🚘

الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ١١

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي

الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ١١

المؤلف:

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي


المحقق: مركز الغدير للدّراسات الإسلاميّة
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
المطبعة: فروردين
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٣١
🚘 نسخة غير مصححة

كان ممّن لا يخاف وهنه ولا سقطته ، ولا بطؤه عمّا الإسراع إليه أحزم ، ولا إسراعه إلى ما البطء عنه أمثل ، كان يجمع بين اللين والعنف ، فيسطو في موضع السطوة ، ويرفق في موضع الرفق ، كان فارساً شديد البأس شجاعاً رئيساً حليماً جواداً فصيحاً شاعراً (١).

كتب عليٌّ عليه‌السلام إلى مالك وهو يومئذٍ بنصيبين : «أمّا بعدُ : فإنّك ممّن استظهرتُه على إقامة الدين ، وأقمعُ به نخوة الأثيم ، وأشدُّ الثغر المخوف ، وكنت ولّيت محمد بن أبي بكر مصر فخرجت عليه بها خوارج وهو غلامٌ حدَث ليس بذي تجربة للحرب ولا بمجرِّب للأشياء ، فأقدم عليَّ لننظر في ذلك فيما ينبغي ، واستخلف على عملك أهل الثقة والنصيحة من أصحابك. والسلام».

فأقبل مالك إلى عليّ حتى دخل عليه فحدّثه حديث أهل مصر وخبّره خبر أهلها و

قال : «ليس لها غيرك ، اخرج رحمك الله ، فإنّي لم أوصك ، اكتفيت برأيك ، واستعن بالله على ما أهمّك ، فاخلط الشدّة باللين ، وارفق ما كان الرفق أبلغ ، واعتزم بالشدّة حين لا يغني عنك إلاّ الشدّة». فخرج الأشتر من عند عليّ فأتى رحله فتهيّأ للخروج إلى مصر وأتت معاوية عيونه فأخبروه بولاية عليّ الأشتر ، فعظم ذلك عليه وقد كان طمع في مصر فعلم أنَّ الأشتر إن قدمها كان أشدّ عليه من محمد بن أبي بكر ، فبعث معاوية إلى المقدّم على أهل الخراج بالقلزم وقال له : إنَّ الأشتر قد ولّي مصر فإن كفيتنيه لم آخذ منك خراجاً ما بقيتُ وبقيتَ فاحتل له بما قدرت عليه. فخرج الرجل حتى أتى القلزم وأقام به ، وخرج الأشتر من العراق إلى مصر ، فلمّا انتهى إلى القلزم استقبله ذلك الرجل فعرض عليه النزول ، فقال : هذا منزلٌ وهذا طعامٌ وعلفٌ وأنا رجلٌ من أهل الخراج. فنزل عنده فأتاه بطعام ، فلمّا أكل أتاه بشربة من عسل قد جعل فيها سماً فسقاه إيّاها ، فلمّا شربها مات ، وأقبل معاوية يقول لأهل

__________________

(١) راجع في بيان هذه الجمل كلّها إلى ما أسلفناه في الجزء التاسع : ص ٣٨ ـ ٤١. (المؤلف)

٨١

الشام : إنَّ عليّا وجّه الأشتر إلى مصر فادعوا الله أن يكفيكموه. فكانوا كلَّ يوم يدعون الله على الأشتر ، وأقبل الذي سقاه إلى معاوية فأخبره بمهلك الأشتر ، فقام معاوية خطيباً فحمد الله وأثنى عليه وقال : أمّا بعد : فإنّه كانت لعليّ يمينان قطعت إحداهما يوم صفّين يعني عمّار بن ياسر ، وقطعت الأخرى اليوم. يعني الأشتر (١).

وفي لفظ ابن قتيبة في العيون (١ / ٢٠١) : فقال معاوية لمّا بلغه الخبر : يا بردَها على الكبد! إنَّ لله جنوداً منها العسل. وقال عليٌّ : لليدين وللفم (٢).

وفي لفظ المسعودي في المروج (٣) (٢ / ٣٩) : ولّى عليٌّ الأشتر مصر وأنفذه إليها في جيش ، فلمّا بلغ ذلك معاوية دسَّ إلى دهقان وكان بالعريش (٤) فأرغبه وقال : أترك خراجك عشرين سنة فاحتل للأشتر بالسمِّ في طعامه. فلمّا نزل الأشتر العريش سأل الدهقان : أيّ الطعام والشراب أحبّ إليه؟ قيل : العسل. فأهدى له عسلاً وقال : إنَّ من أمره وشأنه كذا وكذا ، ووصفه للأشتر وكان الأشتر صائماً فتناول منه شربة فما استقرّت في جوفه حتى تلف ، وأتى من كان معه على الدهقان ومن كان معه. وقيل : كان ذلك بالقلزم والأوّل أثبت. فبلغ ذلك علياً فقال : لليدين وللفم. وبلغ ذلك معاوية فقال : إنَّ لله جنداً من العسل.

قال الأميني : هاهنا تجد معاوية كيف لا يتحوّب من ذلك الحوب الكبير قتل العبد الصالح الممدوح بلسان رسول الله وخليفته مولانا أمير المؤمنين عليه‌السلام (٥). وأنّه

__________________

(١) تاريخ الطبري : ٦ / ٥٤ [٥ / ٩٦ حوادث سنة ٣٨ ه‍] ، كامل ابن الأثير : ٣ / ١٥٢ [٢ / ٤١٠ حوادث سنة ٣٨ ه‍]. (المؤلف)

(٢) كذا في المصدر وليس بصحيح ، فهذه كلمة تقال للرجل إذا دُعي عليه بسوء ، ولا يصحّ صدورها من أمير المؤمنين بحقّ من كان منه بمنزلته هو عليه‌السلام من رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم.

(٣) مروج الذهب : ٢ / ٤٢٩.

