🚘

الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ١١

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي

الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ١١

المؤلف:

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي


المحقق: مركز الغدير للدّراسات الإسلاميّة
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
المطبعة: فروردين
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٣١
🚘 نسخة غير مصححة

البيّنة أنَّه يحبُّ عليّا وأهل بيته فامحوه من الديوان وأسقطوا عطاءه ورزقه ، وشفع ذلك بنسخة أخرى : من اتّهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكّلوا به واهدموا داره. فلم يكن البلاء أشدّ ولا أكثر منه بالعراق ولا سيّما بالكوفة حتى أنَّ الرجل من شيعة عليّ عليه‌السلام ليأتيه من يثق به فيدخل بيته فيلقي إليه سرّه ويخاف من خادمه ومملوكه ولا يُحدّثه حتى يأخذ عليه الأيمان الغليظة ليكتمن عليه ، فظهر حديث كثير موضوع وبهتان منتشر. إلى آخره.

استخلف زياد على البصرة سمرة بن جندب لمّا كتب معاوية إلى زياد بعهده على الكوفة والبصرة ، فكان زياد يقيم ستّة أشهر بالكوفة وستّة أشهر بالبصرة ، وسمرة من الذين أسرفوا في القتل على علمٍ من معاوية بل بأمرٍ منه.

أخرج الطبري من طريق محمد بن سليم ، قال : سألت أنس بن سيرين : هل كان سمرة قتل أحداً؟ قال : وهل يُحصى من قتل سمرة بن جندب؟ استخلفه زياد على البصرة وأتى الكوفة فجاء وقد قتل ثمانية آلاف من الناس ، فقال له معاوية : هل تخاف أن تكون قد قتلت أحداً بريئاً؟ قال : لو قتلت إليهم مثلهم ما خشيت ، أو كما قال.

قال أبو سوار العدوي : قتل سمرة من قومي في غداة سبعة وأربعين رجلاً قد جمع القرآن.

وروى بإسناده عن عوف ، قال : أقبل سمرة من المدينة فلمّا كان عند دور بني أسد خرج رجل من أزقّتهم ففجأ أوائل الخيل فحمل عليه رجل من القوم فأوجره الحربة ، قال : ثم مضت الخيل فأتى عليه سمرة بن جندب وهو متشحّطٌ في دمه فقال : ما هذا؟ قيل : أصابته أوائل خيل الأمير. قال : إذا سمعتم بنا قد ركبنا فاتّقوا أسنّتنا (١).

أعطى معاوية سمرة بن جندب من بيت المال أربعمائة ألف درهم على أن يخطب في أهل الشام بأنَّ قوله تعالى : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا

__________________

(١) تاريخ الطبري : ٦ / ١٣٢ [٥ / ٢٣٧ حوادث سنة ٥٠ ه‍]. (المؤلف)

٤١

وَيُشْهِدُ اللهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ* وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ) (١) أنَّها نزلت في عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام. وأنّ قوله تعالى : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ) (٢). نزل في ابن ملجم أشقى مراد (٣).

وأخرج الطبري من طريق عمر بن شبّه ، قال : مات زياد وعلى البصرة سمرة ابن جندب خليفةً له ، فأقرَّ سمرة على البصرة ثمانية عشر شهراً. قال عمر : وبلغني عن جعفر الضبعي قال : أقرَّ معاوية سمرة بعد زياد ستّة أشهر ثم عزله ، فقال سمرة : لعن الله معاوية والله لو أطعت الله كما أطعت معاوية ما عذّبني أبداً.

وروى من طريق سليمان بن مسلم العجلي ، قال : سمعت أبي يقول : مررت بالمسجد فجاء رجلٌ إلى سمرة فأدّى زكاة ماله ، ثم دخل فجعل يصلّي في المسجد ، فجاء رجلٌ فضرب عنقه فإذا رأسه في المسجد وبدنه ناحية ، فمرّ أبو بكرة فقال : يقول الله سبحانه : (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى* وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى) (٤). قال أبي : فشهدت ذلك فما مات سمرة حتى أخذه الزمهرير ، فمات شرّ ميتة. قال : وشهدته وأُتي بناس كثير وأُناس بين يديه فيقول للرجل : ما دينك؟ فيقول : أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، وأنَّ محمداً عبده ورسوله ، وأنِّي بريءٌ من الحروريّة. فيقدّم فيضرب عنقه حتى مرّ بضعة وعشرون.

تاريخ الطبري (٥) (٦ / ١٦٤).

وفي مقدّم عمّال معاوية الحاملين عداء سيّد العترة ، المهاجمين شيعة آل الله بكلّ

__________________

(١) البقرة : ٢٠٤ ـ ٢٠٥.

(٢) البقرة : ٢٠٧.

(٣) شرح ابن أبي الحديد : ١ / ٣٦١ [٤ / ٧٣ خطبة ٥٦]. (المؤلف)

(٤) الأعلى : ١٤ ـ ١٥.

(٥) تاريخ الأمم والملوك : ٥ / ٢٩١ ـ ٢٩٢ حوادث سنة ٥٣ ه‍.

٤٢

قوىً متيسّرة : زياد بن سميّة ، ومن الزائد جدّا بحثنا عن جرائمه الوبيلة التي حفظها له التاريخ ، واسودّت بها صفحات تاريخه ، ولا بدع وهو وليد البغاء من الأدعياء المشهورين ، ربيب حجر سميّة البغيّ ، والإناء إنّما يترشّح بما فيه ، والشوك لا يثمر العنب ، وقد صدق النبيّ الكريم في قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في السبطين ووالديهما : «لا يحبّهم إلاّ سعيد الجدّ طيّب المولد ، ولا يبغضهم إلاّ شقي الجدّ رديّ المولد». وكان السلف يبور أولادهم (١) بحبّ عليّ عليه‌السلام فمن كان لا يحبّه علموا أنَّه لغير رشدة (٢). فلا تعجب من الدعيّ ومن كتابه القارص إلى الإمام السبط الحسن الزكي عليه‌السلام قد شفع إليه في رجل من شيعته. قال ابن عساكر : كان سعد بن سرح مولى حبيب بن عبد شمس من شيعة عليّ بن أبي طالب ، فلمّا قدم زياد الكوفة والياً عليها أخافه وطلبه زياد ، فأتى الحسن ابن عليّ فوثب زياد على أخيه وولده وامرأته وحبسهم وأخذ ماله وهدم داره ، فكتب الحسن إلى زياد : «من الحسن بن عليّ إلى زياد. أمّا بعد : فإنَّك عمدت إلى رجل من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم ، فهدمت داره ، وأخذت ماله وعياله فحبستهم ، فإذا أتاك كتابي هذا فابن له داره ، واردد عليه عياله وماله ، فإنّي قد أجرته فشفِّعني فيه». فكتب إليه زياد :

