الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ١١

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي

الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ١١

المؤلف:

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي


المحقق: مركز الغدير للدّراسات الإسلاميّة
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
المطبعة: فروردين
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٣١

كم قدَّ في صارمِهِ فارساً

وصيّر السيد له ينهسُ (١)

هو ابنُ عمِّ المصطفى والذي

قد طابَ من دوحتِهِ المغرسُ

عيبةُ علمِ اللهِ شمسُ الهدى

ونورُه الزاهرُ لا يُطمَسُ

مهبطُ وحيٍ لم يُنَلْ فضلُه

وكنهُهُ في الوهمِ لا يُحدَسُ

قد طلّق الدنيا ولم يرضَها

ما همُّه المطعمُ والملبسُ

يقطّع الليلَ بتقديسِهِ

يزهو به المحرابُ والمجلسُ

وفي الندى بحرٌ بلا ساحلٍ

وفي المعالي الأصيدُ الأرأسُ

إذا رقى يوماً ذُرى منبرٍ

وألسنُ الخلقِ له خرّسُ

يريك من ألفاظِهِ حكمةً

يحتارُ فيها العالمُ الكيّسُ

فيا لها من رُتبٍ نالها

من دونها كيوانُ والأطلسُ

قد شُرِّفتْ كوفانُ في قبرِهِ

ولم تكن أعلامُها تدرسُ

إن أنكر الجاحدُ قولي أَقُلْ

يا صاح هذا المشهدُ الأقدسُ (٢)

أما ترى النورَ به مشرقاً

قرّت به الأعينُ والأنفسُ

واللهِ لو لا حيدرٌ لم يكنْ

في الأرضِ ديّارٌ ولا مكنسُ

فليس يحصي فضله ناثرٌ

أو ناظمٌ في شعِره منبسُ

لو كان ما في الأرضِ أقلامُه

والأبحرُ السبعُ له مغمسُ

سمعاً أبا السبطين منظومةً

غرّاء من غصنِ النقا أميسُ

تختال من مدحِك في حلّةٍ

لم يَحِكها في نسجِها السندسُ

أرجو بها منك الجزا في غدٍ

فإنَّ من والاك لا يبخسُ

صلّى عليك الله ما أشرقت

شمس الضحى وانكشف الحِندسُ

__________________

(١) السيد : الذئب. الأسد ، والسّيْد تخفيف السيّد. نهس : أخذ بمقدّم أسنانه ونتفه. (المؤلف)

(٢) هذا مستهلّ قصيدة السيّد علي خان. (المؤلف)

٥٠١

ومن شعره في تقريظ المطوّل للتفتازاني قوله :

إنَّ المطوّلَ بحرٌ فاضَ ساحلُه

فلا يحيطُ به وصفي وإنجازي

فرقان أهل المعاني في بلاغتِهِ

وفي الدلائلِ منه أيّ إعجازِ

٥٠٢

ـ ١٠٢ ـ

الشيخ إبراهيم البلادي

بدأت بحمدِ من خلَقَ الأناما

وأشكرُه على النعما دواما

هو الموجودُ خالقُنا وجوباً

ولم أثبتْ لموجدِنا انعداما

لقد خلقَ الورى إظهارَ كنزٍ

تستّر فاستفضَّ له الختاما (١)

أُصولٌ خمسةٌ للدين منها

له العدلُ الذي في الحكمِ داما

وثاني الخمسةِ التوحيدُ فيه

ونفيُ شريكه أبداً دواما

وثالثُها النبوّةُ وهي لطفٌ

عظيمٌ دائمٌ عمَّ الأناما

ورابعها الإمامةُ وهي لطفٌ

من الباري به الدين استقاما

وخامسُها المعادُ لكلِّ جسمٍ

وروحٍ والدليلُ عليه قاما

وإنَّ إلهَنا في الحكمِ عدلٌ

يخاصمُ كلَّ من ظلمَ الأناما

وإنَّ النارَ والجنّاتِ حقٌ

على رغمِ الذي جحدَ القياما

وإنَّ المؤمنين لهم جنانٌ

ونار الكافرين علت ضراما

وإنَّ الرسلَ أوّلهُم أبوهم

وذلك آدمٌ خصّوا السلاما

وأفضلُهم أولو العزم الأجِلاّ

ومن عَرَفوا لربِّهمُ المقاما

وهم نوحٌ وإبراهيمُ موسى

وعيسى والأمينُ أتى ختاما

__________________

(١) إشارة إلى الحديث القدسي الدائر على الألسن : «كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أُعرف فخلقت الخلق لكي أُعرف». (المؤلف)

