الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ١١

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي

الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ١١

المؤلف:

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي


المحقق: مركز الغدير للدّراسات الإسلاميّة
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
المطبعة: فروردين
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٣١

أنت : لا؟ قال : أفإن كذب الأمير أردت أن أكذب ، وأشهد له بالباطل كما شهد؟ قال له زياد : وهذا أيضاً مع ذنبك ، عليَّ بالعصا ، فأُتي بها ، فقال : ما قولك في عليّ؟ قال : أحسن قول أنا قائله في عبد من عبيد الله أقوله في أمير المؤمنين. قال : اضربوا عاتقه بالعصا حتى يلصق بالأرض. فضرب حتى لصق بالأرض ثم قال : اقلعوا عنه ، إيه ما قولك في عليّ؟ قال : والله لو شرحتني بالمواسى والمدى ما قلت إلاّ ما سمعت منّي. قال : لتلعننّه أو لأضربنَّ عنقك. قال : إذاً والله تضربها قبل ذلك ، فأسعدُ وتشقى. قال : ادفعوا في رقبته. ثم قال : أوقروه حديداً واطرحوه في السجن ، ثم قُتل مع من قُتل مع حُجر وأصحابه.

قال الأميني : ما أكبرها من جناية على رجل يقول : ربّي الله ، ويدين بالرسالة ويوالي إمام الحقِّ ، وليس عليه ما يجلب التنكيل به كما فعله ابن سميّة بإيعاز من ابن آكلة الأكباد إلاّ الخضوع لولايةٍ أمر الكتاب بها والرضوخ لها ، وقد أكّدته السنّة في نصوصها المتواترة.

وهل الامتناع عن لعن من أمر الله باتّباعه وطهّره وقدّسه يسوِّغ الضرب والحبس والقتل؟ أنا لا أدري. وإنَّ ابن الزانية ومن ركّزه على ولاية الأمصار لعليمان بما ارتآه ، لكن احتدام بغضهما لصاحب الولاية الكبرى ، حداهما إلى أن يلغا في دم من أسلم وجهه لله وهو محسن. وإلى الله المنتهى.

قبيصة بن ضبيعة :

بعث زياد إلى قبيصة بن ضبيعة بن حرملة العبسي صاحب شرطته شدّاد بن الهيثم ، فدعا قبيصة في قومه وأخذ سيفه ، فأتاه ربعيّ بن حراش بن جحش العبسي ورجال من قومه ليسوا بالكثير فأراد أن يقاتل ، فقال صاحب الشرطة : أنت آمنٌ على دمك ومالك ، فلِمَ تقتل نفسك؟ فقال له أصحابه : قد أُومنت فعلامَ تقتل نفسك وتقتلنا معك؟ قال : ويحكم إنَّ هذا الدعيّ ابن العاهرة والله لئن وقعتُ في يده لا أفلت منه

٦١

أبداً أو يقتلني. قالوا : كلاّ. فوضع يده في أيديهم ، فأقبلوا به إلى زياد. فلمّا دخلوا عليه قال زياد : وحيّ عسى تعزّون على الدين ، أما والله لأجعلنَّ لك شاغلاً عن تلقيح الفتن والتوثّب على الأمراء. قال : إنّي لم آتك إلاّ على الأمان. قال : فانطلقوا به إلى السجن ، وقُتل مع من قُتل من أصحاب حُجر.

عبد الله بن خليفة :

بعث زياد بُكير بن حمران الأحمري إلى عبد الله بن خليفة الطائي وكان شهد مع حُجر ، فبعثه في أُناس من أصحابه فأقبلوا في طلبه فوجدوه في مسجد عديِّ بن حاتم فأخرجوه ، فلمّا أرادوا أن يذهبوا به وكان عزيز النفس امتنع منهم فحاربهم وقاتلهم فشجّوه ورموه بالحجارة حتى سقط فنادت ميثاء أُخته : يا معشر طيّئ أتسلمون ابن خليفة لسانكم وسنانكم؟ فلمّا سمع الأحمريّ نداءها خشي أن تجتمع طيّئ فيهلك فهرب ، فخرج نسوةٌ من طيّئ فأدخلنه داراً ، وانطلق الأحمريّ حتى أتى زياداً فقال : إنّ طيئاً اجتمعت إليَّ فلم أطقهم فأتيتك ، فبعث زيادٌ إلى عديّ وكان في المسجد فحبسه وقال : جئني به وقد أُخبر عديُّ بخبر عبد الله ، فقال عديّ : كيف آتيك برجل قد قتله القوم؟ قال : جئني حتى إن قد قتلوه. فاعتلَّ له وقال : لا أدري أين هو ولا ما فعل. فحبسه فلم يبق رجل من أهل المصر من أهل اليمن وربيعة ومضر إلاّ فزع لعديّ ، فأتوا زياداً فكلّموه فيه. وأُخرِجَ عبد الله فتغيّب في بُحْتُر (١) ، فأرسل إلى عديّ إن شئت أن أخرج حتى أضع يدي في يدك فعلتُ ، فبعث إليه عديّ : والله لو كنتَ تحت قدميّ ما رفعتهما عنك. فدعا زيادٌ عديّا فقال له : إنّي اخلي سبيلك على أن تجعل لي لتنفيه من الكوفة ولتسير به إلى جبلي طيّئ. قال : نعم. فرجع وأرسل إلى عبد الله ابن خليفة : أُخرُجْ فلو قد سكن غضبه لكلّمته فيك حتى ترجع إن شاء الله. فخرج

__________________

(١) بُحْتُر : روضة في وسط أجا أحد جبلي طيّئ ، كأنها مسمّاة بالقبيلة ، وهو بُحْتُر بن عَتُود بن ... بن طيّئ.

٦٢

إلى الجبلين ومات بهما قبل موت زياد.

الشهادة المزوّرة على حُجر :

جمع زياد من أصحاب حُجر بن عديّ اثني عشر رجلاً في السجن ثم دعا رؤساء الأرباع وهم : عمرو بن حريث على ربع أهل المدينة ، وخالد بن عرفطة على ربع تميم وهمدان ، وقيس بن الوليد على ربع ربيعة وكندة ، وأبو بردة بن أبي موسى على ربع مذحج وأسد ، فشهد هؤلاء أنَّ حُجراً جمع إليه الجموع وأظهر شتم الخليفة ودعا إلى حرب أمير المؤمنين ، وزعم أنَّ هذا الأمر لا يصلح إلاّ في آل أبي طالب ، وأظهر عذر أبي تراب والترحّم عليه والبراءة من عدوِّه وأهل حربه ، وأنَّ هؤلاء الذين معه هم رءوس أصحابه وعلى مثل رأيه. ونظر زياد في شهادة الشهود وقال : ما أظنُّ هذه شهادة قاطعة وأحبّ أن يكون الشهود أكثر من أربعة ، فدعا الناس ليشهدوا عليه ، وقال زياد :

على مثل هذه الشهادة فاشهدوا ، أما والله لأجهدنَّ على قطع خيط عنق الخائن الأحمق ، فقام عثمان بن شرحبيل التيمي أوّل الناس فقال : اكتبوا اسمي. فقال زياد : ابدؤوا بقريش ثم اكتبوا اسم من نعرفه ويعرفه أمير المؤمنين بالصحّة والاستقامة (١). فشهد عليه سبعون رجلاً ، فقال زياد : ألقوهم إلاّ من عُرف بحسب وصلاح في دينه ، فألقوا حتى صيّروا إلى هذه العدّة وهم أربع وأربعون فيهم : عمر بن سعد بن أبي وقاص ، شمر بن ذي الجوشن ، شبث بن ربعي ، زجر بن قيس.