من زياد بن أبي سفيان إلى الحسن بن فاطمة. أمّا بعد : فقد أتاني كتابك تبدأ فيه بنفسك قبلي وأنت طالب حاجة وأنا سلطان ، وأنت سوقة كتبتَ إليَّ في فاسق لا يؤبه به ، وشرٌّ من ذلك تولّيه أباك وإيّاك ، وقد علمت أنّك أدنيته إقامةً منك على سوء الرأي ورضى منك بذلك ، وايم الله لا تسبقني به ، ولو كان بين جلدك ولحمك ، وإن نلت بعضك فغير رفيق بك ولا مرع عليك ، فإنَّ أحبَّ لحم إليَّ أن آكل منه اللحم الذي أنت منه ، فسلّمه بجريرته إلى من هو أولى به منك ، فإن عفوتُ عنه لم أكن

__________________

(١) أي : يختبرون طيب مولدهم.

(٢) مرّت تلكم الأحاديث [في الجزء ٣ وغيره وفي مواضع كثيرة] وستأتي في مسند المناقب ومرسلها. (المؤلف)

٤٣

شفّعتك فيه ، وإن قتلته لم أقتله إلاّ لحبّه أباك الفاسق ، والسلام (١).

ولمّا بلغ موته ابن عمر قال : يا ابن سميّة لا الآخرة أدركت ولا الدنيا بقيت عليك.

كان زياد جمع الناس بالكوفة بباب قصره يحرِّضهم على لعن عليّ عليه‌السلام. وفي لفظ البيهقي : يحرّضهم على البراءة من عليّ كرّم الله وجهه ، فملأ منهم المسجد والرحبة فمن أبى ذلك عرضه على السيف. وعن المنتظم لابن الجوزي (٢) : أنّ زياداً لمّا حصبه أهل الكوفة وهو يخطب على المنبر قطع أيدي ثمانين منهم ، وهمّ أن يخرّب دورهم ، ويجمّر نخلهم ، فجمعهم حتى ملأ بهم المسجد والرحبة يعرضهم على البراءة من علي عليه‌السلام ، وعلم أنّهم سيمتنعون فيحتجُّ بذلك على استئصالهم وإخراب بلدهم. فذكر عبد الرحمن بن السائب ، قال : أحضرت فصرت إلى الرحبة ومعي جماعة من الأنصار ، فرأيت شيئاً في منامي وأنا جالسٌ في الجماعة وقد خفقت ، وهو أنّي رأيت شيئاً طويلاً قد أقبل فقلت : ما هذا؟ فقال : أنا النقّاد ذو الرقبة بُعثت إلى صاحب هذا القصر ، فانتبهت فزعاً فما كان إلاّ مقدار ساعة حتى خرج خارجٌ من القصر فقال : انصرفوا فإنّ الأمير عنكم مشغولٌ ، وإذا به قد أصابه ما ذكرنا من البلاء ، وفي ذلك يقول عبد الله بن السائب :

ما كان منتهياً عمّا أراد بنا

حتى تأتّى له النقّاد ذو الرقبه

فأسقط الشق منه ضربةٌ ثبتت

لمّا تناول ظلماً صاحب الرحبه (٣)

__________________

(١) تاريخ ابن عساكر : ٥ / ٤١٨ [١٩ / ١٩٨ رقم ٢٣٠٩ ، وفي مختصر تاريخ دمشق : ٩ / ٨٦] ، شرح ابن أبي الحديد : ٤ / ٧ ، ٧٢ [١٦ / ١٨ كتاب ٣١ ، ص ١٩٤ كتاب ٤٤]. (المؤلف)

(٢) المنتظم : ٥ / ٢٦٣ رقم ٣٧٠.

(٣) مروج الذهب : ٢ / ٦٩ [٣ / ٣٦ ـ ٣٧] ، المحاسن والمساوئ للبيهقي : ١ / ٣٩ [ص ٥٤ ـ ٥٥] ، قال المسعودي والبيهقي : صاحب الرحبة هو عليّ بن أبي طالب ، شرح ابن أبي الحديد : ١ / ٢٨٦ [٣ / ١٩٩ كتاب ٤٧] نقلاً عن ابن الجوزي. (المؤلف)

٤٤

قال الأميني : هلمَّ معي نقرأ هذه الصحائف السوداء المحشوّة بالمخازي وشية العار ، المملوّة بالموبقات والبوائق ، فننظر هل في الشريعة البيضاء ، أو في نواميس البشريّة ، أو في طقوس العدل مساغٌ لشيء منها؟ دع ذلك كلّه هل تجد في عادات الجاهليّة مبرّراً لشيء من تلكم الهمجيّة؟ وهل فعل أولئك الأشقياء الأشدّاء في أيّامهم المظلمة فعلاً يربو على مخاريق ابن هند؟ لا. وإنَّك لا تسمع عن أحد ممّن يحمل عاطفة إنسانيّة ، ولا أقول ممّن يعتنق الدين الحنيف فحسب ، يستبيح شيئاً من ذلك أو يحبِّذ مخزاةً من تلكم المخازي ، وهل تجد معاوية وهذه جناياته من مصاديق قوله تعالى : (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ) الآية (١)؟ فهل ترى ابن أبي سفيان خارجاً عنهم؟ فليس هو من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولا ممّن معه ، ولا رحيماً بهم ، أو أنَّ من ناوأه وعاداه وسبّه وآذاه وقتله وهتكه خارجون عن ربقة الإسلام؟

فهو شديدٌ عليهم وهم خيرةُ أُمّة محمد المسلمة ، تراهم ركّعاً سجّداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً. فالحكم للنصفة لا غيرها.

