🚘

بحوث في الملل والنّحل - ج ٨

الشيخ جعفر السبحاني

بحوث في الملل والنّحل - ج ٨

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني


الموضوع : الفرق والمذاهب
الناشر: مؤسسة الامام الصادق عليه السلام
ISBN: 964-6843-21-5
🚘 نسخة غير مصححة

الموَمنين على الجهاد ، وأمره ونهيه إيّاهم في ذلك ، بما يأمرهم به ، وينهاهم عنه ، ولذلك كان في خطبة العيدين الاَمر بالجهاد وبطاعة الاِمام ، والتوبيخ على التقصير في العمل. (١)

هذه نماذج من تأويلات الاِسماعيليّة ، في مجال الاَحكام الشرعيّة ، ومن أراد الاستقصاء فعليه الرجوع ـ مضافاً إلى كتاب تأويل الدعائم ـ إلى كتاب « وجه دين » للرحالة ناصر خسرو (٣٩٤ ـ ٤٧١ أو ٤٨١ هـ) ، فقد قام بتأويل ما جاء من الاَحكام في غير واحد من الاَبواب ، حتى الحدود والدّيات ، والنكاح ، والسفاح ، ولكنّه ألّفه بلغة فارسية قديمة ، فعلى من يريد المزيد من الاطلاع فليرجع إلى ذلك الكتاب ، وقد طبع عام ١٣٩٧ هـ طبعة أنيقة.

____________

١ ـ تأويل الدعائم : ١ / ٣٢٣ ـ ٣٢٤.

٢٨١
٢٨٢

الفصل الثالث عشر

في

أعلام الفكر الاِسماعيلي

٢٨٣
٢٨٤

ظهر المذهب الاِسماعيلي على الساحة الاِسلاميّة بطابَع دينيّ بحت ، مدّعياً استمرار الاِمامة ، المتجسّدة في إسماعيل بن جعفر ، ومحمد بن إسماعيل ، ولمّا اشتدَّ سلطانهم بقيام دولة لهم في شمال إفريقية ، في بلاد المغرب ، ومصر ، ظهرت بينهم شخصيات بارزة في حقول السياسة والفلسفة والفقه والحديث والاَدب وغيرها ، وبما أنّ دراسة سيرتهم وما قدموه من تراث للمجتمع الاِسلامي خارج عن موضوع كتابنا ، لاَنّه رهن دراسة تاريخ الدولة الفاطميّة ؛ فلنقتصر على ترجمة لفيف من أعلامهم ومفكّريهم ، مِمّن كان لهم دور في نضج المذهب وتكامله وانتشاره.

١

أحمد بن حمدان بن أحمد الورثنياني

(أبوحاتم الرازي)

(٢٦٠ ـ ٣٢٢ هـ)

أحمد بن حمدان بن أحمد الورثنياني الليثي (أبوحاتم الرازي) من زعماء الاِسماعيليّة وكُتّابهم ، أوّل من ترجمه هو الصدوق في « تاريخ الري » حسب ما نقله ابن حجر في « لسان الميزان » ، قال :

ذكره أبو الحسن ابن بابويه في « تاريخ الري » ، وقال : كان من أهل الفضل والاَدب ، والمعرفة باللغة ، وسمع الحديث كثيراً ، وله تصانيف ؛ ثمّ أظهر القول بالاِلحاد وصار من دعاة الاِسماعيليّة ، وأضلّ جماعة من الاَكابر ومات في سنة

٢٨٥

٣٢٢ هـ. (١)

ونقل صاحب الاَعيان عن الرياض ما هذا لفظه : كان من القدماء المعاصرين للصدوق ، له كتاب الرد على محمد بن زكريا الطبيب الرازي في الاِلحاد وإنكار النبوة. (٢)

وقال مصطفى غالب : كان داعياً كبيراً لبلاد الري وطبرستان وآذربيجان ، وقد استطاع أن يُدخل أمير الري في المذهب الاِسماعيلي وكان من كبار دعاة القائم بأمر اللّه ، ونوَكّد أنّه لعِب دوراً عظيماً في شوَون طهران والديلم والري ، السياسيّة ، فاستجاب لدعوته أعظم رجالات تلك البلاد ، وله موَلفات عظيمة منها :

١ ـ كتاب « الزينة » : كتاب في الفقه والفلسفة الاِسماعيليّة.

٢ ـ « أعلام النبوة » : كتاب يبحث في الفلسفة الاِسماعيليّة.

٣ ـ « الاِصلاح » : كتاب يبحث في التأويل.

