بن عبد الله الداعي في جزيرة العراق وما وليها ، من جهة الإمام

______________________

١. عارف تامر : مقدمة كتاب الرياض : ١٦ ـ ٢١.

٣٠٣
 &

الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين ، المنصوص عليه من جهة القائمين مقام الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم علىٰ ما بيّناه في كتبنا المعروفة بكتاب « المصابيح في الإمامة » و « مباسم البشارات » و « الرسالة الكافية » وكتاب « تنبيه الهادي والمستهدي ». ألّفه في سنة إحدىٰ عشرة وأربعمائة ( ٤١١ ) في ديار العراق. (١)

وهذا النصّ يدل علىٰ أنّه كان حيّاً في تلك السنة.

فما ذكره ايفانوف ، من أنّه توفي بعد سنة ٤٠٨ بقليل ليس تامّاً.

وكتابه « راحة العقل » ، من أشهر مؤلفاته ، وقد حاول فيه أن يوفّق بين الفلسفة اليونانيّة وما دانت به الإسماعيليّة. وقد ذكرنا شيئاً من خصوصيات كتابه عند البحث عن عقائد الإسماعيليّة.

يقول محقق الكتاب : يُعد الكرماني بحق شيخ فلاسفة الإسماعيليّة فنحن نعلم أنّ الدعاة قبله كانوا مختلفين أشدَّ الاختلاف في مسائل كثيرة ، فالداعي النخشبي وضع كتابه « المحصول » في فلسفة المذهب ، وجاء بعده أبو حاتم الرازي فوضع كتاب « الإصلاح » وخالف فيه أقوال من سبقه ، ثمّ جاء أبو يعقوب السجستاني أُستاذ الكرماني فانتصر للنخشبي ، وخالف أبا حاتم ، ثمّ جاء الكرماني الذي استطاع أن يوفّق بين آراء شيخه ، وبين آراء أبي حاتم ، ولا نكاد نجد خلافاً يُذكر بين علماء الدعوة الإسماعيليّة في فلسفة المذهب ، بعد أقوال الكرماني ، وإن كنّا نجد خلافاً شديداً بينهم في المسائل التأويليّة ، لأنّ التأويل شخصي يختلف باختلاف الداعي ، وكل كتب الدعاة بعد الكرماني تتفق مع ما ورد في كتاب « راحة العقل ». (٢)

وقد ترجمه مصطفىٰ غالب في كتابه « تاريخ الدعوة الإسماعيليّة » ضمن ترجمة سيرة الحاكم بالله ، وأنهىٰ كتبه إلى ٣٣ كتاباً ، وذكر منها كتاب « الإصابة في

______________________

١. راحة العقل : ٢٠ ، مقدمة التحقيق للدكتور كامل حسين ، ومحمد مصطفى حلمي.

٢. المصدر السابق : ١٧.

٣٠٤
 &

تفضيل علي على الصحابة ». (١)

كما وترجمه خير الدّين الزركلي ، ولم يأت بشيء جديد. (٢)

٦

المؤيّد في الدين

( حدود ٣٩٠ ـ ٤٧٠ هـ )

هبة الله بن موسى بن داود الشيرازي ، المؤيّد في الدّين ، داعي الدعاة من زعماء الإسماعيليّة. ولد بشيراز سنة ٣٩٠ هـ ونشأ وتعلّم فيها ، وكان له ولأبيه دورٌ هامٌّ في بث الدّعوة الفاطميّة.

وغادر مدينته خوفاً من السلطان أبي كاليجار فخرج متنكراً إلى الأهواز سنة ( ٣٢٩ هـ ) ثمّ توجّه إلى حلّة منصور بن الحسين الأسدي. وتوجه إلى مصر ، فخدم المستنصر الفاطمي ، في ديوان الإنشاء وتقدّم إلىٰ أن صار إليه أمر الدّعوة الفاطميّة ( سنة ٤٥٠ هـ ) ولقب بداعي الدعاة ، وباب الأبواب. ثمّ نُحّي وأُبعَد إلى الشام ، وعاد إلىٰ مصر فتوفي بها ، عن نحو ثمانين عاماً ، وصلّىٰ عليه المستنصر.