٥٠٣

محمدُهم وأحمدُهم تعالا

وأعلاهم وقاراً واحتشاما

فأشهدُ مخلصاً أن لا إله

سوى اللهِ الذي خلقَ الأناما

وأنَّ محمداً للناسِ منه

نبيٌّ مرسلٌ بالأمرِ قاما

وأشهد أنَّه ولّى عليّا

وليَّ الله للدينِ اهتماما

وصيَّره الخليفةَ يومَ خمٍ

بأمرِ اللهِ عهداً والتزاما

ونصَّ على الأئمّةِ من بنيه

هناك على المنابر حين قاما

فواخاه النبيُّ وفي البرايا

بحكمِ اللهِ صيّره إماما

وعظّمه ولقّبه بوحيٍ

أميرَ المؤمنين فلن يُراما

وزوّجه البتولَ لها سلامٌ

من اللهِ الوصول ولا انصراما

فكان لها الفتى كفواً كريماً

فأولدها أئمّتَنا الكراما

إلى آخر القصيدة (١)

الشاعر

أبو الرياض الشيخ إبراهيم ابن الشيخ عليّ ابن الشيخ الحسن ابن الشيخ يوسف ابن الشيخ حسن ابن الشيخ علي البلادي البحراني. أحد أعلام البحرين وفضلائها ، كان موصوفاً بالأدب وصياغة الشعر ، من أجداد مؤلّف أنوار البدرين العالية كما ذكره في بعض التراجم ، له منظومة الاقتباس والتضمين من كتاب الله المبين في إثبات عقائد الدين ، استدلاليّا ، وجامع الرياض يمدح فيه كلاّ من المعصومين عليهم‌السلام بروضة ، ومن هنا يكنّى بأبي الرياض ، وديوان شعره يوجد بخطّ تلميذه الشيخ أبي محمد الشويكي الآتي ذكره ، صحّحه سنة (١١٥٠) ، يحتوي على قصائد على عدد الحروف بترتيبها ، و (١٣٢) دوبيتاً في أبواب خمسة في التوحيد ، والنبوّة ، والإمامة والأئمّة ، والعدل ، والمعاد ، وميميّة (١٠٨) أبيات في الأصول الخمسة.

__________________

(١) أخذناها من ديوانه المخطوط ، وله فيه شعر آخر في الغدير أيضاً. (المؤلف)

٥٠٤

ووالد المترجم له الشيخ عليّ أحد أعلام عصره ، ذكره صاحب الحدائق في لؤلؤة البحرين (١) وقال : كان فاضلاً ولا سيّما في العربيّة والمعقولات ، مدرّساً إماماً في الجمعة والجماعة معاصراً للشيخ سليمان بن عبد الله الماحوزي. انتهى. وترجم له صاحب رياض الجنّة في الروضة الرابعة ، وكان الشيخ حسن جدّ المترجم له أيضاً من الفضلاء وكذلك جدّه الأعلى الشيخ يوسف بن الحسن ، ذكره الشيخ الحرّ في أمل الآمل (٢) وقال : فاضل متبحّر شاعر أديب من المعاصرين. وحكى صاحب الحدائق في لؤلؤة البحرين (٣) عن والده العلاّمة أنّه لمّا توفّي الشيخ يوسف بن الحسن البحراني ودفن في مقبرة المشهد ـ مسجد في بحرين ـ اتّفق انهدام إحدى منارتيه وسقوطها على قبره ، فمرَّ الشيخ عيسى (٤) بامرأة جالسة عند المنارة تتعجّب من سقوطها ، فقال الشيخ عيسى في ذلك :

