🚖

سلامة القرآن من التحريف

علي موسى الكعبي

سلامة القرآن من التحريف

المؤلف:

علي موسى الكعبي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الرسالة
المطبعة: ستاره
الطبعة: ٢
ISBN: 964-8629-49-8
الصفحات: ١١١
🚖 نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

١ ـ روي عن عبدالرحمن بن يزيد أنّه قال : « كان عبدالله بن مسعود يحكّ المعوذتين من مصحفه ، ويقول : إنّهما ليستا من كتاب الله » (١).

٢ ـ وروي عن عبدالله بن مسعود أنّه لم يكتب الفاتحة في مصحفه ، وكذلك أُبي بن كعب (٢). تقدّم في معنىٰ التحريف أنّ التحريف بالزيادة في القرآن مجمعٌ علىٰ بطلانه ، لأنّه يفضي إلىٰ التشكيك في كتاب الله المتواتر يقيناً كلمةً كلمةً وحرفاً حرفاً ، ومن ينكر شيئاً من القرآن فإنّه يخرج عن الدين ، والنقل عن ابن مسعود غير صحيحٍ ، ومخالفٌ لما أجمع عليه المسلمون منذ عهد الرسالة وإلىٰ اليوم من أنّ الفاتحة والمعوذتين من القرآن العزيز.

والرأي السائد بين العلماء في هاتين الروايتين هو إنكار نسبتهما إلىٰ ابن مسعود ، وقالوا : « إنّ النقل عنه باطل ومكذوب عليه » كما صرّح به الرازي وابن حزم والنووي والقاضي أبو بكر والباقلاني وابن عبد الشكور وابن المرتضى وغيرهم (٣) ، وقال الباقلاني : « إنّ الرواية شاذّة ومولّدة » (٤) واستدلّوا علىٰ الوضع في هاتين الروايتين بما روي من قراءة عاصم عن زرّ ابن حبيش عن عبدالله بن مسعود ، وفيها الفاتحة والمعوذتين ، فلو كان

______________________

(١) مسند أحمد ٥ : ١٢٩ ، الآثار ١ : ٣٣ ، التفسير الكبير ١ : ٢١٣ ، مناهل العرفان ١ : ٢٦٨ ، الفقه علىٰ المذاهب الأربعة ٤ : ٢٥٨ ، مجمع الزوائد ٧ : ١٤٩.

(٢) الجامع لاحكام القرآن ٢٠ : ٢٥١ ، الفهرست لابن النديم : ٢٩ ، المحاضرات ٢ : ٤ / ٤٣٤ ، البحر الزخّار ٢٤٩.

(٣) التفسير الكبير ١ : ٢١٣ ، فواتح الرحموت بهامش المستصفىٰ ٢ : ٩ ، الاتقان ١ : ٧٩ ، البحر الزخّار ٢ : ٢٤٩ ، المحلّىٰ ١ : ١٣.

(٤) اعجاز القرآن بهامش الاتقان ٢ : ١٩٤.

٨١

ينكر كون هذه السور من القرآن ، لما قرأهما لزر بن حبيش ، وطريق القراءة صحيح عند العلماء (١).

وقيل : إنّ ابن مسعود أسقط المعوذتين من مصحفه إنكاراً لكتابتهما ، لا جحداً لكونها قرآناً يُتلىٰ ، أو لأنّه سمع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يعوّذ بهما الحسن والحسين عليهما‌السلام ، فظنّ أنّهما ليستا من القرآن ، فلمّا تبيّن له قرآنيتهما بعدُ ، وتمَّ التواتر ، وانعقد الاجماع علىٰ ذلك ، كان في مقدمة من آمن بأنّهما من القرآن فقرأهما لزرّ بن حبيش ، وأخذهما عاصم عن زرّ (٢).

______________________

(١) أُنظر البرهان للزركشي ٢ : ١٢٨ ، شرح الشفاء للقاري ٢ : ٣١٥ ، فواتح الرحموت ٢ : ٩ ، مناهل العرفان ١ : ٢٦٩ ، المحلىٰ ١ : ١٣.

(٢) شرح الشفاء ٢ : ٣١٥ ، مناهل العرفان ١ : ٢٦٩.