وقيل : إنّه استطاع أن يدخل الملك أبي كاليجار في المذهب الإسماعيليّ ، كما أدخل غيره من الوزراء والأُمراء ، وكان يفحمهم ويقنعهم بغزارة علمه ، وشدّة معرفته ، في أُصول العقائد الإسماعيليّة ، وخاصّة نبوغه في علم التأويل الذي ترتكز عليه العقائد الفلسفيّة الإسماعيليّة.

عظم أمر المؤيد ، في تلك البلاد فسارت سيرته في الآفاق ، ولقد استدعي إلىٰ بيت الدعوة في مصر ، نحو عام ٤٣٨ ، ليلقي بعض المجالس التأويليّة ،

______________________

١. تاريخ الدعوة الإسماعيلية : ٢٤١ ـ ٢٤٣.

٢. خير الدين الزركلي : الأعلام : ١ / ١٥٦.

٣٠٥
 &

وليتدرب التدريب النهائي علىٰ يدي الإمام ، فوصل القاهرة ودخل القصر معززاً مكرماً. (١)

وله تصانيف عديدة منها :

١. المرشد إلى أدب الإسماعيليّة.

٢. المجالس المؤيديّة.

٣. السيرة المؤيديّة.

٤. ديوان المؤيد في الدّين.

٥. أساس التأويل ، كتبه بالفارسيّة ترجمه عن العربيّة ، وأصل الكتاب للقاضي النعمان. (٢)

٦. شرح العماد.

٧. جامع الحقائق في تحريم اللحوم والألبان.

٨. القصيدة الاسكندريّة.

٩. تأويل الأرواح.

١٠. نهج العبادة.

وله قصيدة يذكر فيها حديث غدير خم نقتطف منها هذه الأبيات :

لو أرادوا حقيقة الدّين كانوا

تبعاً للذي أقام الرسولُ

وأتت فيه آيةُ النصّ بلغ

يوم « خم » لمّا أتىٰ جبريل

ذاكم المرتضىٰ عليٌّ بحق

فبعلياه ينطق التنزيل

أهلُ بيت عليهم نزل الذكر

وفيه التحريم والتحليل

هم أمان من العمىٰ وصراط

مستقيم لنا وظل ظليل

______________________

١. تاريخ الدعوة الإسماعيلية : ٢٥٠.

٢. خير الدين الزركلي : الأعلام : ٨ / ٧٥.

٣٠٦
 &

كما وتوجد ترجمة له بقلمه ، في كتاب أفرده في سيرته بين سنة ٤٢٩ وسنة ٤٥٠ ، وهو المصدر الوحيد للباحثين عن ترجمته ، طبع بمصر في ١٨٤ صفحة . وللأُستاذ محمد كامل حسين المصري ، بكلّية الآداب ، دراسة ضافية حول حياة المُترجَم ، بحث عنها من شتّى النواحي في ١٨٦ صفحة ، وجعلها مقدمة لديوانه المطبوع بمصر ، ففي الكتابين غنى ، وكفاية عن التبسط في ترجمة المؤيد. (١)

٧

ناصر خسرو ( الرحالة المعروف )

( ٣٩٤ ـ ٤٨١ هـ )

ناصر بن خسرو ، من أحفاد الإمام علي بن موسى الرضا عليه‌السلام ، ولد في ذي القعدة عام ٣٩٤ هـ في قصبة ( قباذيان ) من أعمال بلخ ، وتوفي عام ٤٨١ هـ ، وهو خراساني الأصل ، بلخي المنشأ.

وكانت أُسرته من الأُسر الغنيّة ، وقد اهتمّ والد المترجم بتربية ابنه وتعليمه ، فحفظ القرآن وهو لم يبلغ بعدُ التاسعة من العمر ، ودرس اللغة العربيّة وآدابها ، والعلوم الإسلاميّة ، وعلوم النجوم والفلك والحساب والهندسة والجبر وتضلع في الفلسفة ، إلى أن أُطلق عليه الحكيم.