وممّن شهد شدّاد بن المنذر أخو الحضين وكان يُدعى : ابن بزيعة ، فكتب : شهادة ابن بزيعة. فقال زياد : أما لهذا أبٌ ينسب إليه؟ ألغوه من الشهود. فقيل له : إنَّه أخو الحضين بن المنذر. فقال : انسبوه إلى أبيه فنسب ، فبلغ ذلك شدّاداً فقال : والهفاه على ابن الزانية أوَليست أُمّه أعرف من أبيه؟ فو الله ما يُنسب إلاّ إلى أُمّه سميّة.

__________________

(١) يعني المعروفين بالاستقامة في عداء أمير المؤمنين علي عليه‌السلام وأهل بيته. (المؤلف)

٦٣

وكتب في الشهود شريح بن الحرث ، وشريح بن هانئ ، فأمّا شريح بن الحرث فقال : سألني عنه فقلت : أما إنَّه كان صوّاماً قوّاماً. وأمّا شريح بن هانئ فقال : بلغني أنَّ شهادتي كتبت فأكذبته ولُمته ، وكتب كتاباً إلى معاوية وبعثه إليه بيد وائل بن حجر وفي الكتاب : بلغني أنَّ زياداً كتب شهادتي ، وأنَّ شهادتي على حُجر أنَّه ممّن يقيم الصلاة ، ويؤتي الزكاة ، ويُديم الحجَّ والعمرة ، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، حرام الدم والمال ، فإن شئت فاقتله ، وإن شئت فدعه. فلمّا قرأ معاوية الكتاب قال : ما أرى هذا إلاّ قد أخرج نفسه من شهادتكم.

وكتب شهادة السريّ بن وقّاص الحارثي وهو غائبٌ في عمله.

قال الأميني : هذه شهادة زور لفّقها ابن أبيه أو ابن أُمّه على أصناف من الناس ، منهم الصلحاء والأخيار الذين أكذبوا ذلك العزو المختلق كشريح بن الحرث وشريح ابن هانئ ومن حذا حذوهما ، وشهدوا بخلاف ما كُتب عنهما. ومنهم من كانوا غائبين عن ساعة الشهادة وساحتها ، لكنَّ يد الإفك أثبتتها عليهم كابن وقّاص الحارثي ومن يُشاكله. ومنهم رجرجةٌ من الناس يستسهلون شهادة الزور ويستسيغون من جرّائها إراقة الدماء ليس لهم من الدين موضع قدَم ولا قِدَم : كعمر بن سعد ، وشمر بن ذي الجوشن ، وشبث بن ربعي ، وزجر بن قيس ، فتناعقوا بشهادة باطلة لأجلها وصفهم الدعيُّ بأنّهم خيار أهل المصر وأشرافهم ، وذوو النهى والدين. وإنَّ معاوية جدُّ عليم بحقيقة الحال لكنّ شهوة الوقيعة في كلِّ ترابيّ حبّذت له قبول الشهادة المزوّرة والتنكيل بحُجر وأصحابه الصلحاء الأخيار ، فصرم بهم أُصول الصلاح وقطع أواصرهم يوم أودى بهم ، ولم يكترث لمغبّة ما ناء به من عمل غير مبرور. فإلى الله المشتكى.

تسيير حُجر وأصحابه إلى معاوية ومقتلهم :

دفع زياد حُجر بن عدي وأصحابه إلى وائل بن حُجر الحضرمي وكثير بن شهاب وأمرهما أن يسيرا بهم إلى الشام ، فخرجوا عشيّةً وسار معهم صاحب

٦٤

الشرطة حتى أخرجهم من الكوفة ، فلمّا انتهوا إلى جبّانة عرزَم نظر قبيصة بن ضبيعة العبسي إلى داره وهي في جبّانة عرزَم فإذا بناته مشرفات ، فقال لوائل وكثير : ائذنا لي فأُوصي أهلي. فأذنا له ، فلمّا دنا منهنّ وهنّ يبكين سكت عنهنّ ساعة ثم قال : اسكنَّ فسكتن. فقال : اتّقين الله عزّ وجلّ واصبرن فإنّي أرجو من ربّي في وجهي هذا إحدى الحسنيين : إمّا الشهادة وهي السعادة ، وإمّا الانصراف إليكنّ في عافية. وإنّ الذي يرزقكنّ ويكفيني مئونتكنّ هو الله تعالى وهو حيٌّ لا يموت ، أرجو أن لا يضيّعكنّ وأن يحفظني فيكنّ. ثم انصرف فمرّ بقومه فجعل القوم يدعون الله له بالعافية.

فساروا حتى انتهوا بهم إلى مرج عذراء عند دمشق وهم اثنا عشر رجلاً :

حُجر بن عدي ، الأرقم بن عبد الله ، شريك بن شدّاد ، صيفي بن فسيل ، قبيصة بن ضبيعة ، كريم بن عفيف ، عاصم بن عوف ، ورقاء بن سمي ، كدام بن حيّان ، عبد الرحمن بن حسّان ، محرز بن شهاب ، عبد الله بن حويّة. وأتبعهم زياد برجلين مع عامر بن الأسود فتمّوا أربعة عشر رجلاً ، فحُبِسوا بمرج عذراء ، فبعث معاوية إلى وائل بن حُجر وكثير بن شهاب فأدخلهما وأخذ كتابهما فقرأه على أهل الشام فإذا فيه :

بسم الله الرحمن الرحيم

لعبد الله معاوية بن أبي سفيان أمير المؤمنين من زياد بن أبي سفيان. أمّا بعد :

فإنّ الله قد أحسن عند أمير المؤمنين البلاء ، فأداله من عدوّه وكفاه مؤنة من بغى عليه ، إنّ طواغيت الترابيّة الصبائيّة (١) رأسهم حُجر بن عدي خالفوا أمير المؤمنين ، وفارقوا جماعة المسلمين ، ونصبوا لنا الحرب ، فأظهرنا الله عليهم وأمكننا منهم وقد دعوت خيار أهل المصر وأشرافهم وذوي النهى والدين فشهدوا عليهم بما

__________________

(١) في الأغاني : الترابية السابّة.

٦٥

رأوا وعلموا ، وقد بعثت بهم إلى أمير المؤمنين وكتبت شهادة صلحاء أهل المصر وخيارهم في أسفل كتابي هذا.