٤ ـ « الجامع » كتاب في الفقه الاِسماعيلي. (٣)

والحقيقة فإنّ أبا حاتم الرازي كان علماً من أعلام النهضة العلميّة عند الاِسماعيليّة ، وقد ساهم بنشر التعاليم الفلسفيّة في كافّة الاَقطار الشرقيّة ، وخاصّة في محيط الثقافة الاِسلاميّة العامّة ، وبالرغم من كلّ هذا فإنّه لم يَسلم من اضطهاد الاَعداء في الديلم ، وقد اضطر إلى الاختفاء في أواخر سني حياته ، ومات سنة ٣٢٢ هـ بعد تولية القائم الفاطمي شوَون الاِمامة الاِسماعيليّة ، في بلاد المغرب ، وقد عمّر اثنين وستين عاماً ، كما قال بعض الموَرخين.

كان معاصراً لاَبي بكر محمد بن زكريا الرازي الطبيب المشهور ، وصاحب

__________________

١ ـ لسان الميزان : ١ / ١٦٤.

٢ ـ الاَمين العاملي : أعيان الشيعة : ٢ / ٥٨٣ ، ولم نعثر على النص في رياض العلماء المطبوع.

٣ ـ مصطفى غالب : تاريخ الدعوة الاِسماعيلية : ١٨٦.

٢٨٦

الآراء الفلسفيّة المعروفة ، التي خرج فيها على كثير من نظريات أرسطو الطبيعية والميتا فيزيائية ، منكراً التوفيق بين الفلسفة والدين ، معتقداً بأنّ الفلسفة هي الطريق الوحيد لاِصلاح الفرد والمجتمع.

وقد دارت بينهما (أي بين الرازيين) مناقشات عنيفة ومتعددة ، حضرها بعض العلماء والروَساء السياسيين ، وقد دوّن أبو حاتم هذه المناقشات في كتابه « أعلام النبوة ». (١)

وإليك كلاماً حول كتابه « أعلام النبوة » ، فالكتاب يصوّر لنا معركة فكريّة عقائديّة بين رازيين ، هما : أبو حاتم الداعي المتكلم الاِسماعيلي ، ومحمد بن زكريا الطبيب المتفلسف حيث تعددت اللقاءات بينهما ، ودار النقاش حول مواضيع شتى في جوانب الثقافة الاِسلاميّة ، من عقائد فلسفيّة وكلام وطب وصيدلة وهيئة ، وما إلى ذلك.

إنّ اختلاف الرأي بين الرجلين في هذه الجوانب لم يكن إلاّ مظاهر متعددة لاختلاف أساسي واحد بينهما في الرأي حول العقل الاِنساني ، وتكليفه وحدود إمكانه من جانب ، والنبوّة والضرورة إليها من جانب آخر. (٢)

والكتاب جدير بالمطالعة وقد بدأ الموَلف كتابه بقوله :

ناظرني « الملحد » في أمر النبوّة وأورد كلاماً نحو ما رسمه في كتابه الذي قد ذكرناه فقال :

« من أين أوجبتم أنّ اللّه اختصَّ قوماً بالنبوّة دون قوم ، وفضلهم على الناس ، وجعلهم أدلّة لهم ، وأحوج الناس إليهم؟ ومن أين أجزتم في حكمة الحكيم أن يختار لهم ذلك ويشلي بعضهم على بعض ، ويوَكد بينهم العداوات

__________________

١ ـ كتاب الرياض : ٨ ـ ٩ المقدمة بقلم عارف تامر.

٢ ـ أبو حاتم الرازي : أعلام النبوة : ٤ ، المقدمة بقلم صلاح الصاوي.

٢٨٧

ويكسر المحاربات ويهلك بذلك الناس؟! ». (١)

ثمّذكر المناظرة.

وترجمه ابنُ النديم في « الفهرست » ، وقال : وله من الكتب « كتاب الزينة » نحو ٤٠٠ ورقة وكتاب « الجامع » وفيه فقه. (٢)

٢

محمد بن أحمد النسفي البردغي (النخشبي)

( ... ـ ٣٣١ هـ)

كان كبير دُعاة خراسان وتركستان ، استطاع أن يدخل في المذهب الاِسماعيلي الكثيرين ، من أهل تلك البلاد ، اشتهر في تعمّقه بدراسة فلسفة المذهب الاِسماعيلي ؛ ومن أشهر موَلفاته :

١ ـ كتاب « المحصول » يتألّف من ٤٠٠ صفحةجلّها في الفلسفة الاِسماعيليّة.

٢ ـ « كون العالم ».

٣ ـ كتاب « الدعوة الناجية ».

٤ ـ كتاب « أُصول الشرع » يبحث في الفقه الاِسماعيلي ، وفلسفة ما وراء الطبيعة.

