بحوث في الملل والنّحل - ج ٨

الشيخ جعفر السبحاني

بحوث في الملل والنّحل - ج ٨

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني


الموضوع : الفرق والمذاهب
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
الطبعة: ٢
ISBN: 978-964-357-272-3
الصفحات: ٤٥٣
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

الإمام يتعلّم على يد مأمومه

قال المؤرّخ الإسماعيلي المعاصر مصطفى غالب : وسموّه يجيد اللغات الشرقية والغربية من الهندية والفارسية والعربية والتركية ، والانكليزية والفرنسية والإيطالية والألمانية ، وغيرها من اللغات العديدة ، كلُّ هذا بدون أن يدخل أيَّ مدرسة أو يتلقىٰ علومه في أيّ معهد ، وقد تلقّىٰ تعليمه الأوّل علىٰ أيدي والدته التي علّمته تعليماً صحيحاً ، فجعلته يتقن اللغات الأُوروبية والعربية والفارسية. (١)

وقال عارف تامر : وتوفي والده علي شاه ، وهو في الثامنة من عمره ، فاجتمع به رجال الدعوة الإسماعيليّة في الهند ، وسلّموه شؤون الإمامة باحتفال مهيب. وكان هذا من الأسباب التي حفّزت والدته علىٰ مضاعفة السهر على حياته ، وإحضار المربّين الاختصاصين ، والأساتذة الماهرين ، عملوا على تدريسه اللغات الأجنبية والفارسية والعربية. (٢)

وهنا نقطة جديرة بالإمعان وهي أنّ الثابت في عقيدتهم أنّ الإمام منصوص لا يتلقّى العلم إلّا عن الغيب فعلمه لدني.

فلا أدري ما هذا الإمام. الذي يتلقّىٰ العلم عن مأمومه ، وهل الإمام ذو العلم اللدني بحاجة إلى دخول المدارس البشرية ، وتعلّم اللغات والعلوم وغير ذلك.

وفي يوم الخميس الساعة الثانية ظهراً الحادي عشر من تموز سنة ١٩٥٧ م الموافق ( ١٣٧٧ هـ ) توفي الآغا خان في قصره بسويسرا ، ونقل جثمانه جوّاً إلى أسوان بمصر. ودفن في المقبرة التي شرع بتشييدها على رأس ربوة الجبل الأصفر غرب مدينة أسوان في مصر. (٣)

______________________

١. مصطفى غالب : تاريخ الدعوة الإسماعيلية : ٣٥١.

٢. عارف تامر : الإمامة في الإسلام : ٢٣٤.

٣. مصطفى غالب : تاريخ الدعوة الإسماعيلية : ٣٩٢.

١٨١
 &

ولما توفي آغا خان الثالث في سويسرا توجه زعماء الإسماعيلية من مختلف أنحاء العالم إلى مقر الآغا خان في قصر بركان ، حيث حضروا فتح وصيّة الإمام الراحل التي كانت مودعة في بنك ( لويدز ) في بريطانيا.

واستناداً إلى هذه الوصية فقد تم إعلان إمامة كريم بن علي شاه الحسيني ، ولُقّب بآغا خان الرابع. (١)

ومن الطريف بالذكر هو أنّ الإمام آغا خان الثالث قد عهد بالإمامة لابنه الأمير علي خان في حياته ، يقول مصطفى غالب : أصبح الأمير علي خان وليّاً لعهد الإمامة الإسماعيليّة في التاسع والعشرين من تشرين الثاني عام ١٩٢٧ ميلادية وجرت احتفالات عظيمة بهذه المناسبة ، عمّت جميع البلدان الإسماعيليّة. (٢)

وقد خاب أمل الأمير علي خان لما فُتحت وصيّة والده التي كانت مُودعة في بنك ( لويدز ) في بريطانيا والتي تنصُّ علىٰ إمامة حفيده كريم بن علي شاه الحسيني ( آغا خان الرابع ) ، ولا أجد تفسيراً لها إلّا بنشوب الخلافات بينهما.

وممّا جاء في وصيته التي أبطل بها إمامة ابنه :

ونظراً إلى الظروف التي تغيّرت تغيّراً أساسياً في العالم في السنوات الأخيرة ، ونظراً للتغيّرات الكبرىٰ التي وقعت ، ومن بينها اكتشاف العلوم الذرية ، فإنّي علىٰ يقين أنّ مصلحة الطائفة الإسماعيليّة تقتضي أن يخلفني شابٌ نشأ وترعرع في السنوات الأخيرة وسط هذا العصر الحديث ، وأن تكون له نظرةٌ جديدة للحياة عند تولّي زعامة الطائفة الإسماعيليّة ، لذلك أختار حفيدي كريم خان ، ليكون خليفة لي وزعيماً للطائفة من بعدي. (٣)

______________________

١. مصطفى غالب : تاريخ الدعوة الإسماعيلية : ٤٠٢ ـ ٤٠٣.