كأنَّ هاهنا نسيت ثارات عثمان وعادت تبعة أُولئك المضطهدين محض ولاء عليّ أمير المؤمنين عليه‌السلام وقد قرن الله ولايته بولايته وولاية رسوله ، وحبّهم لمن يحبّه الله ورسوله ، وطاعتهم لمن فرض الله طاعته ، وودّهم من جعل الله ودّه أجر الرسالة. فلم يقصد معاوية وعمّاله أحداً بسوء إلاّ هؤلاء ، فطفق يرتكب منهم ما لا يُرتكب إلاّ من أهل الردّة والمحادّة لله ولرسوله. فكان الطريد اللعين ابن الطريد اللعين مروان ، وأزنى ثقيف مغيرة بن شعبة ، وأُغيلمة قريش الفسقة في أمنٍ ودعة ، وكان يولِّي لأعماله الزعانفة الفجرة أعداء أهل بيت الوحي : بُسر بن أرطاة ، ومروان بن الحكم ، ومغيرة بن شعبة ، وزياد بن أبيه ، وعبد الله الفزاري ، وسفيان بن عوف ، والنعمان بن

__________________

(١) الفتح : ٢٩.

٤٥

بشير ، والضحّاك بن قيس ، وسمرة بن جندب ، ونظراءهم ، يستعملهم على عباد الله وهو يعرفهم حقّ المعرفة ولا يبالي بقول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «من تولّى من أمر المسلمين شيئاً فاستعمل عليهم رجلاً وهو يعلم أنّ فيهم من هو أولى بذلك وأعلم بكتاب الله وسنّة رسوله فقد خان الله ورسوله وجميع المؤمنين» (١). فكانوا يقترفون السيئات ، ويجترحون المآثم بأمر منه ورغبة ، ولم تكن عنده حريجة من الدين تزعه عن تلكم الجرائم ، فأمر بالإغارة على مكة المكرّمة وقد جعلها الله بلداً آمناً يأمن من حلَّ بها وإن كان كافراً ، ولأهلها وطيرها ووحشها ونباتها حرمات عند الله ، وهي التي حقنت دم أبي سفيان ومن على شاكلته من حاملي ألوية الكفر والإلحاد ، فكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يرعاها كلّ الرعاية يوم الفتح وغيره ، فما عامل أهلها هو وجيشه الفاتح إلاّ بكلّ جميل ، وكان صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : «إنَّ هذا بلد حرم الله يوم خلق السموات والأرض ، وهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ، وإنّه لم يحلّ القتال فيه لأحد قبلي ، ولم يحلّ لي إلاّ ساعة من نهار ، فهو حرامٌ بحرمة الله إلى يوم القيامة ، لا يعضد شوكه ، ولا ينفر صيده ، ولا يلتقط لقطته إلاّ من عرفها ولا يختلى خلاها» (٢).

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إنّ مكة حرّمها الله ولم يحرمها الناس ، فلا يحلُّ لأمرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً ، ولا يعضد بها شجرة ، فإن أحدٌ ترخّص لقتال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقولوا له : إن الله أذن لرسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم يأذن لكم ، وإنَّما أذن لي ساعةً من نهار ، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس ، وليبلّغ الشاهد الغائب» (٣). وأمر ابن هند بالاستحواذ على مدينة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإخافة أهلها والوقيعة فيهم واستقراء من يوجد فيها من شيعة عليّ أمير المؤمنين صلوات الله عليه ، وللمدينة

__________________

(١) مجمع الزوائد : ٥ / ٢١١. (المؤلف)

(٢) صحيح البخاري ، باب لا يحلّ القتال بمكة : ٣ / ١٦٨ [٢ / ٦٥١ ح ١٧٣٧] ، صحيح مسلم : ٤ / ١٠٩ [٣ / ١٦٠ ح ٤٤٥ كتاب الحج]. (المؤلف)

(٣) صحيح البخاري : باب لا يعضد شجر الحرم : ٣ / ١٦٧ [٢ / ٦٥١ ح ١٧٣٥]. (المؤلف)

٤٦

المنوّرة في الإسلام حرمتها الثابتة ، ولنبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيها قوله الصادق : «المدينة حرم ما بين عائر إلى كذا ، من أحدث فيها حدثاً (١) أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل منه صرفٌ ولا عدل ، ذمّة المسلمين واحدة ، فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل منه صرفٌ ولا عدلٌ» (٢).

وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لا يكيد أهل المدينة أحدٌ إلاّ انماع كما ينماع الملح في الماء» (٣)

وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لا يريد أحدٌ أهل المدينة بسوء إلاّ أذابه الله في النار ذوب الرصاص أو ذوب الملح في الماء» (٤).

وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «اللهمّ إنّ إبراهيم حرّم مكة فجعلها حرماً وإنِّي حرّمت المدينة حراماً ما بين مأزميها ، أن لا يهراق فيها دمٌ ، ولا يحمل فيها سلاحٌ لقتال ، ولا تخبط فيها شجرةٌ إلاّ لعلف» (٥).

وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «من أراد أهل هذه البلدة بسوء ـ يعني المدينة ـ أذابه الله كما يذوب الملح في الماء». وفي لفظ سعد : «من أراد أهل المدينة بسوء أذابه الله ...» (٦).

وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «المدينة حرمٌ من كذا إلى كذا ، لا يقطع شجرها ، ولا يحدث فيها

__________________

(١) قال القاضي عياض : معنى قوله : «من أحدث فيها حدثاً أو آوى محدثاً ...» ؛ من أتى فيها إثماً أو آوى من أتاه. (المؤلف)

(٢) صحيح البخاري : ٣ / ١٧٩ [٢ / ٦٦١ ح ١٧٧١] ، صحيح مسلم : ٤ / ١١٤ ، ١١٥ ، ١١٦ [٣ / ١٦٧ ـ ١٦٩ ح ٤٦٣ ـ ٤٧٠ كتاب الحج] ، مسند أحمد : ١ / ٨١ ، ١٢٦ ، ١٥١ و ٢ / ٤٥٠ [١ / ١٣١ ح ٦١٦ ، ص ٢٠٣ ح ١٠٤٠ ، ص ٢٤٤ ح ١٣٠٠ ، ٣ / ٢٠٢ ح ٩٥١٥] ، سنن البيهقي : ٥ / ١٩٦ ، سنن أبي داود : ١ / ٣١٨ [٢ / ٢١٦ ح ٢٠٣٤]. (المؤلف)

(٣) صحيح البخاري : ٣ / ١٨١ [٢ / ٦٦٤ ح ١٧٧٨]. (المؤلف)

(٤) صحيح مسلم : ٤ / ١١٣ [٣ / ١٦٦ ح ٤٦٠ كتاب الحج]. (المؤلف)

(٥) صحيح مسلم : ٤ / ١١٧ [٣ / ١٧١ ح ٤٧٥ كتاب الحج] ، سنن أبي داود : ١ / ٣١٨ [٢ / ٢١٦ ح ٢٠٣٥] ، واللفظ لمسلم. (المؤلف)

(٦) صحيح مسلم : ٤ / ١٢١ ، ١٢٢ [٣ / ١٧٦ ـ ١٧٧ ح ٤٩٣ و ٤٩٤ كتاب الحج]. (المؤلف)

٤٧

حدثٌ ، من أحدث حدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» (٧).

وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «أيّما جبّار أراد المدينة بسوء أذابه الله تعالى كما يذوب الملح في الماء». وفي لفظ : «من أراد أهل هذه البلدة بدهمٍ أو بسوء» (٨).

وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : فيما أخرجه الطبراني (٩) برجال الصحيح : «اللهمّ من ظلم أهل المدينة وأخافهم فأخفه ، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل منه صرفٌ ولا عدلٌ» (١٠).

وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «من أخاف أهل المدينة أخافه الله يوم القيامة ، وغضب عليه ، ولم يقبل منه صرفاً ولا عدلاً» (١١).

وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيما أخرجه النسائي (١٢) : «من أخاف أهل المدينة ظالماً لهم أخافه الله ، وكانت عليه لعنة الله» (١٣). وفي لفظ ابن النجّار : «من أخاف أهل المدينة ظلماً أخافه الله وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين».

وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «من أخاف أهل المدينة فقد أخاف ما بين جنبيَّ». أخرجه أحمد في مسنده (١٤) (٣ / ٣٥٤) بالإسناد عن جابر بن عبد الله : إنَّ أميراً من أُمراء الفتنة قدم المدينة وكان قد ذهب بصر جابر فقيل لجابر : لو تنحّيت عنه ، فخرج يمشي بين ابنيه فنكب فقال : تعس من أخاف رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. فقال ابناه أو أحدهما : يا أبت

__________________

(٧) صحيح البخاري : ٣ / ١٧٨ [٢ / ٦٦١ ح ١٧٦٨] ، سنن البيهقي : ٥ / ١٩٧. (المؤلف)

(٨) وفاء الوفا للسمهودي : ١ / ٣١ [١ / ٤٤]. (المؤلف)

(٩) المعجم الكبير : ٧ / ١٤٤ ح ٦٦٣٦.

(١٠) وفاء الوفا : ١ / ٣١ [١ / ٤٥] وصحّحه. (المؤلف)

(١١) وفاء الوفا : ١ / ٣١ ، فيض القدير : ٦ / ٤٠ [ح ٨٣٤٧]. (المؤلف)

(١٢) السنن الكبرى : ٢ / ٤٨٣ ح ٤٢٦٦.

(١٣) وفاء الوفا : ١ / ٣١ [١ / ٤٥]. (المؤلف)

(١٤) مسند أحمد : ٤ / ٣٢٢ ح ١٤٤٤.

٤٨

وكيف أخاف رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد مات؟ قال : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : «من أخاف ...» الحديث.

قلت : الأمير المشار إليه هو بُسر بن أرطاة كما في وفاء الوفا للسمهودي (١) (١ / ٣١) وصحّح الحديث.

وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيما أخرجه الطبراني في الكبير (٢) : «من آذى أهل المدينة آذاه الله ، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، ولا يُقبل منه صرفٌ ولا عدلٌ».

وفاء الوفا (٣) (١ / ٣٢).

نعم ؛ إنَّ بُسراً لم يلو على شيء من ذلك وإنَّما اؤتمر بما سوّل له معاوية من هتك الحرمات بقتل الرجال ، وسبي النساء ، وذبح الأطفال ، وهدم الديار ، وشتم الأعراض ، وما رعى لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلاّ ولا ذمّةً في مجاوري حرم أمنه ، وساكني حماه المنيع فخفر ذمّته كما هتك حرمته ، واستخفَّ بجواره ؛ وآذاه بإباحة حرمة حرم الله تعالى ، (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) (٤) (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ) (٥) ، فيا لها من جرأة تقحّم صاحبها في المحادّة لله ولرسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ودينه القويم.

كما أنَّ يزيد كان يحذو حذو أبيه في جرائمه الوبيلة وشنّ الغارة على أهل المدينة المشرّفة ، وبعث مسلم بن عقبة الهاتك الفاتك إلى هتك ذلك الجوار المقدّس بوصيّة من والده الآثم.

__________________

(١) وفاء الوفا : ١ / ٤٦ الباب ٢.

(٢) المعجم الكبير : ٧ / ١٤٣ ح ٦٦٣١.

(٣) وفاء الوفا : ١ / ٤٦ الباب ٢.

(٤) التوبة : ٦١.

(٥) الأحزاب : ٥٧.

٤٩

قال السمهودي في وفاء الوفا (١) (١ / ٩١) : وأخرج ابن أبي خيثمة ؛ بسند صحيح إلى جويرية بنت أسماء : سمعت أشياخ المدينة يتحدّثون أنّ معاوية رضى الله عنه لمّا احتضر دعا يزيد فقال له : إنَّ لك من أهل المدينة يوماً فإن فعلوا فارمهم بمسلم بن عقبة فإنّي عرفت نصيحته. فلمّا ولي يزيد وفد عليه عبد الله بن حنظلة وجماعة ، فأكرمهم وأجازهم ، فرجع فحرّض الناس على يزيد وعابه ودعاهم إلى خلع يزيد فأجابوه ، فبلغ ذلك يزيد فجهّز إليهم مسلم بن عقبة. إلى آخره.

وأخرجه البلاذري في أنساب الأشراف (٢) (٥ / ٤٣) بلفظ أبسط من لفظ السمهودي.

معاوية

وحُجر بن عدي وأصحابه

إنّ معاوية استعمل مغيرة بن شعبة على الكوفة سنة إحدى وأربعين ، فلمّا أمّره عليها دعاه وقال له : أمّا بعد : فإنَ لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا. وقد قال المتلمّس :

لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا

وما علّم الإنسان إلاّ ليعلما

وقد يجزي عنك الحكيم بغير التعليم ، وقد أردت إيصاءك بأشياء كثيرة فأنا تاركها اعتماداً على بصرك بما يرضيني ، ويسعد سلطاني ، ويصلح رعيّتي ، ولست تارك إيصائك بخصلة : لا تقهم عن شتم عليّ وذمِّه ، والترحّم على عثمان والاستغفار له ، والعيب على أصحاب عليّ والإقصاء لهم ، وترك الاستماع منهم ، وإطراء شيعة عثمان رضوان الله عليه والإدناء لهم ، والاستماع منهم. فقال المغيرة : قد جرَّبت وجُرِّبت وعملت قبلك لغيرك ، فلم يذمم بي رفع ولا وضع ، فستبلو فتحمد أو تذمّ. ثم قال : بل نحمد إن شاء الله. فأقام المغيرة عاملاً على الكوفة سبع سنين وأشهراً وهو من أحسن شيء سيرة وأشدّه حبّا للعافية ، غير أنّه لا يدع شتم عليّ والوقوع فيه والعيب

__________________

(١) وفاء الوفا : ١ / ١٣٠ الباب ٢.

