بحوث في الملل والنّحل - ج ٨

الشيخ جعفر السبحاني

بحوث في الملل والنّحل - ج ٨

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني


الموضوع : الفرق والمذاهب
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
الطبعة: ٢
ISBN: 978-964-357-272-3
الصفحات: ٤٥٣
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

تحمّل ، ولا كذب ، ولا داهن ، ولا مال إلى مفضول ، بالرغم من ميل الغير عنه إلى كل مفضول ، مع إقرار المفضول على نفسه بقوله : « ولّيت عليكم ولست بخيركم » وغير ذلك من قوله : « فإن غلطت فردّوني ، وإن اعوججت فقوّموني ، فإنّ لي شيطاناً يغريني ».

فليت شعري على أي شيء اعتمدوا بتقديم من قدّموه دون نص ، أو وصية ». (١)

١٠. في إبطال اختيار الأُمّة للإمام

ويعتقد انّ اختيار الأُمّة لنفسها الإمام غير جائز ، لأنّ إقامة الحدود على الأُمّة هي للإمام ، ففيها بعض رسوم الشريعة المبسوطة إلى الإمام ، من دون الأُمة ، فإقامة الإمام الذي تتعلّق به كلّ أُمور الشريعة ، لأنّه صاحب المقام العظيم ، والمستخلف أولى أن يكون بأمر الله ، وإذا كان إقامة الإمام بأمر الله كان من ذلك الإيجاب بأنّ الاختيار من الأُمّة باطل.

وانّ صحّة العلم انّ المختار للإمامة لا يكون إلّا بعد الإحاطة بجميع ما يحتاج إليه في الإمامة من علم الشريعة والكتاب والأحكام ، ثمّ العلم بأنّ ما عرف ممّا يحتاج إليه في الإمامة موجود فيمن يختاره هو كاف فيه. (٢)

١١. في أنّ كلّ متوثب على مرتبة الإمام فهو طاغوت

ويعتقد انّ كلّ من دفع الإمام عن مقامه ومنزلته وعانده بعد وصية النبي له في كلّ عصر وزمان ، إنّما هو المشار إليه باسم الطاغوت ، وهو رئيس الجائرين

______________________

١. تاج العقائد : ٧٥ ـ ٧٦.

٢. تاج العقائد : ٧٦.

٢٢١
 &

الحائدين عن أمر الرسول ، المعنيّ بالظالم ، الذي توجهت إليه الإشارة وإلى أمثاله في كلّ دور : ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ﴾. (١) إلى قوله تعالى : ﴿ لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا ﴾. (٢)

فالطاغوت هو رئيس الجائرين المعتدي على المنصوص عليه ، والشيطان معاضده على الباطل القائم في نصرته المنمِّق للأحاديث الكاذبة ليصرف وجوه الناس إليه ، ويصدّهم عن أمر الله ورسوله بالكون معه ، والطاعة له ، وإذا نظروا إلى ما تضمّنته الشريعة ، يتبين لهم الأمر على جليته ، وتنفتح لهم طرق الهداية ويقع الانتباه ويزول الهوى ويشملهم التوفيق في قصدهم. (٣)

١٢. في أنّ الأرض لا تخلو من حجّة لله فيها

يعتقد انّ الأرض لا تخلو من حجّة لله فيها : من نبي ، أو وصي ، أو إمام يقوم المسائل ، ويقيم الحدود ، ويحفظ المراسيم ، ويمنع الفساد في الشرع ، ويقبل الأعمال ، ويزكّي الأفعال ، وتقام به الحجة على الطالب ، ويزيل المشكلات إذا حلت على المتعلمين ، ويركز الأُمة بعد غيبة نبيها ، إذا كان شخصه غير مستقر البقاء في العالم ، محفوظ النسب ، معروف الولادة ، متبِع دينَ آبائه ، لا يرجع عن أقوالهم ، ولا يقدم غيرهم ، ولا يكون مأمون خلاف غيره ، ولا مشير في الفضيلة إلى سواه ، متبوع لا تابع ، مقصود لا قاصد ، مرغوب في حكمه ، وصحّة أفعاله ، وتعاليمه ، وهدايته ، لأنّ الرسول جعله دليلاً للمتعلم ، ونجاة للحائر. (٤)

______________________

١. الفرقان : ٢٧.