٢. مصطفى غالب : تاريخ الدعوة الإسماعيلية : ٣٩٣.

٣. مصطفى غالب : تاريخ الدعوة الإسماعيلية : ٤٠٢.

١٨٢
 &

وقد توفي ولده علي خان المعزول في الخامس عشر من ذي القعدة سنة ١٣٨٠ هجرية ، بحادث اصطدام سيارته التي كان يقودها بنفسه ، ودفن جثمانه مؤقتاً في قصره الخاص في نويللي بفرنسا ، ريثما يتم نقله إلى مقرّه الأخير في سلَمية سوريا تنفيذاً لوصيته.

فالإمام الحاضر للإسماعيليّة هو كريم حفيد ( آغا خان الثالث ) لا ولده.

كريم بن علي بن محمد

آغا خان الرابع

ولد سنة ١٩٣٨ م في مدينة جنيف بسويسرا ، والده هو الأمير علي خان الذي أُقصي عن مركز الإمامة بموجب وصية والده سلطان محمد شاه ( آغا خان الثالث ) ، وأُمّه هي الأميرة البريطانية ( جون بربارايولد ) ابنة اللورد تشارستون ، تلقّىٰ علومه الأوّلية في مدارس سويسرا ، فأتقن الانكليزية والفرنسية والإسبانية ، كما درس اللغة العربية ، وبعد أن أكمل تحصيله في سويسرا انتسب إلىٰ جامعة ( هارفرد الأميركية ).

كان كثير التنقل والأسفار ، يمارس الرياضة الصعبة ، وقد نجا مرتين من حادثتي اصطدام مروعتين ، ويولي الشؤون الاقتصادية والمالية اهتمامه ، ويتجنّب الخوض ببحر السياسة. كما ويقوم بزيارة لإفريقية وسوريا ولبنان وإيران في العام ، لتفقد شؤون أتباعه ومعالجة قضاياهم. وهو لا يزال حيّاً يرزق. (١)

هؤلاء أئمّة النزاريّة القاسمية الآغاخانية ، وهم الفرقة المنحصرة باستمرار الإمامة في أولاد إسماعيل ، وفق المذهب الإسماعيلي ، فالله سبحانه يعلم هل تستمر الإمامة بعد رحيله أو تدخل في كهف الغيبة.

______________________

١. الإمامة في الإسلام : ٢٣٧ ؛ وتاريخ الدعوة الإسماعيلية : ٤٠٣.

١٨٣
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEBohoth-Melal-Nehal-part08imagesrafed.png

١٨٤
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEBohoth-Melal-Nehal-part08imagespage0185.png

١٨٥
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEBohoth-Melal-Nehal-part08imagesrafed.png

١٨٦
 &

الإسلام عقيدة وشريعة ، والإسماعيليّة كغيرها من المذاهب الإسلاميّة لها أُصول ، وفروع ، أمّا الفروع فلا يختلفون مع المسلمين في أُمهاتها ، وكفى في الوقوف عليها ما كتبه القاضي أبو حنيفة النعمان بن محمد التميمي المغربي باسم « دعائم الإسلام » . نعم ، انفردوا في الاعتقاد بأنّ لكلِّ حكم فرعي ظاهراً وباطناً ، ولهم مؤلفات خاصّة في تأويل الظواهر الفرعيّة ، وقد ألّف القاضي المذكور كتاباً باسم « تأويل الدعائم » وسيمر عليك بعض تأويلاتهم في هذا المجال.

إنّما الكلام في عقائدهم وأُصولهم التي بنوا مذهبهم عليها ، والعثور عليها أمر مشكل جدّاً وذلك لوجوه :

الأوّل : الظنّة بكتبهم والتستر عليها وإخفائها وعدم جعلها تحت متناول أيدي الآخرين ، وأن فرض عليهم الوضع الراهن كسرطوق التكتم ، وإزاحة الستار عن بعض الكتب ، والفضل يعود إلى غيرهم ، فلو كان الأمر بيد دعاتهم وعلمائهم لما سمحوا بذلك ، ولَما وصلت بأيدينا تلك الكتب.