(٢) أنساب الأشراف : ٥ / ٣٣٧.

٥٠

لقتلة عثمان واللعن لهم ، والدعاء لعثمان بالرحمة والاستغفار له والتزكية لأصحابه ، فكان حُجر بن عديّ إذا سمع ذلك قال : بل إيّاكم فذمّ الله ولعن ، ثم قام وقال : إنَّ الله يقول : (كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ) (١) وأنا أشهد أنَّ من تذمُّون وتعيّرون لأحقُّ بالفضل ، وأنَّ من تزكّون وتطرون أولى بالذمّ. فيقول له المغيرة : يا حُجر لقد رمي بسهمك إذ كنت أنا الوالي عليك ، يا حُجر ويحك اتّق السلطان ، اتّق غضبه وسطوته ، فإنَّ غضب السلطان أحياناً ممّا يُهلك أمثالك كثيراً ، ثم يكفُّ عنه ويصفح ، فلم يزل حتى كان في آخر إمارته قام المغيرة فقال في عليّ وعثمان كما كان يقول وكانت مقالته : اللهمّ ارحم عثمان بن عفّان ، وتجاوز عنه واجزه بأحسن عمله ، فإنّه عمل بكتابك واتّبع سنّة نبيّك صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وجمع كلمتنا ، وحقن دماءنا ، وقُتل مظلوماً (٢) ، اللهمّ فارحم أنصاره وأولياءه ومحبّيه والطالبين بدمه. ونال من عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ولعنه ولعن شيعته ، فوثب حُجر فنعر نعرةً أسمعت كلّ من كان في المسجد وخارجة وقال : إنّك لا تدري بمن تولع من هرمك أيّها الإنسان مُر لنا بأرزاقنا وأُعطياتنا فإنّك قد حبستها عنّا ولم يكن ذلك لك ، ولم يكن يطمع في ذلك من كان قبلك ، وقد أصبحت مولعاً بذمِّ أمير المؤمنين ، وتقريظ المجرمين. فقام معه أكثر من ثلثي الناس يقولون : صدق والله حُجر وبرّ ، مُر لنا بأرزاقنا وأعطياتنا فإنّا لا ننتفع بقولك هذا ولا يُجدي علينا شيئاً. وأكثروا في مثل هذا القول ، فنزل المغيرة فدخل القصر فاستأذن عليه قومه فأذن لهم فقالوا : علام تترك هذا الرجل يقول هذه المقالة ويجترئ عليك في سلطانك هذه الجرأة؟ فيوهن سلطانك ، ويسخط عليك أمير المؤمنين معاوية ، وكان أشدّهم له قولاً في أمر حُجر والتعظيم عليه عبد الله بن أبي عقيل الثقفي ، فقال لهم المغيرة : إنّي قد قتلته إنّه سيأتي أميرٌ بعدي فيحسبه مثلي فيصنع

__________________

(١) النساء : ١٣٥.

(٢) هذه كلّها تخالف ما هو الثابت المعلوم من سيرة عثمان كما فصّلنا القول فيها في الجزء الثامن والتاسع. (المؤلف)

٥١

به شبيهاً بما ترونه يصنع بي ، فيأخذه عند أول وهلة فيقتله شرّ قتلة ، إنّه قد اقترب أجلي ، وضعف عملي ، ولا أحبّ أن أبتدئ أهل هذا المصر بقتل خيارهم وسفك دمائهم ، فيسعدوا بذلك وأشقى ، ويعزّ في الدنيا معاوية ، ويذلّ يوم القيامة المغيرة.

ثم هلك المغيرة سنة (٥١) فجمعت الكوفة والبصرة لزياد ـ ابن سميّة ـ فأقبل زياد حتى دخل القصر بالكوفة ووجّه إلى حُجر فجاءه ، وكان له قبل ذلك صديقاً ، فقال له : قد بلغني ما كنت تفعله بالمغيرة فيحتمله منك وإنّي والله لا أحتملك على مثل ذلك أبداً ، أرأيت ما كنت تعرفني به من حبّ علي وودّه ، فإنّ الله قد سلخه من صدري فصيّره بغضاً وعداوة ، وما كنت تعرفني به من بغض معاوية وعداوته فإنّ الله قد سلخه من صدري وحوّله حبّا ومودّة ، وإنّي أخوك الذي تعهد ، إذا أتيتني وأنا جالسٌ للناس فاجلس معي على مجلسي ، وإذا أتيت ولم أجلس للناس فاجلس حتى أخرج إليك ، ولك عندي في كلِّ يوم حاجتان : حاجة غدوة ، وحاجة عشية ، إنّك إن تستقم تسلم لك دنياك ودينك ، وإن تأخذ يميناً وشمالاً تهلك نفسك ، وتشطُّ عندي دمك ، إنّي لا أُحبُّ التنكيل قبل التقدمة ، ولا آخذ بغير حجّة ، اللهمّ اشهد. فقال حُجر : لن يرى الأمير منّي إلاّ ما يُحب وقد نصح وأنا قابلٌ نصيحته. ثم خرج من عنده.

ولمّا ولي زياد ، جمع أهل الكوفة فملأ منهم المسجد والرحبة والقصر ليعرضهم على البراءة من عليّ (١) ، فقام في الناس وخطبهم ثم ترحّم على عثمان وأثنى على أصحابه ولعن قاتليه ، فقام حُجر ففعل مثل الذي كان يفعل بالمغيرة ، وكان زياد يقيم ستّة أشهر في الكوفة وستّة أشهر في البصرة ، فرجع إلى البصرة واستخلف على الكوفة عمرو بن حريث ، فبلغه أنّ حُجراً يجتمع إليه شيعة عليّ ويظهرون لعن معاوية والبراءة منه ، وأنّهم حصبوا عمرو بن حريث فشخص إلى الكوفة حتى دخلها فأتى القصر فدخله ثم خرج فصعد المنبر وعليه قباء سندس ومطرف خزّ أخضر قد فرق

__________________

(١) تاريخ ابن عساكر : ٥ / ٤٢١ [١٩ / ٢٠٣ ، وفي مختصر تاريخ دمشق : ٩ / ٨٨]. (المؤلف)

٥٢

شعره وحُجرٌ جالسٌ في المسجد حوله أصحابه أكثر ما كانوا ، فصعد المنبر وخطب وحذّر الناس وقال : أما بعد : فإنَّ غبّ البغي والغيّ وخيمٌ ، إنَّ هؤلاء جمّوا فأشروا ، وأمنوني فاجترؤوا على الله ، وايم الله لئن لم تستقيموا لأداوينّكم بدوائكم ، ولست بشيء إن لم أمنع باحة الكوفة من حُجر ، وأدعه نكالاً لمن بعده ، ويل أُمّك يا حُجر سقط العشاء بك على سرحان (١).