٢. الفرقان : ٢٩.

٣. تاج العقائد : ٧٨ ـ ٧٩.

٤. تاج العقائد : ٧٠ ـ ٧١.

٢٢٢
 &

أقول : إنّ ما ذكره من أنّ الأرض لا تخلو من حجة لله حق ، ولكن السبب ليس ما جاء في كلامه من إقامة الحدود ، وحفظ المراسم ، ومنع الفساد ؛ فإنّ ذلك يقوم به سائر الولاة أيضاً ، وإنّما الوجه انّه الإنسان الكامل وهو الغاية القصوىٰ في الخلقة ويترتب على وجود ذلك الإنسان الكامل بقاء العالم بإذن الله سبحانه وآخره لحصول الغاية وإلى ذلك يشير الحديث النبوي :

« أهل بيتي أمان لأهل الأرض ، فإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض ». (١)

وقوله : صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعلي عليه‌السلام : « إنّي وأحد عشر من ولدي وأنت يا علي رزّ الأرض ـ أعني أوتادها وجبالها ـ بنا أوتد الله الأرض أن تُسيخ بأهلها فإذا ذهب الاثنا عشر من ولدي ساخت الأرض بأهلها ولم ينظروا ». (٢)

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « أهل بيتي أمان لأهل الأرض ، فإذا هلك أهل بيتي جاء أهل الأرض من الآيات ما كانوا يوعدون ». (٣)

وقال الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام : « اللّهمّ بلى لا تخلو الأرض من قائم لله بحجّة إمّا ظاهراً مشهوراً أو خائفاً مغموراً ». (٤)

١٣. منع المبتدي عن الكلام

ويُعتقد انّ منع المبتدي عن الكلام في الدين ، صفات ، واقتداء بأفعال الله ، وذلك انّ الله سبحانه وتعالى قادر على أن يجعل الطفل يتكلم عند خروجه وولادته ، وإنّما تأخر عن الكلام لحكمة أوجبها لتكون لأبويه عنده فضيلة التنطيق ، والتلقين ، والتعليم ، وكذلك المبتدي يمنع من المجادلة ، والنطق بما يشق على غيره ،

______________________

١. الشريف الحضرمي : رشفة الصادي : ٧٨ ، الصواعق المحرقة : ٢٣٣ ـ ٢٣٤.

٢. الغيبة : ٩٩ ، عنه البحار : ٣٦ / ٢٥٩ ح ٧٩.

٣. الصواعق المحرقة : ١٥٠.

٤. نهج البلاغه : ٤٩٧ ، قسم الحكم ، الحكمة رقم ١٤٧.

٢٢٣
 &

ومتىٰ تعلم من شيخه أو معلّمه القائم له مقام الصورة ، فيعلمه الأُصول التي يجب الاحتياط بها نموذجاً يحتذى عليه في خطابه ، وكلامه فيما يجب الاحتياط له. (١)

١٤. في أنّ القرآن لا ينسخه إلّا قرآن مثله

ويعتقد انّ القرآن لا ينسخه إلّا قرآن مثله ، والدلالة على ذلك موافقة السنّة للكتاب ، قال الله تعالى : ﴿ وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللَّـهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾. (٢) قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في خطبة الوداع : « لا يقولنّ عليَّ أحد منكم ما لم أقله ، فإنّي لم أحلل إلّا ما أحلّه الله في كتابه ، وكيف أُخالف كتاب الله وبه هداني ؟ وكيف أخالف كتاب الله وبه هداني وعليّ أُنزل ؟ ». (٣)

١٥. في تخطئة القياس والاستحسان

لا ترخّص الشيعة قاطبة القضاء والافتاء بالقياس والاستحسان ، والرأي غير المستنبط من الكتاب والسنّة ويظهر من الداعي علي بن محمد الوليد ، اتّفاق الإسماعيلية على منع العمل به قال :

إنّ الخطأ ، القول بالرأي ، والقياس ، والاجتهاد والاستحسان ، بدليل قوله تعالى : ﴿ وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـٰذَا حَلَالٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّـهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّـهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ﴾. (٤)

وقال الله عزّ وجلّ : ﴿ وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ

______________________

١. تاج العقائد : ١٨١.