فلمّا قرأ معاوية الكتاب وشهادة الشهود عليهم قال : ما ذا ترون في هؤلاء النفر الذين شهد عليهم قومهم بما تسمعون؟ فقال له يزيد بن أسد البجلي : أرى أن تفرِّقهم في قرى الشام فيكفيكهم طواغيتها. وكتب معاوية إلى زياد : أمّا بعد : فقد فهمت ما اقتصصت به من أمر حُجر وأصحابه وشهادة من قِبلك عليهم فنظرت في ذلك فأحياناً أرى قتلهم أفضل من تركهم ، وأحياناً أرى العفو عنهم أفضل من قتلهم ، والسلام.

فكتب إليه زياد مع يزيد بن حُجيّة التميمي : أمّا بعد : فقد قرأت كتابك وفهمت رأيك في حُجر وأصحابه فعجبت لاشتباه الأمر عليك فيهم وقد شهد عليهم بما قد سمعت من هو أعلم بهم ، فإن كانت لك حاجةٌ في هذا المصر فلا تردّن حُجراً وأصحابه إليَّ.

فأقبل يزيد بن حُجيّة حتى مرّ بهم بعذراء فقال : يا هؤلاء أما والله ما أرى براءتكم ولقد جئت بكتاب فيه الذبح فمروني بما أحببتم ممّا ترون أنّه لكم نافعٌ أعمل به لكم وأنطق به. فقال حُجر : أبلغ معاوية : أنّا على بيعتنا لا نستقيلها ولا نقيلها ، وإنّما شهد علينا الأعداء والأظنّاء. فقدم يزيد بالكتاب إلى معاوية وأخبره بقول حُجر فقال معاوية : زياد أصدق عندنا من حُجر. فقال عبد الرحمن بن أُمّ الحكم الثقفي ، ويقال عثمان بن عمير الثقفي : جذاذها جُذاذها. فقال له معاوية : لا تعنَّ أبراً. فخرج أهل الشام ولا يدرون ما قال معاوية وعبد الرحمن ، فأتوا النعمان بن بشير فقالوا له مقالة ابن أُمّ الحكم فقال النعمان : قتل القوم.

أقبل عامر بن الأسود العجلي وهو بعذراء يريد معاوية ليعلمه بالرجلين اللذين بعث بهما زياد ولحقا بحُجر وأصحابه ، فلمّا ولّى ليمضي قام إليه حُجر بن عدي

٦٦

يرسف في القيود فقال : يا عامر اسمع منّي : أبلغ معاوية أنَّ دماءنا عليه حرامٌ. وأخبره أنّا قد أُومنّا وصالحناه فليتّق الله ولينظر في أمرنا. فقال له نحواً من هذا الكلام فأعاد عليه حُجرٌ مراراً. فدخل عامر على معاوية فأخبره بأمر الرجلين ، فقام يزيد بن أسد البجلي فاستوهب الرجلين وكان جرير بن عبد الله كتب في أمر الرجلين أنّهما من قومي من أهل الجماعة والرأي الحسن ، سعى بهما ساعٍ ظنينٌ إلى زياد وهما ممّن لا يحدث حدثاً في الإسلام ولا بغياً على الخليفة ، فلينفعهما ذلك عند أمير المؤمنين. فوهبهما له وليزيد بن أسد.

وطلب وائل بن حُجر في الأرقم الكندي فتركه.

وطلب أبو الأعور في عتبة بن الأخنس فوهبه له.

وطلب حمزة بن مالك الهمداني في سعيد بن نمران فوهبه له.

وطلب حبيب بن مسلمة في عبد الله بن حويّة التميمي فخلّى سبيله.

فقام مالك بن هبيرة فسأله في حُجر فلم يشفّعه فغضب وجلس في بيته ، فبعث معاوية هدبة بن فيّاض القضاعي من بني سلامان بن سعد والحُصين بن عبد الله الكلابي وأبا شريف البدّي ـ في الأغاني : أبا حريف البدري ـ فأتوهم عند المساء فقال الخثعمي حين رأى الأعور مقبلاً : يُقتل نصفنا وينجو نصفنا. فقال سعيد بن نمران : اللهمّ اجعلني ممّن ينجو وأنت عنّي راضٍ. فقال عبد الرحمن بن حسان العنزي : اللهمّ اجعلني ممّن تكرم بهوانهم وأنت عنّي راضٍ ، فطالما عرّضت نفسي للقتل فأبى الله إلاَّ ما أراد. فجاء رسول معاوية إليهم بتخلية ستة وبقتل ثمانية (١) ، فقال لهم رسل معاوية ، ثم إنّا قد أُمرنا أن نعرض عليكم البراءة من عليّ واللعن له ، فإن فعلتم هذا تركناكم وإن أبيتم قتلناكم ، وإنَّ أمير المؤمنين يزعم أنَّ دماءكم قد حلّت له بشهادة أهل مصركم عليكم ، غير أنّه قد عفا عن ذلك فابرؤوا من هذا الرجل نخلِّ سبيلكم. قالوا : لسنا فاعلين. فأُمروا بقيودهم فحلّت ، وبقبورهم فحفرت ، وأُدنيت أكفانهم ،

__________________

(١) سيأتي ذكر أسماء سبعة ممن قُتل ، وسبعة ممن نجا.

٦٧

فقاموا الليل كلّه يصلّون فلمّا أصبحوا قال أصحاب معاوية : يا هؤلاء قد رأيناكم البارحة أطلتم الصلاة وأحسنتم الدعاء فأخبرونا ما قولكم في عثمان؟ قالوا : هو أوّل من جار في الحكم ، وعمل بغير الحقِّ. فقال أصحاب معاوية : أمير المؤمنين كان أعلم بكم ، ثم قاموا إليهم وقالوا : تبرءون من هذا الرجل؟ قالوا : بل نتولاّه. فأخذ كلّ رجل منهم رجلاً ليقتله ، فوقع قبيصة بن ضبيعة في يدي أبي شريف البدّي فقال له قبيصة : إنَّ الشرّ بين قومي وقومك أمنٌ ـ أي : آمن ـ فليقتلني غيرك فقال له : برّتك رحمٌ. فأخذه الحضرميّ فقتله. وقتل القضاعي صاحبه.

قال لهم حُجر : دعوني أُصلّي ركعتين ، فأيمن الله ما توضّأت قطّ إلاَّ صلّيت ركعتين فقالوا له : صلّ فصلّى ثم انصرف فقال : والله ما صلّيت صلاة قطّ أقصر منها ولولا أن تروا أنَّ ما بي جزع من الموت لأحببت أن أستكثر منها. ثم قال : اللهمّ إنّا نستعديك على أُمّتنا فإنّ أهل الكوفة شهدوا علينا ، وإنَّ أهل الشام يقتلوننا ، أما والله لئن قتلتموني بها إنّي لأوّل فارس من المسلمين سلك في واديها ، وأوّل رجل من المسلمين نبحته كلابها. فمشى إليه هدبة الأعور بالسيف فأرعدت خصائله (١) ، فقال : كلاّ زعمت أنّك لا تجزع من الموت فأنا أدعك فابرأ من صاحبك. فقال : مالي لا أجزع وأنا أرى قبراً محفوراً ، وكفناً منشوراً ، وسيفاً مشهوراً ، وإنّي والله إن جزعت لا أقول ما يسخط الرب. فقيل له : مدّ عنقك. فقال : إنَّ ذلك لدمٌ ما كنت لأُعين عليه. فقُدِّم فضربت عنقه وأقبلوا يقتلونهم واحداً واحداً حتى قتلوا ستّة.