وكان شاعراً فحلاً في اللغة الفارسيّة ، وكان رحّالاً ، ترك الإقامة في موطنه واعتزم القيام برحلات في بعض الأمصار ، قاصداً فيها مكّة ، يرافقه أخوه أبو سعيد خسرو العلوي ، وغلام هندي ، فقد شرع برحلته في شهر شعبان عام ٤٣٧ هـ فترك مرو وسافر إلىٰ إقليم آذربيجان مارّاً بنيسابور ، فدامغان ، فسمنان ، فالري ، فقزوين ،

______________________

١. الأميني : الغدير : ٤ / ٣٠٤ ـ ٣١٢.

٣٠٧
 &

ثمّ تبريز ، وقد وصلها في عشرين صفر عام ٤٣٨ هـ ، وبعد أن أتمّ رحلته عام ٤٤٤ هـ ، وقد بلغ من العمر ٥٠ عاماً ، وقطع في رحلته هذه التي طالت سبع سنوات ، مسافة ٢٢٢٠ فرسخاً ـ وبعد أن ـ ساقه القضاء إلىٰ مصر ، وتوطّدت الصلة بينه وبين الخليفة الفاطمي بمصر ، المستنصر بالله ، أبو تميم معد بن علي ، الذي حكم مصر من سنة ٤٢٧ هـ إلىٰ سنة ٤٧٨ هـ ، وقد أثرت فيه دعوتهم له ، فاعتنق مذهبهم علىٰ يد أحد حُجّاب الدعوة في القاهرة ، وسمّاه بالباب واجتاز المقامات ، والدرجات الخاصّة بكبار قادة هذا المذهب ، حتىٰ بلغ درجة الحُجّة ، واعتبر أحد الحجج الاثني عشر ، في إحدىٰ الجزر الاثني عشر ، حسب تقسيمات الفاطميين.

وعاد إلىٰ بلخ ، وصار بينه وبين علماء المذهب السني نقاش ومعارضة ، إلى أن هرب من بلخ قبيل سنة ( ٤٥٣ هـ ) ، فلم يزل ينتقل من مدينة إلى مدينة ، إلى أن انتهىٰ به المطاف سنة ( ٤٥٦ هـ ) إلى مدينة « غاريمكان » الواقعة قرب مدينة بدخشان ، وأقام فيها مختفياً إلىٰ أن وافاه الأجل عام ( ٤٨١ هـ ) فدفن هناك ، وقبره اليوم مزار للإسماعيليّين. وقد ترك آثاراً كثيرةً نشير إلىٰ بعضها :

١. « زاد المسافرين » الذي انتهىٰ منه في سنة ٤٥٣ هـ ، وهو من أضخم مؤلفاته.

٢. « وجه دين » في عقائد الإسماعيليّة.

٣. « خوان اخوان ».

٤. « دليل المتحيّرين » الذي أراد أن يثبت فيه أحقّية المذهب الفاطمي.

٥. إكسير أعظم في المنطق ، أو الفلسفة.

٦. « رسالة المستوفي » في الفقه الإسماعيلي. (١)

______________________

١. أعيان الشيعة : ١٠ / ٢٠٢ ـ ٢٠٤ ، من أراد المزيد فليراجع المصادر التالية ؛ رياض العلماء : ٥ / ٢٣٢ ؛ مستدركات علم رجال الحديث : ٨ / ٥٥ ؛ طبقات أعلام الشيعة : ٢ / ١٩٨ ؛ الذريعة : ٢١ / ١٥ ؛ معجم المؤلفين : ١٣ / ٧٠.

