🚖

سلامة القرآن من التحريف

علي موسى الكعبي

سلامة القرآن من التحريف

المؤلف:

علي موسى الكعبي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الرسالة
المطبعة: ستاره
الطبعة: ٢
ISBN: 964-8629-49-8
الصفحات: ١١١
🚖 نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

Description: F:Book-LibraryENDQUEUESalama-Quranimagesimage001.gif

١

٢

Description: F:Book-LibraryENDQUEUESalama-Quranimagesimage002.gif

٣

٤

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة المركز

الحمدُ لله ربِّ العالمين ، والصلاة والسلام علىٰ أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وآله الطاهرين.

القرآن الكريم كتاب الله المنزّل علىٰ رسوله النبي الأمين صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهو دستور الإسلام الخالد ( لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ) ، وقد أجمع المسلمون علىٰ أنّه المصدر الأوّل في التشريع الإسلامي ، والمرجع الأساس في استقاء الفكر والعقيدة والنظم والمفاهيم الإسلامية ؛ ولذلك كلّه حرصَ الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم علىٰ سلامة هذا القرآن وتبليغه كما أُنزل حرفاً بحرف وكلمة كلمة ، وكيف لا يحرص علىٰ ذلك ؟ وهو برهان نبوته ، ومعجزة الإسلام الخالدة ؟!

فالظروف التي أحاطت بنزول القرآن الكريم تقتضي سلامته من مزعومة التحريف ؛ لأنَّ الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يأمر بتدوين النص القرآني أوَّلاً بأوَّلٍ ، وقد اتخذ كُتّاباً يكتبون الوحي حين نزوله ، وكان صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يشرف بنفسه علىٰ وضع كلِّ آيةٍ في موضعها من السورة ، ولم يكتفِ بذلك ، بل كان يأمر باستظهار القرآن الكريم وتعلُّمِه لينضمَّ الاستظهار إلىٰ التدوين في حفظ القرآن الكريم وسلامته.

هذا زيادة علىٰ حرص المسلمين وعنايتهم البالغة وتفانيهم من أجل أن

٥

لا تمتد إلىٰ القرآن الكريم يد التغيير أو التبديل حتىٰ ولو بحرف واحد ؛ لأنّه دستورهم المقدس ، وكتاب ربهم تعالىٰ الذي خاطب فيه نبيهم الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقوله تعالىٰ : ( وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ).

وقد صرّح أهل البيت عليهم‌السلام ـ الَّذين هم عدل الكتاب كما نطق الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حديث الثقلين ـ بسلامة القرآن ، من الزيادة والنقصان ، وتابعهم علىٰ ذلك أئمة أعلام الشيعة ومحققو علماء أهل السُنّة ، وشذّ من شذّ لروايات لم تثبت ولم تصح سنداً ، وأمّا ما صحَّ منها فمؤول بوجه مقبول ، ومصروف عن ظاهره قطعاً ؛ لمخالفته الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة علىٰ سلامة القرآن من الزيادة والنقصان.

وهذا الكتاب يتضمّن ـ علىٰ صغر حجمه ـ بحثاً موضوعيّاً وتحقيقاً شاملاً عن المسألة ، ويثبت ( سلامة القرآن من التحريف والزيادة والنقصان ) بالأدلة والبراهين المتقنة عند الفريقين ويعالج أهم الشبهات المثارة معالجة دقيقة موضوعية.

فإليك ـ عزيزي القارئ ـ يقدّم مركزنا اصداره الثاني هذا ، خدمةً للقرآن العظيم وإيفاءً بالعهد في تقديم الزاد الفكري الرصين.

والله وليّ التوفيق.

مركز الرسالة

٦



المقدِّمة

( الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا * قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا ) ( الكهف ١٨ : ١ ـ ٢ ).

وأفضل الصلاة وأتمّ التسليم علىٰ رسوله الذي أرسله بالهُدىٰ ودين الحقّ ليُظهِرهُ علىٰ الدين كُلّه ولو كرِه المشركون ، وعلىٰ أهل بيته المنتجبين ، حَمَلة القُرآن وقُرنائه إلىٰ يوم الدين.

( كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ) ( هود ١١ : ١ ).

( لا يَأتِيهِ البَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيهِ وَلا مِن خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَميدٍ ) ( فصلت ٤١ : ٤٢ ).

( ذلِكَ الكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ) ( البقرة ٢ : ٢ ).

( نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمينَ ) ( النحل ١٦ : ١٠٢ ).

( ما كانَ حَدِيثاً يُفْترَى وَلكِن تَصْدِيِقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفصِيلَ كُلِّ شَيءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْم يُؤمِنُونَ ) ( يوسف١٢ : ١١١ ).

وبعد :

فإنّ القرآن الكريم الموجود بين أيدينا هو الكتاب الذي أنزله الله تعالىٰ علىٰ نبيّه محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للاعجاز والتحدّي ، وتعليم الأحكام ، وتمييز الحلال من الحرام ، وقد كان مجموعاً علىٰ عهد الوحي والنبوة علىٰ ما هو

٧

عليه الآن من عدد سوره وآياته ، وهو متواتر بجميع سوره وآياته وكلماته تواتراً قطعياً باتفاق كلمة مذاهب المسلمين وفرقهم.

وقد توهّم البعض وقوع التحريف في كتاب الله العزيز استناداً إلىٰ جملة من الأخبار الظاهرة في نقص القرآن ، وهي إمّا أخبار غير معتبرة سنداً ، أو إنّها أخبار آحاد لا تفيد علماً ولا عملاً ، أو إنّها مؤوّلة بنحوٍ من الاعتبار ، وإلّا فقد نصّ المحقون من علماء المسلمين علىٰ أن يُضْرَب بها الجِدار.

والكتاب الذي بين يديك تضمن بحثاً معمّقاً ومختصراً باعتماد الأدلة والبراهين المعتبرة عند أهل الإسلام لنفي التحريف بكافة أشكاله ومعانيه عن الكتاب الكريم ، وتأكيد سلامته من مزاعم أهل الأهواء باتفاق كلمة جميع المسلمين ، وهو يتضمن بعد المقدمة وبيان معنىٰ التحريف لغةً واصطلاحاً أربعة فصول وخاتمة :

الفصل الأول : أدلة نفي التحريف.

الفصل الثاني : أعلام الشيعة ينفون التحريف.

الفصل الثالث : أهل السُنّة ينفون التحريف.

الفصل الرابع : جمع القرآن.

الخاتمة : عرض لآراء خمسة من أعلام الشيعة والعامّة ، وكلّها تؤيد إجماع كلمة أهل الإسلام علىٰ نفي القول بوقوع التحريف في « الكتاب الكريم ».

ولله المنّة وهو المستعان

٨



معنىٰ التحريف

التحريف لغةً :

حرف الشيء : طرفه وجانبه ، وتحريفه : إمالته والعدول به عن موضعه إلىٰ طرفٍ أو جانب. قال تعالىٰ : ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ الله علىٰ حَرْفٍ ). ( الحج ٢٢ : ١١ ) قال الزمخشري : أي علىٰ طرفٍ من الدين لا في وسطه وقلبه ، وهذا مثلٌ لكونهم علىٰ قلقٍ واضطرابٍ في دينهم ، لا علىٰ سكونٍ وطمأنينة (١).

التحريف اصطلاحاً :

أمّا التحريف في الاِصطلاح فله معانٍ كثيرة :

منها : التحريف الترتيبي : أي نقل الآية من مكانها إلىٰ مكان آخر ، سواء كان هذا النقل بتوقيف أو باجتهاد ، فلا خلاف في وقوعه ، إذ كم من آية مكّية بين آيات مدنيّة ، وبالعكس.

ومنها : التحريف المعنوي : ويراد به حمل اللفظ علىٰ معانٍ بعيدة عنه لم ترتبط بظاهره ، مع مخالفتها للمشهور من تفسيره ، وهذا النوع واقع في القرآن ، وذلك عن طريق تأويله من غير علم ، وهو محرّم بالإجماع

______________________

(١) الكشاف ٣ : ١٤٦.

٩

لقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « من قال في القرآن بغير علم فليتبوّأ مقعده من النار » (١) ، وهو من التفسير بالرأي المنهي عنه ، قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « من فسَّر القرآن برأيه وأصاب الحق فقد أخطأ » (٢) ، وهذا المعنىٰ منحدر عن الأصل اللغوي لتحريف الكلام.