(٤) هي مدينة كانت أول عمل مصر من ناحية الشام على ساحل بحر الروم. (المؤلف)

(٥) راجع ما أسلفناه في الجزء التاسع : ص ٣٨ ـ ٤١. (المؤلف)

٨٢

وأهل الشام فرحوا فرحاً شديداً ، بموت ذلك البطل المجاهد (١) لمحض أنّه كان يناصر إمام وقته المنصوص عليه والمجمع على خلافته ، ولا غرو فإنّه كان يسرّ ابن هند كلّ ما ساء ملّة الحقّ وأئمّة الهدى وأولياء الصلاح ، وما كان يسعه أن يأتي بطامّة أكبر من هذه لو لم يكن في الإسلام للنفوس القادسة أيّ حرمة ، وللأئمّة عليهم‌السلام ومناصريهم أيّ مكانة ، حتى لو كان معاوية مستمرّا على ما دأب عليه إلى أُخريات عهد النبوّة من الكفر المخزي فلم يحدُهُ الفَرَق من بارقة الإسلام إلى الاستسلام ، فما جاء زبانيته الكفرة يومئذٍ بأفظع من هذه وأمثالها يوم قتلوا خيار أصحاب محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمناصرتهم إيّاه ، وحبّهم ذوي قرباه ، ودفاعهم عن ناموس أهل بيته الأكرمين.

محمد بن أبي بكر :

ومن ضحايا ملك معاوية العضوض ، وذبائح حكومته الغاشمة ، وليد حرم أمن الله ، وربيب بيت العصمة والقداسة : محمد بن أبي بكر.

بعث معاوية عمرو بن العاص إلى مصر في ستّة آلاف رجل ، ومحمد بن أبي بكر عامل أمير المؤمنين عليها ، فخرج عمرو وسار حتى نزل أداني أرض مصر فاجتمعت العثمانيّة إليه فأقام بهم وكتب إلى محمد بن أبي بكر :

أمّا بعد : فتنحَّ عنّي بدمك يا ابن أبي بكر فإنّي لا أُحبّ أن يصيبك منّي ظفرٌ ، إنَّ الناس بهذه البلاد قد اجتمعوا على خلافك ورفض أمرك ، وندموا على اتّباعك ، فهم مسلموك لو قد التقت حلقتا البطان ، فاخرج منها فإنّي لك من الناصحين. والسلام.

وبعث إليه عمرو بكتاب كتبه معاوية إليه أيضاً وفيه :

__________________

(١) تاريخ ابن كثير : ٧ / ٣١٢ [٧ / ٣٤٧ حوادث سنة ٣٨ ه‍]. (المؤلف)

٨٣

أمّا بعد : فإنَّ غبَّ البغي والظلم عظيم الوبال ، وإنّ سفك الدم الحرام لا يسلم صاحبه من النقمة في الدنيا ومن التبعة الموبقة في الآخرة ، وإنّا لا نعلم أحداً كان أعظم على عثمان بغياً ، ولا أسوأ له عيباً ، ولا أشدّ عليه خلافاً منك ، سعيت عليه في الساعين ، وسفكت دمه في السافكين ، ثم أنت تظنّ أنّي عنك نائمٌ أو ناسٍ لك ، حتى تأتي فتأمّر على بلاد أنت فيها جاري ، وجُلُّ أهلها أنصاري ، يرون رأيي ، ويرقبون قولي ، ويستصرخوني عليك ، وقد بعثت إليك قوماً حناقاً عليك يستسقون دمك ، ويتقرّبون إلى الله بجهادك ، وقد أعطوا الله عهداً ليمثّلُنَّ بك ، ولو لم يكن منهم إليك ما عدا قتلك ما حذّرتك ولا أنذرتك ، ولأحببت أن يقتلوك بظلمك وقطيعتك وعدوك على عثمان يوم يُطعن بمشاقصك بين خُششائه (١) وأوداجه ، ولكن أكره أن أُمثّل بقرشيّ ، ولن يُسلّمك الله من القصاص أبداً أينما كنت. والسلام.

فطوى محمد كتابيهما وبعث بهما إلى عليّ ، وكتب إلى معاوية جواب كتابه :

أمّا بعد : فقد أتاني كتابك تُذكّرني من أمر عثمان أمراً لا أعتذر إليك منه ، وتأمرني بالتنحِّي عنك كأنّك لي ناصحٌ وتُخوّفني المثلة كأنّك شفيقٌ ، وأنا أرجو أن تكون لي الدائرة عليكم فأجتاحكم في الوقيعة ، وإن تؤتوا النصر ويكن لكم الأمر في الدنيا فكم لعمري من ظالم قد نصرتم ، ومن مؤمن قد قتلتم ومثّلتم به! وإلى الله مصيركم ومصيرهم ، وإلى الله مردُّ الأمور وهو أرحم الراحمين ، والله المستعان على ما تصفون. والسلام.

وكتب إلى عمرو بن العاص :

أمّا بعد : فقد فهمتُ ما ذكرتَ في كتابك يا ابن العاص ، زعمت أنّك تكره أن يُصيبني منك ظفرٌ وأشهد أنّك من المبطلين ، وتزعم أنّك لي نصيح وأُقسم إنّك عندي

__________________

(١) الخُشَشاء : العظم الدقيق العاري من الشعر الناتئ خلف الأُذن.

٨٤

ظنين ، وتزعم أنّ أهل البلد قد رفضوا رأيي وأمري وندموا على اتّباعي فأولئك لك وللشيطان الرجيم أولياء ، فحسبنا الله ربُّ العالمين ، وتوكّلنا على الله ربِّ العرش العظيم. والسلام.

فأقبل عمرو بن العاص حتى قصد مصر ، فقام محمد بن أبي بكر في الناس فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على رسوله ثم قال :

أمّا بعد : معاشر المسلمين والمؤمنين! فإنَّ القوم الذين كانوا ينتهكون الحرمة ، وينعشون الضلالة ، ويُشبّون نار الفتنة ، ويتسلّطون بالجبريّة قد نصبوا لكم العداوة وساروا إليكم بالجنود ، عباد الله! فمن أراد الجنّة والمغفرة فليخرج إلى هؤلاء القوم فليجاهدهم في الله ، انتدبوا إلى هؤلاء رحمكم الله مع كنانة بن بشر.