٢. النحل : ١٠١.

٣. تاج العقائد : ٩٨.

٤. النحل : ١١٦.

٢٢٤
 &

اللَّـهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللَّـهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّـهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾. (١) فالقائل في الدين برأيه واجتهاده قائل عن الله ما لا يعلم.

قال النبي : « اتبعوا ولا تبدعوا ، فإنّ البدعة رأس كلّ ضلالة ، وكلّ ضلالة في النار ».

وقال عبد الله بن جعفر بن محمد : « إيّاك وخصلتان فيهما هلك من هلك ، إيّاك أن تكتفي برأيك ، أو تدين بما لا تعلم ».

وقال عليه‌السلام : « إيّاك والقياس ، فإنّ أوّل من قاس إبليس فأخطأ في قوله : ﴿ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (٢) ».

فالدين لا يصح إلّا بالاقتداء والاتباع للكتاب والسنّة ، والرضا ، والتسليم ، إلى الهادي الذي عرفناه ، ورضيناه من غير ابتداع ، ولا قول برأي ولا قياس ، ولا تقليد سلف.

قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « الأُمور ثلاثة : أمر قد بان لك رشده فاتبعه ، وأمر بان لك غيّه فاجتنبه ، وأمر أشكل عليك فرده إلى أهله ».

وقال الإمام جعفر بن محمد لأبي حنيفة النعمان القائل بالرأي والقياس : « يا نعمان بلغني انّك تعمل بالقياس ، فأخبرني إن كنت مصيباً : لم جعلت العين مالحة ، والمنخران رطبان ، والأُذنان مرّتان ، واللسان عذب ؟ » قال : لا أدري ، فأخبرني جعلت فداك ؟ فقال الصادق : « العين مالحة لأنّها شحمة ، ولا تصلحها إلّا الملوحة ؛ والأنف رطب لأنّه مجرى الدماغ والنفس ؛ والأُذن مرّة لقتل الدواب ، متى دخلتها ؛ وجعل اللسان عذب ليعرف به طعوم الأشياء. يا نعمان إذا لم تعرف

______________________

١. البقرة : ٨٠.

٢. الأعراف : ١٢.

٢٢٥
 &

ما جعله الله في بنيتك ، وأحكمه في صورتك لتمام منافعك ، فكيف تقيس على دين الله عزّ وجلّ ؟! » فقال : أخبرني جعلت فداك ، لم تقضي الحائض الصيام دون الصلاة ؟ فقال عليه‌السلام : « لأنّ الصلاة تكرر » قال : أخبرني لم وجب الغسل من الجنابة ، والوضوء من الغائط ؟ قال : « لأنّ الجنابة تخرج من جميع الجسد ، بينما الغائط من مكان واحد » قال : أخبرني لم فضّل الرجل في الفرائض على الامرأة مع ضعفها ، وقوته ؟ قال : « لأنّ الله تعالى جعل الرجال قوامين على النساء ، ينفقون عليهن » ، فقال أبو حنيفة : ﴿ اللَّـهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾. (١)

فترك القياس سعادة للمكلّف ، وضبط له عن الخوض في دين الله برأي النفس ، والهوى الغالب ، فإنّ أصل الشريعة ليس بقياس ، لأنّه أخذ عن الله تعالى بتعليم الملك ، وأخذ من الرسول بتعليم دون قياس ، وأخذ من الوصي بتعليم النبي ، وأخذ من الإمام بتعليم الوصي ، وأخذ الرجال بتعليم الإمام دون رأي من يرى ، وقياس من قاس ، واجتهاد من اجتهد ، بالظنون الكاذبة ، والرأي ، والآراء المتناقضة. (٢)

______________________

١. الأنعام : ١٢٤.

٢. تاج العقائد ومعدن الفوائد : ٨٢ ـ ٨٤.