ومنها : التحريف اللفظي ، وهو علىٰ أقسام :

منها : التحريف بالزيادة والنقصان ، وهو علىٰ ثلاثة أنحاء :

أ ـ تحريف الحروف أو الحركات ، وهذا راجع إلىٰ القراءات القرآنية ، وهو باطل إلَّا في ألفاظ قليلة كقراءة قوله تعالىٰ : ( وَامْسَحُواْ بِرُؤُسِكُمْ وَأرْجُلَكُمْ ) (٣) بكسر لفظة الأرجل ونصبها ، وغيرها ممّا لم يخالف أُصول العربية وقراءة جمهور المسلمين ، وورد به أثر صحيح.

ب ـ تحريف الكلمات ، وهو إمَّا أن يكون في أصل المصحف ، وهو باطل بالإجماع ، وإمَّا أن تكون زيادة لغرض الإيضاح لما عساه يشكل في فهم المراد من اللفظ ، وهو جائز بالاتفاق.

ج ـ تحريف الآيات أو السور ، وهو باطل بالإجماع (٤).

١ ـ التحريف بالزيادة : بمعنىٰ أنّ بعض المصحف الذي بين أيدينا

______________________

(١) التبيان للطوسي ١ : ٢٤ ، الإتقان للسيوطي ٤ : ٢١٠.

(٢) التبيان للطوسي ١ : ٤.

(٣) المائدة ٥ : ٦.

(٤) توجد أنحاء أُخر من التحريف راجعة ـ بشكل أو بآخر ـ إلىٰ ما ذكرناه. أُنظر : البيان في تفسير القرآن للسيد الخوئي : ٢١٥.

١٠

ليس من الكلام المنزل ، والتحريف بهذا المعنىٰ باطلٌ باجماع المسلمين ، بل هو ممّا عُلِم بطلانه بالضرورة ، لأنّه يعني أنّ بعض مابين الدفّتين ليس من القرآن ، ممّا ينافي آيات التحدّي والاعجاز ، كقوله تعالىٰ : ( قُل لئنِ اجتَمَعَتِ الاِنسُ والجِنُّ علىٰ أن يأتُوا بمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يأتُونَ بِمِثْلِهِ وَلوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ) (١) ( ا‎لإسراء ١٧ : ٨٨ ).

٢ ـ التحريف بالنقص : بمعنىٰ أنّ بعض المصحف الذي بين أيدينا لا يشتمل علىٰ جميع القرآن الذي نزل من السماء ، بأنْ يكون قد ضاع بعض القرآن علىٰ الناس إمّا عمداً ، أو نسياناً ، وقد يكون هذا البعض كلمةً أو آية أو سورة ، والتحريف بهذا المعنىٰ هو موضوع البحث حيثُ ادّعىٰ البعض وقوعه في القرآن الكريم استناداً إلىٰ أحاديث هي بمجملها إمّا ضعيفة سنداً ، أو مؤولة بوجهٍ يُخْرِجها عن إفادة ذلك ، وإلّا فهي أحاديثٌ وأخبارٌ مدسوسةٌ وباطلةٌ ، قد أعرض عنها محققو المسلمين علىٰ مرّ العصور ، علىٰ ما سيأتي بيانه في ثنايا هذا البحث.

١١

١٢



أدلّة نفي التحريف

إنّ مصونية القرآن الكريم من التحريف بمعنىٰ النقيصة هي من الأُمور البديهية الثابتة علىٰ صفحات الواقع التاريخي ، والتي لا تحتاج إلىٰ مزيد استدلالٍ وتوضيحٍ وبيان ، حتىٰ إنّ بعض المنصفين من علماء وأساتذة غير المسلمين صرّحوا بعدم وقوع التحريف في القرآن الكريم ؛ فالاستاذ لوبلو يقول : « إنّ القرآن هو اليوم الكتاب الربّاني الوحيد الذي ليس فيه أي تغيير يذكر » (١).

ويقول السير وليام موير : « إنّ المصحف الذي جمعه عثمان قد تواتر انتقاله من يدٍ ليدٍ حتّىٰ وصل إلينا بدون تحريفٍ ، وقد حُفِظ بعنايةٍ شديدةٍ بحيث لم يطرأ عليه أي تغييرٍ يُذكَر ، بل نستطيع القول أنّه لم يطرأ عليه أيّ تغييرٍ علىٰ الاطلاق في النسخ التي لا حصر لها والمتداولة في البلاد الإسلامية الواسعة » (٢). وبمثل ذلك صرّح بلاشير أيضاً (٣).