فانتدب مع كنانة نحو من ألفي رجل وخرج محمد في ألفي رجل ، واستقبل عمرو بن العاص كنانة وهو على مقدّمة محمد ، فأقبل عمرو نحو كنانة ، فلمّا دنا من كنانة شرح الكتائب كتيبةً بعد كتيبة ، فجعل كنانة لا تأتيه كتيبةٌ من كتائب أهل الشام إلاّ شدَّ عليها بمن معه فيضربها حتى يقرِّبها بعمرو بن العاص ، ففعل ذلك مراراً فلمّا رأى ذلك عمرو بعث إلى معاوية بن حُديج السكوني فأتاه في مثل الدَّهم (١) فأحاط بكنانة وأصحابه ، واجتمع أهل الشام عليهم من كلِّ جانب ، فلمّا رأى ذلك كنانة بن بشر نزل عن فرسه ونزل أصحابه وكنانة يقول : وما كان لنفس أن تموت إلاّ بإذن الله كتاباً مؤجَّلاً ومن يُرد ثواب الدنيا نُؤته منها ، ومَن يرد ثواب الآخرة نُؤته منها ، وسنجزي الشاكرين. فضاربهم بسيفه حتى استشهد رحمه‌الله.

وأقبل عمرو بن العاص نحو محمد بن أبي بكر وقد تفرّق عنه أصحابه لمّا بلغهم قتل كنانة حتى بقي وما معه أحدٌ من أصحابه ، فلمّا رأى ذلك محمد خرج يمشي في

__________________

(١) الدّهم : العدد الكثير. وجيش دهم ، أي : كثير. (المؤلف)

٨٥

الطريق حتى انتهى إلى خربة في ناحية الطريق فأوى إليها ، وجاء عمرو بن العاص حتى دخل الفُسطاط ، وخرج معاوية بن حُديج في طلب محمد حتى انتهى إلى علوج في قارعة الطريق فسألهم هل مرَّ بكم أحد تنكرونه؟ فقال أحدهم : لا والله إلاّ أنّي دخلت تلك الخربة فإذا أنا برجل فيها جالسٌ. فقال ابن حديج : هو هو وربِّ الكعبة.

فانطلقوا يركضون حتى دخلوا عليه فاستخرجوه وقد كاد يموت عطشاً فأقبلوا به نحو فسطاط مصر ، ووثب أخوه عبد الرحمن بن أبي بكر إلى عمرو بن العاص وكان في جنده فقال : أتقتل أخي صبراً؟ ابعث إلى معاوية بن حديج فانهه. فبعث إليه عمرو بن العاص يأمره أن يأتيه بمحمد بن أبي بكر ، فقال معاوية : أكذاك قتلتم كنانة ابن بشر وأُخلّي أنا عن محمد بن أبي بكر؟ هيهات أكفّاركم خيرٌ من أُولئكم أم لكم براءةٌ في الزُّبر؟!

فقال لهم محمد : اسقوني من الماء. قال له معاوية بن حديج : لا سقاه الله إن سقاك قطرةً أبداً ، إنّكم منعتم عثمان أن يشرب الماء حتى قتلتموه صائماً محرماً فتلقّاه الله بالرحيق المختوم ، والله لأقتلنّك يا ابن أبي بكر فيسقيك الله الحميم والغسّاق.

قال له محمد : يا ابن اليهوديّة النسّاجة ليس ذلك إليك وإلى من ذكرت إنّما ذلك إلى الله عزَّ وجلَّ يسقي أولياءه ويظمئ أعداءه أنت وضرباؤك ومن تولاّه ، أما والله لو كان سيفي في يدي ما بلغتم منّي هذا. قال له معاوية : أتدري ما أصنع بك؟ أدخلك في جوف حمار ثم أحرقه عليك بالنار. فقال له محمد : إن فعلتم بي ذلك فطالما فُعل ذلك بأولياء الله ، وإنّي لأرجو هذه النار التي تُحرقني بها أن يجعلها الله عليَّ برداً وسلاماً كما جعلها على خليله إبراهيم ، وأن يجعلها عليك وعلى أوليائك كما جعلها على نمرود وأوليائه ، إنَّ الله يُحرقك ومن ذكرته قبلُ وإمامك ـ يعني معاوية ـ وهذا ـ وأشار إلى عمرو بن العاص ـ بنار تلظّى عليكم كلّما خبت زادها الله سعيراً.

٨٦

قال له معاوية : إنّي إنَّما أقتلك بعثمان. قال له محمد : وما أنت وعثمان؟ إنَّ عثمان عمل بالجور ونبذ حكم القرآن ، وقد قال الله تعالى : (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ) (١). فنقمنا ذلك عليه فقتلناه وحسّنت أنت له ذلك ونظراؤك ، فقد برّأنا الله إن شاء الله من ذنبه وأنت شريكه في إثمه وعظم ذنبه وجاعلك على مثاله. قال : فغضب معاوية فقدّمه فقتله ثم ألقاه في جيفة حمار ثم أحرقه بالنار. فلمّا بلغ ذلك عائشة جزعت عليه جزعاً شديداً وقنتت عليه في دبر الصلاة تدعو على معاوية وعمرو (٢).

وفي النجوم الزاهرة (١ / ١١٠) وقيل : إنّه قطع رأسه وأرسله إلى معاوية بن أبي سفيان بدمشق وطيف به وهو أوّل رأس طيف به في الإسلام.

صورة أخرى :

وجّه معاوية عمرو بن العاص في سنة ثمان وثلاثين إلى مصر في أربعة آلاف ، ومعاوية بن حديج ، وأبو الأعور السَّلمي ، واستعمل عمراً عليها حياته فالتقوا هم ومحمد بن أبي بكر وكان عامل عليّ عليها ، بالموضع المعروف بالمسنّاة فاقتتلوا حتى قُتل كنانة بن بشر ، وهرب عند ذلك محمد لإسلام أصحابه إيّاه وتركهم له ، فاختبأ عند رجل يُقال له : جبلة بن مسروق ، فدُلَّ عليه ، فجاء معاوية بن حُديج وأصحابه فأحاطوا به ، فخرج إليهم محمد بن أبي بكر فقاتل حتى قتل ، فأخذه معاوية بن حُديج وعمرو بن العاص فجعلوه في جلد حمار وأضرموه بالنار ، وذلك بموضع في مصر يقال له : كوم شريك. وقيل : إنّه فُعل به ذلك وبه شيءٌ من الحياة ، وبلغ معاوية

__________________

(١) المائدة : ٤٧.