الثاني : اتخاذ الفلسفة اليونانية عماداً وسنداً للمذهب ، فأدخلوا فيه أشياء كثيرةً ممّا لا صلة لها بباب العقائد والأُصول ، ولا يضر الاعتقاد بها أو بعدمها ، ولا يضرّه جهلها فالقول بالعقول العشرة ، والأفلاك التسعة ونفوسها ، وأنّ الصادر الأوّل هو العقل إلى أن ينتهي الصدور إلى العقل العاشر ، فروض فلسفيّة طُرحت لحل مشكلة ( امتناع صدور الكثير عن الواحد ) ، وهذه المباحث على فرض صحتها تختص بذوي المواهب الكبيرة في مجال الفكر ، فإدخالها في المذهب والدعوة إليها ، إلزام بلا ملزم.

١٨٧
 &

الثالث : أنّ المذهب الإسماعيلي ، لم يكن في بدء ظهوره مذهباً منسقاً ، وإنّما تكامل حسب مرّ السنين ، نتيجة احتكاك الدعاة مع أصحاب الفلسفة اليونانية ، وحسب أذواقهم في مجال التأويل ، وهذا أمر مسلّم بينهم ، يقول الكاتب الإسماعيلي مصطفى غالب :

إنّ العقائد الإسماعيلية لا يمكن دراستها وبحثها علىٰ أنّها عقائد ثابتة لفرقة موحّدة ، وذلك أنّها عقائد تطورت حسب البيئات والأزمان ، واختلفت باختلافها ، وتشعّبت آراؤها ونظرياتها ، حتى أصبح من الصعب أن تبلور هذه العقائد ، أو أن تُصهر في بوتقة واحدة. (١)

وقد اعتمدنا من بين كتبهم العقائديّة على كتابين هما :

١. « راحة العقل » : تأليف الداعي في عهد الحاكم ، أعني : حميد الدين أحمد ابن عبد الله الكرماني ، الملقّب بحجة العراقين ، وكبير دعاة الإسماعيليّة في جزيرة العراق ، وصاحب المؤلّفات العديدة في المذهب الإسماعيلي ، ألّفه عام ( ٤١١ هـ ) ، وقد عاصر الفيلسوف الإسلامي الكبير ابن سينا ( ٣٧٣ ـ ٤٢٧ هـ ) ومن المعلوم أنّ هذا العصر وما قبله عصر إزدهار الفلسفة اليونانية ، فقد قام المسلمون وغيرهم بترجمة تلك الفلسفة وشرحها وتحقيقها.

وقد وضع الداعي كتابه هذا على غرار ما أُثر من الفلسفة ، وأدخل فيه شيئاً ممّا لا يمت إلى المذهب بصلة ، فإنّ أكثر مباحثه مسائل فلسفية بحتة ، أو طبيعية ، لا ارتباط لها بصميم المذهب. ويتجلّى ذلك بوضوح حينما يقوم الداعي الكرماني في ترسيم عوالم الخلقة.

إنّ الكتاب لا ينقسم إلى أبواب أو مقالات ، ولا تشتمل أبوابه أو مقالاته على فصول على نحو ما جرت به العادة في تقسيم الكتب ، وأنّما ينقسم إلى أسوار ،

______________________

١. كنز الولد : ٧ ، قسم المقدمة.

١٨٨
 &

ويندرج تحت كلّ سور عدّة مشارع ، هي من السور بمنزلة الأجزاء من البلد الذي يحيط به السور.

فكان مثل « راحة العقل » كمثل المدينة ، والسور بمنزلة الأبواب ، والمشارع بمنزلة الفصول ، ولكن عدد الأسوار ، التي يشتمل عليها الكتاب سبعة ، يدخل في نطاق كلّ منها سبعة مشارع ، فتكون عدد المشارع تسعة وأربعين مشرعاً.

ولكنّ تتمة لما ينطوي عليه منهجه في تقسيم الكتاب من معاني التأويل والمتقابلات قد زاد على هذه المشارع ( التسعة والأربعين ) سبعة مشارع أُخرى.

وإنّما كانت الأسوار سبعة مقابلة بينها وبين السيارات السبع ، وهي : زحل ، والمشتري ، والمريخ ، والشمس ، والزهرة ، وعطارد ، والقمر.

يقول الداعي : فجعلنا أسواره سبعة بإزاء السيارات منها المؤثرة في المواليد الجسمانية القائمة في الدين تأويلاً ، حيال بيوت أنوار الله أصحاب الأدوار السبعة المؤثّرين في المواليد النفسانية. وجعلنا مشارع أسواره تسعة وأربعين مشرعاً ، بإزاء محيط الأفلاك صغاراً وكباراً المحركة لما دونها من الأجسام. (١)

وقد طبع لأوّل مرّة بالقاهرة بتحقيق الدكتور محمد كامل حسين والدكتور محمد مصطفى حلمي ، ونشرته دار الفكر العربي بالقاهرة عام ١٣٧١ هـ ، وأُعيد طبعه ثانياً بتحقيق مصطفى غالب الذي هو من كتّاب الإسماعيلية نشره عام ١٩٦٧ م.