٣٠٨
 &

٨

محمد بن علي بن حسن الصوري

من علماء القرن الخامس

ولد في مدينة صور ، وعاش رَدْحاً من الزمن في مدينة طرابلس ، داعيّاً للفاطميين. هبط القاهرة في عهد الإمام المستنصر بالله الفاطمي ( ٤٢٧ ـ ٤٨٧ هـ ).

صنّف قصائد كثيرة ورسائل عديدة ، أشهرها « التحفة الظاهرة » و « نفحات الأئمّة » وقد رجّح عارف تامر ، أنّه مات في حصون الدعوة الإسماعيليّة الصوريّة بجبال « السماق » بعد تعيينه داعية للمذهب الإسماعيلي فيها من قبل الإمام « المستنصر بالله ».

ومن أبرز تأليفاته ، القصيدة الصورية ، وقد ألّفها في عصر ازدهر فيه الأدب ، وبرز إلىٰ ميدان العلم والأدب ثلّة من العلماء ، والأُدباء ، الذين قَدَّموا للمكتبة الإسلامية العديد من المؤلفات ، وجادت قرائح الشعراء بالشعر العربي الفاطمي ، الذي كان في ذلك العصر وسيلة من وسائل الدّعاية الدينيّة ، وداعياً للتعبير عن التعاليم الفلسفيّة وتعدُّ القصيدة الصورية من أقدم المصادر عن الإسماعيليّة ، ومن أهم الرسائل المعبَّرة عن العقائد الإسماعيليّة ، أو بالأحرى ، من الرسائل التي تُشكّل عنصراً هامّاً في العقائد الباطنيّة ، ومرجعاً يرجع إليه عند اختلاف وجهات النظر ، ولذلك فقد تناقلتها الدعاة وحافظوا على سرّيتها وعدم تسرّبها.

وإليك مقاطع من قصيدته يشير فيها إلى تلك العقائد الباطنيّة ، منها :

١. انّ الأسماء والصفات ليس لله سبحانه ، بل للمبدأ الأوّل :

٣٠٩
 &

والعلم بالتوحيد أسمى العلم

فاصغ لما قد نال منه فهمي

فكلّما يجري على اللسان

من سائر الأفكار والأديان

وسائر الأسماء والصفات

للمُبدع الأوّل لا للذات

٢. توحيده سبحانه :

وسائل يسأل هل هو واحد

أم أَحدُ حتىٰ يصح الشاهد

قلنا له الواحد مبدأ للعدد

والأحد المبدي له الفرد الصمد

والأحد المبدع وهو الأزل

والواحد المبدع وهو الأوّل

أوّل من قام بتوحيد الأحد

ودلّ بالعلم عليه من جحد

وصار للأعداد أصلاً صدرت

عنه ومنه انبجست إذ ظهرت (١)

٩

إبراهيم بن الحسين الحامدي

( ... ـ ٥٥٧ هـ )

إبراهيم بن الحسين الهمداني الحامدي : من دعاة الإسماعيليّة وعلمائهم في اليمن ، عاصر الدّولة الصليحيّة فحينما قرّرت السيدة الحرّة أروىٰ ـ من أميرات الدّولة الصليحيّة ـ أن تُفصل الدعوة عن الدّولة فصلاً تامّاً ، عقدت مؤتمراً لكبار السلاطين والدّعاة لانتخاب من يتولّىٰ رئاسة الدّعوة ، فوقع الاختيار على الداعي الذؤيب بن موسى الوادعي الهمداني ( ٥٢٠ ـ ٥٣٦ هـ ) (٢) ليتولّىٰ هذه المهمّة.

______________________

١. القصيدة الصورية : ١٧ ، قسم المقدمة.

٢. كذا في المصدر ، ولعلّ في التاريخ تصحيف .

٣١٠
 &

وبعد أُفول نجم الدّولة الصليحيّة بوفاة السيّدة الحرّة. أصبحت الدّعوة منظّمة دينيّة بحتة يرأسها الداعي ذؤيب بن موسى ، ومن الطبيعي حسب ترتيبات الدّعوة الإسماعيليّة أن يختار من بين الدعاة داعياً مأذوناً له يساعده في أعماله ، فاختار إبراهيم بن الحسين بن أبي السعود الحامدي الهمداني ، وهو من كبار الدعاة العلماء الذين أوجدتهم مدارس الدّعوة الإسماعيليّة المستعلية الطيبية في اليمن.