٨٢



جمع القرآن

مراحل جمع القرآن :

المتحصّل من جميع الروايات الواردة في جمع القرآن أنّ مراحل الجمع ثلاث :

الأولىٰ : بحضرة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حفظاً وكتابةً ، حيثُ حُفِظ في الصدور ، وكُتِب علىٰ السطور في قراطيس وألواح من الرقاع والعسب واللخاف والاكتاف وغيرها. أخرج الحاكم بسند صحيح علىٰ شرط الشيخين ، عن زيد بن ثابت ، قال : « كنّا عند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نؤلّف ـ أي : نكتب ـ القرآن من الرقاع » (١).

الثانية : علىٰ عهد أبي بكر ، وذلك بانتساخه من العسب والرقاع وصدور الرجال وجعله في مصحفٍ واحد.

الثالثة : ترتيب السور علىٰ عهد عثمان بن عفّان ، وحمل الناس علىٰ قراءة واحدة ، وكتب منه عدّة مصاحف أرسلها إلىٰ الأمصار ، وأحرق باقي المصاحف.

______________________

(١) المستدرك ٢ : ٦١١.

٨٣
٨٤



جمع القرآن وشبهة التحريف

إنّ موضوع جمع القرآن من الموضوعات التي أُثيرت حولها الشبهات ، ودُسَّت فيها الروايات ، وتذرّع بها القائلون بالتحريف فزعموا أنّ في القرآن تحريفاً وتغييراً ، وأنّ كيفية جمعه بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مستلزمةٌ في العادة لوقوع هذا التحريف والتغيير فيه ، حيثُ إنّ العادة تقتضي فوات شيءٍ منه علىٰ المتصدّي لذلك إذا كان غير معصوم.

قال الرافعي : « ذهب جماعة من أهل الكلام ممّن لا صناعة لهم إلّا الظنّ والتأويل واستخراج الأساليب الجدلية من كلِّ حكمٍ ومن كلِّ قول إلىٰ جواز أن يكون قد سقط عنهم من القرآن شيءٌ حملاً علىٰ ما وصفوه من كيفية جمعه » (١).

إنّ امتداد زمان جمع القرآن إلىٰ ما بعد حروب اليمامة ، كما نطقت به الروايات ، وتضارب الأخبار الواصفة لطريقة جمعه ، أثارا الشبهة لدىٰ الكثيرين ، فعن الثوري أنّه قال : « بلغنا أنّ أُناساً من أصحاب النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كانوا يقرأون القرآن ، أُصيبوا يوم مسيلمة ، فذهبت حروف من القرآن » (٢).

إنّ حقيقة جمع القرآن في عهد الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تُعدّ من الحقائق التاريخية الناصعة ، التي لا تحتاج إلىٰ مزيد من البحث والاستقصاء وإثارة الشبهات ، وتعدّ أيضاً ضرورةً ثابتةً تاريخياً دامغةً لكلّ الأقاويل والشبهات ، ولكل مادُسّ من الأخبار والروايات حول هذه المسألة.

______________________

(١) اعجاز القرآن : ٤١.

(٢) الدر المنثور ٥ : ١٧٩.

٨٥
٨٦



أدلّة جمع القرآن في زمان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

أجمع علماء الإمامية علىٰ أنّ القرآن كان مجموعاً علىٰ عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يترك دنياه إلىٰ آخرته إلّا بعد أن عارض ما في صدره بما في صدور الحفظة الذين كانوا كثرة ، وبما في مصاحف الذين جمعوا القرآن في عهده صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقد اعتُبِر ذلك بحكم ما علم ضرورة ، ويوافقهم عليه جمعٌ كبيرٌ من علماء أهل السنة ، وجميع الشواهد والأدلة والروايات قائمةٌ علىٰ ذلك ، واليك بعضها :

١ ـ اهتمام النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والصحابة بحفظ القرآن وتعليمه وقراءته وتلاوة آياته بمجرد نزولها ، وممّا روي من الحثّ علىٰ حفظه ، قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « من قرأ القرآن حتىٰ يستظهره ويحفظه ، أدخله الله الجنّة ، وشفّعه في عشرة من أهل بيته كلّهم قد وجبت لهم النار » (١) وفي هذا المعنىٰ وحول تعليم القرآن أحاديث لا تحصىٰ كثرة ، فعن عبادة بن الصامت قال : « كان الرجل إذا هاجره دفعه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلىٰ رجلٍ منّا يعلّمه القرآن ، وكان لمسجد رسول الله ضجّة بتلاوة القرآن حتىٰ أمرهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يخفضوا أصواتهم لئلا يتغالطوا » (٢).