٢. « تاج العقائد ومعدن الفوائد » ، تأليف الداعي الإسماعيلي اليمني المطلق ، علي بن محمد الوليد ( ٥٢٢ ـ ٦١٢ هـ ) حقّقه عارف تامر ، ونشرته دار المشرق بيروت ، وهذا الكتاب أسهل فهماً وأحسن تعبيراً في بيان عقائد الإسماعيلية.

______________________

١. راحة العقل : ٢٥ ، ولاحظ المقدمة : ١٠.

١٨٩
 &

ونحن نعتمد على هذين الكتابين ـ مع البون الشاسع بينهما ـ في بيان الفوارق الموجودة بينهم وبين سائر الفرق ، دون أن نذكر المشتركات ، فانّ دراسة الجميع تؤدي إلى أن يطول بنا الكلام ، والهدف تسليط الضوء على عقائدهم عن كثب ، وربّما نعتمد على غير هذين الكتابين عند اقتضاء الحال.

١٩٠
 &

الإسماعيلية والأُصول الخمسة

١

عقيدتهم في التوحيد

١. عقيدتهم في توحيده سبحانه ، أنّه واحد لا مثل له ولا ضد :

يقول الكرماني في المشرع الخامس : إنّه تعالى لا ضد له ولا مثل (١) ، ثمّ يستدل عليه.

ويقول علي بن محمد الوليد ( الداعي الإسماعيلي اليمني ) : إنّه تعالى واحد لا من عدد ، ولا يُعتقد فيه كثرة ، أو إزدواج أشكال المخلوقات ، واختلاف البسائط والمركبات (٢) ثمّ يستدل عليه.

ويقول أحد الدعاة الإسماعيلية في قصيدة له في العقائد :

الحمد لله القديم الأزلي

المبدع العالي معلِّ العلل

باري البرايا الدائم الفرد الصمد

والجاعل الواحد أصلاً للعدد (٣)

______________________

١. راحة العقل : ٤٧.

٢. علي بن محمد الوليد : تاج العقائد ومعدن الفوائد : ٢١.

٣. القصيدة الشافية : ١.

١٩١
 &

٢. انّه سبحانه ليس أيسا :

إنّ الأيس بمعنى الوجود ، ولعلّ أوّل من استعمله هو الفيلسوف الكندي ، وقد اشتهر في الفلسفة الإسلاميّة أنّ الممكن من ذاته أن يكون ليس ، ومن علّته أن يكون أيس ، وإن كانت هذه الكلمة في التعبير عن مكانة الممكن تعبيراً غير دقيق ، لأنّ معناه ، أنّ الممكن من ذاته يقتضي العدمَ ، وهذه علامة الممتنع لا الممكن ، فالممكن لا يقتضي من صميم ذاته أحدَ الشيئين ، الأيس والليس.

وعلى كلّ تقدير فهؤلاء يستنكرون وصفه سبحانه بالأيس ، المرادف للوجود.

وقد استدل عليه الداعي الكرماني بوجه مبسّط نأخذ منه ماله صلة بصميم الموضوع ، وحاصل ما ذكره يرجع إلى أمرين :

الأوّل : لمّا كان الأيس ـ في كونه أيساً ـ محتاجاً إلى ما يستند إليه في الوجود ، وكان هو ـ عزّ كبرياؤه ـ متعالياً عن الحاجة فيما هوهو إلى غير ، به يتعلق ، ما به هوهو ، كان من ذلك الحكم ، بأنّه تعالى خارج عن أن يكون أيساً ، لتعلّق كون الأيس أيساً بالذي يتأوّل عليه الذي جعله أيساً ، واستحالة الأمر في أن يكون هو تعالى أيساً ، ولا هو يحتاج فيما هوهو إلى غير به هوهو ، فيستند إليه ، تكبّر عن ذلك وتعزّز وتعالى علوّاً كبيراً.

فإذا كان هو عزّ وعلا غير محتاج فيما هوهو إلى غير ، به يتعلّق ، ما به هوهو ، فمحال كونه أيسا.

وحاصل هذا الوجه مع تعقيده في التعبير ، يرجع إلى أمر واضح ، وهو أنّه لو كان موصوفاً بالوجود ، فبما أنّ الصفة غير الموصوف ، يحتاج في وصفه به إلى الغير ، وهو تعالى غني عمّا سواه.