ولمّا توفي الذؤيب خلفه مأذونه إبراهيم داعياً مطلقاً للإمام المستور ، الطيّب ابن الآمر في اليمن وما جاورها من البلاد والهند والسند وذلك سنة ٥٣٦ هـ. وجعل الشيخ علي بن الحسين بن جعفر الانف القريشي العبثمي ، مأذوناً له ، فكان له معاضداً علىٰ أمره ، قائماً بنشر الدّعوة في سرّه وجهره ، ولم يعمّر علي بن الحسين طويلاً فقد وافته المنية في سنة ٥٥٤ هـ ، فاستعان الحامدي بابنه حاتم ، حيث اتخذه مأذوناً له ، ونقل مقرّه إلى صَنعاء ، ثمّ أعلن عدم تدخله في سياسة الدولة ، وواظب علىٰ دراسة العلوم ، ونقل التراث العلمي الإسماعيلي ، وجمعه وتدريسه للدعاة التابعين لمدرسته ، ووزّع الدعاة في بلاد اليمن والهند والسند ، وفيه يقول الشاعر الحارثي :

أبا حسن أنقذت بالعلم انفسا

وأمّنتها من طارق الحدثان

فجوزيت بالحسنىٰ وكوفيت بالمنىٰ

ودمت سعيداً في أعزّ مكان

عمرت بصنعا دعوة طيبية

جعلت لها أسّاً وشُدت مباني

من كتبه : « كنز الولد » و « الابتداء والانتهاء » و « كتاب تسع وتسعين مسألة في الحقائق » و « الرسائل الشريفة في المعاني اللطيفة ».

وفي عهد هذا الداعي الأجل تعرضت الدّعوة المستعليّة الطيبية إلى هزّات عنيفة قاسيّة ، لأنّ ملوك آل زريع في عدن مالوا إلى الدعوة المستعليّة المجيديّة ،

٣١١
 &

التي أخذت تنتشر بقوّة في أنحاء اليمن حتىٰ أصبح لها دعاة نشيطون في قلب تنظيمات الدّعوة الطيبية ، وفي معاقلها ، كحراز ، ونجران ، واليمن الأسفل ، وكذلك أعلن ملوك همدان الياميون في صنعاء ، وبلاد همدان ، عن تنصّلهم من جميع الدّعوات والمذاهب.

ومع كلّ هذا فقد ظلّ الداعي إبراهيم بن الحسين الحامدي ، علىٰ إخلاصه للدّعوة الطيبية ، مواصلاً نشاطه حتىٰ توفّاه الله في صنعاء ، في شهر شعبان سنة ٥٥٧ هجرية. (١)

وقد طبع للمترجم له كتاب « كنز الولد » بتحقيق مصطفى غالب عام ١٣٩١ هـ نشرته جمعيّة المستشرقين الألمانيّة ، والكتاب يتألف من أربعة عشر باباً ، وقد استهل المقدّمة علىٰ عادة كتّاب العصر ، بالاستعانة والتوكل ، والشهادة ، والسلام ، ثمّ يذكر موضوع الكتاب والأسباب الداعيّة لتأليفه.