وقد أستدلّ العُلماء المحقّقون علىٰ عدم وقوع التحريف في القرآن بجملة من الأدلّة الحاسمة ، هي من القوّة والمتانة بحيث يسقط معها ما دلّ علىٰ التحريف بظاهره عن الاعتبار ، لو كان معتبراً ، ومهما بلغ في الكثرة ،

______________________

(١) تاريخ القرآن للصغير : ٩٤ عن كتاب : المدخل إلىٰ القرآن لمحمد عبدالله دراز : ٣٩ ـ ٤٠.

(٢) تاريخ القرآن للصغير : ٩٣.

(٣) القرآن نزوله ، تدوينه ، ترجمته وتأثيره لبلاشير : ٣٧.

١٣

وتدفع كلّ ما أُلصق بجلال وكرامة القرآن الكريم من زعم التحريف وتُفنّد القول بذلك وتُبطِله حتّىٰ لو ذهب إليه الكثيرون فضلاً عن القلّة النادرة الشاذّة ، وفيما يلي نذكر أهمّها :

١ ـ حِفظ الله سبحانه للقرآن الكريم ، ولذا لم يتّفق لأمرٍ تاريخي من بداهة البقاء مثلما اتّفق للقرآن الكريم ، فهو الكتاب السماوي الوحيد الذي تعهّدت المشيئة الإلٰهية ببقائه مصوناً من تلاعب أهل الاهواء ومن التحريف وإلىٰ الأبد حيثُ قال تعالىٰ : ( إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكرَ وإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) ( الحجر١٥ : ٩ ).

فالمراد بالذكر ـ كما يقول المفسّرون ـ في هذه الآية : القرآن الكريم ، وصيانة القرآن من التحريف من أبرز مصاديق الحفظ المُصرّح به في هذه الآية ، ولولا أن تكفّل الله تعالىٰ بحفظ القرآن الكريم وصيانته عن الزيادة والنقصان لدُسّ فيه ما ليس منه ، كما دُسّ في الكتب المتقدّمة المنزلة من عند الله ، فلم يبقَ فيها سوىٰ مادخل عليها من ركيك الكلام وباطل القول ، ولكن الكتاب الكريم قد نفىٰ كلّ غريب ، وسلم من الشوائب والدخل ، فلم يبق إلّا كلام الربّ سليماً صافياً محفوظاً.

٢ ـ نفي الباطل بجميع أقسامه عن الكتاب الكريم بصريح قوله تعالىٰ : ( وَإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ * لا يأتِيهِ البَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) ( فصلت ٤١ : ٤١ ـ ٤٢ ).

والتحريف من أظهر مصاديق الباطل المذكور في الآية ، وعليه فالقرآن مصونٌ عن التحريف وعن أن تناله يد التغيير منذ نزوله وإلى يوم القيامة ، لأنّه تنزيلٌ من لدن حكيم حميد ، ويشهد لدخول التحريف في الباطل

١٤

الذي نفته الآية عن الكتاب ، أنّ الآية وصفت الكتاب بالعِزّة ، وعزّة الشيء تقتضي المحافظة عليه من التغيير والضياع والتلاعب ، ومن التصرف فيه بما يشينه ويحطّ من كرامته وإلىٰ الأبد.

٣ ـ قوله تعالىٰ : ( إنَّ عَلَينا جَمعَهُ وقُرآنَهُ * فإذا قَرَأناهُ فَاتَّبِعْ قُرآنَهُ * ثُمَّ إنَّ عَلَينا بَيَانَهُ ) ( القيامة ٧٥ : ١٧ ـ ١٩ ).

فعن ابن عباس وغيره : إنّ المعنىٰ : إنّ علينا جَمْعَهُ وقُرآنَهُ عليك حتّىٰ تحفظه ويمكنك تلاوته ، فلا تخف فوت شيءٍ منه (١).

٤ ـ حديث الثقلين ، حيث تواتر من طرق الفريقين أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : « إنّي تاركٌ فيكم الثقلين : كتابُ الله ، وعترتي أهل بيتي ، ما إنّ تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي » (٢).

وهذا يقتضي أن يكون القرآن الكريم مدوّناً في عهده صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بجميع آياته وسوره حتّىٰ يصحّ إطلاق اسم الكتاب عليه ، ويقتضي أيضاً بقاء القرآن كما كان عليه علىٰ عهده صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلىٰ يوم القيامة لتتمّ به ـ وبالعترة ـ الهداية الأبدية للأُمّة الإسلامية والبشرية جمعاء ماداموا متمسّكين بهما ، وإلّا فلا معنى للأمر باتّباع القرآن والرجوع إليه والتمسّك به ، إذا كان الآمر

______________________

(١) مجمع البيان ١٠ : ٦٠٠.