ولو كان ما جاء به الكرماني مذهباً للإسماعيليّة فهو يُعرب عن عدم نضوج الفلسفة اليونانية في أوساطهم ، فهؤلاء يتصوّرون أنّ الوجود أمر عارض على

١٩٢
 &

الواجب ، فيبحثون عن مسبب العروض ، مع أنّه إذا كان ماهيته انيّته ، وكان تقدّست أسماؤه عين الوجود ، فالاستدلال ساقط من رأسه ، والمسألة مطروحة في الفلسفة الإسلامية على وجه مبسط ، وفي ذلك الصدد يقول الحكيم السبزواري :

والحقّ ماهيّته إنِّيَّته

إذ مقتضى العروض معلوليّته

فمن أراد التفصيل فليرجع إلى المصدرين في الهامش. (١)

الثاني : أنّ الله تعالى إن كان أيساً ، فلا يخلو أن يكون إمّا جوهراً ، وإمّا عرضاً.

فإن كان جوهراً ، فلا يخلو أن يكون إمّا جسماً أو لا جسماً ( المجرد ).

فإن كان جسماً ، فانقسام ذاته إلى ما به وجودها ، يقتضي وجود ما يتقدم عليه بكون كلّ متكثر مسبوقاً متأوّلاً عليه ، وهو يتعالى بسبحانيّته عن أن يتأوّل عليه غيره.

وإن كان لا جسماً ، فلا يخلو أن يكون إمّا قائماً بالقوة مثل الأنفس ، أو قائماً بالفعل مثل العقول.

فإن كان قائماً بالقوّة ، فحاجته إلى ما به يخرج إلى الفعل تقتضي ما يتقدّم عليه ، وهو يتعالى عن ذلك.

وإن كان قائماً بالفعل ، فلا يخلو من أن يكون إمّا فاعلاً في ذاته من غير حاجة إلى غيرٍ به يتم فعله ، أو فاعلاً في غيرٍ به يتم فعله.

فإن كان فاعلاً في غير به يتم فعله ، فلنقصانه في فعله وحاجته إلى ما يتم به فعله ، تقتضي ما يتأوّل عليه ، وهو يتعالى عن ذلك.

وإن كان فاعلاً في ذاته ، من غير حاجة إلى غيرٍ به يتم فعله ، فلاستيعاب ذاته النسب المختلفة بكثرة المعاني المتغايرة ، بكونه في ذاته فاعلاً ومفعولاً بذاته ،

______________________

١. راجع الأسفار لصدر المتألهين : ١ / ٩٦ ، باب في أنّ الحق تعالى إنيّة صرفة ؛ وشرح المنظومة للحكيم السبزواري : ٢ / ٩٦.

١٩٣
 &

يقتضي ما عنه وجوده الذي لا تكون فيه كثرة ولا قلّة بهذه النسب ، وهو يتعالى عن ذلك.

وإن كان عَرضاً ، وكان وجودُ العرض مستنداً إلى وجود ما يتقدم عليه من الجوهر ، الذي به وجوده ، وهو يتعالى ويتكبر عن أن تتعلّق هويته بما يتأوّل عليه ، بطل أن يكون عرضاً. (١)

وحاصل هذا الوجه أنّ كونه سبحانه موصوفاً بالأيس ، لا يخلو من صور أربع :

أ : أن يكون جوهراً جسمانياً.

ب : أن يكون عرضاً.

ج : أن يكون جوهراً مجرداً ، قائماً بالقوّة ، مثل الأنفس.

د : أن يكون جوهراً مجرداً قائماً بالفعل ، مثل العقول.

الصورة الأُولى : تستلزم أن يكون مؤلّفاً من أجزاء ، والأجزاء متقدّمة على الكُلّ ، فيكون محتاجاً إلى غيره.

ومثلها الصورة الثانية : لحاجة العرض إلى وجود موضوع متقدم عليه.

ومثلها الثالثة : لأنّه إذا كان قائماً بالقوّة ، فيحتاج إلى من يخرجه إلى الفعل ، وأن يكون المخرج متقدّماً عليه ، وهو سبحانه غني.

وأمّا الصورة الرابعة : فقد فصّل فيها الكلام ولها شقان :

الأوّل : أن يكون فاعلاً في ذاته ، من غير حاجة إلى غير به يتم فعله ، فهذا يستلزم اجتماع النسب المختلفة في ذاته.

الثاني : أن يكون فاعلاً في غيرٍ به يتم فعله ، فهو يستلزم حاجته إلى ما يتمُّ به فعله ، وهو غني على الإطلاق.