مررتُ بامرأةٍ قاعده

تُحولِقُ في هيئةِ العابده

وتسترجعُ اللهَ في ذا المنار

فما بالُها في الثرى راقده

فقلت لها يا بنةَ الأكرمين

رأيتِ أموراً بلا فائده

ثوى تحتها يوسفيُّ الكمالِ

فخرّت لهيبته ساجده

__________________

(١) لؤلؤة البحرين : ص ٧٤ رقم ٢٦.

(٢) أمل الآمل : ٢ / ٣٤٩ رقم ١٠٧٨.

(٣) لؤلؤة البحرين : ص ٧٥ رقم ٢٦.

(٤) أوحدي من أعلام آل عصفور أسرة شيخنا الفقيه المتضلّع الشيخ يوسف صاحب الحدائق ، شاعر مفلق ، وأديب بارع. (المؤلف)

٥٠٥
٥٠٦

ـ ١٠٣ ـ

الشيخ أبو محمد الشويكي

ـ ١ ـ

زار حِبّي فانجلت سودُ الليالي

حين أبدى منه ثغراً كاللآلي

وتبدّتْ لمعٌ من وجهِهِ

فحكى في لمعِهِ لمعَ الهلالِ

إلى أن قال :

حيدرِ الكرّارِ مقدامِ الورى

شامخِ القدرِ عليٍّ ذي المعالي

عالمِ الغيبِ فلا عيبَ به

طاهرِ الجيبِ فتىً زاكي الخصالِ

هاشميٍّ نبويٍّ جودُه

يُخِجلُ الغيثَ لدى سكبِ النوالِ

أحمديِّ الخُلق والخَلقِ فتىً

عنتريِّ الحربِ في يوم النزالِ

صائمِ الصيفِ وقوّامِ الدجى

مكرمِ الضيفِ بمالٍ من حلالِ

معدنِ العلم الذي سوّالُه

تبلَغُ الآمالَ من قبلِ السؤالِ

ثابتِ النصفِ من الله ومن

أحمدَ المختارِ محمودِ الفعالِ

والدِ السبطين من ستِّ النسا

بنتِ خيرِ الأنبيا ذاتِ الحجالِ

من له المختارُ واخى في الورى

مرغماً أعداءه أهلَ الضلالِ

وهو في القرآن نصّا نفسُهُ

خيرُ من باهل بعد الابتهالِ

فله الشأنُ عليٌّ كاسمِهِ

صاحبُ الإحسانِ غوثي في مآلي

٥٠٧

حجّةُ اللهِ بنصٍّ ثابتٍ

يومَ خمٍّ فهو من والاه والي

وأميرُ المؤمنين المرتضى

من إلهِ العرشِ ربّي ذي الجلالِ

في فراشِ المصطفى بات ولم

يخشَ من أعدائِهِ أهلِ النكالِ

أخذناها من مختصر ديوانه الذي كتبه إلى شيخه بخطّه وهي قصيدة طويلة قالها سنة (١١٤٩) يمدح بها أمير المؤمنين عليه‌السلام.

ـ ٢ ـ

وله قصيدة أنشدها سنة (١١٤٩) وجدناها بخطّه يذكر بها العقائد الدينيّة مستهلّها :

اسمعْ هداك اللهُ حسنَ العقائدِ

وخذ من معاني الفكرِ درّ الفوائدِ

له الحمدُ ربّي كم حبانا بنعمةٍ

تقاصر عن إدراكها حمدُ حامدِ

إلى أن قال :

وألطافُ ربّي في البريّةِ جمّةٌ

لها الغيثُ عذبٌ في جميعِ المواردِ

وأعظمُ ألطافِ الإلهِ نبيُّنا

وعترتُه أزكى كرامٍ أماجدِ

حبانا بخيرِ المرسلين محمدٍ

نبيّ هدىً للهِ أكرم عابدِ

ويقول فيها :