قال : واعلم هداك الله لأوضح المسالك ونجّاك عن المهالك ، أنّ لكلّ رابع من الاتماء قوّة وتأييداً ، واستطالة وتشديداً. ولكلّ سابع ، أعظم وأعلىٰ وأقوم ، يقوم مقام النطق ، ونحن في دور سابع الأشهاد ، المتوجّه نحوه ملاحم آبائه وأجداده ، والاشارات والرموز في أسانيدهم. والبشارات الموصوفة بالبركات والنعم والخيرات بظهور العلوم والمعجزات ، وإشراق النور ، وبنبوع الأنهار ، وأزهرار الأشجار ، بالخضرة والنوّار ، حتى تتصل أنواره بنور القائم عليه‌السلام على أتمّ تمام وأحسن نظام. (٢)

ويظهر منه أنّ الإمام السابع يقوم مقام النطق ، أي يكون مع كونه إماماً ، رسولاً ناطقاً فعليه يكون محمد بن إسماعيل مع كونه إماماً سابعاً ، رسولاً ناطقاً ، بادئاً للدور السابع ، وأمّا عدّ نفسه بأنّه في دور سابع الأشهاد ، مع أنّه كان في

______________________

١. مصطفى غالب : كنز الولد : ٣١ ـ ٣٣ ، قسم المقدمة ؛ الزركلي : الأعلام : ١ / ٣٦.

٢. الحامدي : كنز الولد : ٥.

٣١٢
 &

الدور الثامن ، لأنّ الدّور السابع ليس لمدّته أمد محدود ، كما صرّح به في كتاب « الإمامة في الإسلام ». (١)

وأمّا فهرس أبواب كتابه هذا ، فهي :

الباب الأوّل : في القول على التوحيد ، من غير تشبيه ولا تعطيل.

الباب الثاني : في القول على الإبداع الذي هو المبدع الأوّل.

الباب الثالث : في القول على المنبعثين عن المبدع الأوّل معاً ، وتباينهما.

الباب الرابع : في القول على المنبعث الأوّل القائم بالفعل. وما ذلك الفعل ؟

الباب الخامس : في القول على المنبعث الثاني القائم بالقوّة. وما سبب ذلك ؟

الباب السادس : في القول على الهيولى والصورة وما هما في ذاتهما ، وسبب تكثفهما وامتزاجهما ؟

الباب السابع : في القول علىٰ ظهور المواليد الثلاثة : المعدن ، والنبات ، والحيوان.

الباب الثامن : في القول علىٰ ظهور الشخص البشري أوّلاً ، وفي كلّ ظهور بعد وفاء الكور.

الباب التاسع : في القول علىٰ ظهور الشخص الفاضل من تحت خط الاعتدال.

الباب العاشر : في القول على الارتقاء والصعود إلىٰ دار المعاد إن شاء الله تعالىٰ.

الباب الحادي عشر : في القول علىٰ معرفة الحدود العلويّة والسفليّة.

الباب الثاني عشر : في القول على الثواب والارتقاء في الدرج إلى الجنّة الدانية والعالية ، إن شاء الله.

الباب الثالث عشر : في القول على اتصال المستفيد بالمفيد وارتقائه إليه واتّصاله به.

الباب الرابع عشر : في القول على العذاب بحقيقته وكيفيته نعوذ بالله منه.

______________________

١. عارف تامر : الإمامة في الإسلام : ١٥٥.

٣١٣
 &

١٠

علي بن محمد الوليد

( ٥٢٢ ـ ٦١٢ هـ )

« علي بن محمد الوليد الأنف العبشي القرشي » الداعي المطلق الخامس للإسماعيليّة المستعليّة في اليمن ، المولود سنة ٥٢٢ هـ والمتوفىٰ سنة ٦١٢ هـ ، والمنحدر من أُسرة عربيّة عريقة ، كان لها شأن في مجالات الأدب والفلسفة ، وقد لعب دوراً أدبيّاً فلسفيّاً هامّاً ، في القرن السادس الهجري ، وبالرغم من المصادر القليلة عن تاريخ حياته ، إلّا انّه يمكننا القول بأنّه ينحدر من أُسرة معروفة بإخلاصها للأئمّة الفاطميين. يدلنا علىٰ ذلك والده الذي كان يلقب ( بالأنف ) تيمّناً بأبرز عضو في وجه الإنسان.