______________________

١. راحة العقل : ٣٩ ـ ٤٠.

١٩٤
 &

والاستدلال مبني على أنّه صوّر للواجب ماهيّة بين كونها جوهراً أو عرضاً ، والجوهر جسماني أو نفساني ، أو عقلائي ، والفروض كلّها باطلة ، لأنّ القائل بكونه وجوداً ، وأيسا ، يقول : هو والوجود متساويان ؛ الواجب = الوجود.

ولا يذهب عليك أنّ الفرض الرابع ، وهو كونه موجوداً بالفعل مردداً بين كونه فاعلاً في ذاته ، أو فاعلاً في غير ، لا يخلو عن تعقيد وغموض.

ثمّ إنّ الداعي ذكرَ وجهاً ثالثاً لعدم كونه سبحانه أيساً ، ليس له قيمة تذكر ، فمن أراد فليرجع إليه. (١)

٣. في نفي التسمية عنه :

يقول الداعي الإسماعيلي علي بن محمد الوليد : إنّ وضع التسمية عليه محال ، إذ كانت التسمية إنَّما جعلت وسماً يوسم بها المخلوقات ، ليكون الخلق بها فصولاً فصولاً ، يتميّز بها كلّ صورة عن الصورة الأُخرى ، حتى ينحفظ كلّ صنف منها ، ويمكن للعقل الحكاية عنها إذا دعت الحاجة إليها ، فيكون بذلك ظهور أشكال العالم في أيّ تسمية وسم بها ، وهو متعال ، ليس له صورة نفسانية ، ولا عقلية ، ولا طبيعيّة ، ولا صناعيّة ، بل يتعالى بعظيم شأنه ، وقوّة سلطانه عن أن يوسم بما يوسم به أسباب خلقته ، وفنون بريته ، وقد اتفقت فحول العلماء على أنّه تعالى لم يزل ولا شيء معه ، لا جوهراً ولا عرضاً. (٢)

ولا يذهب عليك ، أنّ عنوان البحث غير منطبق على ما جاء فيه ، فلو كان العنوان من جانب المؤلّف ، وإلّا فالعنوان يهدف إلى شيء ، وما ورد فيه إلى شيء آخر ، فإنّ تسمية الله سبحانه أمر اتّفق عليه كافّة أهل التوحيد ، ومراده هو نفي

______________________

١. راحة العقل : ٤٠.

٢. علي بن محمد الوليد : تاج العقائد ومعدن الفوائد : ٢٦.

١٩٥
 &

الماهيّة ، كالجوهرية والعرضية.

كما أنّ مراده في بحث آخر في الكتاب ، تحت عنوان « في نفي الحدّ عنه » هو نفي كونه متناهياً.

٤. نفي الصفات عنه :

إنّ نفي الصفات عنه سبحانه ، مما اشتهر عن الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام في خطبه ، وعنه أخذت المعتزلة ، قال عليه‌السلام : « أوّل الدين معرفته ، وكمال معرفته التصديق به ، وكمال التصديق به توحيده ، وكمال توحيده الإخلاص له ، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه ، بشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف ، وشهادة كلِّ موصوف أنّه غير الصفة ، فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه ، ومن قرنه فقد ثنّاه ، ومن ثنّاه فقد جزّأه ، ومن جزّأه فقد جهله ، ومن جهله فقد أشار إليه ، ومن أشار إليه فقد حدّه ، ومن حدّه فقد عده ، ومن قال : « فيم » فقد ضمّنه ، ومن قال : « عَلامَ ؟ » فقد أخلى منه ». (١)

وقد ذهبت الإماميّة ، وقسم من المعتزلة ، تبعاً للأدلة العقليّة ، التي أشار إليها الإمام في كلامه ، بأنّ المرادَ نفي الصفات الزائدة عليه ، لا نفي الصفات على الإطلاق ، فالله سبحانه علمٌ كلّه ، قدرة كلّه ، حياة كلّه ، وهكذا ، لا أنّه شيء ، وعلمه شيء آخر ؛ خلافاً للأشاعرة ، فقد ذهبوا إلىٰ زيادة الصفات على الذات مع كونها قديمة ، فأورد عليهم باستلزامه القول بالقدماء الثمانية.

ولكن الإسماعيليّة ذهبت إلى نفي الصفات عنه على الإطلاق ، واكتفت في مقام معرفته سبحانه بالقول بهويته وذاته دون وصفه بصفات ، حتى الصفات الجماليّة والكماليّة ، ولهذا نرى أنّ الداعي الكرماني يعترض على المعتزلة الذين قالوا

______________________

١. نهج البلاغة : الخطبة الأُولى.