وقد ازداد عدد حُفّاظ القرآن بشكل ملحوظ لتوفر الدواعي لحفظه ،

______________________

(١) مجمع البيان ١ : ٨٥.

(٢) مناهل العرفان ١ : ٢٣٤ ، مسند أحمد ٥ : ٣٢٤ ، تاريخ القرآن للصغير : ٨٠ ، مباحث في علوم القرآن : ١٢١ ، حياة الصحابة ٣ : ٢٦٠ ، مستدرك الحاكم ٣ : ٣٥٦.

٨٧

ولما فيه من الحثّ من لدن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والأجر والثواب الذي يستحقّه الحافظ عند الله تعالىٰ ، والمنزلة الكبيرة والمكانة المرموقة التي يتمتّع بها بين الناس ، وحسبك ما يقال عن كثرتهم علىٰ عهد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبعد عهده أن قُتِل منهم سبعون في غزوة بئر معونة خلال حياته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقُتل أربعمائة ـ وقيل : سبعمائة ـ منهم في حروب اليمامة عقيب وفاته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وحسبك من كثرتهم أيضاً أنّه كان منهم سيّدة ، وهي أمُّ ورقة بنت عبدالله ابن الحارث ، وكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يزورها ويسمّيها الشهيدة ، وقد أمرها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن تؤمّ أهل دارها (١).

أمّا حفظ بعض السور فقد كان مشهوراً ورائجاً بين المسلمين ، وكلّ قطعةٍ كان يحفظها جماعة كبيرة أقلّهم بالغون حدّ التواتر ، وقلّ أن يخلو من ذلك رجلٌ أو أمرأةٌ منهم ، وقد اشتدّ اهتمامهم بالحفظ حتىٰ إنّ المسلمة قد تجعل مهرها تعليم سورة من القرآن أو أكثر.

٢ ـ لا يرتاب أحدٌ أنّه كان من حول الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كُتّاب يكتبون ما يملي عليهم من لسان الوحي ، وكان صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد رتّبهم لذلك ، روىٰ الحاكم بسندٍ صحيح عن زيد بن ثابت ، قال : « كنّا عند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نؤلّف القرآن من الرقاع » (٢).

وقد نصّ المؤرخون علىٰ أسماء كُتّاب الوحي ، وأنهاهم البعض إلىٰ اثنين وأربعين رجلاً ، وكان صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كلّما نزل شيءٌ من القرآن أمر بكتابته لساعته ، روىٰ البراء : أنّه عند نزول قوله تعالىٰ : ( لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ

______________________

(١) الاتقان ١ : ٢٥٠.

(٢) المستدرك ٢ : ٦١١.

٨٨

الْمُؤْمِنِينَ ) ( النساء ٤ : ٩٥ ) قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « ادعُ لي زيداً ، وقُل يجيء بالكتف والدواة واللّوح ، ثمّ قال : اكتب ( لَّا يَسْتَوِي ... ) » (١).

وكان صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يشرف بنفسه مباشرة علىٰ ما يُكْتَب ويراقبه ويصحّحه بمجرد نزول الوحي ، روي عن زيد بن ثابت قال : « كنتُ أكتب الوحي لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكان إذا نزل عليه الوحي أخَذَتْهُ برحاء شديدة... فكنت أدخل عليه بقطعة الكتف أو كسرة ، فأكتب وهو يُملي عليّ ، فإذا فرغت قال : اقرأه ، فأقرؤه ، فإن كان فيه سقط أقامه ، ثمّ أخرج إلىٰ الناس » (٢).

أمّا في مفرّقات الآيات فقد روي عن ابن عباس ، قال : « إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان إذا نزل عليه الشيء دعا من كان يكتب فيقول : ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا » (٣) وذلك منتهىٰ الدقّة والضبط والكمال.

٣ ـ روي في أحاديث صحيحة « أنّ جبرئيل كان يعارض رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم القرآن في شهر رمضان ، في كلِّ عامٍ مرّة ، وأنّه عارضه عام وفاته مرّتين » (٤) وكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يعرض ما في صدره علىٰ ما في صدور الحفظة الذين كانوا كثرة ، وكان أصحاب المصاحف منهم يعرضون القرآن

______________________

(١) كنز العمال ٢ : حديث ٤٣٤٠.