ولقد كان الداعي يتمتع بسمعة طيبة وعلم وافر فقد تحسنت أُمور الاتباع وأقبلوا عليه من كل حدب وصوب لسماع محاضراته والتزّود من علومه والدراسة عليه وأيده السلاطين والأُمراء من همدان وجعل مقره مدينة صنعاء حيث اعتكف على الدراسة والتصنيف وكتابة الكتب والرسائل والمقالات التي يدافع فيها عن الدعوة ويشرح عقائدها ومعارفها الفكرية

وكان علي بن الوليد أيضاً من الشعراء البارزين ، ففي ديوانه القوافي العذبة والتأملات ، التي تدلّ على عراقته بفن الشعر :

ما العمر إن طال للإنسان أو قصرا

بنافع في غد أو دافعٍ ضرراً

ولا حياة الفتىٰ تُغني إذا هو لمْ

يكن بها قاضياً في دينه وطرا

فإن يمتْ جاهلاً ماذا أُريد به

فبالحقيقة في الدارين قد خسرا

٣١٤
 &

أمّا مؤلفاته فنشير إلى بعض منها :

١. « تاج العقائد ومعدن الفوائد ». يتضمن مائة مسألة في معتقدات مذهب الإسماعيليّة.

٢. « دافع الباطل وحتف المناضل » ألفه رداً علىٰ كتاب « المستظهري » . وهو أوّل كتاب ردٍّ للغزالي على الباطنيّة.

٣. « مختصر الأُصول » ويشمل شرح المقالات وكيفية انقسامها والردّ على الفلاسفة وبعض الفرق.

٤. رسالة « نظام الوجود في ترتيب الحدود ».

٥. رسالة « الإيضاح والتبيين في كيفية تسلسل ولادتي الجسم والدين ».

٦. رسالة « تحفة المرتاد وغصَّة الأضداد » في الرد على الفرقة المجيدية وإثبات إمامة الطيب بن الآمر وذكر تسلسل الإمامة.

٧. « لبَّ الفوائد وصفو العقائد » في المبدأ والمعاد. (١)

٨. ديوان شعر وفيه أشعاره في الردّ على المخالفين وفي مدائح الأئمة.

وكان وفاة هذا الداعي يوم الأحد السابع والعشرين من شهر شعبان سنة ٦١٢ هـ عن عمر ناهز التسعين عاماً ودامت أيام دعوته ست سنين وتسعة أشهر وثلاثة أيّام.

وقد أخذنا شيئاً من عقائدهم من كتاب « تاج العقائد » الذي يُعد أوضح كتاب وضع في بيان عقائد تلك الطائفة ، والكتاب واضح العبارة جداً ، بعيد عن الانحراف والاعتساف ، إلّا ما ندر ، وهو يدل علىٰ أنّ طائفة الإسماعيليّة القاطنة في اليمن كانوا بمعزل عن كثير من الزلّات المشاهدة عند غيرهم.

______________________

١. تاج العقائد ومعدن الفوائد : ٧ ـ ٩ ، المقدمة ، تحقيق عارف تامر.

٣١٥
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEBohoth-Melal-Nehal-part08imagesrafed.png

٣١٦
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEBohoth-Melal-Nehal-part08imagespage0317.png

٣١٧
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEBohoth-Melal-Nehal-part08imagesrafed.png

٣١٨
 &

التنظيمات السرّية الإسماعيلية

إنّ طابَع الأقلّية يستدعي امتلاك تنظيمات سرية يسودها التكاتف والتعاون لتصمد أمام العواصف التي تهددهم من جانب الأكثرية ، ولولا ذلك لتفكّكت وانفصمت عرى حياتهم ولانصهر كيانهم المستقل.

ظهرت الإسماعيلية على مسرح الحياة في زمان ساده روح العداء لأهل البيت عليهم‌السلام وأتباعهم ، وكانت الشيعة قذى في عيون الخلافة العباسية ، لما يسودها من روح العصيان على السلطة والخروج عليها.