ومعجزُه القرآنُ لا زال باقياً

له بثباتِ الأمرِ أعظمَ شاهدِ

وقد نَسخَتْ كلَّ الشرائعِ في الورى

شريعتُه الغرّا على رغمِ ماردِ

فصلّى وزكّى ثم صامَ نبيُّنا

وحجَّ وكان الطهرَ أيَّ مجاهدِ

له اللهُ قد صفّى من العيبِ فاغتدا

نبيّا صفيّا صادقاً في المواعدِ

وكان له المولى الجليل وحسبُه

عليٌّ على الأعداءِ أيُّ مساعدِ

٥٠٨

فكان له كفّا قويّا وساعداً

وسيفاً لهامِ القوم أعظمَ حاصدِ

فواخاه عن أمرِ الإلهِ وخصَّه

بفاطمة أُمِّ الهداةِ الفراقدِ

وصيّره عن أمرِ خالقِه له

إماماً بخمٍّ مُرغِماً أنفَ حاسدِ

وقال له فوق الحدائجِ خاطباً

وأضحى له أمرُ الورى أيّ عاقدِ

ونصَّ عليه بالإمامة مجُهراً

وأبنائه يا خير ولدٍ لوالدِ

القصيدة

ـ ٣ ـ

وله من قصيدته الغديريّة الطويلة :

يومُ الغديرِ به كمالُ الدينِ

ومتمُّ نعمةِ خالقي ومعيني

للهِ من يومٍ عظيمٍ عيدُه

للمؤمنين بدينِ خيرِ أمينِ

يومٌ به رضيَ الإلهُ لخلقِهِ ال

إسلامَ بالتأييدِ والتمكينِ

يومٌ شريفٌ عُظّمتْ بركاتُه

من قبلِ كونِ الكونِ في التكوينِ

يومٌ به نَصَبَ المهيمنُ حيدراً

علماً إماما للورى بيقينِ

فهو الغديرُ وفضله متظاهرٌ

كالشمسِ لم يحتجْ إلى التبيينِ

وله الرواية يا فتى تروي الظما

فكأنَّها من عذبِ خير معينِ

روت الرواةُ عن النبيِّ محمدٍ

خيرِ الورى بالنصِّ والتعيينِ

فأتاه جبريلُ الأمينُ مبلّغاً

عن ربِّه التسليمَ بالتبيينِ

فالآن بلّغْ عنه نصبَك حيدراً

فوجوبُ طاعتِه وجوبٌ عيني

قم ناصباً للطهرِ حيدرةَ التقي

قبل افتراقِ مصاحبٍ وقرينِ

قال النبيُّ الطهرُ سمعاً للذي

قد قال من هو للورى يكفيني

ودعا بخمّ وهو أوعرُ منزلٍ

يا قومُ حطّوا الرحلَ في ذا الحينِ

ومن الحدائجِ قد ترقّى منبراً

ودعا عليّا والدَ السبطينِ

٥٠٩

وإليه شالَ فبان من إبطيهما

ذاك البياضُ ففاقَ للقمرينِ

ولصحبِهِ قد قال يا قوم اسمعوا

منّي مقالةَ ناصحٍ وأمينِ

هل كنتُ يا أصحابُ أولى منكمُ

بنفوسكم قالوا نعمْ بيقينِ

من كنتُ مولاه فمولاه أخي

ووصيّ بعدي كفّه بيميني

إلى آخر القصيدة

ـ ٤ ـ

وله من قصيدة طويلة تسمّى بالغزالة يمدح بها النبيّ الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أوّلها :

أقبلت تقنص الأسودَ الغزاله

ذاتُ نور يفوقُ نورَ الغزاله

وانثنتْ تسلبُ العقولَ وثنّت

غلّةً في الحشا بلبس الغلاله

إلى أن يقول :

فولاءُ النبيِّ للعبدِ درعٌ

عن نبالِ الردى وللنصرِ آله

وولائي من بعده لعليٍ

حيث أن قبل موتهِ أوصى له

وارتضاه الإمام في يوم خمٍ

فهو للخصمِ قاطعٌ أوصاله

ويوجد ذكرى الغدير في سائر قصائده اقتصرنا منها على ما ذكرناه.