(٢) مجمع الزوائد ١ : ١٥٢.

(٣) المستدرك ٢ : ٢٢٢ ، الجامع الصحيح للترمذي ٥ : ٢٧٢ ، تاريخ اليعقوبي ٢ : ٤٣ ، البرهان للزركشي ١ : ٣٠٤ ، مسند أحمد ١ : ٥٧ و ٦٩ ، تفسير القرطبي ١ : ٦٠.

(٤) كنز العمال ١٢ : حديث ٣٤٢١٤ ، مجمع الزوائد ٩ : ٢٣ ، صحيح البخاري ٦ : ٣١٩.

٨٩

علىٰ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فعن الذهبي : « أنّ الذين عرضوا القرآن علىٰ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سبعة : عثمان بن عفان ، وعلي بن أبي طالب ، وعبدالله بن مسعود ، وأُبي ابن كعب ، وزيد بن ثابت ، وأبو موسى الأشعري ، وأبو الدرداء » (١).

وعن ابن قتيبة : « أنّ العرضة الأخيرة كانت علىٰ مصحف زيد بن ثابت » (٢) ، وفي رواية ابن عبدالبرّ عن أبي ظبيان : « أنّ العرضة الأخيرة كانت علىٰ مصحف عبدالله بن مسعود » (٣).

٤ ـ وفي عديد من الروايات أنّ الصحابة كانوا يختمون القرآن من أوله إلىٰ آخره ، وكان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد شرّع لهم أحكاماً في ذلك ، وكان يحثّهم علىٰ ختمه ، فقد روي عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال : « إنّ لصاحب القرآن عند كلِّ ختم دعوةً مستجابةٍ » (٤). وعنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : « من قرأ القرآن في سبعٍ فذلك عمل المقربين ، ومن قرأه في خمسٍ فذلك عمل الصدّيقين » (٥). وعنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : « من شهد فاتحة الكتاب حين يستفتح كان كمن شهد فتحاً في سبيل الله ، ومن شهد خاتمته حين يختمه كان كمن شهد الغنائم » (٦).

ومعنىٰ ذلك أنّ القرآن كان مجموعاً معروفاً أوّله من آخره علىٰ عهد

______________________

(١) البرهان للزركشي ١ : ٣٠٦.

(٢) المعارف : ٢٦٠.

(٣) الاستيعاب ٣ : ٩٩٢.

(٤) كنز العمال ١ : ٥١٣ حديث ٢٢٨٠.

(٥) كنز العمال ١ : ٥٣٨ حديث ٢٤١٧.

(٦) كنز العمال ١ : ٥٢٤ حديث ٢٤٣٠.

٩٠

رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فعن محمد بن كعب القرظي ، قال : « كان ممّن يختم القرآن ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حيّ : عثمان ، وعليّ ، وعبدالله بن مسعود » (١).

وقال الطبرسي : « إنّ جماعة من الصحابة مثل عبدالله بن مسعود وأُبي ابن كعب وغيرهما ختموا القرآن علىٰ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عدّة ختمات » (٢).

وروي عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم « أنّه قد أمر عبدالله بن عمرو بن العاص بأن يختم القرآن في كلِّ سبع ليالٍ ـ أو ثلاث ـ مرّة ، وقد كان يختمه في كل ليلة » (٣). وأمر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سعد بن المنذر أن يقرأ القرآن في ثلاث ، فكان يقرؤه كذلك حتىٰ تُوفّي (٤).

٥ ـ كان الصحابة يدوّنون القرآن في صحف وقراطيس ولا يكتفون بالحفظ والتلاوة ، فلعلك قرأت ما روي في إسلام عمر بن الخطّاب « أنّ رجلاً من قريش قال له : اختك قد صبأت ؛ أي خرجت عن دينك ، فرجع إلىٰ اخته ودخل عليها بيتها ، ولطمها لطمة شجّ بها وجهها ، فلمّا سكت عنه الغضب نظر فإذا صحيفةٌ في ناحية البيت ، فيها ( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * سَبَّحَ للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ... ) ( الحديد ٥٧ : ١ ) واطّلع علىٰ صحيفة أُخرىٰ فوجد فيها ( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * طه مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ ... ) ( طه ٢٠ : ١ ) فأسلم بعدما وجد نفسه

______________________

(١) الجامع لأحكام القرآن ١ : ٥٨.