١٩٦
 &

بنفي الصفات قائلاً :

إنّ المتأمّل المنصف ، إذا فحص عن ذلك بفكره ، علم أنّ كلاً من المخالفين قد زيّن مذهبه ، بأن عمد في توحيده لمعبوده ما عمدناه ، وقصد ما قصدناه ، في استعمال حرف ( لا ) في نفي (١) ما يستحق الغير عن الله تعالى ، خاصّة المعتزلة الذين صدّروا كتبهم ، وزيّنوها بقولهم في أُصول مذهبهم : بأنّ الله تعالى لا يوصف بصفات المخلوقين ... وهذا من قولهم ، هو أصل مذهبنا ، وعليه قاعدة دعوتنا ، بأنّنا لا نقول على الله تعالى ، ما يقال على المخلوقين ، وهو المعتمد في توحيد معبودنا ، والمقصود في أنحاء كلامنا ، لكن المعتزلة قالوا بأفواههم قول الموحدين ، واعتقدوا بأفئدتهم اعتقاد الملحدين ، بنقضهم قولهم أوّلاً بأنّ الله لا يوصف بصفات المخلوقين ، بإطلاقهم على الله سبحانه وتعالى ما يستحقه غير الله تعالى ، من الصفات من القول بأنّه حيٌّ قادرٌ ، عالمٌ ، وسائر الصفات ، نعوذ بالله. (٢)

ويقول علي بن محمد الوليد : إنّ نفي الصفات عنه معتقد صحيح ، لا يسوغ تركه ، لأنّ الصفات تلحق الجوهر ، إمّا في الأجسام وإمّا في النفوس ، ويكون في الأجسام كيفيات من خارجها ، كالأقدار ، والألوان ، وما يجري مجراها ، وفي النفوس كيفيات من داخلها ، كالعلم ، والجهل ، وما يجري هذا المجرى ، وهو يتعالى عن أن يكون له داخل أو خارج.

وممّا تقرر عند كل ذي عقل أنّ الصفات تلحق الموصوف من غيره ، لا من ذاته ، ألا ترى أنّ صفات الأجسام التي هي لها ، تأتي من خارجها كالأقدار والألوان ، وما يجري مجراها ، وفي النفوس كيفيات من داخلها ، كالعلم ، والجهل وما يجري هذا المجرى ، وهو يتعالى أن يكون له داخلاً أو خارجاً ، ومما تقرر عند كلّ ذي عقل أنّ الصفات تلحق الموصوف من غيره لا من ذاته. (٣)

______________________

١. وفي المصدر ( النفي ) ؛ راحة العقل : ٥٢.

٢. راحة العقل : ٥٢ ـ ٥٣.

٣. علي بن محمد الوليد : تاج العقائدو معدن الفوائد : ٢٧.

١٩٧
 &

٥. الصّادر الأوّل هو الموصوف بالصفات العليا :

لمّا ذهبت الإسماعيليّة إلى نفي الصفات عنه سبحانه ، مع أنّ الكتاب والسنّة مليئان بهما ، لم يكن لهم بُد من إرجاع تلك الصفات إلى المبدع الأوّل ، الذي هو الموجود الأوّل ، وإليه تنتهي الموجودات ، وهو الصادر عنه سبحانه بالإبداع ، لا بالفيض والإشراق ، كما عليه إخوان الصفا. (١)

قال الداعي علي بن محمد الوليد : إنّ الباري تعالى وتقدّس لمّا تعاظم عن أن يُنال بصفة توجد في الموجودات ، لقصور الموجودات عن وصفه بما تستحقه الإلهيّة ، جعل موجوداً أوّلاً تتعلّق الصفات به ، عطفاً ورحمةً ومنّة على عقول عباده أن تهلك وتضل ، إذا لم تستند إلى ما تقف عنده ، فتوقع الصفات عليه ، فجعل للعالم مبدأ مبدعاً ، وهو الأوّل في الوجود من مراتب الموجودات ، وكان المبدع حق لوجوده عن المتعالى سبحانه ، غاية تنتهي إليها الموجودات.

ثمّ إنّه أفاض الكلام في صفاته ، وعرّفه بكونه : موجوداً حقاً واحداً ، تامّاً ، باقياً ، عاقلاً ، عالماً ، قادراً ، حيّاً ، فاعلاً.