(٢) تاريخ الطبري : ٦ / ٥٨ ـ ٦١ [٥ / ١٠١ ـ ١٠٥ حوادث سنة ٣٨ ه‍] ، الكامل لابن الأثير : ٣ / ١٥٤ [٢ / ٤١٣ حوادث سنة ٣٨ ه‍] ، تاريخ ابن كثير : ٧ / ٣١٣ ، ٣١٤ [٧ / ٣٤٨ ـ ٣٤٩ حوادث سنة ٣٨ ه‍] ، النجوم الزاهرة : ١ / ١١٠ ـ ١١١. (المؤلف)

٨٧

قتل محمد وأصحابه فأظهر الفرح والسرور. وبلغ عليّا قتل محمد وسرور معاوية فقال : جزعنا عليه على قدر سرورهم ، فما جزعتُ على هالك منذ دخلت هذه الحرب جزعي عليه ، كان لي ربيباً وكنت أعدّه ولداً ، كان بي برّا ، وكان ابن أخي (١) فعلى مثل هذا نحزن وعند الله نحتسبه (٢).

قدم عبد الرحمن الفزاري على عليّ عليه‌السلام من الشام وكان عينه بها ، وحدّثه أنَّه لم يخرج من الشام حتى قدمت البشراء من قبل عمرو بن العاص تترى يتبع بعضها بعضاً بفتح مصر وقتل محمد وحتى أذّن بقتله على المنبر ، وقال : يا أمير المؤمنين! قلّما رأيت قوماً قطُّ أسرّ ، ولا سروراً قطُّ أظهر من سرور رأيته بالشام حين أتاهم هلاك محمد بن أبي بكر.

فقال عليٌّ : «أما إنَّ حزننا عليه قدر سرورهم به بل يزيد أضعافاً» ، وحزن عليّ على محمد بن أبي بكر حتى رؤي ذلك في وجهه وتبيّن فيه ، وقام في الناس خطيباً فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال : «ألا إنَّ مصر قد افتتحها الفجرة أُولو الجور والظلم الذين صدّوا عن سبيل الله وبغوا الإسلام عوجاً ، ألا وإنَّ محمد بن أبي بكر قد استشهد رحمه‌الله فعند الله نحتسبه ، أما والله إن كان ما علمتُ لممّن ينتظر القضاء ، ويعمل للجزاء ، ويبغض شكل الفاجر ، ويُحبّ هُدى المؤمن». الخطبة (٣).

وقال أبو عمر : يقال : إنَّ محمد بن أبي بكر أُتي به عمرو بن العاص فقتله صبراً. وروى شعبة وابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، قال : أُتي عمرو بن العاص

__________________

(١) كان محمد بن أبي بكر أخا عبد الله بن جعفر بن أبي طالب لأُمّه. (المؤلف)

(٢) مروج الذهب : ٢ / ٣٩ [٢ / ٤٢٨ ـ ٤٢٩] ، تاريخ ابن كثير : ٧ / ٣١٤ [٧ / ٣٤٩ حوادث سنة ٣٨ ه‍]. (المؤلف)

(٣) تاريخ الطبري : ٦ / ٦٢ [٥ / ١٠٨ حوادث سنة ٣٨ ه‍] ، كامل ابن الأثير : ٣ / ١٥٥ [٢ / ٤١٤ حوادث سنة ٣٨ ه‍]. (المؤلف)

٨٨

بمحمد بن أبي بكر أسيراً فقال : هل معك عهدٌ؟! هل معك عقدٌ من أحد؟! قال : لا. فأمر به فقُتل ، وكان عليّ بن أبي طالب يُثني على محمد بن أبي بكر ويفضِّله لأنَّه كانت له عبادة واجتهاد (١).

وقال ابن حجر : قيل : إنَّه اختفى في بيت امرأة من غافق آواه فيه أخوها ، وكان الذي يطلبه معاوية بن حديج ، فلقيتهم أخت الرجل الذي كان آواه وكانت ناقصة العقل فظنّت أنّهم يطلبون أخاها فقالت : أدلّكم على محمد بن أبي بكر على أن لا تقتلوا أخي؟ قالوا : نعم. فدلّتهم عليه ، فقال : احفظوني لأبي بكر. فقال معاوية : قتلت ثمانين من قومي في دم عثمان وأتركك وأنت صاحبه؟

تهذيب التهذيب (٢) (٩ / ٨٠).

قال الأميني : إنَّ أمثال هذه الفظائع والفجائع لبمقربة من مخازي ابن العاصي وأذنابه ، ومن مرضاة ابن آكلة الأكباد الذين لم يُبالوا بإراقة الدماء الزاكية منذ بلغوا أشدّهم ، ولا سيّما من لدن مباشرتهم الحرب في صفّين إلى أن اصطلوا نار الحطمة فلم يفتئوا والغين في دماء الأخيار الأبرار دون شهواتهم المخزية.

وهَبْ أنَّ محمداً نال من عثمان ما حسبوه ، فعجيبٌ أن ينهض بثاره مثل معاوية المتثبّط عنه يوم استنهضه عثمان حتى قُتل ، وعمرو بن العاصي القائل المبتهج بقتله بقوله : أنا أبو عبد الله قتلته وأنا بوادي السباع. وقوله : أنا أبو عبد الله إذا حككت قرحة نكأتها. وقوله : أنا أبو عبد الله قد يضرط العير والمكواة في النار.

وكان يؤلّب عليه حتى الراعي في غنمه في رأس الجبل (٣). وهلاّ ساق معاوية

__________________

(١) الاستيعاب : ٢ / ٢٣٥ [القسم الثالث / ١٣٦٧ رقم ٢٣٢٠] ، تهذيب التهذيب : ٩ / ٨١ [٩ / ٧٠]. (المؤلف)

(٢) تهذيب التهذيب : ٩ / ٧٠.

(٣) راجع ما اسلفناه في الجزء التاسع : ص ١٣٦ ـ ١٣٩. (المؤلف)

٨٩

ذلك الحشد اللهام إلى عائشة الرافعة عقيرتها بين جماهير الصحابة : اقتلوا نعثلاً قتله الله فقد كفر. وأمثالها من الكلم القارصة (١). وإلى طلحة والزبير وكانا أشدّ الناس عليه ، وطلحة هو الذي منع عنه الماء في حصاره ، ومنع الناس عن تجهيزه ، ومنعه أن يُدفن إلاّ في حشّ كوكب جبّانة اليهود. إلى فظائع مرَّ تفصيلها في الجزء التاسع (٩٢ ـ ١١٠) ، وقال الشهرستاني في الملل والنحل (٢) (ص ٢٥) : كان أُمراء جنوده : معاوية عامل الشام ، وسعد بن ابي وقّاص عامل الكوفة ، وبعده الوليد بن عقبة ، وعبد الله بن عامر عامل البصرة ، وعبد الله بن أبي سرح عامل مصر ، وكلّهم خذلوه ورفضوه حتى أتى قدَره عليه.