(٢) مجمع البيان ١ : ٨٤.

(٣) سنن الدارمي ٢ : ٤٧١ ، سنن أبي داود ٢ : ٥٤ ، الجامع الصحيح للترمذي ٥ : ١٩٦ ،  مسند أحمد ٢ : ١٦٣.

(٤) مجمع الزوائد ٧ : ١٧١.

٩١

بين يدي كلامٍ معجزٍ ليس من قول البشر » (١) ، وهذا يدلّ علىٰ أنهم كانوا يكتبون بإملاء الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأن هذا المكتوب كان يتناقله الناس.

٦ ـ جمع القرآن طائفة من الصحابة علىٰ عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، هم أربعة علىٰ ما في رواية عبدالله بن عمرو ، وأنس بن مالك (٢) ، وقيل : خمسة كما في رواية محمد بن كعب القرظي (٣) ، وقيل : ستة كما في رواية الشعبي (٤) ، وكذا عدّهم ابن حبيب في ( المحبّر ) (٥) ، وأنهاهم ابن النديم في ( الفهرست ) إلىٰ سبعة (٦) ، وليس المراد من الجمع هنا الحفظ ، لأنّ حفّاظ القرآن علىٰ عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كانوا أكثر من أن تُحصىٰ أسماؤهم في أربعة أو سبعة ، كما تقدّم بيانه في الدليل الأول ، وفيما يلي قائمة بأسماء جُمّاع القرآن علىٰ عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهي حصيلةٌ من جميع الروايات الواردة بهذا الشأن ؛ وهم :

١ ـ أُبي بن كعب. ٢ ـ أبو أيوب الأنصاري. ٣ ـ تميم الداري. ٤ ـ أبو الدرداء. ٥ ـ أبو زيد ثابت بن زيد بن النعمان. ٦ ـ زيد بن ثابت. ٧ ـ سالم

______________________

(١) الموسوعة القرآنية ١ : ٣٥٢.

(٢) مناهل العرفان ١ : ٢٣٦ ، الجامع لأحكام القرآن ١ : ٥٦ ، أُسد الغابة ٤ : ٢١٦ ، الجامع الصحيح ٥ : ٦٦٦.

(٣) طبقات ابن سعد ٢ : قسم ٢ / ١١٣ ، فتح الباري ٩ : ٤٨ ، مناهل العرفان ١ : ٢٣٧ ، حياة الصحابة ٣ : ٢٢١.

(٤) طبقات ابن سعد ٢ : قسم ٢ / ١١٢ ، البرهان للزركشي ١ : ٣٠٥ ، الاصابة ٢ : ٥٠ ، مجمع الزوائد ٩ : ٣١٢.

(٥) المحبر : ٢٨٦.

(٦) الفهرست : ٤١.

٩٢

مولىٰ أبي حذيفة. ٨ ـ سعيد بن عبيد بن النعمان ، وفي الفهرست : سعد. ٩ ـ عبادة بن الصامت. ١٠ ـ عبدالله بن عمرو بن العاص. ١١ ـ عبدالله بن مسعود. ١٢ ـ عبيد بن معاوية بن زيد. ١٣ ـ عثمان بن عفان. ١٤ ـ عليّ بن أبي طالب. ١٥ ـ قيس بن السكن. ١٦ ـ قيس بن أبي صعصعة بن زيد الانصاري. ١٧ ـ مجمع بن جارية. ١٨ ـ معاذ بن جبل بن أوس. ١٩ ـ أُمّ ورقة بنت عبدالله بن الحارث ، وبعض هؤلاء كان لهم مصاحف مشهورة كعليّ عليه‌السلام وعبدالله بن مسعود.

٧ ـ إطلاق لفظ الكتاب علىٰ القرآن الكريم في كثيرٍ من آياته الكريمة ، ولا يصحّ إطلاق الكتاب عليه وهو في الصدور ، بل لا بدّ أن يكون مكتوباً مجموعاً ، وكذا ورد في الحديث عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « إنّي تاركٌ فيكم الثقلين : كتاب الله ، وعترتي » (١) ، وهو دليلٌ علىٰ أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد تركه مكتوباً في السطور علىٰ هيئة كتاب.