الشاعر

أبو محمد عبد الله بن محمد بن الحسين بن محمد الشويكي الخطّي ، من تلمذة الشيخ إبراهيم ابن الشيخ عليّ البلادي الآنف ذكره ، والشيخ ناصر ابن الحاج عبد الحسن البحراني ، له في فنِّ الأدب وقرض الشعر والإكثار منه والتفّنن فيه أشواطٌ بعيدة ، غير أنَّ شعره من النمط الأوسط ، له كتابٌ في أحوال المعصومين ، وديوان مدائح النبيّ وآله يسمّى ب : جواهر النظام ، وديوان مراثيهم الموسوم ب : مسبل

٥١٠

العبرات ورثاء السادات. استخرج من الديوانين قصائد كثيرة في أربعة أيّام وألّفها ديواناً أهداه لشيخه العلاّمة آقا محمد ابن آقا عبد الرحيم النجفي في سنة (١١٤٩) وهذا الديوان المنتخب من شعره يحتوي على خمسين قصيدة في أوزان وقوافٍ مختلفة في مدائح النبيِّ وآله صلوات الله عليه وعليهم ورثائهم ، ويرثي العبّاس بن أمير المؤمنين عليه‌السلام والقاسم ابن الإمام الحسن وعبد الله ابنه ، وعليّ ابن الإمام السبط الشهيد عليه‌السلام وولده عبد الله الرضيع ، كلاّ منهم بقصيدة.

٥١١
٥١٢

ـ ١٠٤ ـ

السيد حسين الرضوي

المتوفّى بعد (١١٥٦)

حيّا الحيا عهدَ أحبابٍ بذي سلَمِ

وملعبَ الحيّ بين البانِ والعلَمِ

وجاد أعلام جمعٍ والعقيق فكم

فرَّقن جمع همومٍ باجتماعهمِ

يا صاح عُجْ بي قليلاً في معاهدهم

تشفي عليل محبٍّ ذابَ من ألمِ

هذه بديعيّة ذات (١٤٣) بيتاً يمدح بها النبيّ الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى أن يقول فيها :

صنو النبيِّ أمير المؤمنين أبو السبطين

باب العلوم المرتضى الشيمِ

في السرّ والجهر ساواه وكان له

ردءاً يصدّقه في الحُكم والحِكمِ

وفيه جاء عن المختار منقبةٌ

من كنت مولاه فهو الحقّ فاعتصمِ

الشاعر

السيد حسين ابن الأمير رشيد بن القاسم الرضوي الهندي النجفي ثم الحائري. أوحديٌّ ثنّى علمه الفائق بأدبه الرائق ، وعبقريّ زان حسبه الزكيّ بفضله الجمِّ وقريضه المزري بعقود الدرر ومنثور الدراري ، فهو عالم بارع ، وأديب ناقد ، لم تُشغله فضيلة عن فضيلة ، ولا ثنته مأثرة عن مفخرة.

جاء به أبوه من الهند إلى النجف الأشرف فاشتغل بها ، وبعد لأي غادرها إلى جوار الإمام السبط الشهيد ـ الحائر المقدّس ـ وتخرّج بها على السيد المدرّس الأوحد

٥١٣

السيد نصر الله الحائري ، وله قصائد عدّة يمدح بها أستاذه المدرّس ، ولأستاذه يمدحه قوله :

يا أيّها الشهمُ الذي

غيث الندى منه وكفْ

يا ذا الذي في جودِهِ

قد طال لي باعٌ وكفْ

يا ماجداً طولَ المدى

صدَّ الأذى عنّا وكفْ

حيّاك ربُّ العرشِ ما

برقٌ تبدّى في السدفْ

من أساتذته السيّد صدر الدين القميّ شارح الوافية ، والشيخ عبد الواحد الكعبي النجفي المتوفّى (١١٥٠) ، والشيخ أحمد النحوي ، وكان جيّد الخطّ وقفت على ديوان أستاذه السيد المدرّس الحائري بخطّه. توفّي بكربلاء المشرّفة بعد سنة (١١٥٦) وقبل الستّين برّد الله مضجعه ، فما عن بعض المجاميع أنّه توفّي (١١٧٠) لم أقف على ما يعاضده.