نعم ؛ هؤلاء قتلوه لكنَّ معاوية لا يُريد المقاصّة إلاّ من أولياء عليّ عليه‌السلام فيستأصل شأفتهم تحت كلّ حَجر ومَدَر ، ويستسهل فيهم كلّ شقوة وقسوة ، وليس له مع أضداد عليّ عليه‌السلام أيّ مقصد صحيح ، وإلاّ فأيّ حرمة لدم أجمعت الصحابة على سفكه؟ واحتجّت عليه بآي الذكر الحكيم كما مرّ تفصيله في الجزء التاسع (ص ١٦٣ ـ ١٦٨ ، ٢٠٥) لو لم يكن اتّباع القوم بالصحابة والاحتجاج بما قالوا وعملوا واعتبارهم فيهم العدالة جميعاً تسري مع الميول والشهوات ، فيحتجّون بدعوى إجماعهم على خلافة أبي بكر ـ ولم يكن هنالك إجماع ـ ولا يحتجوّن به في قتل عثمان ، وقد ثبت فيه الإجماع.

وهَبْ أنّ محمد بن أبي بكر هو قاتل عثمان الوحيد من دون أيِّ حجّة ولا مبرّر له وهو المحكوم عليه بالقصاص ، وفي القصاص حياة ، فهل جاء في شريعة الإسلام قصاص كهذا بأن يُلقى المقتصّ به في جيفة حمار ثم يحرق بالنار ، ويُطاف برأسه في البلاد؟ هل هذا دين الله الذي كان يدين به محمد بن أبي بكر؟ أو دين هُبل إله

__________________

(١) راجع ما مرّ في الجزء التاسع : ص ٧٨ ـ ٨٦. (المؤلف)

(٢) الملل والنحل : ١ / ٣٢.

٩٠

معاوية وإله آبائه الشجرة الملعونة في القرآن؟

(نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِ) (١) ، (فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) (٢) ، (إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ) (٣).

نظرة في مناقب ابن هند

لعلّك إلى هاهنا عرفت معاوية ، وأنّه أيّ رجل هو ، وأنّه كيف كانت نفسيّاته وملكاته ، وأنّ رجلاً كمثله لا يتبوّأ مقعده إلاّ حيث تنيخ شية العار ، وفي مستوى السوأة والبوائق ، وأنّ أيّ فضيلة تلصقه به رواة السوء وتخطُّ عنه الأقلام المستأجرة فهو حديث إفك نمّقته الأهواء والشهوات ، ولا يُقام له في سوق الاعتبار وزنٌ ، ولا في مُبَوّأ الحقِّ مقيلٌ ، فظنّ خيراً ولا تسأل عن الخبر.

أليس معاوية هو صاحب تلكم الموبقات والجرأة على الله وعلى الإسلام ونبيّه وكتابه وسنّته. سنّة الله التي لا تبديل لها؟!

أليس هو الهاتك حرمات الله والمصغّر قدر أوليائه ، والمريق دماءهم الزكيّة ، والدءوب على الظلم والجور بإزهاق النفوس البريئة من غير جرم؟ (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً) (٤).

أليس هو من آذى الله ورسوله في الصالحين من رجالات الأُمّة وعدول الصحابة الأوّلين والتابعين لهم بإحسان ، المحرّمة دماؤهم وأقدارهم وحرماتهم بزجّهم إلى أعماق السجون ، وإبعادهم عن عقر دورهم وإخافتهم؟ (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ

__________________

(١) الكهف : ١٣.

(٢) الأنعام : ٥.

(٣) الأنعام : ٥٧.

(٤) النساء : ٩٣.

٩١

وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً* وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً) (١).

أليس هو من آذى رسول الله في أهل بيته بإثارة الحرب على صنوه ونفسه وخليفته حقّا ، وكان من واجبه أن يخضع له ويتحرّى مرضاته؟ (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) (٢).

أليس هو الذي لم يراقب حرمة الرسول الأعظم في ذوي قرباه وصغّرها بسبِّ أبي ولده ، وأمر الملأ الدينيّ بتلك الجريمة الموبقة ، واتّخذها سنّة متّبعة ، وقذف من طهّره الجليل بالأفائك والمفتريات؟

أليس هو السبّاق الأوّل في المآثم الجمّة المخزية؟

أوّل من باع الخمر وشربها من الخلفاء؟! والخمر وشاربها وبائعها ومشتريها ملعونٌ ملعون.

أول من أشاع الفاحشة في الملأ الإسلامي؟! (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (٣).

أوّل من أحلّ الربا وأكله؟! وأحلّ الله البيع وحرّم الربا ، (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِ) (٤) وآكل الربا وموكّله ملعونٌ بلسان النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

أوّل من أتمَّ الصلاة في السفر تقديساً لأحدوثة ابن عمّه؟!

__________________

(١) الأحزاب : ٥٨ و ٥٩.

(٢) التوبة : ٦١.

(٣) النور : ١٩.

(٤) البقرة : ٢٧٥.

٩٢

أوّل من أحدث الأذان في صلاة العيدين؟!

أوّل من رأى الجمع بين الأختين إحياءً لما ذهب إليه عثمان؟!

أوّل من غيّر السنّة في الديات وأدخل فيها ما ليس منها؟!

أوّل من ترك التكبير في الصلوات عند كلِّ هويّ وانتصاب وهي سنّة ثابتة؟!

أوّل من ترك التلبية وأمر به خلافاً لعليّ أمير المؤمنين عليه‌السلام العامل بسنّة الله ورسوله؟!

أوّل من قدّم الخطبة على الصلاة في العيد لإسماع الناس سبَّ عليّ عليه‌السلام؟!