٢٢٦
 &

الإسماعيلية والأُصول الخمسة

٥

عقيدتهم في المعاد وما يرتبط به

المعاد بمعنى عود الإنسان إلى الحياة الجديدة من أُسس الشرائع السماوية وهي حقيقة لا تنفك عن الإيمان بالله ، لذا نرى أنّ أصحاب الشرائع اتّفقوا على وجود المعاد بعد الموت : ﴿ وَأَنَّ اللَّـهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ ﴾. (١) ولولا القول بالمعاد لما قام للدين عمود ، ولا اخضرّ له عود.

نعم ، اختلفوا في كونه جسمانياً أو روحانياً وعلى فرض كونه جسمانياً فهل الجسم المعاد جسم لطيف برزخي أو جسم عنصري ؟

والإمعان في الآيات الواردة حول المعاد يثبت الأخير بلا شك ، فهلمّ معي ندرس عقيدة الإسماعيلية في المعاد وكيفيته.

١. في أنّ المعاد روحاني لا جسماني

قال الكرماني ـ بعد بيان النشأة الأُولى في الدنيا ـ : ثمّ الله ينشأ النشأة الآخرة ، بقوله تعالى : ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَىٰ ـ التي هي خلق أجسامكم من قبيل جسمكم ـ فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (٢) فهلا تتفكرون وتوازنون وتعلمون انّ النظام في الخلق والبعث واحد ، وانّ النشأة الآخرة هي خلق الأرواح وإحياؤها بروح القدس

______________________

١. الحج : ٧.

٢. الواقعة : ٦٢.

٢٢٧
 &

على مثال النشأة الأُولى. ثمّ إنّه أفاض في الكلام ومحصّله : كما أنّ الإنسان في عالم الاحشاء يكتسب آلات ليحس بها الكمالات عند مصيره إلى عالم الدنيا ، فهكذا هو في عالم الجسم والدنيا يكتسب آلات ليلتذ بها عند مسيره إلى عالم الآخرة ، فكما أنّه يستغني عند مسيره من عالم الاحشاء إلى عالم الحس عمّا فيها ، فهكذا عند مسيره من عالم الحس إلى عالم الآخرة وإليك عبارته :

ولما كان الأمر في وجود النفس وكمالها كالأمر في جسمها كما نطق به الكتاب الكريم ، فالإنسان ينتقل من رتبة النطفية إلى رتبة العلقية ، ومن رتبة العلقية إلى رتبة المضغية ومن رتبة المضغية كذلك أن يحصل له الآلات من عين وأُذن ويد ورجل وأنف ولسان وغير ذلك من الأُمور ليقوم بالفعل بها عند مصيره إلى عالم الحس إذ كان وجودها له في تلك الظلمات وضيق الأحشاء لا لها ، بل لفسحة الدنيا وما فيها فيكون ما يلتذ به أو يألم بحسب ما اكتسب في الأحشاء من الآلات ، فهكذا وجودها في جسمها لا له بل لذاتها التي تليق بعالم آخر إليه مصيرها وعند مفارقة الجسم من جسمها مصيراً إلى الآخرة التي إليها إنهاؤها كمفارقة جسمها الأحشاء مصيراً إلى عالم الحس الذي إليه وروده وتكون ذاتها في آخرتها لذاتها آلة تجد بها الملاذ كالجسم الذي هو لها في دنياها آلة تجد بها الملاذ ، وما يحصل لها من روح القدس في ذلك العالم كالروح الحسي الذي يحصل للجسم في هذا العالم. (١)

ومن تأمل فيما أفاض يذعن بأنّ المعاد عندهم روحاني لا جسماني ، وقد صرح بذلك أيضاً الداعي علي بن محمد الوليد ، وقال : ويعتقد انّ الله تعالى دعانا على ألسنة وسائطه بقبول أمره ، إلى دار غير هذه الدار فهذه الدار صورية وتلك مادية وما بينهما صوري ومادي. (٢)

______________________

١. راحة العقل : ٣٦١ ، المشرع ١٣.

٢. تاج العقائد : ١٦٥.

٢٢٨
 &

٢. في التناسخ

وهو عود الروح بعد مفارقة البدن إلى الدنيا عن طريق تعلقها ببدن آخر كتعلّقها بالجنين عند استعدادها لإفاضة الروح وله أقسام مذكورة في محلّها. (١)

وربما ينسب القول بالتناسخ إلى الإسماعيليّة ، ولكن النسبة في غير محلّها.