خلّف شاعرنا الرضوي ديواناً مفعماً بالغرر والدرر ، ومن شعره في المديح :

جيرةَ الحيِّ أين ذاك الوفاءُ

ليت شعري وكيف هذا الجفاءُ

لي فؤادٌ أذابه لا عجُ الشو

ق وجفنٌ تفيضُ منه الدماءُ

كلّما لاح بارقٌ من حماكمْ

أو تغنّت في دوحِها الورقاءُ

فاضَ دمعي وحنَّ قلبي لعصرٍ

قد تقضّى وعزَّ عنه العزاءُ

يا عذولي دعني ووجدي وكربي

إنَّ لومي في حبِّهم إغراءُ

هم رجائي إن واصلوا أو تناءوا

ومواليَّ أحسنوا أم أساؤوا

هم جلوا لي من حضرة القدس قدماً

راح عشق كؤوسها الأهواءُ

خمرةٌ في الكؤوس كانت ولا كر

مٌ ولا نشوةٌ ولا صهباءُ

ما تجلّت في الكاس إلاّ ودانت

سجّداً باحتسائها الندماءُ

٥١٤

ثم مالوا قبل المذاقِ سكارى

من شذاها فنطقُهم إيماءُ

ثم باتوا وقد فنوا في فناها

إنَّ عينَ البقاءِ ذاك الفناءُ

سادتي سادتي وهل ينفعُ الصبَ

على نازحِ المزارِ النداءُ

كنت جاراً لهم فأبعدني الده

ـرُ فمن لي وهل يُردّ القضاءُ

أتروني نأيتُ عنكم ملالاً

لا ، ومن شُرِّفت به البطحاءُ

سرّ خلقِ الأفلاكِ آية مجدٍ

صدرتْ من وجودِهِ الأشياءُ

من مزاياه غالبت أنجمَ الأُف

ـق فكان السنا لها والسناءُ

رتبٌ دونها العقولُ حيارى

حيث أدنى غاياتِها الإسراءُ

محتدٌ طاهرٌ وخُلقٌ عظيمٌ

ومقامٌ دانت له الأصفياءُ

خُصَّ بالوحي والكتاب وناهي

ك كتاباً فيه الهدى والضياءُ

يا أبا القاسمِ المؤمَّلَ يا من

خضعتْ لاقتدارِهِ العظماءُ

قاب قوسين قد رقيتَ علاء

[كيف ترقى رقيَّكَ الأنبياءُ] (١)

ولك البدرُ شُقَّ نصفين جهراً

[يا سماءً ما طاولتها سماءُ

] ودعوت الشمسَ المنيرةَ رُدَّت

لعليٍّ تمدّها الأضواءُ

أنت نورٌ علا على كلِّ نورٍ

ذي شروقٍ بهديه يُستضاءُ

لم تزل في بواطن الحجبِ تسري

حيث لا آدم ولا حوّاءُ

فاصطفاك الإلهُ خيرَ نبيٍ

شأنه النصحُ والتقى والوفاءُ

داعياً قومَه إلى الشرعةِ السم

ـحاءِ يا للإلهِ ذاك الدعاءُ

وغزا المعتدين بالبيضِ والسم

ـر فردّت بغيظِها الأعداءُ

وله الآلُ خيرُ آلٍ كرامٌ

علماءٌ أئمّةٌ أتقياءُ

هم رياضُ الندى وروحُ فخارٍ

وسماحٌ ثمارُها العلياءُ

__________________

(١) هذا الشطر والمصرع الثاني من البيت الآتي مستهلّ الهمزيّة الشهيرة التي خمّسها الشاعر المفلق عبد الباقي العمري. (المؤلف)