الخثعمي والعنزي من أصحاب حُجر :

قال عبد الرحمن بن حسّان العنزي ، وكريم بن عفيف الخثعمي : ابعثوا بنا إلى أمير المؤمنين فنحن نقول في هذا الرجل مثل مقالته. فبعثوا إلى معاوية فأخبروه فبعث : ائتوني بهما. فالتفتا إلى حُجر ، فقال له العنزي : لا تبعد يا حُجر ولا يبعد

__________________

(١) الخصائل : جمع خصيلة ، وهي كل عصبة فيها لحم غليظ.

٦٨

مثواك ، فنعم أخو الإسلام كنت. وقال الخثعمي نحو ذلك ثم مضى بهما ، فالتفت العنزي فقال متمثِّلاً :

كفى بشفاة القبر بُعداً لهالكٍ

وبالموت قطّاعاً لحبل القرائن

فلمّا دخل عليه الخثعمي قال له : الله الله يا معاوية إنّك منقولٌ من هذه الدار الزائلة إلى الدار الآخرة الدائمة ومسؤولٌ عمّا أردت بقتلنا وفيم سفكت دماءنا ، فقال معاوية : ما تقول في عليّ؟ قال : أقول فيه قولك ، أتتبرّأ من دين عليّ الذي كان يدين الله به؟ فسكت ، وكره معاوية أن يجيبه ، فقام شمر بن عبد الله الخثعمي فاستوهبه. فقال : هو لك غير أنّي حابسه شهراً فحبسه ، فكان يرسل إليه بين كلّ يومين فيكلّمه ، ثم أطلقه على أن لا يدخل الكوفة ما دام له سلطانٌ. فنزل الموصل فكان يقول : لو قد مات معاوية قدمت المصر ، فمات قبل معاوية بشهر.

ثم أقبل على عبد الرحمن بن حسّان فقال له : إيه يا أخا ربيعة ما قولك في عليّ؟ قال : دعني ولا تسألني فإنّه خيرٌ لك. قال : والله لا أدعك حتى تخبرني عنه. قال : أشهد أنّه كان من الذاكرين الله كثيراً ، ومن الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر (١) والعافين عن الناس. قال : فما قولك في عثمان؟ قال : هو أوّل من فتح باب الظلم وأرتج أبواب الحقّ. قال : قتلت نفسك. قال بل إيّاك قتلت لا ربيعة بالوادي ـ يعني أنّه ليس ثَمّ أحدٌ من قومه فيتكلّم فيه ـ فبعث به معاوية إلى زياد وكتب إليه : أمّا بعد : فإنَّ هذا العنزي شرُّ من بعثت به فعاقبه بالعقوبة التي هو أهلها واقتله شرّ قتلة. فلمّا قدم به على زياد بعث به إلى قسّ الناطف (٢) فدفن به حيّا.

فقتل من أصحاب حُجر معه :

شريك بن شدّاد الحضرمي ، صيفي بن فسيل الشيباني ، قبيصة بن ضبيعة

__________________

(١) في الأغاني [١٧ / ١٥٦] : من الآمرين بالحق والقائمين بالقسط. (المؤلف)

(٢) موضع قرب الكوفة على شاطئ الفرات الشرقي. [معجم البلدان : ٤ / ٣٤٩]. (المؤلف)

٦٩

العبسي ، محرز بن شهاب المنقري ، كدام بن حيّان العنزي ، عبد الرحمن بن حسّان العنزي.

ونجا منهم :

كريم بن عفيف الخثعمي ، عبد الله بن حويّة التميمي ، عاصم بن عوف البجلي ، ورقاء بن سميّ البجلي ، أرقم بن عبد الله الكندي ، عتبة بن الأخنس السعدي ، سعد بن نمران الهمداني.

أخذنا ما في هذا الفصل (١) من : الأغاني (١٦ / ٢ ـ ١١) ، عيون الأخبار لابن قتيبة (١ / ١٤٧) ، تاريخ الطبري (٦ / ١٤١ ـ ١٥٦) ، مستدرك الحاكم (٣ / ٤٦٨) ، تاريخ ابن عساكر (٤ / ٨٤ و ٦ / ٤٥٩) ، الكامل لابن الاثير (٣ / ٢٠٢ ـ ٢٠٨) ، تاريخ ابن كثير (٨ / ٤٩ ـ ٥٥) (٢).

قال الأميني : من حُجر بن عدي؟ ومن الذين كانوا معه؟ وما الذي كانت غايتهم في تلكم المواقف الهائلة؟ وما ذا اقترفوه من ذنب حتى قتّلوا تقتيلاً؟ ولما ذا هتكت حرماتهم ، وقطعت أوصال حياتهم وهم فئةٌ مسلمة؟!

حُجر بن عدي من عدول الصحابة ، أو أحد الصحابة العدول ، راهب أصحاب محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما قاله الحاكم (٣) ، من أفاضل الصحابة وكبارهم مع صغر سنّه مستجاب الدعوة كما في الاستيعاب (٤) ، وكان ثقة معروفاً كما قاله ابن سعد (٥) ، وقال المرزباني :

__________________

(١) المذكور تحت عنوان (مواقف معاوية من حُجر وأصحابه) ص ٣٧. (المؤلف)

(٢) الأغاني : ١٧ / ١٣٧ ـ ١٥٨ ، تاريخ الأُمم والملوك : ٥ / ٢٥٣ ـ ٢٧٩ حوادث سنة ٥١ ه‍ ، المستدرك على الصحيحين : ٣ / ٥٣١ ـ ٥٣٤ ، تاريخ مدينة دمشق : ١٢ / ٢٠٧ رقم ١٢٢١ و ٢٤ / ٢٥٨ رقم ٢٩٠٨ ، وفي مختصر تاريخ دمشق : ٤ / ٢٣٨ و ١١ / ١٢٥ ، الكامل في التاريخ : ٢ / ٤٨٨ ـ ٤٩٨ حوادث سنة ٥١ ه‍ ، البداية والنهاية : ٨ / ٥٤ ـ ٦٠ حوادث سنة ٥١ ه‍.