توفي هذا الداعي سنة ٣٣١ هـ. (٣)

__________________

١ ـ أبو حاتم الرازي : أعلام النبوة : ١ ، وطبع الكتاب في طهران عام ١٣٩٧ هـ وترجمه خير الدين الزركلي ولم يأتي بشيء يذكر لاحظ الاَعلام : ١ / ١١٩.

٢ ـ ابن النديم : الفهرست : ٢٨٢.

٣ ـ تاريخ الدعوة الاِسماعيليّة : ١٨٦ ـ ١٨٧ ، وقد ذكره باسم عبد اللّه بن أحمد النسفي البردغي ، وجاء في مقدمة كتاب الرياض ، للكرماني ، باسم محمد بن أحمد النسفي ، والمقدمة لعارف تامر.

٢٨٨

يقول عارف تامر : إنّ أوّل جَدَل فَتح للاِسماعيليّة الآفاق الجديدة ، ظهورُ كتاب « المحصول » ، وهذا الكتاب وضع موضع التداول في بداية القرن الرابع الهجري ، وينسب إلى الداعي السوري الاَكبر « محمد بن أحمد النسفي » الذي كان له الفضل بتحويل مذهب الدولة السامانية في آذربيجان إلى الاِسماعيليّة ، وقد أُعدم سنة ٣٣١ هـ ، كما جاء في كتاب « الفرق بين الفرق » لموَلفه عبد القاهر البغدادي. (١)

وقد ذكر ابن النديم في الفهرست أنّ النسفي خلف ، الحسين بن علي المروزي في خراسان ، الذي مات في حبس نصر بن أحمد ، وأستغوى نصر بن أحمد وأدخله في الدعوة الاِسماعيليّة ، وأغرمه دية المروزي ، وزعم أنّه ينفذها إلى صاحب المغرب القيّم بالاَمر. فلحق نصر سقمٌ طرحه على فراشه ، وندم على إجابته للنسفي ، فأظهر ذلك ومات.

فجمع ابنه نوح بن نصر الفقهاء وأحضر النسفي ، فناظروه وهتكوه وفضحوه ، فقتل النسفي ، وروَساء الدعاة ووجوهها من قواد نصر ، ممن دخل في الدعوة ومزقهم كل ممزق. (٢)

٣

أبو يعقوب السجستاني

( ٢٧١ ـ وكان حيّاً عام ٣٦٠ هـ)

أبو يعقوب إسحاق بن أحمد السجزي أو السجستاني ، ولد عام ٢٧١ هـ في سجستان ، وهي مقاطعة في جنوب خراسان يمتُّ بصِلة النسب إلى أُسرة فارسيّة ،

__________________

١ ـ عارف تامر : كتاب الرياض : ٦ ، قسم المقدمة.

٢ ـ ابن النديم : الفهرست : ٢٣٩.

٢٨٩

وقيل أنّه من أصل عربي ، جاء جدُّه من الكوفة ، وقطن في سجستان.

نشأ السجستاني في مدارس الدعوة الاِسماعيليّة في اليمن ، وأسهم مساهمة فعّالة في المناظرات العلميّة التي كانت تجري في ذلك العصر. (١)

يقول عنه الكاتب الاِسماعيلي عارف تامر : يعتبر أبو يعقوب إسحاق السجستاني (السجزي) في طليعة العلماء الذين كرّسوا أنفسهم لوضع قواعد فلسفيّة كونيّة قائمة على دعائم فكريّة عقائديّة إسماعيليّة ، ونشرها وتعميمها في الاَقطار الاَُخرى ، حتى اتّهم في أواخر حياته ، بالكفر والاِلحاد ، من الجمهور ، ثمّ قتل أخيراً.

وقد لعب السجستاني دوراً هامّاً في مجال الفلسفة في القرن الثالث للهجرة ، وقد ظهر أثره الفكري في تلميذه حميد الدين الكرماني (حجة العراقين) الذي سار على منهاجه ، ودعا إلى تعاليمه.

عاصر الدعوة الاِسماعيليّة الباطنيّة في عصر الظهور أي ابان ازدهار الدولة الفاطميّة وظهورها كدولة إسلاميّة ذات كيان حضاري ، وعلمي ، واجتماعي ، وسياسي. (٢)

كتب كتاب « النصرة » الذي عارض فيه كتاب « الاِصلاح » الذي وضعه أبو حاتم الرازي في الرد على آراء النسفي التي وردت في كتابه « المحصول » وبذلك انتصر للنسفي على الرازي.

وقام الكرماني إلى تأليف كتابه « الرياض » بتقريب وجهات النظر بين الدعاة المتجادلين (النسفي ، الرازي ، السجستاني).