٥١٥

يُبتغى الخيرُ عندهمْ والعطايا

كلَّ حينٍ ويستجابُ الدعاءُ

سادتي أنتمُ هُداتي وأنتمْ

عدّتي إن ألمّتِ البأساءُ

وإلى مجدِكم رفعت نظاماً

كلآلٍ قد تمَّ منها الصفاءُ

خاطري بحرُها وغوّاصُها الفك

ـر ونظّامُ عقدِهنَّ الولاءُ

وعليكم صلّى المهيمنُ ما لا

ح صباحٌ وانجابتِ الظلماءُ

أوشدى مغرمٌ بلحنٍ أنيقٍ

جيرةَ الحيِّ أين ذاك الوفاءُ

وله يمدح أمير المؤمنين عليه‌السلام :

ألمَّ وقد هجع السامرُ

وعُطّل عن سيرِه السائرُ

خيالٌ لعلوى أتى زائراً

وُقيتَ الردى أيّها الزائرُ

طرقتَ فجلّيتَ ليلَ العفا

وقرّبك القلبُ والناظرُ

نشدتُكَ باللهِ كيف اهتد

يت إلى مضجعي والدجى ساترُ

وكيف عثرت بجفني وقد

غدا وهو طولَ المدى ساهرُ

فقال هداني إليك الحنينُ

ونار جوىً شبهها الهاجرُ

سقى ربعَ علوى وذاك الخيالَ

وليلَ الوصالِ حياً هامرُ

ملثٌ (١) يُحاكي نوالَ الأميرِ

ومن روضُ ألطافِه زاهرُ

عليٌّ أبو الحسن المرتضى

عليُّ الذرى الطيِّبُ الطاهرُ

إمام هُدىً فضلُه كاملٌ

وبحرُ ندىً بذلُه وافرُ

وصيُّ النبيِّ بنصِّ الإلهِ

عليه وبرهانه الباهرُ

فتىً راجحُ الحلم لا وجهُه

قطوبٌ ولا صدرُه واغرُ

له الشرفُ الضخمُ والسؤددُ الم

ـفخّمُ والنسبُ الطاهرُ

وبيتُ عُلىً شاد أركانه

قنا الخطّ والأبلجُ الباترُ

__________________

(١) ألثَّ المطر إلثاثاً فهو ملثٌّ ، أي دام أياماً لا يقلع.

٥١٦

إلى حيثُ لا ملكٌ سابقٌ

هناك ولا فلكٌ دائرُ

إذا ساجلَ الناسَ في رتبةٍ

فكلٌّ لدى عزِّه صاغرُ

وإن صالَ فالحتفُ من جندِه

وربُّ السماء له ناصرُ

كأنَّ قلوب العدا إن بدا

من الرعبِ يهفو بها طائرُ

أيا جدُّ إنَّ لسان البل

ـيغِ عن حصرِ أوصافِكم قاصرُ

كفاكم عُلىً أنَّ ربَّ السما

ء في الذكر سعيَكم شاكرُ

فجاد ربوعَكَ من لطفِهِ

سَحابٌ برضوانِه ماطرُ

مدى الدهر ما قد طوى سبسباً

لتقبيل أعتابِكم زائرُ

ومن شعره قوله :