ثم قال لشدّاد بن الهيثم الهلالي أمير الشرطة : اذهب فأتني بحُجر ، فذهب إليه فدعاه فقال أصحابه : لا يأتيه ولا كرامة فسبّوا الشرط فرجعوا إلى زياد فأخبروه ، فقال : يا أشراف أهل الكوفة أتشجّون بيد وتأسون بأخرى؟ أبدانكم عندي وأهواؤكم مع هذا الهجاجة المذبوبة (٢). وفي الكامل (٣) : أبدانكم معي وقلوبكم مع حُجر الأحمق. والله ليظهرنَّ لي براءتكم أو لآتينّكم بقوم أقيم بهم أودكم وصعركم. فقالوا : معاذ الله أن يكون لنا رأي إلاّ طاعتك وما فيه رضاك. قال : فليقم كلّ رجل منكم فليدع من عند حُجر من عشيرته وأهله. ففعلوا وأقاموا أكثر أصحابه عنه ، وقال زياد لصاحب شرطته : انطلق إلى حُجر فإن تبعك فأتني به وإلاّ فشدّوا عليهم بالسيوف حتى تأتوني به ، فأتاه صاحب الشرطة يدعوه فمنعه أصحابه من إجابته فحمل عليهم ، فقال أبو العمرطة الكندي لحُجر : إنَّه ليس معك رجلٌ معه سيفٌ غيري فما يغني سيفي؟ قم فالحق بأهلك يمنعك قومك.

فقام وزياد ينظر إليهم وهو على المنبر وغشيهم أصحاب زياد فضرب رجلٌ من الحمراء يقال له بكر بن عبيد رأس عمرو بن الحمق بعمود فوقع وحمله رجلان من الأزد وأتيا به دار رجل يقال له عبيد الله بن موعد (٤) الأزدي ، وضرب بعض

__________________

(١) يضرب في طلب الحاجة يؤدّي صاحبها إلى التلف. مجمع الأمثال : ٢ / ٩٧ رقم ١٧٦٤.

(٢) في لفظ الطبري [في تاريخه : ٥ / ٢٥٧ حوادث سنة ٥١] : الهجهاجة : الأحمق المذبوب. (المؤلف)

(٣) الكامل في التاريخ : ٢ / ٤٨٩ حوادث سنة ٥١.

(٤) في تاريخ الطبري : عبيد الله بن مالك.

٥٣

الشرطة يد عائذ بن حملة التميمي وكسر نابه ، وأخذ عموداً من بعض الشرط فقاتل به وحمى حُجراً وأصحابه حتى خرجوا من أبواب كندة.

مضى حُجر وأبو العمرطة إلى دار حُجر واجتمع إليهما ناسٌ كثيرٌ ولم يأته من كندة كثير أحد ، فأرسل زياد وهو على المنبر مذحج وهمدان إلى جبّانة كندة وأمرهم أن يأتوه بحُجر ، وأرسل سائر أهل اليمن إلى جبّانة الصائدين وأمرهم أن يمضوا إلى صاحبهم حُجر فيأتوه به ، ففعلوا فدخل مذحج وهمدان إلى جبّانة كندة فأخذوا كلَّ من وجدوا ، فأثنى عليهم زياد ، فلمّا رأى حُجر قلّة من معه أمرهم بالانصراف وقال لهم : لا طاقة لكم بمن قد اجتمع عليكم وما أُحبّ أن تهلكوا ، فخرجوا فأدركهم مذحج وهمدان فقاتلوهم وأسروا قيس بن يزيد ونجا الباقون ، فأخذ حُجر طريقاً إلى بني حوت فدخل دار رجل منهم يقال له سليم بن يزيد ، وأدركه الطلب فأخذ سليم سيفه ليقاتل ، فبكت بناته فقال حُجر : بئسما أدخلت على بناتك إذا قال : والله لا تؤخذ من داري أسيراً ولا قتيلاً وأنا حيٌّ ، فخرج حُجر من خوخة في داره ، فأتى النخع فنزل دار عبد الله بن الحارث أخي الأشتر فأحسن لقاءه فبينما هو عنده إذ قيل له : إنّ الشرط تسأل عنك في النخع. وسبب ذلك أنَّ أمة سوداء لقيتهم فقالت : من تطلبون؟ فقالوا : حُجر بن عدي. فقالت : هو في النخع. فخرج حُجر من عنده فأتى الأزد فاختفى عند ربيعة بن ناجد ، فلمّا أعياهم طلبه دعا زياد محمد بن الأشعث وقال له : والله لتأتيني به أو لأقطعنَّ كلّ نخلة لك وأهدم دورك ، ثم لا تسلم منّي حتى أُقطِّعك إرباً إرباً. فاستمهله فأمهله ثلاثاً. وأُحضر قيس بن يزيد أسيراً فقال له زياد : لا بأس عليك قد عرفت رأيك في عثمان وبلاءك مع معاوية بصفّين وأنّك إنّما قاتلت مع حُجر حميّة وقد غفرتها لك ولكن ائتني بأخيك عُمير. فاستأمن له منه على ماله ودمه فأمنه فأتاه به وهو جريحٌ ، فأثقله حديداً ، وأمر الرجال أن يرفعوه ويلقوه ففعلوا به ذلك مراراً. فقال قيس بن يزيد لزياد : ألم تؤمنه؟ قال : بلى قد أمنته على دمه ولست أُهريق له دماً ، ثم ضمنه وخلّى سبيله.