ترك السجستاني بعده موَلفات علميّة فلسفيّة عددها ينوف على الثلاثين

__________________

١ ـ مصطفى غالب : مقدمة الينابيع : ٤٦.

٢ ـ عارف تامر : مقدمة كتاب الرياض : ١٠ ، نقل بتصرف.

(٢٩١)

٢٩٠

ولعل أشهر كتبه :

١ ـ كتاب النصرة ، ٢ ـ كتاب الافتخار ، ٣ ـ كتاب المقاليد ، ٤ ـ كتاب مسيلة الاَحزان ، ٥ ـ كتاب سلم النجاة ، ٦ ـ كتاب سرائر المعاد والمعاش ، ٧ ـ كتاب كشف المحجوب ، ٨ ـ كتاب الوعظ ، ٩ ـ كتاب أُسس البقاء ، ١٠ ، كتاب خزانة الاَدلة ، ١١ ـ كتاب تآلف الاَرواح ، ١٢. كتاب تأويل الشريعة ، ١٣. كتاب أساس الدعوة ، ١٤. رسالة تحفة المستجيبين ، ١٥. كتاب الينابيع (١).

وقد وقفنا من كتبه على كتاب ورسالة فالكتاب تحت عنوان « الينابيع » بتقديم وتحقيق مصطفى غالب ، نشره المكتب التجاري للطباعة في لبنان ـ بيروت عام ١٩٦٥ م.

وقد قسم السجستاني ينابيعه إلى أربعين يُنبوعاً ، جعل كلَّ ينبوع مشابهاً لحدِّ من الحدود الدينيّة ، المعروفة بالنظام الاِسماعيلي. ويظهر أنّه قد وضعه لطبقة خاصّة من الدعاة ، وأصحاب المراتب العليا في الدعوة ، وإلى الذين وصلوا في دراساتهم الفلسفيّة إلى الذروة.

وأمّا الرسالة فهي رسالة « تحفة المستجيبين » طبعت ضمن خمس رسائل إسماعيليّة بتحقيق وتقديم عارف تامر عام ١٣٧٥ هـ. كتبها لطبقة المستجيبين والطلاب الذين يرغبون في الاطلاع على الفلسفة الاِسماعيليّة ، أو الدخول في الدعوة الهادية.

وقد ترجم له مصطفى غالب أيضاً في تاريخ الدعوة الاِسماعيلية ص ١٨٧.

ولادته ووفاته

ذكر مصطفى غالب أنّه ولد سنة ٢٧١ هـ في سجستان ، ثمّ قال : وبعد اضطهاد مرير ، قُتل في تركستان عام ٣٣١ هـ.

____________

١ ـ مقدمة الينابيع : ٤٧.

٢٩١

غير أنّ الكاتب الاِسماعيلي عارف تامر يذكر خلاف ذلك ويقول : يذهب « ماسينيون » و « و.ايفانوف » إلى القول أنّه مات سنة ٣٣١ هـ ، ولكنّي أخالفهما في ذلك فالمعروف عن السجستاني أنّه كان أُستاذاً للكرماني ، والكرماني ظل عائشاً حتى سنة ٤١١ هـ ، إذن متى أخذ الكرماني عنه علوم الدعوة؟ وهناك نص صريح في كتاب « الافتخار » للسجستاني يذكر فيه أنّه وضعه سنة ٣٦٠ هـ ، وقد ورد ذكر كتاب « الافتخار » في كتاب « الرياض » للسجستاني نفسه ، أي أنّ السجستاني وضع كتاب « الرياض » بعدكتاب « الافتخار » أي سنة ٣٦٠ هـ.

وهذا يجعلنا نقول بل نوَكد : إنّ السجستاني كان داعياً في منطقة بخارى أيّام إمامة المعز لدين اللّه الفاطمي ، أي انّه كان معاصراً لجعفر بن منصور اليمني ، وللقاضي النعمان وغيرهما ، من كبار الموَلفين وعلماء الدعوة في ذلك العصر العلمي الزاهر. (١)

وقال البغدادي عند البحث عن الباطنيّة : وظهر بنيسابور داعية لهم يعرف بالشعراني ، وقتل بها في ولاية أبي بكر بن الحجاج عليها ، وكان الشعراني قد دعا الحسين بن علي المروزي ، وقام بدعوته بعده محمد بن أحمد النسفي داعية أهل ماوراء النهر ، وأبو يعقوب السجزي المعروف بـ « بندانه » وصنف النسفي لهم كتاب « المحصول » وصنف لهم أبو يعقوب كتاب « أساس الدعوة » وكتاب « تأويل الشرائع » و « كشف الاَسرار » وقتل النسفي والمعروف بـ « بندانه » على ضلالتهما. (٢)

وقال خير الدين الزركلي : إسحاق بن أحمد السجزي أو السجستاني أبو يعقوب ، من علماء الاِسماعيليّة ودعاتهم يماني ، اشتهر في سجستان ، وقتل في تركستان ، له تصانيف منها « الينابيع » قالوا : إنّه أهمُّ كتبهم. (٣)

__________________

١ ـ عارف تامر : مقدمة خمس رسائل إسماعيلية : ١٥ ـ ١٦.