٨ ـ تفيد طائفة من الأحاديث أنّ المصاحف كانت موجودة علىٰ عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عند الصحابة ، بعضها تامّ وبعضها ناقص ، وكانوا يقرأونها ويتداولونها ، وقرر لها الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طائفةً من الأحكام ، منها :

عن أوس الثقفي ، قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « قراءة الرجل في غير المصحف ألف درجة ، وقراءته في المصحف تضاعف علىٰ ذلك ألفي درجة » (٢).

______________________

(١) صحيح مسلم ٤ : ١٨٧٣ ، سنن الترمذي ٥ : ٦٦٢ ، سنن الدارمي ٢ : ٤٣١ ، مسند أحمد ٤ : ٣٦٧ و ٣٧١ و ٥ : ١٨٢ ، المستدرك ٣ : ١٤٨.

(٢) مجمع الزوائد ٧ : ١٦٥ ، البرهان للزركشي ١ : ٥٤٥.

٩٣

وعن عائشة ، عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : « النظر في المصحف عبادة » (١).

وعن ابن مسعود ، عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : « أديموا النظر في المصحف » (٢).

وعن أبي سعيد الخدري ، عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « أعطوا أعينكم حظّها من العبادة ، قالوا : وما حظّها من العبادة ، يا رسول الله ؟ قال : النظر في المصحف ، والتفكّر فيه ، والاعتبار عند عجائبه » (٣).

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « أفضل عبادة أُمّتي تلاوة القرآن نظراً » (٤).

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « من قرأ القرآن نظراً مُتّع ببصره ما دام في الدنيا » (٥). وكلّ هذه الروايات تدلّ علىٰ أنّ إطلاق لفظ المصحف علىٰ الكتاب الكريم لم يكن متأخّراً إلىٰ زمان الخلفاء ، كما صرحت به بعض الروايات ، بل كان القرآن مجموعاً في مصحف منذ عهد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

ونزيد علىٰ ما تقدّم أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان لديه مصحف أيضاً ، ففي حديث عثمان بن أبي العاص حين جاء وفد ثقيف إلىٰ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال عثمان : « فدخلتُ علىٰ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فسألته مصحفاً كان عنده

______________________

(١) البرهان للزركشي ١ : ٥٤٦.

(٢) مجمع الزوائد ٧ : ١٧١.

(٣) كنز العمال ١ : حديث ٢٢٦٢.

(٤) كنز العمال ١ : حديث ٢٢٦٥ و ٢٣٥٨ و ٢٣٥٩.

(٥) كنز العمال ١ : حديث ٢٤٠٧.

٩٤

فأعطانيه » (١) ، بل وترك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مصحفاً في بيته خلف فراشه ـ لا حسبما صرحت به بعض الروايات ـ مكتوباً في العسب والحرير والأكتاف ، وقد أمر علياً عليه‌السلام بأخذه وجمعه ، قال الإمام عليّ عليه‌السلام : « آليت بيمينٍ أن لا أرتدي برداء إلّا إلىٰ الصلاة حتّىٰ أجمعه » (٢). فجمعه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكان مشتملاً علىٰ التنزيل والتأويل ، ومرتّباً وفق النزول علىٰ ما مضى بيانه.

وجميع ما تقدّم أدلّةٌ قاطعة وبراهين ساطعة علىٰ أنّ القرآن قد كتب كله علىٰ عهد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تدويناً في السطور علاوة علىٰ حفظه في الصدور ، وكان له أوّل وآخر ، وكان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يشرف بنفسه علىٰ وضع كلّ شيءٍ في المكان الذي ينبغي أن يكون فيه ، إذن فكيف يمكن ان يقال إنّ جمع القرآن قد تأخّر إلىٰ زمان خلافة أبي بكر ، وإنه احتاج إلىٰ شهادة شاهدين يشهدان أنّهما سمعاه من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟

______________________

(١) مجمع الزوائد ٩ : ٣٧١ ، حياة الصحابة ٣ : ٢٤٤.

(٢) كنز العمال ٢ : حديث ٤٧٩٢.