وقد صحّ عن نبيّ الإسلام : «من سبّ عليّا فقد سبّه ، ومن سبّه فقد سبّ الله»

أوّل من عصى ربّه بترك حدوده وإقامة سنّته؟! (وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ) (١).

أوّل من نقض حكم العاهر ، وأحيى طقوس الجاهليّة ، وخالف دين محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و

«الولد للفراش وللعاهر الحَجر»؟!

أوّل من تختّم باليسار؟ فأخذ المروانية (٢) بذلك إلى أن نقله السفّاح إلى اليمين فبقى إلى أيّام الرشيد فنقله إلى اليسار (٣).

أوّل من سنَّ سبّ عليّ عليه‌السلام وقنت به وجعله سنّة جارية في خلفه الذين أضاعوا الصلاة واتّبعوا الشهوات ، وشوّه خطب المنابر بذلك الحادث المخزي؟!

أوّل من بغى على إمام وقته وحاربه وقاتله وقتل أُمّة كبيرة من صلحاء الصحابة البدريّين وأهل بيعة الشجرة الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه؟!

__________________

(١) النساء : ١٤.

(٢) هم خلفاء معاوية من بني مروان بن الحكم.

(٣) ربيع الأبرار للزمخشري ، باب ٧٥ [٤ / ٢٤]. (المؤلف)

٩٣

أوّل من أعطى المال لوضع الحديث وتحريف كتاب الله وكلمته الطيّبة عن مواضعها؟!

أوّل من اشترط البراءة من عليّ عليه‌السلام على من بايعه في خلافته الغاشمة أو في ملكه العضوض؟!

أوّل من حُمل إليه رأس الصحابيّ العادل عمرو بن الحمق وأُدير به في البلاد؟!

أوّل من قتل عدول الصحابة الأوّلين والتابعين لهم بإحسان من عيون الأُمّة وعبّادها ونسّاكها لمحض ولائهم سيّد العترة ، وقد جعله الله أجر رسالة نبيّه الخاتم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم؟!

أوّل من قتل نساء كلّ من والى أهل بيت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وذبح صبيانهم ونهب أموالهم ، ومثَّل قتلاهم وشتَّت شملهم ، وفرّق جمعهم ، واستأصل شأفتهم ، ونفاهم عن عُقر دورهم ، وأبادهم تحت كلّ حجر ومدَر؟!

أوّل من عبثت به رعيّته ، وسنَّ العمل بالشهادات المزوّرة ، وسلّط رجال الشرِّ والغيّ والجور على صلحاء أُمّة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم؟!

أوّل من همَّ بنقل منبر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن المدينة المشرّفة إلى الشام؟! ولمّا حرّك المنبر خسفت الشمس فترك (١).

أوّل من بدّل الخلافة الإسلاميّة إلى شرّ ملك وسلطة سوء؟!

أوّل من ملك وتجبّر في الإسلام بلبس الحرير والديباج ، وشرب في آنية الذهب والفضّة ، وركب السروج المحلاّة بهما؟!

أوّل من سمع الغناء وطرب عليه وأعطى ووصل إليه وهو يرى نفسه أمير المؤمنين؟

__________________

(١) تاريخ ابن كثير : ٨ / ٤٥ [٨ / ٤٩ حوادث سنة ٥٠ ه‍]. (المؤلف)

٩٤

أوّل من هتك دين الله باستخلاف جروه الفاجر المستهتر التارك للصلاة؟!

أوّل من شنَّ الغارة على مدينة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حرم أمن الله ، وأخاف أهليها ، وما رعى حرمة ذلك الجوار المقدّس؟!

إلى جرائم وبوائق تجد الرجل فيها هو السابق الأوّل إليها. (١)

أصحيحٌ أنَّ مثل هذا الطاغية تصدر فيه كلمة إطراء من مصدر النبوّة؟ أو يأتي عن نبيِّ العدل والحقِّ والصدق ما يوهم الثناء عليه؟ لا ، لا يمكن ذلك ؛ بل نبيّ العظمة أكبر من يبغض هذا الإنسان وجرائمه ، والرجل أشدّ أعدائه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في جاهليّته وإسلامه ، ولو كان صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ينطق بشيء من ذلك ـ وحاشاه ـ لكان أكبر ترويج للباطل وأهله ، وأوضح ترخيص في المعصية ، وأبين استهانة بالحقِّ.

قال عبد الله بن أحمد بن حنبل : سألت أبي عن عليّ ومعاوية ، فقال : اعلم أنَّ عليّا كان كثير الأعداء ، ففتّش له أعداؤه عيباً فلم يجدوا فجاؤوا إلى رجل قد حاربه وقاتله فأطروه كيداً منهم لعليّ (٢).

وقال الحاكم : سمعت أبا العبّاس محمد بن يعقوب بن يوسف يقول : سمعت أبي يقول : سمعت إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يقول : لا يصحّ في فضل معاوية حديث (٣).

ولمّا لم يجد البخاري حديثاً يصحّ من مناقب معاوية فقال عند عدّ مناقب الصحابة من صحيحه : باب ذكر معاوية رضى الله عنه (٤). فقال ابن حجر في فتح الباري (٥) (٧ / ٨٣) : أشار بهذا إلى ما اختلقوه لمعاوية من الفضائل ممّا لا أصل له ، وقد ورد في

__________________

(١) راجع أوائل السيوطي ، وتاريخ الخلفاء له [ص ١٨٧] ، ومحاضرة الأوائل للسكتواري. (المؤلف)

(٢) تاريخ الخلفاء للسيوطي : ص ١٣٣ [ص ١٨٦] ، فتح الباري : ٧ / ٨٣ [٧ / ١٠٤] ، الصواعق : ص ٧٦ [ص ١٢٧]. (المؤلف)

(٣) اللآلئ المصنوعة : ١ / ٢٢٠ [١ / ٤٢٤] ، فتح الباري : ٧ / ٨٣ [٧ / ١٠٤]. (المؤلف)

(٤) صحيح البخاري : ٣ / ١٣٧٣ باب ٢٨.

(٥) فتح الباري : ٧ / ١٠٤.

٩٥

فضائل معاوية أحاديث كثيرة لكن ليس فيها ما يصحّ من طريق الإسناد ، وبذلك جزم إسحاق بن راهويه والنسائي وغيرهما.