٢ ـ البغدادي : الفرق بين الفرق : ٢٨٣.

٣ ـ خير الدين الزركلي : الاَعلام : ١ / ٢٩٣.

٢٩٢

٤

أبوحنيفة النعمان

( ... ـ ٣٦٣ هـ)

قاضي القضاة النعمان بن محمد بن منصور بن أحمد التميمي ، واختلف في تاريخ ولادته ، فقال بعضهم : إنّها سنة ٢٥٩ هـ وقال آخرون : إنّه ولد في العشر الاَخيرة من القرن الثالث.

إتّصل في أوّل عهده بموَسس الدولة الفاطمية عبيد اللّه المهدي ، ورافق الدولة الجديدة خطوةً فخطوة ، وبعد وفاة المهدي ولاّه « القائم بأمر اللّه » قضاء طرابلس الغرب ، وفي عهد المنصور تولّى قضاء المنصورية ، وكان قضاوَه يشمل سائر المدن الاِفريقيّة ، مرجعاً لجميع القضاة حتى عهد المعز لدين اللّه الذي قرّبه إليه ، وأدناه من مجلسه ، فوضع فيه كتاب « المجالس والمسامرات ».

ولما دخل المعز مصر ، كان معه « النعمان » وكان قاضياً للجيش ، فأصبح في مصر قاضياً للقضاة. (١)

وكان محط ثقة المعز لدين اللّه ، جعله مستشاراً قضائياً له ، وساعد المعز في المسائل الخاصّة بالدعوة ، فقد وضع أُسس القانون الفاطمي ، وينظر إليه على أنّه المشرع الاَكبر للفاطميين. يقول رواة الفاطميين : إنّه لم يوَلف شيئاً دون الرجوع إلى المعز لدين اللّه ، ويعتبر أقوم كتبه كتاب « دعائم الاِسلام » أنّه من عمل المعز نفسه ، وليس من عمل قاضيه الاَكبر ، ولهذا كان هذا الكتاب هوالقانون الرسمي منذ عهد المعز حتى نهاية الدولة الفاطميّة ، كما يتضح ذلك من رسالة كتبها الحاكم بأمر اللّه

__________________

١ ـ أعيان الشيعة : ١٠ / ٢٢٣.

٢٩٣

إلى داعيه باليمن ، بل لا يزال هذا الكتاب هوالوحيد الذي يسيطر على حياة طائفة البهرة في الهند ، وعليه المعول في أحوالهم الشخصيّة. (١)

توفي النعمان أوّل رجب سنة ٣٦٣ هـ فخرج المعز يبين الحزن عليه ، وصلّى عليه ، وأضجعه في التابوت ، ودفن في داره بالقاهرة (٢) وذكر أحمد بن محمد بن عبد اللّه الفرغاني في « سيرة القائد جوهر » أنّه توفي في ليلة الجمعة سلخ جمادى الآخرة من السنة. (٣)

بلغت موَلّفاته نحواً من سبعة وأربعين كتاباً ، جمعت ألواناً شتى من العلوم في فقه ، وتأويل وتفسير ، وأخبار ، وفيما نقل ابن خلكان عن ابن زولاق : « انّه ألّف لاَهل البيت من الكتب آلاف أوراق بأحسن تأليف ».

وهذه الموَلفات بعضها محفوظ ، وبعضها لا يوجد إلاّ بعض أجزائه وبعضها فُقد فلا يعرف إلاّاسمه ، وإليك أسماء بعض تلك الموَلفات :

١ ـ جزء من كتاب شرح الاَخبار ، في مكتبة برلين.

٢ ـ دعائم الاِسلام ، وهذا الكتاب من أهم كتبه ، مطبوع.

٣ ـ تأويل دعائم الاِسلام ، مطبوع.

٤ ـ أساس التأويل ، مطبوع.

٥ ـ جزء من كتاب المجالس والمسافرات.

٦ ـ كتاب الهمة في اتّباع الاَئمّة.

٧ ـ إفتتاح الدعوة ، مطبوع.

٨ ـ الارجوزة المختارة ، مطبوع.

٩ ـ الطهارة.

__________________

١ ـ دعائم الاِسلام : ١ / ١٢ ، قسم ا لمقدمة.