٩٥
٩٦

جمع القرآن في عهد أبي بكر وعمر

تتضارب الأخبار حول جمع القرآن في هذه المرحلة حتىٰ تكاد أن تكون متكاذبة ، وفيما يلي نورد بعضها لنبيّن مدىٰ تناقضها ومخالفتها للأدلة التي ذكرناها آنفاً :

١ ـ عن زيد بن ثابت ، قال : « أرسل إليِّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة ، فاذا عمر بن الخطاب عنده ، فقال أبو بكر : إنّ عمراً أتاني ، فقال : إنّ القتل استمرّ بقُرّاء القرآن ، وإنّي أخشىٰ أن يستمرّ القتل بالقُرّاء في المواطن ، فيذهب كثيرٌ من القرآن ، وإنّي أرىٰ أن تأمر بجمع القرآن ، فقلت لعمر : كيف تفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ قال عمر : هو والله خير. فلم يزل يراجعني حتّىٰ شرح الله صدري لذلك ، ورأيت في ذلك الذي رأىٰ عمر. قال زيد : قال أبو بكر : إنّك شابّ عاقل ، لا نتّهمك ، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فتتبّع القرآن فاجمعه ـ فو الله لو كلّفوني نقل جبلٍ من الجبال ما كان أثقل عليَّ ممّا أمرني به من جمع القرآن ـ قلت : كيف تفعلان شيئاً لم يفعله رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ قال : هو والله خير. فلم يزل أبو بكر يراجعني حتّىٰ شرح الله صدري للذي شرح به صدر أبي بكر وعمر. فتتبّعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال ، ووجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري ، لم أجدها مع غيره ( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ ... ) حتّىٰ خاتمة براءة ، فكانت الصحف عند أبي بكر حتّىٰ توفّاه الله ، ثمّ عند عمر حياته ، ثمّ عند حفصة بنت عمر » (١).

__________________

(١) صحيح البخاري ٦ : ٣١٤ / ٨.

٩٧

٢ ـ وعن زيد بن ثابت أيضاً ، قال : « قُبِضَ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم يكن القرآن جمع في شيء » (١).

٣ ـ ورُوي « أنّ أوّل من سمّىٰ المصحف مصحفاً حين جمعه ورتّبه أبو بكر ـ وفي رواية : سالم مولىٰ أبي حذيفة (٢) ـ وكان مفرّقاً في الاكتاف والرقاع. فقال لأصحابه : التمسوا له اسماً. فقال بعضهم : سمّوه إنجيلاً ، فكرهوه. وقال بعضهم : سمّوه السفر ، فكرهوه من يهود. فقال عبدالله بن مسعود : رأيتُ للحبشة كتاباً يدعونه المصحف ، فسمّوه به » (٣).

٤ ـ وعن محمد بن سيرين : « قُتِل عمر ولم يجمع القرآن » (٤).

٥ ـ وعن الحسن : « أنّ عمر بن الخطاب سأل عن آية من كتاب الله ، فقيل : كانت مع فلان ، فقُتِل يوم اليمامة ، فقال : إنّا لله ، وأمر بالقرآن فجمع ، فكان أوّل من جمعه في المصحف » (٥).

هذه طائفةٌ من الروايات الواردة بهذا الخصوص ، والملاحظ أنّ شبهة القول بالتحريف التي ذكرناها في أوّل بحث جمع القرآن مبتنيةٌ علىٰ فرض صحّة أمثال هذه الروايات الواردة في كيفية جمع القرآن ، والملاحظ أنّه

______________________

(١) الاتقان ١ : ٢٠٢.

(٢) الاتقان ١ : ٢٠٥.

(٣) مستدرك الحاكم ٣ : ٦٥٦ ، تهذيب تاريخ دمشق ٤ : ٦٩ ، محاضرات الادباء مجلد ٢ ج ٤ ص ٤٣٣ ، فتح الباري ٩ : ١٣ ، تاريخ الخلفاء : ٧٧ ، مآثر الانافة ١ : ٨٥ ، البرهان للزركشي ١ : ٢٨١ ، التمهيد في علوم القرآن ١ : ٢٤٦ ، المصاحف : ١١ ـ ١٤.

(٤) طبقات ابن سعد ٣ : ٢١١ ، تاريخ الخلفاء : ٤٤.

(٥) الاتقان ١ : ٢٠٤.