٥٤

مكث حُجر بن عدي في بيت ربيعة يوماً وليلة ، فأرسل إلى محمد بن الأشعث يقول له ليأخذ له من زياد أماناً حتى يبعث به إلى معاوية ، فجمع محمد جماعةً منهم : جرير بن عبد الله وحُجر بن يزيد ، وعبد الله بن الحارث أخو الأشتر ، فدخلوا على زياد فاستأمنوا له على أن يرسله إلى معاوية ، فأجابهم فأرسلوا إلى حُجر بن عدي فحضر عند زياد فلمّا رآه قال : مرحباً بك أبا عبد الرحمن حربٌ في أيّام الحرب ، وحربٌ وقد سالم الناس ، على أهلها تجني براقش (١). فقال حُجر : ما خلعت طاعة ولا فارقت جماعة وإنّي لعلى بيعتي. فقال هيهات هيهات يا حُجر! أتشجُّ بيد وتأسو بأخرى؟ وتريد إذا أمكننا الله منك أن نرضى؟ كلاّ والله لأحرصنَّ على قطع خيط رقبتك. فقال : ألم تؤمنّي حتى آتي معاوية فيرى فيَّ رأيه؟ قال : بلى ، انطلقوا به إلى السجن ، فلمّا مضى به قال : أما والله لو لا أمانه ما برح حتى يلقط عصبه فأُخرج وعليه برنس في غداة باردة فحبس عشر ليال ، وزياد ماله غير الطلب لرؤوس أصحاب حُجر.

عمرو بن الحمق :

خرج عمرو بن الحمق ورفاعة بن شدّاد حتى نزلا المدائن ثم ارتحلا حتى أتيا الموصل فأتيا جبلاً فكمنا فيه ، وبلغ عامل ذلك الرستاق يقال له عُبيد الله بن أبي بلتعة خبرهما فسار إليهما في الخيل فخرجا إليه ، فأمّا عمرو فكان بطنه قد استسقى فلم يكن عنده امتناع. وأمّا رفاعة فكان شابّا قويّا فوثب على فرس له جواد وقال لعمرو : أُقاتل عنك؟ قال : وما ينفعني أن تقتل؟! انج بنفسك. فحمل عليهم فأفرجوا له حتى أخرجه فرسه وخرجت الخيل في طلبه وكان رامياً فلم يلحقه فارسٌ إلاّ رماه فجرحه أو عقره فانصرفوا عنه ، وأُخذ عمرو بن الحمق فسألوه من أنت؟ فقال : من إن تركتموه كان أسلم لكم ، وإن قتلتموه كان أضرّ عليكم. فسألوه فأبى أن يخبرهم

__________________

(١) مجمع الأمثال : ٢ / ٣٣٧ رقم ٢٤٢٧.

٥٥

فبعث به ابن أبي بلتعة إلى عامل الموصل وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان الثقفي ، فلمّا رأى عمراً عرفه وكتب إلى معاوية بخبره فكتب إليه معاوية : إنّه طعن عثمان تسع طعنات بمشاقص كانت معه ، وإنّا لا نريد أن نعتدي عليه فاطعنه تسع طعنات كما طعن عثمان. فأخرج فطعن تسع طعنات فمات في الأولى منهنَّ أو في الثانية وبعث برأسه إلى معاوية ، فكان رأسه أوّل رأس حمل في الإسلام.

قال الأميني : هذا الصحابيُّ العظيم ـ عمرو بن الحمق ـ الذي أخلقت وأبلت وجهه العبادة (١) محكومٌ عليه عند القوم وغيرهم بالعدالة وكون أقواله وأفعاله حجّة. لو لا أنَّ عدالة الصحابة تمطّط إلى أُناس معلومين بالخلاعة والمجون كمغيرة بن شعبة ، والحكم بن أبي العاص ، والوليد بن عقبة ، وعبد الله بن أبي سرح ، وزياد بن أبيه ، وأُغيلمة قريش من الشباب الزائف ممّن جرّت المخازي إليهم الويلات ، وتتقلّص عن آخرين أنهكتهم العبادة ، وحنّكتهم الشريعة ، وأبلتهم الطاعة كعمرو بن الحمق ، وحُجر بن عدي ، وعدي بن حاتم ، وزيد وصعصعة ابني صوحان ، ولداتهم.

أنا لا أدري ما كان المبرِّر للنيل من عمرو وقتله؟ وأيُّ جريمة أوجبت أن يُطعن بالطعنات التسع اللاتي أجهزت عليه أولاهنَّ أو ثانيتها؟ أمّا واقعة عثمان فكان الصحابة مجمعين عليها بين سبب ومباشر كما قدّمناه لكم في الجزء التاسع (ص ٦٩ ـ ١٦٩) فِلمَ لم يؤاخذوا عليها واختصّت المقاصّة أُناساً انقطعوا إلى ولاء مولانا أمير المؤمنين ولاء الله وولاء رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم؟ ولم يجهّز معاوية الجيوش ولا بعث البعوث على طلحة والزبير وهما أشدُّ الناس في أمر عثمان وأوغلهم في دمه؟! ومن ذا الذي أودى بعثمان غير معاوية نفسه في تثبّطه عن نصره وتربّصه به حتى بلغ السيف منه المحزّ (٢)؟ ولما ذا كان يندِّد ويهدِّد ، ويؤاخذ أهل المدينة وغيرهم بأنَّهم تخاذلوا عن نصرته ولا يفعل شيئاً عن ذلك بنفسه المتهاونة عن أمر الرجل؟ نعم ؛ كانت تلكم

__________________

(١) كذا وصفه الإمام السبط الحسين عليه‌السلام فيما مرّ من كتاب له إلى معاوية. (المؤلف)

(٢) راجع الجزء التاسع : ص ١٥٠ ـ ١٥٣. (المؤلف)

٥٦

الأفاعيل على من يوالي علياً صلوات الله عليه ، فهي مُنكمشة عمّن يعاديه ويقدمهم ابن آكلة الأكباد.