وأمّا مسلم وابن ماجة فلمّا لم يريا حديثاً يُعبأ به في فضائل معاوية ضربا عن اسمه في الصحيح والسنن صفحاً عند عدّ مناقب الصحابة ، والترمذي (١) لم يذكر له إلاّ حديث :

اللهمّ اجعله هادياً مهديّا واهدِ به. فقال : حسنٌ غريب. ونحن أوقفناك على بطلانه في الجزء العاشر (ص ٣٧٣). وذكر حديث : اللهمّ اهد به. وزيّفه هو بنفسه لمكان عمرو بن واقد ، وعمرو أحد الكذّابين ذكرناه في الجزء الخامس (ص ٢٤٩). فالصحاح والسنن خالية عمّا لفّقتها رواةُ السوء في فضل الرجل.

ودخل الحافظ النسائي صاحب السنن إلى دمشق فسأله أهلها أن يُحدِّثهم بشيء من فضائل معاوية فقال : أما يكفي معاوية أن يذهب رأساً برأس حتى يروى له فضائل؟ فقاموا إليه فجعلوا يطعنون في خُصيتيه حتى أُخرج من المسجد الجامع ، فقال : أخرجوني إلى مكة. فأخرجوه وهو عليلٌ فتوفّى بمكة مقتولاً شهيداً (٢).

وقال ابن تيميّة في منهاجه (٢ / ٢٠٧) : طائفةٌ وضعوا لمعاوية فضائل ورووا أحاديث عن النبيِّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في ذلك كلّها كذب.

وقال الفيروزآبادي في خاتمة كتابه سفر السعادة ، والعجلوني في كشف الخفاء (٣) (ص ٤٢٠) : باب فضائل معاوية ليس فيه حديثٌ صحيح.

وقال العيني في عمدة القاري (٤) : فإن قلت : قد ورد في فضله يعني معاوية

__________________

(١) سنن الترمذي : ٥ / ٦٤٥ ح ٣٨٤٢ ، ٣٨٤٣.

(٢) تاريخ ابن كثير : ١١ / ١٢٤ [١١ / ١٤٠ حوادث سنة ٣٠٣ ه‍] ، سيوافيك تفصيل قصّة النسائي. (المؤلف)

(٣) كشف الخفاء : ٢ / ٤٢٠.

(٤) عمدة القاري : ١٦ / ٢٤٩ رقم ٢٥٤.

٩٦

أحاديث كثيرة. قلت : نعم ، ولكن ليس فيها حديث صحيح يصحُّ من طرق الإسناد ، نصَّ عليه إسحاق بن راهويه والنسائي وغيرهما ، فلذلك قال ـ يعني البخاري ـ : باب ذكر معاوية. ولم يقل : فضيلة ولا منقبة.

وقال الشوكاني في الفوائد المجموعة (١) : اتّفق الحفّاظ على أنّه لم يصحّ في فضل معاوية حديث.

نعم ؛ إنَّ الغلوّ في حبِّ الرجل خلق له فضائل مفتراة تبعد جدّا عن ساحة النبيِّ الأقدس صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يبوح بشيء منها ، وإنّما يد الافتعال نسجت له على نول ما نسجته لبقيّة الخلفاء مناقب تندى منها جبهة الإنسانيّة ، وألّف محمد بن عبد الواحد أبو عمر غلام ثعلب جزءاً في فضائل هذا الإنسان المحشوّ رداؤه بالرذائل. قال ابن حجر في لسان الميزان (٢) (١ / ٣٧٤) : إسحاق بن محمد السوسي ذاك الجاهل الذي أتى بالموضوعات السمجة في فضائل معاوية رواها عبيد الله السقطي عنه فهو المتّهم بها أو شيخه.

فنحن نجمع هاهنا شتات جملة من تلكم الأكاذيب التي خلقتها أو اختلقتها يد الوضع الأثيمة في مناقب الرجل ممّا مرّ الإيعاز إليه ، وما لم نذكره بعدُ ، ونجعلها بين يدي القارئ النابه الحرّ ، وله القضاء بالحقِّ ، والله المستعان ، ألا وهي :

١ ـ عن أنس مرفوعاً : لا أفتقد أحداً من أصحابي غير معاوية بن أبي سفيان لا أراه ثمانين عاماً ، فإذا كان بعد ثمانين عاماً يقبل إليّ على ناقة من المسك الأذفر حشوها من رحمة الله ؛ قوائمها من الزبرجد ، فأقول : معاوية؟ فيقول : لبّيك يا محمد! فأقول : أين كنت من ثمانين عاماً؟ فيقول : كنت في روضة تحت عرش ربّي يناجيني وأُناجيه ، ويحيّيني وأُحيّيه ويقول : هذا عوضٌ ممّا كنت تُشتم في دار الدنيا.

__________________

(١) الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة : ص ٤٢٣ ح ١٦٢.

(٢) لسان الميزان : ١ / ٤١٦ رقم ١١٦٥.

٩٧

راجع الجزء الخامس (ص ٢٥٤) الطبعة الأولى ، (ص ٢٩٨) الطبعة الثانية.

٢ ـ عن أنس مرفوعاً : هبط عليَّ جبريل ومعه قلمٌ من ذهب إبريز فقال : إنَّ العليَّ الأعلى يقرئك السلام ويقول لك : حبيبي قد أهديت هذا القلم من فوق عرشي إلى معاوية بن أبي سفيان فأوصله إليه ومُره أن يكتب آية الكرسيّ بخطّه بهذا القلم ويشكله ويعجمه ويعرضه عليك ، فإنّي قد كتبت له من الثواب بعدد كلّ من قرأ آية الكرسيِّ من ساعة يكتبها إلى يوم القيامة. فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من يأتيني بأبي عبد الرحمن؟ فقام أبو بكر الصدّيق ومضى حتى أخذ بيده وجاءا جميعاً إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فسلّموا عليه فردّ عليهم‌السلام ثم قال لمعاوية : أُدن منّي يا أبا عبد الرحمن! أُدن منِّي يا أبا عبد الرحمن! فدنا من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فدفع إليه القلم ثم قال له : يا معاوية هذا قلمٌ أهداه إليك ربّك من فوق العرش لتكتب به آية الكرسيِّ بخطّك وتشكله وتعجمه وتعرضه عليَّ. فاحمد الله واشكره على ما أعطاك ، فإنَّ الله قد كتب لك من الثواب بعدد من قرأ آية الكرسيِّ من ساعة تكتبها إلى يوم القيامة. فأخذ القلم من يد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فوضعه فوق أُذنه فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اللهمّ إنّك تعلم أنّي قد أوصلته إليه. ثلاثاً. فجثا معاوية بين يدي النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم يزل يحمد الله على ما أعطاه من الكرامة ويشكره ، حتى أُتي بطرس ومحبرة فأخذ القلم ولم يزل يخطُّ به آية الكرسيِّ أحسن ما يكون من الخطّ حتى كتبها وأشكلها وعرضها على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا معاوية إنَّ الله قد كتب لك من الثواب بعدد كلِّ من يقرأ آية الكرسيّ من ساعة كتبتها إلى يوم القيامة.