يا مخجلاً حَدَقَ المها

أوقعت قلبي بالمهالكْ

ومعيدَ صبحي كالمسا

ضاقت عليَّ به المسالكْ

يا مُنيتي دون الملا

أنحلتَ جسمي في ملالكْ

هبْ لي رقادي إنَّه

مذ بِنْتَ أبخلُ من خيالكْ

لله كم لك هالكٌ

بشبا اللواحظِ إثرَ هالكْ

يا موقفَ التوديعِ كم

دمعٍ نثرتُ على رمالكْ

هل لي مقيلٌ من ضلا

لي أم مقيلٌ في ظلالك

لهفي على عصر مضى

لي بالحبيبِ على تلالكْ

بالله أين غزالُك ال

ـفتّانُ ويلي من غزالكْ

لم أنسَه ويدُ النوى

تستلُّ أنفسَنا هنالكْ

أومى يسائل كيف حا

لُك قلت داجي اللونِ حالكْ

فافترّ من عجبٍ وقا

ل بنو الهوى طرّا كذلكْ

فأجبته لو كنت تعلمُ

قدرَ من أصبحت مالكْ

لعلمتَ أنّي عاشقٌ

ما إن يقصّر عن منالكْ

٥١٧

أنا كاتبٌ أظهرتُ أس

رارَ الكتابةِ من جمالكْ

ألفٌ حلت فكأنّها

من حسنِ قدِّك واعتدالكْ

ميمٌ كمبسمِك الشهيِ

ختامُه من مسكِ خالكْ

صادٌ كغدرانٍ جرت

من أدمعي يوم ارتحالكْ

سينٌ كطرّتِك التي

ألقت فؤادي في حبالكْ

دالٌ كصدغِك شوّشت

بيدِ الدلالِ وغير ذلكْ

ومقطّعاتٌ قد حكت

قلبي المروّعَ من ذيالكْ

ومركّباتٌ كالعقو

د تزين أجيادَ الممالكْ

وإذا تناسقتِ السطو

رُ سوافراً كنّا كمالكْ

يا قوت أصبح قائلاً

في الجمع ما أنا من رجالكْ

قسماً بها لو لا الهوى

ما كنت من جرحى نبالك

ومن شعره في عقد كلام لأمير المؤمنين عليه‌السلام :

أنعم على من شئت كن أميره

واستغن عمّن شئت كن نظيره

إن كنت ذا عزٍّ ورمت أن تهُنْ

فاحتج لمن شئت تكن أسيره

جمعت شتات تاريخ حياته ، وعقود جمل الثناء عليه المبثوثة في المعاجم ، من النشوة والطليعة وغيرهما صفحات أعيان الشيعة (١) (ص ٤٦ ـ ٥٧) من الجزء السادس والعشرين.

__________________

(١) أعيان الشيعة : ٦ / ١٥ ـ ١٨.

٥١٨

ـ ١٠٥ ـ

السيد بدر الدين

المولود (١٠٦٢)

بالله يا ورقُ إن شدوت على

سفوح سلعٍ فدونها السجفُ

وإن رأيت السحاب هاميةً

فقل مرام المولع النجفُ

ففيه رمسٌ مطهّرٌ هبطت

عليه أملاك من له الصحفُ

فيه الإمام الوصيُّ حيدرةٌ

مولى البرايا ومن له الشرفُ

فيه شقيق الرسول شافعنا

ونفسه إن توسّط الطرفُ

فيه أخوه ومن فداه على

فراشه إن رووا وإن حرفوا

فيه الذي في الغدير عيّنه

وبخبخ القوم فيه واعترفوا

الشاعر

بدر الدين محمد بن الحسين بن الحسن بن المنصور بالله القاسم بن محمد الحسني الصنعائي ، أحد حسنات اليمن ، وعلمائها الأعلام. مشاركٌ في العلوم ، له في الكلام والطبّ والأدب وقرض الشعر يدٌ غير قصيرة ، وله تآليف قيّمة منها رسالةٌ في الكلام ، تلمّذ لأساتذته في الفنون منهم : العلاّمة الشيخ صالح البحراني نزيل الهند ، والفاضل الحكيم محمد بن صالح الجيلاني نزيل اليمن ، ولد سنة (١٠٦٢) في شهر صفر. أخذنا الترجمة والشعر ملخّصاً من نسمة السحر (١) (ج ٢).

__________________

(١) نسمة السحر : مج ٩ / ج ٢ / ٤٨٦.

٥١٩

انتهى الجزء الحادي عشر من الغدير

ويتلوه الجزء الثاني عشر

ويبدأ ببقيّة شعراء الغدير في القرن الثاني عشر

والحمد لله أوّلاً وآخراً.

٥٢٠