(٣) مستدرك الحاكم : ٣ / ٤٦٨ [٣ / ٥٣١]. (المؤلف)

(٤) الاستيعاب : ١ / ١٣٥ [القسم الأول / ٣٢٩ ـ ٣٣١ رقم ٤٨٧]. (المؤلف)

(٥) طبقات ابن سعد : [٦ / ٢٢٠] ، تاريخ ابن عساكر : ٤ / ٨٥ [١٢ / ٢١٠ رقم ١٢٢١ ، وفي مختصر تاريخ دمشق : ٦ / ٢٣٦] ، تاريخ ابن كثير : ٨ / ٥٠ [٨ / ٥٤ حوادث سنة ٥١ ه‍] (المؤلف)

٧٠

إنّه وفد إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكان من عبّاد الله وزهّادهم وكان بارّا بأُمّه ، وكان كثير الصلاة والصيام (١) ، وقال أبو معشر : كان عابداً وما أحدث إلاّ توضّأ وما توضّأ إلاّ صلّى (٢) ، وكان له صحبة ووفادة وجهاد وعبادة كما في الشذرات (٣) ، وكان صاحب كرامة واستجابة دعاء مع التسليم إلى الله. روى ابن الجنيد في كتاب الأولياء : إنّ حُجر بن عدي أصابته جنابة فقال للموكّل به : أعطني شرابي أتطهّر به ولا تعطني غداً شيئاً. فقال : أخاف أن تموت عطشاً فيقتلني معاوية ، قال : فدعا الله فانسكبت له سحابة بالماء فأخذ منها الذي احتاج إليه ، فقال له أصحابه : ادع الله أن يخلّصنا. فقال : اللهمَّ خِرْ لنا (٤).

وقالت عائشة : أما والله إن كان ما علمت لمسلماً حجّاجاً معتمراً (٥). وقالت لمعاوية : قتلت حُجراً وأصحابه ، أما والله لقد بلغني أنّه سيقتل بعذراء سبعة رجال ـ وفي لفظ : أُناس ـ يغضب الله وأهل السماء لهم (٦).

وقال مولانا أمير المؤمنين عليه‌السلام : «يا أهل الكوفة سيقتل فيكم سبعة نفر هم من خياركم بعذراء مثلهم كمثل أصحاب الأُخدود». وفي لفظ : «حُجر بن عدي وأصحابه كأصحاب الأُخدود ، وما نقموا منهم إلاّ أن يؤمنوا بالله العزيز

__________________

(١) تاريخ ابن كثير : ٨ / ٥٠ [٨ / ٥٥ حوادث سنة ٥١ ه‍]. (المؤلف)

(٢) تاريخ ابن عساكر : ٤ / ٨٥ ، ٥ / ٤٢٠ [١٢ / ٢١٢ رقم ١٢٢١ و ١٩ / ٢٠٢ رقم ٢٣٠٩ ، وفي مختصر تاريخ دمشق : ٦ / ٢٣٦ و ٩ / ٨٨] ، تاريخ ابن كثير : ٨ / ٥٠ [٨ / ٥٥ حوادث سنة ٥١ ه‍]. (المؤلف)

(٣) شذرات الذهب : ١ / ٥٧ [١ / ٢٤٧ حوادث سنة ٥١ ه‍]. (المؤلف)

(٤) الإصابة : ١ / ٣١٥ [رقم ١٦٢٩]. (المؤلف)

(٥) الأغاني : ١٦ / ١١ [١٧ / ١٥٨] ، تاريخ الطبري : ٦ / ١٥٦ [٥ / ٢٧٩ حوادث سنة ٥١ ه‍] ، الكامل : ٤ / ٢٠٩ [٢ / ٤٩٩ حوادث سنة ٥١ ه‍]. (المؤلف)

(٦) تاريخ ابن عساكر : ٤ / ٨٦ [١٢ / ٢٢٧ رقم ١٢٢١ ، وفي مختصر تاريخ دمشق ٦ / ٢٤١] ، تاريخ ابن كثير : ٨ / ٥٥ [٨ / ٦٠ حوادث سنة ٥١ ه‍] ، الإصابة : ١ / ٣١٥ [رقم ١٦٢٩]. (المؤلف)

٧١

الحميد» (٧).

وفيما كتب (٨) الإمام السبط الحسين عليه‌السلام إلى معاوية : «ألست قاتل حُجر وأصحابه العابدين المخبتين الذين كانوا يستفظعون البدع ، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر؟ فقتلتهم ظلماً وعدواناً من بعد ما أعطيتهم المواثيق الغليظة والعهود المؤكّدة جرأةً على الله واستخفافاً بعهده.

أوَلستَ بقاتل عمرو بن الحمق الذي أخلقت وأبلت وجهه العبادة ، فقتلته من بعد ما أعطيته من العهود ما لو فهمته العُصم (٩) نزلت من شعف (١٠) الجبال؟

أولستَ قاتل الحضرمي (١١) الذي كتب إليك فيه زياد : إنّه على دين عليّ كرّم الله وجهه. ودين عليّ هو دين ابن عمّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي أجلسك مجلسك الذي أنت فيه ، ولولا ذلك كان أفضل شرفك وشرف آبائك تجشّم الرحلتين : رحلة الشتاء والصيف ، فوضعها الله عنكم بنا ، منّةً عليكم».

هذا حُجر وأصحابه ، وأمّا غاية ذلك العبد الصالح والتابعين له بإحسان في مواقفهم كلّها فهي النهي عن المنكر الموبق من لعن مولانا أمير المؤمنين عليه‌السلام على صهوات المنابر ، فكانوا يغبِّرون في وجه من يرتكب تلكم الجريمة من عمّال معاوية وزبانيته الأشدّاء على إمام الحقِّ وأوليائه ، ولم ينقم القوم منهم غير ذلك من عيث في

__________________

(٧) تاريخ ابن عساكر : ٤ / ٨٦ [١٢ / ٢٢٧ رقم ١٢٢١ ، وفي مختصر تاريخ دمشق ٦ / ٢٤١] ، تاريخ ابن كثير : ٨ / ٥٥ [٨ / ٦٠ حوادث سنة ٥١ ه‍] ، شذرات الذهب : ١ / ٥٧ [١ / ٢٤٧ حوادث سنة ٥١ ه‍]. (المؤلف)

(٨) مرّ تمام الكتاب في الجزء العاشر : ص ١٦٠ ، ١٦١. (المؤلف)

(٩) العُصم : جمع أعصم ، وهي الوعول التي تعتصم بأعلى الجبال.

(١٠) شعف الجبال : قُننها وأعاليها.

(١١) يعني شريك بن شدّاد الحضرمي ، كان من أصحاب حُجر الذين بعث بهم زياد إلى معاوية وقتل مع حُجر. (المؤلف)

٧٢

المجتمع ، أو إفساد على السلطان ، أو شقّ لعصا المسلمين ، وكان حُجر وهو سيّد قومه يقول : ألا إنّي على بيعتي لا أقيلها ولا أستقيلها سماع الله والناس. ويقول ليزيد بن حجيّة : أبلغ معاوية أنّا على بيعتنا لا نستقيلها ولا نقيلها ، وأنّه إنّما شهد علينا الأعداء والأظنّاء. ويقول : ما خلعت يداً عن طاعة ولا فارقت جماعة وإنّي على بيعتي. ولمّا أُدخل على معاوية سلّم عليه بإمرة المؤمنين (١).