٩٨

لا يمكن الاعتماد علىٰ شيءٍ منها ، وقد اعترف محمد أبو زهرة بوجود رواياتٍ مدسوسةٍ فيها ، والقارىء لهذه الروايات وسواها يتلمّس نقاط ضعفها علىٰ الوجه التالي :

١ ـ اضطراب هذه الروايات وتناقضها ، فصريح بعضها أنّ جمع القرآن في مصحف كان في زمان أبي بكر ، والكاتب زيد ، وأنّ آخر براءة لم توجد إلّا مع خزيمة بن ثابت ، فقال أبو بكر : « اكتبوها ، فانّ رسول الله قد جعل شهادته بشهادة رجلين » (١) ، وظاهر بعض هذه الروايات أنّ الجمع كان في زمان عمر ، وأنّ الآتي بالآيتين خزيمة بن ثابت ، والشاهد معه عثمان ، وفي حديث آخر : « جاء رجلٌ من الأنصار وقال عمر : لا أسألك عليها بيّنة أبداً ، كذلك كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » (٢). وفي غيره : فقال زيد : من يشهد معك ؟ قال خزيمة : لا والله ما أدري. فقال عمر : أنا أشهد معه » (٣). وظاهر بعض هذه الروايات أيضاً أنّ الجمع تأخّر إلىٰ زمان عثمان بن عفان.

واضطربت الروايات في الذي تصدّىٰ لمهمّة جمع القرآن زمن أبي بكر ، ففي بعضها أنّه زيد بن ثابت ، وفي أُخرىٰ أنّه أبو بكر نفسه وإنّما طلب من زيد أن ينظر فيما جمعه من الكتب ، ويظهر من غيرها أنّ المتصدّي هو زيد وعمر ، وفي أُخرىٰ أن نافع بن ظريب هو الذي كتب المصاحف لعمر » (٤).

______________________

(١) الاتقان ١ : ٢٠٦.

(٢) كنز العمال ٢ : ح ٤٣٩٧.

(٣) كنز العمال ٢ : ح ٤٧٦٤.

(٤) أُنظر منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ٢ : ٤٣ ـ ٥٢ ، وأُسد الغابة : ترجمة نافع بن ظريب.

٩٩

٢ ـ لا تصحّ الرواية الثالثة ؛ لأنّ المصاحف واستحداث لفظها لم يكن في زمان أبي بكر ، بل هي موجودة منذ زمان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، واستخدمت هذه المفردة لهذا المعنىٰ ، وهو القرآن الذي بين الدفّتين ، منذ فجر الرسالة كما تقدّم بيانه ، وتقول هذه الرواية أنّ كلمة ( مصحف ) حبشيّة ، بل هي عربية أصيلة ، ولسان الحبشة لم يكن عربياً ، ثمّ إنّهم لماذا تحيّروا في تسمية كتاب الله وهو تعالىٰ سمّاه في محكم التنزيل قرآناً وفرقاناً وكتاباً.

٣ ـ الملاحظ أنّ هذه الروايات تؤكّد علىٰ أنّ جمع القرآن كان بعد وفاة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد تقدّم بطلان ذلك ؛ لأنّه كان مؤلّفاً مجموعاً علىٰ عهده صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقرأ بالمصاحف ويختم ، وكان له كُتّاب مخصوصون يتولون كتابته وتأليفه بحضرة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو يشرف علىٰ أعمالهم بنفسه ، وكان لدىٰ الصحابة مصاحف كثيرة شُرّعت فيها بعض السنن ، وكانوا يعرضون علىٰ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما عندهم باستمرار ، وكان كثير من الصحابة قد جمعوا القرآن في حياته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

٤ ـ هذه الروايات مخالفة لما أجمع عليه المسلمون قاطبةً من أنّ القرآن لا طريق لاثباته إلّا التواتر ، فانّها تقول إن إثبات بعض آيات القرآن حين الجمع كان منحصراً بشهادة شاهدين أو بشهادة رجلٍ واحدٍ ، ويلزم من هذا أن يثبت القرآن بخبر الواحد أيضاً ، وهي دعوىٰ خطيرةٌ لا ريب في بطلانها ، إذ القطع بتواتر القرآن سببٌ للقطع بكذب هذه الروايات أجمع وبوجوب طرحها وانكارها ؛ لأنّها تثبت القرآن بغير التواتر ، وقد ثبت بطلان ذلك باجماع المسلمين ، فهذه الروايات باطلة ما دامت تخالف ما هو ثابت بالضرورة.

١٠٠