يقول الداعي الكرماني : وأمّا من يرى الجزاء ، مثل محمد بن زكريا والغلاة وأهل التناسخ ، وانّه يكون في الدنيا ، فمن اعتقادهم انّ هذه الأنفس لها وجود قبل أشخاصها بخلاف اعتقاد الدهرية وأمثالها ممّن ينحون نحوهم الذين يقولون انّ وجودها بوجود أشخاصها ، ويقولون : إنّها جوهر تتردد في الهياكل بحسب اكتسابها إلى أن تصفو وتعود ، فقد (٢) أوردنا في كتابنا المعروف بـ « الرياض » و « ميزان العقل » وغيرهما من رسائلنا في فساد قولهم ما يغني سيّما ما يختص بذلك في كتابنا المعروف بـ « المقاييس » رداً على الغلاة وأشباههم. (٣)

يقول الكاتب الإسماعيلي مصطفى غالب : ويذهب أكثر الذين كتبوا عن عقائد الإسماعيليّة من القدماء والمحدثين بأنّ الإسماعيليّة يقولون بتناسخ الأرواح ، أي أنّ الروح بعد الموت تنتقل إلى إنسان آخر أو إلى حيوان أو نبات على نحو ما نراه في العقيدة البوذية أو النصيرية مثلاً ، ويمكننا بعد أن درسنا كتب الإسماعيلية السرية والعلنية دراسة دقيقة ، أن نقول بأنّهم لا يدينون مطلقاً بالتناسخ ، بل ذهبوا إلى أنّ الإنسان بعد موته يستحيل عنصره الترابي ( جسمه ) إلى ما يجانسه من التراب ، وينتقل عنصره الروحي ( الروح ) إلى الملأ الأعلىٰ ، فإن كان الإنسان في حياته مؤمناً بالإمام فهي تحشر في زمرة الصالحين وتصبح ملكاً مدبراً ، وإن كان

______________________

١. لاحظ شرح المنظومة للحكيم السبزواري : ٣١٢.

٢. جواب لقوله : امّا.

٣. راحة العقل : ٣٦٤.

٢٢٩
 &

شريراً عاصياً لإمامه حشرت مع الأبالسة والشياطين وهم أعداء الإمام.

والإمام نفسه يجري على جسده مثلما يجري على سائر الأجساد بعد الموت ، حيث يتحلّل كل قسم إلى ما يناسبه ، فالجسم الترابي يعود إلى التراب ، والنفس الشريفة تعود إلى ما يجانسها ويناسبها ، فتصبح نفس الإمام عقلاً من العقول المدبرة للعالم ، فلا تتناسخ ولا تتلاشىٰ أي تتقمص. (١)

٣. في الحساب

والحساب تابع للبعث وهو فعل يحدث عنه من النفس للنفس الثواب الذي هو الملاذ والمسار ، والعقاب الذي هو الألم والعذاب والغم ، وينقسم هذا الفعل إلى ما يكون وجوده في الدنيا ، وإلى ما يكون وجوده في الآخرة.

فأمّا ما يكون وجوده في الدنيا فينقسم قسمين. ثمّ أفاض الكلام في القسمين. (٢)

٤. في الجنة

يقول الكرماني : إنّها موصوفة بالسرمد والأبد ووجود الملاذ فيها أجمع ، وأنّها لا تستحيل ، ولا تتغير ، ولا يطرأ عليها حال ، ولا تتبدل ، والذي بهذه الصفة هو النهاية الأُولة من الموجودات عن المتعالى سبحانه عن الموصوفات والصفات إبداعاً خارج الصفحة العليا من السماوات المعرب عنها بسدرة المنتهى الذي هو المبدع الأوّل. (٣)

______________________

١. مصطفى غالب : في مقدمة كتاب الينابيع : ١٦.

٢. راحة العقل : ٣٦٩.

٣. راحة العقل : ٣٧٩.