٢ ـ اتعاظ الحنفاء : ١ / ١٤٩.

٣ ـ ابن خلكان : وفيات الاَعيان : ٥ / ٤١٦.

٢٩٤

١٠ ـ التوحيدوالاِمامة. (١)

١١ ـ كتاب « الاقتصار » في الفقه ، مطبوع.

١٢ ـ كتاب « الاَخبار » في الفقه أيضاً.

١٣ ـ ابتداء الدعوة للعبيديين ، مطبوع في جزء.

وقال عنه ابن زولاق في كتاب « أخبار قضاة مصر » : إنّه كان عالماً بوجوه الفقه ، وعلم اختلاف الفقهاء ، واللغة والشعر ، والمعرفة بأيّام الناس.

إلى أن قال : وله ردود على المخالفين : له رد على أبي حنيفة ، وعلى مالك ، والشافعي ، وعلى ابن سريج ، وكتاب « اختلاف الفقهاء » ينتصر فيه لاَهل البيت ، وله العقيدة الفقهية لقبها بـ « المنتخبة ». (٢)

النعمان إسماعيلي لا اثني عشري

وقعت الشكوك حول مذهب النعمان وهل هو إسماعيليّ أو اثنا عشري؟ وبعد التتبع والاِمعان في الكتب التي تحت متناول أيدينا من آثار الموَلف ، وهي :

١ ـ الدعائم.

٢ ـ تأويل الدعائم.

٣ ـ الاَُرجوزة المختارة.

٤ ـ أساس التأويل.

٥ ـ كتاب الاقتصار في الفقه.

__________________

١ ـ أعيان الشيعة : ١٠ / ٢٢٣.

٢ ـ ابن خلكان : وفيات الاَعيان : ٥ / ٤١٦. ومن أراد المزيد فليراجع المصادر التالية : معالم العلماء : ١٢٦ ؛ العبر : ٢ / ١١٧ ؛ دول الاِسلام : ١ / ٢٢٤ ؛ سير اعلام النبلاء : ١٦ / ١٥٠ ؛ اتعاظ الحنفاء : ١٤٩ ؛ لسان الميزان : ٦ / ١٦٧ ؛ شذرات الذهب : ٣ / ٤٧ ؛ رياض العلماء : ٤ / ٣٧٥ ؛ ريحانة الاَدب : ٧ / ٧٣ ؛ روضات الجنات : ٨ / ١٤٧.

٢٩٥

٦.رسالة افتتاح الدعوة.

٧ ـ الرسالة المذهبة.

اتضح أنّ الرجل إسماعيلي لا اثنا عشري ، وإن كان محباً لاَهل البيت كثيراً ، ويتنزّه عن بعض العقائد المنحرفة عند الاِسماعيليّة. وقد ذكر في باب « ذكر منازل الاَئمّة » شيئاً عن أحوال الغلاة كما وذكرمعاملة علي معهم بالاِحراق ، إلى أن يقول : وكان في أعصار الاَئمّة من ولد علي مثل ذلك ما يطول الخبر بذكرهم ، كالمغيرة بن سعيد (لعنه اللّه) وكان من أصحاب أبي جعفر محمد بن علي ودعاته.

إلى أن قال : ولعن أبو جعفر ، المغيرة وأصحابه ، ثمّ ذكر « أبا الخطاب » وعقيدتهم الاِباحيّة ، وأنّ أبا جعفر لعنه كل ذلك يدل على سلامة عقيدته في حقّ الاَئمّة (١).

ومع ذلك كلّه فهو فقيه إسماعيلي اعتنق ذلك المذهب بعدما كان سنيّاً ، ولم يكن إمامياً اثني عشرياً.

نعم ذكر المحدّث النوري ، أنّ الرجل كان إماميّاً اثني عشريّاً ، وأنّ اقتصاره على الحديث عن الاَئمّة الست ، لاَجل ستر الاَمر وكتمان السر ، واستشهد على ذلك بوجوه غير مجدية نشير إلى بعضها :

الاَوّل : قال ابن خلكان : كان من أهل العلم والفقه والدين والنبل ، على مالا مزيد عليه ، وله عدّة تصانيف ـ إلى أن قال ـ : وكان مالكي المذهب ثمّ انتقل إلى مذهب الاِماميّة وصنف كتاب « ابتداء الدعوة للعبيدين ». (٢)

أقول : إنّ المراد من الاِماميّة من يعتقد بإمامة علي وأولاده ، سواء كان زيدياً أو إسماعيليّاً أو اثني عشرياً ، والاِسماعيليّة يصفون أنفسهم بالاِماميّة لقولهم بإمامة

__________________

١ ـ لاحظ دعائم الاِسلام : ١ / ٤٥ ، باب ذكر منازل الاَئمة.