راجع الجزء الخامس (ص ٢٥٩) الطبعة الأولى (ص ٣٠٤) الطبعة الثانية.

٣ ـ عن جابر : إنَّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم استشار جبريل في استكتاب معاوية فقال : استكتبه فإنّه أمين.

راجع الجزء الخامس (ص ٢٦٠) الطبعة الأولى ، (ص ٣٠٥) الطبعة الثانية.

٩٨

٤ ـ عن عبادة بن الصامت : أوحى الله إلى النبيِّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : استكتب معاوية فإنّه أمينٌ مأمون.

راجع الجزء الخامس (ص ٢٦١) الطبعة الأولى ، (ص ٣٠٥) الطبعة الثانية.

٥ ـ عن أنس مرفوعاً : الأُمناء سبعة : اللوح والقلم وإسرافيل وميكائيل وجبريل ومحمد ومعاوية.

راجع الجزء الخامس (ص ٢٦٢) الطبعة الأولى ، (ص ٣٠٨) الطبعة الثانية.

٦ ـ عن أبي هريرة مرفوعاً : الأُمناء عند الله ثلاثة : انا وجبريل ومعاوية.

راجع الجزء الخامس (ص ٢٦١) الطبعة الأولى ، (ص ٣٠٦) الطبعة الثانية.

٧ ـ أخبر رجلٌ عن رجل قال : اجتمع عشرة من بني هاشم فغدوا على النبيِّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلمّا قضى الصلاة قالوا : يا رسول الله غدونا إليك لنذكر لك بعض أمورنا ، إنَّ الله قد تفضّل بهذه الرسالة فشرّفك بها وشرّفنا لشرفك وهذا معاوية بن أبي سفيان يكتب الوحي فقد رأينا أنَّ غيره من أهل بيتك أولى به لك منه. قال : نعم. انظروا في رجل غيره. قال : وكان الوحي ينزل في كلِّ أربعة أيّام من عند الله إلى محمد فأقام جبريل أربعين يوماً لا ينزل ، فلمّا كان يوم أربعين هبط جبريل بصحيفة فيها مكتوب : يا محمد ليس لك أن تغيّرمن اختاره الله لكتابة وحيه فأقِرّه فإنَّه أمين ، فأقرّه.

راجع الجزء الخامس (ص ٢٦٢) الطبعة الأولى ، (ص ٣٠٧) الطبعة الثانية.

٨ ـ عن واثلة مرفوعاً : إنّ الله ائتمن على وحيه جبريل وأنا ومعاوية ، وكاد أن يبعث معاوية نبيّا من كثرة علمه وائتمانه على كلام ربّي ، يغفر الله لمعاوية ذنوبه ، ووقاه حسابه ، وعلّمه كتابه ، وجعله هادياً مهديّا وهدى به.

راجع الجزء الخامس (ص ٢٦٢) الطبعة الأولى ، (ص ٣٠٨) الطبعة الثانية.

٩ ـ عن سعد : إنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لمعاوية : إنَّه يُحشر وعليه حلّةٌ من نور

٩٩

ظاهرها من الرحمة ، وباطنها من الرضا ، يفتخر بها في الجمع لكتابة الوحي.

راجع الجزء الخامس (ص ٢٧٦) الطبعة الأولى ، (ص ٣٢٤) الطبعة الثانية.

١٠ ـ عن عبد الله بن عمر : أنَّ جعفر بن أبي طالب أهدى إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سفرجلاً فأعطى معاوية ثلاث سفرجلات وقال : تلقاني بهنَّ في الجنّة.

راجع الجزء الخامس (ص ٢٨١) الطبعة الأولى ، (ص ٣٢٩) الطبعة الثانية.

قال ابن حبّان (١) : موضوعٌ. وقال الخطيب : حديثٌ غير ثابت. وقال ابن عساكر (٢) : لا أصل له.

راجع اللآلئ المصنوعة (٣) (١ / ٤٢٢ ، ٤٢٣).

١١ ـ عن عبد الله بن عمر مرفوعاً : الآن يطلع عليكم رجلٌ من أهل الجنّة ، فطلع معاوية فقال : أنت يا معاوية منّي وأنا منك ، لتزاحمني على باب الجنّة كهاتين وأشار بإصبعيه.

ذكره الذهبي في الميزان (٤) (٢ / ١٣٣) وقال : خبرٌ باطل.

١٢ ـ أخرج البخاري في تاريخه (٤ قسم ٢ ص ١٨٠) عن إسحاق بن يزيد عن محمد بن مبارك الصوري عن صدقة بن خالد عن وحشي بن حرب بن وحشي عن أبيه عن جدّه قال : كان معاوية ردف النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال : يا معاوية ما يليني منك؟ قال : بطني. قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اللهمّ املأه علماً وحلماً.

وذكره الذهبيّ في الميزان (٥) (٣ / ٢٦٨).

__________________

(١) كتاب المجروحين : ١ / ١١٦.

(٢) تاريخ مدينة دمشق : ١٦ / ٦٩٣ ، ومختصر تاريخ دمشق : ٢٥ / ١٢.

(٣) اللآلئ المصنوعة : ١ / ٤٢٢ ـ ٤٢٣.

(٤) ميزان الاعتدال : ٢ / ٦٢٣ رقم ٥٠٨٥.

(٥) ميزان الاعتدال : ٤ / ٣٣١ رقم ٩٣٣٩.

١٠٠