لم يكن صلاح الرجل وأصحابه يخفى على أيِّ أحد حتى على مثل المغيرة الذي كان من زعانف معاوية الخصماء الألدّاء على شيعة أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام فإنَّه لمّا أشير عليه بالتنكيل بحُجر وأصحابه قال : لا أُحبُّ أن أبتدئ أهل هذا المصر بقتل خيارهم وسفك دمائهم ، فيسعدوا بذلك وأشقى ، ويعزّ في الدنيا معاوية ويذلّ يوم القيامة المغيرة. ورأى أصحاب معاوية منهم آخر ليلة حياتهم بعذراء حسن صلاة ودعاء فأعجبهم نسكهم وأكبروا موقفهم من طاعة الله غير أنّهم ألقوا عليهم البراءة من عليّ أمير المؤمنين عليه‌السلام بأمرٍ من معاوية براءة يتبعها الأمان والسلام فلم يفعلوا ، فقتلوا في موالاة عليّ عليه‌السلام كما قاله الحاكم في المستدرك (٢) (٣ / ٤٧٠) ، وسمعت في كلمة الإمام السبط عليه‌السلام قوله : «أوَلست قاتل الحضرميّ الذي كتب إليك فيه زياد : أنَّه على دين عليّ كرّم الله وجهه ، فلم يك ذنبهم إلاّ موالاة من قرن الله ولايته بولايته وولاية رسوله».

ونحن لا ندري هل ثبت في الشريعة أنَّ البراءة من إمام الهدى ولعنه مجلبةٌ للأمان على حين أنَّ الرجل مستحقٌّ للإعدام؟ أو أنَّ ذلك نفسه فريضةٌ ثابتةٌ قامت بها الضرورة من الدين ، فيهدر به دم تاركها ، ويكون قتله من أحبّ ما يكون إلى

__________________

(١) الأغاني : ١٦ / ٦ [١٧ / ١٥٤] ، تاريخ الطبري : ٦ / ١٥٣ [٥ / ٢٧٣ حوادث سنة ٥١ ه‍] ، الكامل لابن الأثير : ٤ / ٢١٠ [٢ / ٥٠٠ حوادث سنة ٥١ ه‍] ، مستدرك الحاكم : ٣ / ٤٦٩ ، ٤٧٠ [٣ / ٥٣٢ ، ٥٣٣ ح ١٥٧٤ ، ١٥٧٩] ، الاستيعاب : ١ / ٣٥٧ [القسم الأول / ٣٣٠ ح ٤٨٧] ، الإصابة : ١ / ٣١٥ [١٦٢٩]. (المؤلف)

(٢) المستدرك على الصحيحين : ٣ / ٥٣٤ ح ١٥٨١.

٧٣

معاوية كما جاء فيما رواه ابن كثير في تاريخه (١) (٨ / ٥٤) من أنَّ عبد الرحمن بن الحارث قال لمعاوية : أقتلتَ حُجر بن الأدبر؟ فقال معاوية : قتله أحبُّ إليَّ من أن أقتل معه مائة ألف.

نعم ؛ نحن لا ندري ، لكن فقه معاوية وشهواته يستسيغان ذلك ، فلا يصيخ إلى نُصح أيِّ ناصح ، فإنَّه لمّا استشار أصحابه في أمر حُجر وهو في سجن عذراء قال له عبد الله بن زيد بن أسد البجلي : يا أمير المؤمنين أنت راعينا ونحن رعيّتك ، وأنت ركننا ونحن عمادك ، إن عاقبت قلنا : أصبت. وإن عفوت قلنا : أحسنت. والعفو أقرب للتقوى ، وكلّ راع مسؤولٌ عن رعيّته (٢).

وما ذنب حُجر وأصحابه الصلحاء ومن شاكلهم من أهل الصلاح وحملة الإسلام الصحيح إذ عبسوا على إمارة السفهاء؟ إمارة الوزغ ابن الوزغ ، إلى أزنى ثقيف مغيرة ، إلى طليق استه بُسر بن أرطاة ، إلى ابن أبيه زياد ، إلى خليفتهم الغاشم ابن هند. وحُجر وأصحابه هم الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه وأخبتوا إلى ما جاء به نبيُّ الإسلام ، وقد صحّ عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال لجابر بن عبد الله : «أعاذك الله من إمارة السفهاء». قال : وما إمارة السفهاء؟ قال : «أُمراء يكونون بعدي لا يقتدون بهديي ، ولا يستنّون بسنّتي ، فمن صدّقهم بكذبهم ، وأعانهم على ظلمهم فأُولئك ليسوا منّي ولست منهم ، ولا يردوا عليَّ حوضي ، ومن لم يصدّقهم بكذبهم ، ولم يعنهم على ظلمهم فأُولئك منّي وأنا منهم ، وسيردوا عليَّ حوضي» (٣).

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إنّ هلاك أُمّتي ـ أو فساد أُمّتي ـ رءوس أُمراء أُغيلمة سفهاء من قريش» (٤).

__________________

(١) البداية والنهاية : ٨ / ٥٩ حوادث سنة ٥١ ه‍.

(٢) مستدرك الحاكم : ٣ / ٤٦٩ [٣ / ٥٣٢ ح ١٥٧٥]. (المؤلف)

(٣) مسند أحمد : ٣ / ٣٢١ [٤ / ٢٦٥ ح ١٤٠٣٢]. (المؤلف)

(٤) مسند أحمد : ٢ / ٢٩٩ ، ٣٠٤ ، ٣٢٨ ، ٥٢٠ [٢ / ٥٧٨ ح ٧٩١٤ ، ٥٨٧ ح ٧٩٧٣ ، ٦٢٨ ح ٨١٤٧ ، و ٣ / ٣٢٧ ح ١٠٣٥٩]. (المؤلف)

٧٤

وعن كعب بن عجرة مرفوعاً : «سيكون أُمراء يكذبون ويظلمون ، فمن صدّقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم ، فليس منّي ولا أنا منه ، ولا يرد عليَّ الحوض يوم القيامة ، ومن لم يصدّقهم بكذبهم ، ولم يعنهم على ظلمهم فهو منّي وأنا منه ، وهو واردٌ عليَّ الحوض يوم القيامة» (١).

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «ستكون عليكم أُمراء تشغلهم أشياء عن الصلاة حتى يؤخِّروها عن وقتها ، فصلّوها لوقتها» (٢). وابن سميّة من أولئك الأمراء الذين أخّروا الصلاة وأنكره عليه ذلك حُجر بن عدي ، كما مرّ حديثه في الجزء التاسع (ص ١١٩).

ولم يكن لمعاوية عذرٌ في قتل أُولئك الصفوة إلاّ التشبّث بالتافهات ، فكان يتلوّن في الجواب بمثل قوله : إنِّي رأيت في قتلهم صلاحاً للأُمّة وفي مقامهم فساداً للأُمّة ، وقوله : إنّي وجدت قتل رجل في صلاح الناس خيراً من استحيائه في فسادهم (٣). وهل صلاح الناس في الالتزام بلعن عليّ أمير المؤمنين عليه‌السلام والبراءة منه والتحامل على شيعته ، وفسادهم في تركها أو النهي عنها؟ أنظر لعلّك تجد له وجهاً في غير شريعة الإسلام.