(٢) هذا الحديث متواتر مشهور ، رواه الحفّاظ والمحدّثون عن نحو ثلاثين صحابياً ، وللحافظ ابن القيسراني ( ٤٤٨ ـ ٥٠٧ ه‍ ) كتاب في طرق هذا الحديث ، وقد بحث السيد علي الميلاني هذا الحديث سنداً ودلالة في ثلاثة أجزاء من كتابه ( نفحات الازهار في خلاصة عبقات الأنوار في إمامة الأئمة الأطهار ) ، وأُنظر أهل البيت في المكتبة العربية رقم ٢٩٨ للسيد عبدالعزيز الطباطبائي رضي‌الله‌عنه.

١٥

يعلم بأنّ قرآنه سيُحرّف ويبدّل في يومٍ ما !

٥ ـ الأحاديث الآمرة بعرض الحديث علىٰ الكتاب ، ليُعرَف بذلك الصحيح منه فيُؤخذ به ، والسقيم فيُتْرَك ويُعْرَض عنه ، وهي كثيرة ، منها : حديث الإمام الصادق عليه‌السلام ، قال : « خطب النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بمنىٰ فقال : أيُّها الناس ، ما جاءكم عنّي يوافق كتاب الله فأنا قُلتُه ، وما جاءكم يخالف كتاب الله فلم أقُله » (١).

وعنه أيضاً بسندٍ صحيح ، قال عليه‌السلام : « إذا ورد عليكم حديثان مختلفان ، فأعرضوهما علىٰ كتاب الله ، فما وافق كتاب الله فخذوه ، وما خالف كتاب الله فردّوه » (٢).

وهذه القاعدة تتنافىٰ تماماً مع احتمال التحريف في كتاب الله ، لأنّ المعروض عليه يجب أن يكون مقطوعاً به ، لأنّه المقياس الفارق بين الحقّ والباطل ، فلا موضع للشكّ في نفس المقياس ، ولولا أنّ سور القرآن وآياته مصونة من التحريف ومحفوظة من النقصان منذ عصر الرسالة الأوّل وإلىٰ الأبد ، لما كانت هذه القاعدة ، ولا أمكن الركون إليها والوثوق بها.

قال المحقق الكركي المتوفّىٰ سنة ٩٤٠ ه‍ في رسالته التي أفردها لنفي النقيصة عن القرآن الكريم : « لا يجوز أن يكون المراد بالكتاب المعروض عليه غير هذا المتواتر الذي بأيدينا وأيدي الناس ، وإلّا لزم التكليف بما لا يطاق ، فقد وجب عرض الأخبار علىٰ هذا الكتاب ، وأخبار النقيصة إذا عُرِضت عليه كانت مخالفة له ، لدلالتها علىٰ أنّه ليس هو ، وأيّ تكذيب

______________________

(١) الكافي ١ : ٦٩ / ٥.

(٢) الوسائل ٢٧ : ١١٨ / ٦٢ ، ٣٣٣ تحقيق مؤسسة آل البيت عليهم‌السلام.

١٦

يكون أشدّ من هذا » (١) !.

٦ ـ إنّ ثبوت قرآنية كلّ سور القرآن وآياته ، لا يتمّ إلّا بالتواتر القطعي منذ عهد الرسالة وإلىٰ اليوم ، ممّا يقطع احتمال التحريف نهائياً ، لأنّ ما قيل بسقوطه من القرآن نقل إلينا بخبر الواحد ، وهو غير حجةٍ في ثبوت قرآنيته ، حتّىٰ مع فرض صحّة إسناده.

قال الحرّ العاملي المتوفّى سنة ١١٠٤ ه‍ : « إنّ من تتبّع أحاديث أهل البيت عليهم‌السلام  ، وتصفّح التأريخ والآثار ، عَلِم علماً يقينياً أنّ القرآن قد بلغ أعلىٰ درجات التواتر ، فقد حِفِظه الأُلوف من الصحابة ونقله الأُلوف ، وكان منذ عهده صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مجموعاً مؤلّفاً » (٢).