٢ ـ وفيات الاَعيان : ٥ / ٤١٥ برقم ٧٦٦.

٢٩٦

المنصوص عليهم ؛ والذي يدل على ذلك أنّابن خلكان يذكر بعد قوله : « ثمّ انتقل إلى مذهب الاِماميّة » وصنف كتاب « ابتداء الدعوة للعبيديين » والمراد منه الدعوة « لعبيداللّه المهدي » موَسس الدولة الفاطميّة في المغرب ومصر.

وأمّا ما نقله ابن خلكان عن ابن زولاق ، انّه قال : وللقاضي كتاب : « اختلاف الفقهاء » ينتصر فيه لاَهل البيت فليس دليلاً على ما يتبنّاه لاَنّ الفرق الثلاث كلّهم ينتمون إلى أهل البيت عليهم‌السلام.

الثاني :

١ ـ روايته عن أبي جعفر الثاني « الاِمام الجواد » عليه‌السلام ، والرضا عليه‌السلام ففي كتاب الوصايا عن ابن أبي عمير أنّه قال : كنت جالساً على باب أبي جعفر عليه‌السلام إذ أقبلت امرأة ، فقالت : استأذن لي على أبي جعفر عليه‌السلام ، فقيل لها : وما تريدين منه؟قالت : أردت أن أسأله عن مسألة ، قيل لها : هذا الحكم ، فقيه أهل العراق فاسأليه.

قالت : إنّزوجي هلك وترك ألف درهم ، وكان لي عليه من صداق خمسمائة درهم ، فأخذت صداقي ، وأخذت ميراثي ، ثمّجاء رجل فقال لي : عليه ألف درهم وكنت أعرف له ذلك ، فشهدت بها.

فقال الحكم : اصبري حتى أتدبر في مسألتك وأحسبها وجعل يحسب ، فخرج إليه أبو جعفر عليه‌السلام وهو على ذلك ، فقال : ما هذاالذي تحرك أصابعك يا حكم؟ فأخبره فما أتم الكلام حتى قال أبوجعفر عليه‌السلام : أقرت له بثلثي ما بيديها ، ولا ميراث له حتى تقضي.

ثمّ ذكر المحدّث النوري : أنّ المراد من أبي جعفر هو الاِمام الجواد ، لاَنّ ابن أبي عمير لم يدرك الصادق فضلاً عن الباقر عليه‌السلام. (١)

__________________

١ ـ النوري : المستدرك : ٣ / ٣١٤ ، الفائدة الثانية.

٢٩٧

أقول : إنّ النسخة الموجودة عند المحدّث النوري كانت مغلوطة محرّفة ، وقد جاءت الرواية في كتاب دعائم الاِسلام في مصر بتحقيق آصف بن علي أصغر فيضي ، بالنحو التالي : عن الحكم بن عيينة (١) قال : كنت جالساً على باب أبي جعفر وذكر الحديث (٢).

والشاهد على أنّ الجالس كان هو الحكم بن عتيبة لا ابن أبي عمير ما في متن الرواية حيث قيل لها : هذا الحكم فقيه أهل العراق.

٢ ـ انّه روى في كتاب الميراث عن حذيفة بن منصور قال : مات أخ لي وترك ابنته فأمرت إسماعيل بن جابر أن يسأل أبا الحسن عليّاً ـ صلوات اللّه علي هـ عن ذلك فسأله فقال : المال كلّه للابنة. (٣) وقد تصفحنا كتاب الفرائض من الدعائم المطبوع بمصر فلم نعثر على الحديث. (٤)

٣ ـ روى في كتاب الوقوف عن أبي جعفر محمد بن علي عليهما‌السلام أنّبعض أصحابه كتب إليه أنّ فلاناً ابتاع ضيعة وجعل لك في الوقف الخمس الخ.

وهذا الخبر مروي في الكافي وألتهذيب والفقيه مسنداً عن علي بن مهزيار قال : كتبت إلى أبي جعفر الخ ، وعلي بن مهزيار من أصحاب الجواد والرضا عليهما‌السلام لم يدرك قبلهما من الاَئمّة أحداً. (٥)

ما نقله عن علي بن مهزيار ، ورواه الكليني في كتاب الوصايا (٦) ورواه

__________________

١ ـ الصحيح ، ا لحكم بن عتيبة ، (٤٧ ـ ١١٥ هـ) وهو من مشاهير فقهاء عصر أبي جعفر الباقر عليه‌السلام. راجع رجال الكشي : ١٧٧ ، ورجال الطوسي : ٨٦ برقم ٦.

٢ ـ دعائم الاِسلام : ٢ / ٣٦٠ برقم ١٣٠٩.