ثمّ قال : الحياة ذات جامعة لهذه الأُمور وبها هي فاعلة. (٢)

وقال الداعي الكرماني في هذا الصدد :

« فالإبداع هو الحقّ والحقيقة ، وهو الوجود الأوّل ، وهو الموجود الأوّل ، وهو الوحدة ، وهو الواحد ، وهو الأزل ، وهو الأزلي ، وهو العقل الأوّل ، وهو المعقول الأوّل ، وهو العلم ، وهو العالم الأوّل ، وهو القدرة ، وهو القادر الأوّل ، وهو الحياة ، وهو الحيّ الأوّل ، ذات واحدة ، تلحقها هذه الصفات ، يستحق بعضها لذاته ، وبعضها بإضافةٍ إلى غيره ، من غير أن تكون هناك كثرة بالذات.

______________________

١. رسائل اخوان الصفا : ٣ / ١٨٩ ، طبعة بيروت.

٢. علي بن محمد الوليد : تاج العقائد ومعدن الفوائد : ٤٠ ـ ٤١.

١٩٨
 &

إلى أن قال : وهذه الأُمور وجودها له ضروري ، لكونه أوّلاً في الوجود الواجب ، احتوائه على أشرف الكمالات وأشرف الموجودات.

إلى أن يقول : وجوهر هذا الإبداع جوهر الحياة ، وعينه عين الحياة ، والحياة متقدمة على سائر هذه الصفات ، ولذلك قدَّم الله تعالى عند وصفه سمة الحياة في قوله تعالى : ﴿ اللَّـهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (١) فهو متوحّد من جهة كونه إبداعاً وشيئاً واحداً ، ومتكثّر من جهة الموجود فيه من الصفات ، على ما بيّناه. (٢)

أقول : إنّ المبدع الأوّل حسب ما يذكرونه هو الإله الثاني ، غير أنّه يفارقه بأنّه المبدَع بإبداعه سبحانه ، وبذلك يفترق عن إله العالمين.

وأعجب منه أنّ الكرماني يصفه بأنّه أزليٌّ ، ولعلَّ المراد أنّه قديم زماناً وحادثاً ذاتاً.

على أنّ هذا الكلام باطلٌ من أصله ، وذلك : لإمكان وصفه سبحانه بالأوصاف الجماليّة ، والكماليّة ، من دون أن يطرأ على ذاته وصمة النقص ، وذلك بحذف المبادئ ، والأخذ بالغايات ، فهو سبحانه علم ، لا بما أنّه كيف ، بل بما هو وجود بحت ، وأنّ الوصف ربَّما يكون له من الكمال على حدٍّ يكون قائماً بذاته لا طارئاً على الذات ، وما يلاحظ من المباينة بين الوصف والموصوف ، فإنّما هو من خصوصيات المورد أيْ الممكنات ، ولا يجب أن يكون كلّ وصف كذلك.

______________________

١. البقرة : ٢٥٥.

٢. راحة العقل : ٨٣ ، طبعة القاهرة.

١٩٩
 &

الإسماعيلية والأصول الخمسة

٢

عقيدتهم في العدل

قد تعرّفت في البحث السابق على أنّهم لا يصفونه سبحانه بوصف ، ويعتقدون أنّه فوق الوصف ، وأنّ غاية التوحيد نفي الوصف ، وإثبات الهوية ، ولهذا لا تجد عنواناً لهذا الفصل في كتبهم حسب ما وصل بأيدينا ، ولكن يمكن استكشاف عقيدتهم في عدله سبحانه من خلال دراستهم لفعل الإنسان ، وهل هو إنسان مسيّر أو مخيّر ؟

١. الإنسان مخيّر لا مسيّر

يقول الداعي علي بن محمد الوليد : الإنسان مجبور في حال تركيبه ، ورزقه ، ومدّته ، وحركات طبائعه ، والكيان بنشوئه ، وما يحدث عليه مقهور عليه مغيّب عن إدراكه وعيانه ، ليكون مفتقراً بالدعاء والتضرّع إلى خالقه ، إذ لو كشف له لفسد حاله. ومخيّر غير مجبور فيما يعتقد لنفسه ، من علومه ، وصناعته ، ومذاهبه ، و معتقداته.

إلى أن قال : ولولا ذلك لما كانت لها منفعة بإرسال الرسل ، وقبول العلم ، وتلقي الفوائد والانصياع لأوامر الله تعالى ، إذ لو كانت مجبورة لاستغنت عن كلّ شيء تستفيده.

ثمّ استدلّ بآيات منها قوله تعالى : ﴿ وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ (١) إلى غير ذلك من الآيات. (٢)

______________________

١. النجم : ٣٩ ـ ٤٠.

٢. تاج العقائد : ١٦٦ ـ ١٦٨.

٢٠٠