وقال الشيخ محمد جواد البلاغي المتوفّىٰ سنة ١٣٥٢ ه‍ : « ومن أجل تواتر القرآن الكريم بين عامّة المسلمين جيلاً بعد جيل ، استمرّت مادته وصورته وقراءته المتداولة علىٰ نحوٍ واحد » (٣).

٧ ـ إجماع العلماء علىٰ عدم التحريف إلّا من لا اعتداد به ، كما صرّح بذلك المحقّق الكلباسي المتوفى سنة ١٢٦٢ ه‍ بقوله : « أنّ الروايات الدالّة علىٰ التحريف مخالفةٌ لاجماع الأُمّة إلّا من لا اعتداد به » (٤).

وقال الشيخ جعفر كاشف الغطاء ، المتوفّىٰ سنة ١٢٢٨ ه‍ في ( كشف

______________________

(١) أورده السيد محسن البغدادي في ( شرح الوافية ) عن المحقق الكركي ، أُنظر البرهان ، للميرزا مهدي البروجردي : ١١٦ ـ ١١٧.

(٢) الفصول المهمّة في تأليف الأُمّة : ١٦٦.

(٣) الفصول المهمة ـ للسيد شرف الدين : ١٦٦.

(٤) آلاء الرحمن ١ : ٢٩ ، المقدمة.

(٥) البيان في تفسير القرآن : ٢٣٤.

١٧

الغطاء ) : « جميع ما بين الدفّتين ممّا يُتلىٰ كلام الله تعالىٰ ، بالضرورة من المذهب ، بل الدين واجماع المسلمين ، وأخبار النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والأئمة الطاهرين عليهم‌السلام ، وإن خالف بعض من لايُعتدّ به » (١).

٨ ـ إنّ التحريف ينافي كون القرآن المعجزة الكبرىٰ الباقية أبد الدهر.

قال العلاّمة الحلّي المتوفّى سنة ٧٢٦ ه‍ : « إنّ القول بالتحريف يوجب التطرّق إلىٰ معجزة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المنقولة بالتواتر » (٢). وذلك لفوات المعنىٰ بالتحريف ، ولأنّ مدار الإعجاز هو الفصاحة والبلاغة الدائرتان مدار المعنىٰ ، وبالنتيجة لا إعجاز حينما يوجد التحريف فاحتمال الزيادة أو التبديل باطل ، لأنّه يستدعي أن يكون باستطاعة البشر إتيان ما يماثل القرآن ، وهو مناقض لقوله تعالىٰ : ( وَإن كُنْتُم في رَيْبٍ ممّا نَزَّلنا علىٰ عَبْدِنا فأتُوا بسورَةٍ من مِثْلِهِ ) ( البقرة ٢ : ٢٣ ) ولغيرها من آيات التحدي. وكذلك احتمال النقص بإسقاط كلمة أو كلمات ضمن جملةٍ واحدةٍ منتظمةٍ في أُسلوب بلاغي بديع ، فإنّ حذف كلمات منها سوف يؤدّي إلىٰ إخلال في نظمها ، ويذهب بروعتها الأُولىٰ ، ولايَدَع مجالاً للتحدّي بها.

٩ ـ ثبوت كون القرآن الكريم مجموعاً علىٰ عهد الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، كما يدلّ علىٰ ذلك كثيرٌ من الاخبار في كتب الفريقين ، حيث كان صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يأمر أصحابه بقراءة القرآن وتدبّره وحفظه ، وعرض مايُروىٰ عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليه ، كما أنّ جماعة من الصحابة ختموا القرآن علىٰ عهده وتلوه وحفظوه ، وأنّ جبرئيل عليه‌السلام كان يعارضه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالقرآن كلّ عامٍ

______________________

(١) كشف الغطاء : ٢٩٨.

(٢) أجوبة المسائل المهناوية : ١٢١.

١٨

مرة ، وقد عارضه به عام وفاته مرتين ، وهذا الدليل يُسقِط جميع مزاعم القائلين بالتحريف والتغيير ، وما تذرّعوا به من أنّ كيفية جمع القرآن ومراحل ذلك الجمع ، تستلزم في العادة وقوع هذا التحريف والتغيير فيه ؛ وسنأتي علىٰ تفصيل ذلك في موضوع جمع القرآن باذن الله تعالىٰ.