٢٣٠
 &

٥. في الملائكة

إنّ الملائكة على ضروب وكلّهم قد أُهّلوا لمنافع الخليقة ، فلا يتعدى أحد منهم بغير ما وكّل به ، كما قال وأخبر عنهم : ﴿ وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ (١)

والجوهر فيهم واحد ، وإنّما اختلفت أسماؤهم لأجل ما وكلوا به فمنهم من هو في العالم العقلي ، ومنهم من هو في العالم الفلكي ، ومنهم من هو في العالم الطبيعي لحفظ ارجائه ، ثمّ استدل بالآيات القرآنية.

منها قوله : ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٢) يعني الملائكة الذين قد أخفى سبحانه ذواتهم عن النظر ، وجعل المخلوق عن الطبائع محجوباً عنهم لا يراهم حتى يصير إمّا في منزلة النبي أو يخلص القبول من النبي بقرب الدرجة منه. (٣)

٦. في الجن

ويعتقد انّ في الجن ذوات أرواح نارية وهوائية ومائية وترابية ، ويعتقد انّ الجن صحيح لا ريب فيه وهم على ضروب في البقاع والمصالح والمنافع والفساد والضرر ، إلى أن قال : فمنهم من هو في ارجاء العالم ممنوع عن مخالطة بني آدم ، ومنهم من هو مخالط لبني آدم في أماكنهم. (٤)

______________________

١. الصافات : ١٦٤.

٢. الحاقة : ٣٨ ـ ٣٩.

٣. تاج العقائد : ٤٥.

٤. تاج العقائد : ٤٦.

٢٣١
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEBohoth-Melal-Nehal-part08imagesrafed.png

٢٣٢
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEBohoth-Melal-Nehal-part08imagespage0233.png

٢٣٣
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEBohoth-Melal-Nehal-part08imagesrafed.png

٢٣٤
 &

تدّعي الإسماعيليّة أنّ شجرة الإمامة تبتدأ من حين هبوط آدم إلى يومنا هذا ، ولم يجعلوا تسلسلها من إسماعيل بن جعفر الصادق ، بل ذهبوا إلى عهد بدء الخليقة ، فطبّقوا قواعدهم الإماميّة ، وسلسلوا الإمامة تسلسلاً مستمرّاً إلى العصر الحاضر.

ثمّ أضافوا إلى ذلك قولهم بالأدوار ، والأكوار ، وقد جعلو كلَّ دور يتألّف من إمام مقيم ، ورسولٍ ناطق ، أو أساس له ومن سبعة أئمّة يكون سابعهم متمَّ الدَّور ، ويمكن أن يزيد عدد الأئمّة عن سبعة في ظروف أُخرى وفي فترات استثنائيّة ، وهذه الزيادة تحصل في عداد الأئمّة المستودعين ، وليس في الأئمّة المستقرين.

أمّا الدّور فيكون عبادة صغيراً أو كبيراً ، فالدور الصغير هو الفترة التي تقع بين كلّ ناطق وناطق ، ويقوم فيها سبعة أئمَّة ، أمّا الدّور الكبير فيبتدأ من عهد آدم إلى القائم المنتظر ، الذي يُسمى دوره ، الدور السابع ، ويكون في الوقت ذاته متماً لعدد النطقاء الستة.

وفي الصفحات التالية تظهر الشجرة الإسماعيليّة ، وتفرعاتها ، وقد أخذناها من كتاب « الإمامة في الإسلام » ، تأليف الكاتب الإسماعيليّ عارف تامر (١) الذي يقول : إنّ شجرةَ الإمامة عند الإسماعيليّة ظلّت حقبة طويلة مجهولة لدى الباحثين ، ومقصورة على طبقة خاصّةٍ من العلماء ، أو قُل في التقيّة والاستتار والكتمان.

وقد أفرده الأُستاذ أيضاً في كتاب خاص أسماه « فروع الشجرة الإسماعيليّة الإماميّة » نشرته المطبعة الكاثوليكية ، في بيروت عام ١٩٥٧ م.

______________________

١. الإمامة في الإسلام : ١٤٥ ـ ١٦١.

٢٣٥
 &

شجرة الإمامة الإسماعيليّة منذ أَقدم العصور

الدور الأوّل :

( ويبتدئ من وقت هبوط آدم حتى ابتداء الطوفان ، ومدته ألفان وثمانون عاماً وأربعة أشهر وخمسة عشر يوما ).