٣ ـ المستدرك : ٣ / ٣١٤.

٤ ـ لاحظ الدعائم : ٢ / ٣٦٥ ـ ٤٠٠.

٥ ـ المستدرك : ٣ / ٣١٤.

٦ ـ الكافي : ٧ / ٣٦ برقم ٣٠.

٢٩٨

الشيخ في التهذيب (١) ورواه الصدوق في الفقيه. (٢)

هذا في كتبنا وأمّا الدعائم ، فقد رواه في كتاب الصدقة ، بالنحو التالي :

عن أبي جعفر محمد بن علي عليهما‌السلام ، أنّه قال : تصدَّق الحسين بن علي بدار ، فقال له الحسن بن علي : تحوّل عنها.

وعنه أنّ بعض أصحابه كتب إليه : أنّفلاناً إبتاع ضَيعةً فأوقفها ، وجعل لك في الوقف الخمس ... . (٣)

غير أنّ المتبادر من أبي جعفر بقرينة مضمون الحديث حيث يحكي فعل الحسن بن علي هو الاِمام الباقر عليه‌السلام ، وهو في كتابه يكرر النقل عن أبي جعفر ويذكر اسمه بعده ، ويقول : محمد بن علي ، ومراده الاِمام الباقر عليه‌السلام.

وعلى ذلك فالضمير في الحديث الثاني يرجع إلى الاِمام الباقر.

نعم بقي هنا شيء وهو تقارب ما روي في الدعائم مع ما روي في جوامعنا في مضمون الخبر ، وهو قابل للتأمّل.

٤ ـ ذكر في الدعاء بعد الصلاة : وروينا عن الاَئمّة ، أنّهم أمروا بالتقرّب بعد كلّ صلاة فريضة ، إذا سلّم المصلي بسط يديه ورفع باطنهما ، ثم قال : اللّهمّ إنّي أتقرب إليك بمحمد رسولك ونبيك ، وبوصيّه علي وليّك ، وبالاَئمّة من ولده الطاهرين ، الحسن ، والحسين ، وعلي بن الحسين ، ومحمد بن علي ، وجعفر بن محمد ويُسمّي الاَئمة إماماً إماماً إلى أن ينتهي لاِمام عصره.

ثمّ يقول : اللّهمّ إنّي أتقرّب إليك بهم. (٤)

__________________

١ ـ التهذيب : ٩ / ١٣٠ برقم ٤.

٢ ـ الفقيه : ٤ / ١٧٨ برقم ٦٢٨.

٣ ـ دعائم الاِسلام : ٢ / ٣٤٤.

٤ ـ دعائم الاِسلام : ١ / ١٧١.

٢٩٩

قال النوري : غير خفي على المنصف أنّه لو كان إسماعيلياً ، لذكر بعده إسماعيل بن جعفر بن محمد بن إسماعيل إلى إمام عصره المنصور باللّه والمهدي باللّه. (١)

أقول : إنّه لم يذكر أسماءهم إمّا لكثرتهم ، أو لاِخفاء سرّهم كما ذكره في منظومته ، فيقول :

ولم يكن يمنعني من ذكرهم

إلاّ احتفاظي بمصون سرّهم

وليس لي بأن أقول جهراً

ما كان قد أُدِّي إليَّ سِرّا

وهم على الجملة كانوا استتروا

ولم يكونوا إذ تولوا ظهروا

بل دخلوا في جملة السواد

لخوفهم من سطوة الاَعادي

حتى إذا انتهى الكتاب أجله

وصار أمر اللّه فيمن جعله

بمنه مفتاح قفل الدين

أيّده بالنصر والتمكين

فقام عبد اللّه وهو الصادق

مهدينا صلى عليه الخالق (٢)

إلى آخر ما ذكره ، ومراده من المهدي ، هو عبيد اللّه المهدي.

إلى هنا تبيّن أنّه لا دليل على كون الرجل اثني عشرياً إلى آخر عمره ، أو كان اثني عشرياً ، وعدل عنها إلى الاِسماعيليّة.

نعم بقي هنا شيء وهو أنّه ذكر في كتاب « الارجوزة المختارة » فرق الشيعة ، وردَّ على الرونديّة ، والزيديّة ، والجاروديّة ، والبتريّة ، والمغيريّة ، والكيسانيّة ، والكربيّة ، والبيانيّة ، والمختارية والحارثيّة ، والعباسيّة ، والرزاميّة ، ولم يذكر شيئاً ما عن الاِماميّة الاثني عشريّة.

__________________

١ ـ المستدرك : ٣ / ٣١٧.

٢ ـ الارجوزة المختارة : ١٩٢.

٣٠٠