١٠ ـ اهتمام النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والمسلمين بالقرآن ، فقد كان حريصاً علىٰ نشر سور القرآن بين المسلمين بمجرد نزولها ، مؤكّداً عليهم حفظها ودراستها وتعلّمها ، مبيّناً فضل ذلك وثوابه وفوائده في الدنيا والآخرة ، وقد بذل المسلمون عناية فائقة واهتماماً متواصلاً بكلام الله المجيد بشكل لم يسبق له مثيل في الكتب السماوية السابقة ، فكان كلّما نزل شيءٌ من القرآن هَفَت إليه القلوب ، وانشرحت له الصدور ، وهَبَّ المسلمون إلىٰ حفظه وتلاوته ، بما امتازوا به من قُوّة حافظة فطرية ، لأنّ شعار الإسلام وسمة المسلم حينئذٍ هو التجمّل والتكمّل بحفظ القرآن الكريم ، معجزة النبوّة الخالدة ، ومرجع الأحكام الشرعية ، واستمروّا علىٰ ذلك حتّىٰ صاروا منذ صدر الإسلام يُعَدّون بالأُلوف وعشراتها ومئاتها ، وكلّهم من حَمَلة القرآن وحُفّاظه وكُتّابه ، فكيف يُتَصوّر سقوط شيءٍ منه والحال هذه ؟!

١١ ـ دقّة وتحرّي المسلمين لأي طارىءٍ جديدٍ في القران ، حيثُ إنّ العناية قد اشتدّت ، والدواعي قد توفّرت لحفظ القرآن وحراسته حتّىٰ في حروفه وحركاته ، ويكفي أن نذكر أنّ عثمان حينما كتب المصاحف ، أراد حذف حرف الواو من ( والَّذِينَ ) في قوله تعالىٰ ( وَالَّذِينَ يَكنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ ولا يُنفِقُونَها في سَبِيلِ اللهِ ... ) ( التوبة ٩ : ٣٤ ). فقال أُبيّ : لتلحقنّها أو

١٩

لأضعنّ سيفي علىٰ عاتقي ؛ فألحقوها (١).

وروي أيضاً أنّ عمر بن الخطّاب قرأ ( والسَّابقُونَ الاولُونَ مِن المُهاجِرينَ وَالأنْصَار الَّذِينَ اتَّبَعُوهُم باحْسَانٍ ) ( التوبة ٩ : ١٠٠ ) فرفع ( الانصار ) ولم يلحق الواو في ( الذين ) فقال له زيد بن ثابت : ( وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم باحْسَانٍ ) ! فقال عمر : ( الَّذِينَ اتَّبَعُوهُم باحْسَانٍ ). فقال زيد : أمير المؤمنين أعلم. فقال عمر : ائتوني بأُبيّ بن كعب ، فأتاه فسأله عن ذلك ، فقال أُبيّ : ( وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهم باحْسَانٍ ) فقال عمر : فنعم ، إذن نتابع أُبيّاً (٢). فإذا كان الخليفة لا يستطيع أن يحذف حرفاً ، فهل يجرؤ غيره علىٰ التصرّف بزيادةٍ أو حذفِ آياتٍ أو سورٍ من القرآن وتحريفها ؟!

١٢ ـ ويمنع من دعوىٰ التحريف ، الواقع التاريخي أيضاً ، فانه إن كان التحريف في زمان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فهو غير معقول بعد أن كان يشرف بنفسه علىٰ كتابته وحفظه وتعليمه ، ويُعْرَض عليه مرات عديدة.

وإنّ كان بعد زمانه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعلىٰ يد السلطة الحاكمة ، أو علىٰ يد غيرها ، فلم يكن يسع أمير المؤمنين عليه‌السلام والخيرة من صحابة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم السكوت علىٰ هذا الأمر الخطير الذي يمسّ أساس الإسلام ، ويأتي علىٰ بنيانه من القواعد ، ولو كان ذلك لاحتجّ به الممتنعون عن بيعة أبي بكر وعمر والمعترضون عليهما في أمر الخلافة ، كسعد بن عبادة وأصحابه ، ولكان علىٰ أمير المؤمنين عليه‌السلام وسائر الصحابة أن يُظْهِروا القرآن الحقيقي ، ويبيّنوا مواضع التحريف في هذا الموجود وإن حدث ما حدث ، لكنّنا لم

______________________

(١) الدرّ المنثور ٤ : ١٧٩.

(٢) تفسير الطبري ١١ : ٧ ، الدر المنثور ٤ : ٢٦٨.

٢٠