هذا وما شابهه صار سبباً لدخول أئمتهم في كهف الاستتار والتقية وإحداث تنظيمات سرية في مختلف الأدوار لتكون حصناً حصيناً لهم ولأتباعهم ، وقد ذكر التاريخ شيئاً كثيراً من تنظيماتهم ومخططاتهم المبتكرة والتي قلّما يشهد التاريخ لها من مثيل.

وهذا الكاتب الإسماعيلي مصطفى غالب يشرح لنا الصورة الدقيقة عن التنظيمات السرية في أدوار الستر وفي عهد الدولة الإسماعيلية في مصر والمغرب حيث يقول :

إذا أردنا أن نقارن تلك التنظيمات مع أحدث التنظيمات والتخطيطات الدعاوية العصرية المعروفة اليوم ، لتبين لنا انّ الإسماعيليين كان لهم القدح المعلّى في هذا المضمار ، من حيث ابتكار الأساليب المبنية على أُسس مكينة مستوحاة من عقائدهم الصميمة ، وتظهر عبقريتهم بوضوح من جهة البراعة في تنظيم أجهزتهم الدعاوية ـ في قلّة الوسائل في تلك الأيام ـ ممّا جعلهم يستطيعون الإشراف بسرعة فائقة على تنسم أخبار أتباعهم في الأبعاد المتناهية ، وذلك بما ابتكروا من أساليب

٣١٩
 &

وأحدثوا من وسائل ، وقد كان للحمام الزاجل الذي برع في استخدامه الدعاة ، أثره الفعّال في نقل الأخبار والمراسلات السرية الهامة.

ولقد كان الإمام الإسماعيلي الذي يعتبر رئيس الدعوة قد وفق بين جهاز الدعاية الذي نظّمه خير تنظيم ، وبين نظام الفلك ودورته ، وجعل العالم الذي كان معروفاً في تلك الأيام مثل السنة الزمنية ، فالسنة كما هو معروف مقسمة إلى اثني عشر شهراً ، ولذلك يجب أن يقسم العالم إلى اثني عشر قسماً ، أطلق على كل قسم اسم ( جزيرة ) وجعل على كل جزيرة من هذه الجزر داعياً ، هو المسؤول الأوّل عن الدعاية فيها ، ولقب بـ ( داعي دعاة الجزيرة ) أو بـ ( حجة الجزيرة ). وقال : إنّ الدعوة لا يمكن استقامتها إلّا باثني عشر داعياً يتولون إدارتها ، فكان الإمام ينتخب الدعاة من ذوي المواهب الخارقة ، والقدرة الفائقة في بث الدعوة والعمل على نشرها بين مختلف الطبقات وقد جعل الدعاة من ( حدود الدين ) إمعاناً في إسباغ الفضائل عليهم ، ليتمكنوا من نشر الدعوة وتوجيه الأتباع دونما أيّة معارضة أو مخالفة ، لأنّ مخالفتهم ومعارضتهم تعتبر بنظر الإمام مروقاً عن الدين ، وخروجاً عن طاعة الإمام نفسه ، لأنّهم من صلب العقيدة وحدودها.

ولمّا كان الشهر ثلاثون يوماً لذلك كان لكل داعي جزيرة ثلاثون داعياً نقيباً لمساعدته في نشر الدعوة ، وهم قوته التي يستعين بها في مجابهة الخصوم ، وهم عيونه التي بها يعرف أسرار الخاصة والعامة ، فكانوا بمثابة وزرائه ومستشاريه في كلّ ما يتعلّق بجزيرته.

ولمّا كان اليوم أربع وعشرين ساعة ، اثنتي عشر ساعة بالليل ، واثنتي عشر ساعة بالنهار ، وجب لكلّ داع نقيب أربعة وعشرين داعياً ، منهم اثني عشر داعياً ظاهراً كظهور الشمس بالنهار ، واثني عشر داعياً محجوباً مستتراً استتار الشمس بالليل. وبعملية حسابية بسيطة نجد انّ عدد الدعاة الذين بثهم الإمام الإسماعيلي في العالم كان حوالي ٨٦٤٠ داعياً في وقت واحد.

٣٢٠