العدد

الإمام المقيم

الرسول الناطق

أساس الدور

الإمام المتم

الإمام المستقر

١

هُنيد

آدم

هابيل ١٣٠ ـ ٢٢٥

أنوش بن (١) شيث ٤٣٥ ـ ١٣٨٥

٢

قينان بن أنوش ٦٢٥ ـ ١٥٣٥

٣

شيث ٢٣٠ ـ ١١٤٤

مهليئل بن قينان ٧٩٥ ـ ١٦٩٠

٤

يارد بن مهليئل ٩٦٠ ـ ١٩٢٢

٥

أخنوخ بن يارد ١١٢٢ ـ ١٤٨٧

٦

متوشالح بن اخنوخ ١٢٨٧ ـ ٢٢٤٢.

٧

لامك بن متوشالح

لامك بن متوشالح ١٤٥٤ ـ ٢٣٤٦

______________________

١. وفي المصدر بنت ، وما أثبتناه هو الصحيح.

٢٣٦
 &

التعليقات :

في هذا الدور يظهر لنا أنّ هُنيد (١) هو الإمام المقيم ، الذي ربّى وتعهّد ، وأقام الرسول الناطق آدم ، وفي هذا الدور أيضاً يظهر لآدم أساسان هما : هابيل وشيث ، الأوّل قتل بيد أخيه « قابيل » فاستلم منصبه بعد وفاته « شيث » . ويظهر أنّ متمَّ الدَّور هو الإمام السابع لامك بن متوشالح.

المعروف تاريخيّاً أنّ هبوط آدم كان في عدن ، وأنّ وفاته كانت في موقع غار أبي قبيس في أرض الكعبة ، ويُقال : أنّ نوحاً بعد الطوفان استخرج جثته ، ودفنها في النجف الأشرف ، إنّ الأرقام التاريخيّة المذكورة أعلاه اعتبرناها في بدء ظهور آدم صفراً حتى طوفان نوح. ولهذا يكون آدم قد عمَّر ٩٣٠ عاماً ، وشيث تسعمائة واثني عشر ٩١٢ ، وأنوش هو أوّل من غرس النخل ٩٥٠ عاماً ، وقينان ٩١٠ أعوام ، ومهليئل ٨٩٥ عاماً ، ويارد ٩٦٢ عاماً واخنوخ ٣٦٥ عاماً ، ومتوشالح ٩٥٥ عاماً ، ولامك ٨٩١ عاماً.

في المصادر التاريخيّة أنّ الإمام الخامس أخنوخ هو إدريس أو هرمس المثلث ، وهو أوّل من خط بالقلم ، وكان مسكنه في الكوفة ، وقد ولد قبل الطوفان بمدَّة يسيرة ، أمّا ابتداء الطوفان فكان سنة ٢٢٤٢. انّ الكتاب السماويَّ المتداول في الدّور الأوّل هو « الصحف » وتنسب إلى آدم.

______________________

١. قال العلامة الروحاني : ولم يعلم انّ هُنَيْد مربى آدم وهو الإمام المقيم هل هو من جنس آدم أو ملك أو جنّ أو غيرها.

أقول : من العجب أنّه لم يأت اسمه في الذكر الحكيم ، ولو كان له ذلك المقام الشامخ ، فأولى أن يكون معلّم الملائكة ، لا آدم ثمّ إنّ المذهب المبنيّ على هذه الحدسيات التي لا تقوم علىٰ أساس قطعي لا يكتسب صبغة علميّة قطعيّة.

٢٣٧
 &

الدور الثاني :

« ويبتدئ من وقت الطوفان سنة ٢٢٤٢ ، حتى ولادة إبراهيم الخليل ، ومدّته تسعمائة واثنتان وسبعون سنة وستة أشهر وخمسة عشر يوماً.