وبمثل قوله : لست أنا قتلتهم إنّما قتلهم من شهد عليهم (٤). ولقد عرفت حال تلك الشهادة المزوّرة ، أو أنّها من قوم لا خلاق لهم ، وكان معاوية أعرف بها وبهم ، ومع ذلك استباح دماء القوم ، وتترّس بقيله عن مراشق العتاب ، والإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره.

وبمثل قوله : فما أصنع كتب إليَّ فيهم زياد يشدّد أمرهم ويذكر أنّهم سيفتقون

__________________

(١) مسند أحمد : ٤ / ٢٤٣ [٥ / ٢٩٣ ح ١٧٦٦٠] ، تاريخ الخطيب : ٥ / ٣٦٢ [رقم ٢٨٨٦]. (المؤلف)

(٢) مسند أحمد : ٥ / ٣١٥ [٦ / ٤٢٩ ح ٢٢١٧٨] ، تاريخ الخطيب : ١٣ / ١٨٥ [رقم ٧١٦٢]. (المؤلف)

(٣) تاريخ ابن كثير : ٨ / ٥٥ [٨ / ٦٠ حوادث سنة ٥١ ه‍]. (المؤلف)

(٤) تاريخ الطبري : ٦ / ١٥٦ [٥ / ٢٧٩ حوادث سنة ٥١ ه‍] ، الاستيعاب : ١ / ١٣٥ [القسم الأول / ٣٣١ رقم ٤٨٧]. (المؤلف)

٧٥

عليَّ فتقاً لا يرقع (١). وقوله : حمّلني ابن سميّة فاحتملت (٢). قبّح الله الصلف والوقاحة أكان زياد عاملاً له أو هو عامل لزياد حتى يحتمل الموبقات بإشارته؟ وهل يُهدر دماء الصالحين ـ وبذلك عرفهم المجتمع الديني ـ بقول فاسق مستهتر؟! والله يقول : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ) (٣) لكن معاوية بعد أن استلحق زياداً بأبي سفيان راقه أن لا ينحرف عن مرضاته وفيها شفاء غلّته وإن زحزحته عن زمرة أُناس خوطبوا بالآية الشريفة.

وبمثل قوله لعائشة لمّا عاتبته على قتله حُجراً وأصحابه : فدعيني وحُجراً نلتقي عند ربّنا عزَّ وجلَّ. وقوله لها حين قالت له : أين عزب عنه حلم أبي سفيان في حُجر وأصحابه؟ : حين غاب عنّي مثلكِ من حلماء قومي (٤). إن هو إلاّ الهزء بالله وبلقائه ، أو لم يكف من آمن بالله واليوم الآخر نصح القرآن وحده وشرعة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم معه في حرمة دماء المؤمنين الأبرياء؟ هل يسع معاوية أو يغنيه يوم لقاء الله التمسّك بالترّهات تجاه قوله تعالى (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِ) (٥) ، وقوله تعالى (وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً) ... (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً) (٦) ، وقوله تعالى :

__________________

(١) الاستيعاب : ١ / ١٣٤ [القسم الأول / ٣٣٠ رقم ٤٨٧] ، أُسد الغابة : ١ / ٣٨٦ [١ / ٤٦٢ رقم ١٠٩٣]. (المؤلف)

(٢) الأغاني : ١٦ / ١١ [١٧ / ١٥٨] ، تاريخ الطبري : ٦ / ١٥٦ [٥ / ٢٧٩ حوادث سنة ٥١ ه‍] ، كامل ابن الاثير : ٤ / ٢٠٩ [٢ / ٤٩٩ حوادث سنة ٥١ ه‍]. (المؤلف)

(٣) الحجرات : ٦.

(٤) الأغاني : ١٦ / ١١ [١٧ / ١٥٨] ، الاستيعاب : ١ / ١٣٤ [القسم الأول / ٣٣٠ رقم ٤٨٧] ، أُسد الغابة : ١ / ٣٨٦ [١ / ٤٦٢ رقم ١٠٩٣] ، تاريخ ابن كثير : ٨ / ٥٥ [٨ / ٦٠ حوادث سنة ٥١ ه‍]. (المؤلف)

(٥) الإسراء : ٣٣.

(٦) النساء : ٩٢ ـ ٩٣.

٧٦

(إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ) (١) ، وقوله تعالى : (وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً) ـ إلى قوله ـ (وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً) (٢)؟

أوَلم يكف معاوية ما رواه هو نفسه عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من قوله : «كلّ ذنب عسى الله أن يغفره إلاّ الرجل يموت كافراً أو الرجل يقتل مؤمناً متعمّداً»؟

مسند أحمد (٣) (٤ / ٩٦).

أو ما كتبه بيده الأثيمة إلى مولانا أمير المؤمنين من كتاب : وإنّي سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : «لو تمالأ أهل صنعاء وعدن على قتل رجل واحد من المسلمين لأكبّهم الله على مناخرهم في النار»؟

أو ما رواه ابن عمر مرفوعاً : «لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً»؟

أو ما جاء به البراء بن عازب مرفوعاً : «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حقّ»؟ رواه ابن ماجة (٤) والبيهقي (٥) ، وزاد فيه الأصبهاني : «ولو أنَّ أهل سماواته وأهل أرضه اشتركوا في دم مؤمن لأدخلهم النار».

وفي رواية لبريدة مرفوعاً : «قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا».

وفي حديث لأبي هريرة مرفوعاً : «لو أنَّ أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبّهم الله في النار».

__________________

(١) آل عمران : ٢١.

(٢) الفرقان : ٦٣ ـ ٦٨.

(٣) مسند أحمد : ٥ / ٦٦ ح ١٦٤٦٤.

(٤) سنن ابن ماجة : ٢ / ٨٧٤ ح ٢٦١٩.

(٥) السنن الكبرى للبيهقي : ٨ / ٢٢ ـ ٢٣.

٧٧

ومن حديث لابن عبّاس مرفوعاً : «لو اجتمع أهل السماء والأرض على قتل امرئٍ لعذّبهم الله إلاّ أن يفعل ما يشاء».

ومن حديث لأبي بكرة مرفوعاً : «لو أنَّ أهل السموات والأرض اجتمعوا على قتل مسلم لكبّهم الله جميعاً على وجوههم في النار».

ومن طريق ابن عبّاس مرفوعاً : «أبغض الناس إلى الله ملحدٌ في الحرم ، ومبتغ في الإسلام سنّة الجاهليّة ، ومطلب دم امرئٍ بغير حقّ ليهريق دمه».

صحيح البخاري (١) ، سنن البيهقي (٨ / ٢٧).

ومن طريق أبي هريرة مرفوعاً : «من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة لقي الله مكتوباً بين عينيه : آيسٌ من رحمة الله»

. ومن حديث أبي موسى مرفوعاً : «إذا أصبح إبليس بثَّ جنوده فيقول : من أخذل اليوم مسلماً أُلبسه التاج. فيجيء هذا فيقول : لم أزل به حتى طلّق امرأته. فيقول : أوشك أن يتزوّج. ويجيء هذا فيقول : لم أزل به حتى عقَّ والديه. فيقول : يوشك أن يبرّهما. ويجيء هذا فيقول : لم أزل به حتى أشرك. فيقول : أنت أنت. ويجيء هذا فيقول : لم أزل به حتى قَتل فيقول : أنت أنت ويلبسه التاج».

ومن حديث عبد الله بن عمرو مرفوعاً : «من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنّة وأنّ ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاماً». وفي لفظ أحمد (٢) : «من قتل نفساً معاهدة بغير حلّها حرّم الله تبارك وتعالى عليه الجنّة لم يشم ريحها».

إلى أحاديث جمّة أخرى أخرجها الحفّاظ وأئمّة الحديث في الصحاح والمسانيد ، وجمع شطراً منها الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب (٣) (٣ / ١٢٠ ـ ١٢٣).

__________________

(١) صحيح البخاري : ٦ / ٢٥٢٣ ح ٦٤٨٨.

(٢) مسند أحمد : ٦ / ١٧ ح ١٩٨٨٤.

(٣) الترغيب والترهيب : ٣ / ٢٩٢ ـ ٢٩٩.

٧٨

ما أحوج معاوية مع هذه كلّها إلى نصح ضرائب عائشة في هذه الموبقة الكبيرة ، وهي نفسها لم تكترث لسفك دماء آلاف مؤلّفة ممّن حسبتهم أبناءها على حد قول الشاعر :

جاءت مع الأَشقينَ في هودجٍ

تزجي إلى البصرة أجنادَها

كأنّها في فعِلها هرّةٌ

تُريد أن تأكلَ أولادها

نعم ؛ مضى حُجر سلام الله عليه إلى ربّه سجيح الوجه ، وضيء الجبين ، حميداً سعيداً مظلوماً مُهتضماً ، مضرّجاً بدمه ، مصفّداً بقيود الظلم والجور ، خاتماً حياته الحميدة بالصلاة ، قائلاً : لا تطلقوا عنّي حديداً ، ولا تغسلوا عنّي دماً ، وادفنوني في ثيابي فإنّي مخاصم. وفي لفظ : فإنّا نلتقي معاوية على الجادّة (١). وأبقت تلك الموبقة على معاوية خزي الأبد ، وعدَّ الحسن من أربع خصال كنَّ في معاوية لو لم يكن فيه منهنَّ إلاّ واحدة لكانت موبقة : قتله حُجراً ، وقال : ويلٌ له من حُجر وأصحاب حُجر (٢).

ونحن على يقين من أنّ الله تعالى سيأخذ ابن آكلة الأكباد بما خطّته يده الأثيمة إلى أهل البصرة من قوله : إنَّ سفك الدماء بغير حلّها ، وقتل النفوس التي حرّم الله قتلها ، هلاكٌ موبقٌ ، وخسرانٌ مبينٌ ، لا يقبل الله ممّن سفكها صرفاً ولا عدلاً (٣).

الحضرميّان وقتلهما على التشيّع :

قال النسّابة أبو جعفر محمد بن حبيب البغدادي المتوفّى (٢٤٥) في كتابه المحبّر (ص ٤٧٩) : صلب زياد بن أبيه مسلم بن زيمر وعبد الله بن نُجيّ الحضرميّين ، على

__________________

(١) مستدرك الحاكم : ٣ / ٤٦٩ ، ٤٧٠ [٣ / ٥٣٣ ح ١٥٧٧ ، ١٥٧٩] ، الاستيعاب : ١ / ١٣٥ [القسم الأول / ٣٣١ رقم ٤٨٧] ، كامل ابن الأثير : ٤ / ٢١٠ [٢ / ٥٠٠ حوادث سنة ٥١ ه‍] أُسد الغابة : ١ / ٣٨٦ [١ / ٤٦٢ رقم ١٠٩٣] ، الإصابة : ١ / ٣١٥ [١٦٢٩]. (المؤلف)

(٢) مرّ تمام حديث الحسن في ص ٢٢٥ من الجزء العاشر. (المؤلف)

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١ / ٣٥٠ [٤ / ٣٩ كتاب ٥٥]. (المؤلف)

٧٩

أبوابهما أيّاماً بالكوفة وكانا شيعيّين وذلك بأمر معاوية. وقد عدّهما الحسين بن علي على معاوية في كتابه إليه : «ألست صاحب حُجر والحضرميّين اللذين كتب إليك ابن سميّة أنَّهما على دين عليّ ورأيه ، فكتبت إليه من كان على دين عليّ ورأيه فاقتله وامثل به ، فقتلهما ومثّل بأمرك بهما؟ ودين عليّ وابن عمّ عليّ الذي كان يضرب عليه أباك ـ يضربه عليه أبوك ـ أجلسك مجلسك الذي أنت فيه. ولولا ذلك كان أفضل شرفك وشرف أبيك تجشّم الرحلتين (١) اللتين بنا منَّ الله عليك بوضعها عنكم».

قال الأميني : هلمّوا معي يا أهل دين الله ، هل اعتناق دين عليّ عليه‌السلام ممّا يُستباح به دم مسلم ، وتستحّل المثلة والتنكيل المحظورة في الشريعة المطهّرة ، الممنوع عنها ولو بالكلب العقور؟ أليس دين عليّ هو دين محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي صدع به عن الله تعالى؟ نعم هو كذلك لكن معاوية حائدٌ عن الدين القويم ولا يقيم له وزناً ما ، ولا يكترث لمغبّة هتكه ، ولا يتريّث عن الوقيعة فيه.

مالك الأشتر :

ومن الصلحاء الذين قتلهم معاوية بغير ذنب أتاه مالك بن الحارث الأشتر النخعي ، لله درُّ مالك! وما مالك؟ لو كان من جبل لكان فِنداً (٢) ، ولو كان من حَجر لكان صَلداً ، على مثل مالك فلتبكِ البواكي ، وهل موجودٌ كمالك؟ أشدّ عباد الله بأساً ، وأكرمهم حسباً ، كان أضرَّ على الفجّار من حريق النار ، وأبعد الناس من دنس أو عار ، حسامٌ صارمٌ ، لا نابي الضريبة ، ولا كليل الحدّ ، حكيمٌ في السلم ، رزينٌ في الحرب ، ذو رأي أصيل ، وصبر جميل.

__________________

(١) كان لقريش في الجاهلية رحلتان كلّ عام : رحلة في الشتاء إلى اليمن ، ورحلة في الصيف إلى الشام. وكان أبو سفيان يرأس العير التي تردّد بين مكة والشام. (المؤلف)

(٢) الفند : القطعة العظيمة من الجبل.

٨٠