العدد

الإمام المقيم

الرسول الناطق

اساس الدور

الإمام المتم

الإمام المستقر

١

هود

نوح ١٦٤٢ ـ ٣٥٠

سام ٢١٤٢ ـ ٥٠٠٠

أرفكشارد بن سام « ٢ » بعد الطوفان ـ ٤٦٧

٢

شالخ بن قينان بن أرفشكاد (١) ٢٧٦ ـ ٥٦٧

٣

عابر بن شالخ ٤٦٦ ـ ٩٣٠

٤

فالج بن عابر ٥٤٠ ـ ٨٧٩

٥

رعوا بن فالج ٦٧٠ ـ ١٠٠٩

٦

سروج بن رعوا ٨٠٢ ـ ١١٣٢

٧

ناحور بن سروج

ناحور بن سروج ٩٣٢ ـ ١١٤٠

التعليقات :

في هذا الدّور يظهر أنّ هوداً (٢) هو الإمام الذي أقام وأنعم وربّى الرسول

______________________

١. كذا في المصدر.

٢. قال العلّامة الروحاني : إنّ ظاهر الكتاب العزيز ، أنّ نوحاً عليه‌السلام أقدم من هود عليه‌السلام ، قال سبحانه : ﴿ وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَىٰ ﴾ ( النجم / ٥٢) فكيف يمكن للمتأخر زماناً أن يربّي المتقدم ؟!

٢٣٨
 &

الناطق نوح ، وأنّ نوحاً هو صاحب رسالة النطق ، وأنّ ساماً هو أساس الدّور ، ويظهر أنّه سقط من الشجرة اسم « قينان بن أرفكشاد » والد شالخ. وقينان هذا أُبعد عن الإمامة وأسقط اسمُه من الشجرة الإماميّة لأنّه كان يتعاطى السّحر ، فوصيَّة ارفكشاد تجاوزته إلى ولده شالخ. ويلاحظ أنّ هناك أكثر من مصدر تاريخي يؤكّد أنّ عابر بن شالخ هو « هود » ، وبعض المصادر تؤكّد أنّ فالج هو ذو القرنين ، أو هود ، على اختلاف الروايات. ويلاحظ أنّ ناحور هو الإمام المتمّ للدّور الثاني.

إنّ نوحاً ولد سنة ١٦٤٢ من ولادة آدم ، وعندما بلغ من العمر ٦٠٠ عاماً جرى الطوفان الذي ابتدأ في العاشر من شهر رجب سنة ٢٢٤٢ من هبوط آدم ، وقد دام الطوفان ستة أشهر ، وانتهى في العاشر من شهر محرم سنة ٢٢٤٣.توفي نوح سنة ٣٥٠ بعد الطوفان وعاش ٩٥٠ عاماً ، ودفن على جبل الجودي ، من أعمال الموصل. وقد استوطن في مدّة حياته الكوفة.

أمّا أساس الدّور سام ، فقد عاش ٦٠٠ عاماً. من الواضح أنّ أرفكشاد عاش ٤٦٥ عاماً ، وشالخ ٤٦٤ عاماً ، وعابر ٤٦٠ عاماً ، وفالج ٣٣٩ عاماً ، وسروج ٣٣٠ عاماً ، وناحور ٢٠٥ أعوام.

الدور الثالث :

« ويبتدئ من وقت ولادة إبراهيم حتى ظهور موسى ، ومدَّته ألف ومائة وخمسون عاماً وسبعة أشهر وثمانية أيّام ».

٢٣٩
 &

الإمام المستقر

قيذار بن إسماعيل

سلامان بن قيذار

بنت بن سلامان

الهميسع بن بنت

يقدم بن الهميسع

يقداد بن يقدم

أود بن يقداد

الإمام المستودع

يعقوب بن إسحاق ١٦٠ ـ ٣٠٧

يوسف بن يعقوب ٢٥٠ ـ ٣٦١

افرايم بن يوسف ٢٨٠

رازح بن عيص

أيوب بن موص

يونان بن أيوب

شعيب بن صيفون

الإمام المتم

شعيب

اساس الدور المستودع

إسحاق ١٠٠ ـ ٢٨٠

اساس الدور المستقر

إسماعيل ٨٦ ـ ٢٢٧

الرسول الناطق

إبراهيم ١٠٨١ ـ ١٢٥٦

الإمام المقيم

تارح ١٠١١ ـ ١٣١٦

العدد

١

٢

٣

٤

٥

٦

٧

٢٤٠