هل لمعاوية أن يثبت أنَّ هلاك عثمان كان بطعنات عمرو؟ وهؤلاء المؤرّخون ينصّون على أنَّ المجهز عليه هو كنانة بن بشر التجيبي ، وقد جاء في شعر الوليد بن عقبة :

ألا إنَّ خير الناس بعد ثلاثة

قتيل التجيبي الذي جاء من مصر

وقال هو أو غيره :

علاه بالعمود أخو تجيبٍ

فأوهى الرأسَ منه والجبينا (١)

وأخرج الحاكم في المستدرك (٢) (٣ / ١٠٦) بإسناده عن كنانة العدوي ، قال : كنت فيمن حاصر عثمان. قال : قلت : محمد بن أبي بكر قتله؟ قال : لا ، قتله جبلة بن الأيهم رجلٌ من أهل مصر. قال : وقيل : قتله كبيرة السكوني فقتل في الوقت. وقيل : قتله كنانة بن بشر التجيبي ، ولعلّهم اشتركوا في قتله لعنهم الله. وقال الوليد بن عقبة :

ألا إنَّ خير الناس بعد نبيّهم

قتيل التجيبي الذي جاء من مصر

وفي الاستيعاب (٣) (٢ / ٤٧٧ ، ٤٧٨) : كان أوّل من دخل الدار عليه محمد بن أبي بكر فأخذ بلحيته فقال : دعها يا ابن أخي والله لقد كان أبوك يكرمها. فاستحى وخرج ، ثم دخل رومان بن سرحان رجلٌ أزرق قصيرٌ محدودٌ عداده في مراد وهو من ذي أصبح معه خنجر فاستقبله به وقال : على أيّ دين أنت يا نعثل؟! فقال عثمان :

__________________

(١) الأنساب للبلاذري ٥ / ٩٨ [٦ / ٢٢١] ، تاريخ الطبري : ٥ / ١٣٢ [٤ / ٣٩٤ حوادث سنة ٣٥ ه‍]. (المؤلف)

(٢) المستدرك على الصحيحين : ٣ / ١١٤ ـ ١١٥ ح ٤٥٦٨.

(٣) الاستيعاب : القسم الثالث / ١٠٤٤ ، ١٠٤٦ رقم ١٧٧٨.

٥٧

لست بنعثل ولكنّي عثمان بن عفّان وأنا على ملّة إبراهيم حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين. قال : كذبت ، وضربه على صدغه الأيسر فقتله فخرَّ.

وقال : اختلف فيمن باشر قتله بنفسه فقيل : محمد بن أبي بكر ضربه بمشقص. وقيل : بل حبسه محمد بن أبي بكر وأسعده (١) غيره ، وكان الذي قتله سودان بن حمران وقيل : بل ولي قتله رومان اليمامي. وقيل : بل رومان رجلٌ من بني أسد بن خزيمة. وقيل : بل إنَّ محمد بن أبي بكر أخذ بلحيته فهزّها وقال : ما أغنى عنك معاوية ، وما أغنى عنك ابن أبي سرح ، وما أغنى عنك ابن عامر فقال له : يا بن أخي أرسل لحيتي فو الله إنّك لتجبذ لحية كانت تعزُّ على أبيك ، وما كان أبوك يرضى مجلسك هذا مني. فيقال : إنّه حينئذٍ تركه وخرج عنه. ويقال : إنّه حينئذٍ أشار إلى من كان معه فطعنه أحدهم وقتلوه. والله أعلم.

وأخرج أيضاً ما رويناه عن المستدرك بلفظ : فقال محمد بن طلحة : فقلت لكنانة : هل ندى محمد بن أبي بكر بشيء من دمه؟ قال : معاذ الله دخل عليه فقال له عثمان : يا بن أخي لست بصاحبي وكلّمه بكلام فخرج ولم يند بشيء من دمه. قال : فقلت لكنانة : من قتله؟ قال : قتله رجلٌ من أهل مصر يقال له : جبلة بن الأيهم ثم طاف بالمدينة ثلاثاً يقول : أنا قاتل نعثل.

وذكر المحبّ الطبري في رياضه (٢) (٢ / ١٣٠) ما أخرجه أبو عمر في الاستيعاب من استحياء محمد بن أبي بكر وخروجه من الدار ودخول رومان بن سرحان وقتله عثمان. فقال : وقيل : قتله جبلة بن الأيهم. وقيل : الأسود التجيبي. وقيل : يسار بن غلياض.

وأخرج ابن عساكر (٣) في حديث ذكره ابن كثير في تاريخه (٤) (٧ / ١٧٥) : وجاء

__________________

(١) كذا في المصدر.

(٢) الرياض النضرة : ٣ / ٦٤.

(٣) تاريخ مدينة دمشق : ٣٩ / ٤٠٨ رقم ٤٦١٩.

(٤) البداية والنهاية : ٧ / ٢٠٧ حوادث سنة ٣٥ ه‍.

٥٨

رجلٌ من كندة من أهل مصر يلقّب حماراً ويكنّى بأبي رومان. وقال قتاده : اسمه رومان. وقال غيره. كان أزرق أشقر. وقيل : كان اسمه سودان بن رومان المرادي. وعن ابن عمر قال : كان اسم الذي قتل عثمان أسود بن حمران ضربه بحربة وبيده السيف صلتاً. إلى آخره.

وقال ابن كثير في تاريخه (١) (٧ / ١٩٨) : أمّا ما يذكره بعض الناس من أنّ بعض الصحابة أسلمه ورضي بقتله فهذا لا يصحّ (٢) عن أحد من الصحابة أنّه رضي بقتل عثمان رضى الله عنه بل كلّهم كرهه ومقته وسبّ من فعله لكن بعضهم كان يودُّ لو خلع نفسه من الأمر كعمّار بن ياسر ، ومحمد بن أبي بكر ، وعمرو بن الحمق وغيرهم.

ثم أيّ مبرِّر لابن هند في أمره بإتمام الطعنات التسع بعد الطعنة المودية به؟ وهل في الشريعة تعبّدٌ بأن يفعل بالمقتصّ منه مثل ما فعله بمن يقتصُّ له؟ أو يكتفى بما هو المقصود من القصاص من إعدام القاتل؟ ولعلَّ عند فقيه بني أُميّة مسوِّغاً لا نعرفه. أضف إلى ذلك حمل رأسه من بلد إلى بلد ، وهو أوّل رأس مطاف به في الإسلام (٣). قال النسّابة أبو جعفر محمد بن حبيب في كتاب المحبّر (ص ٤٩٠) : ونصب معاوية رأس عمرو بن الحمق الخزاعي وكان شيعيّا ودير به في السوق. وكان عبد الرحمن بن أُمّ الحكم أخذه بالجزيرة. وقال ابن كثير (٤) : فطيف به في الشام وغيرها ، فكان أوّل رأس طيف به ثم بعث معاوية برأسه إلى زوجته آمنة بنت الشريد ـ وكانت في سجنه ـ فأُلقي في حجرها. فوضعت كفّها على جبينه ولثمت فمه وقالت :

__________________

(١) البداية والنهاية : ٧ / ٢٢١ حوادث سنة ٣٥ ه‍.

(٢) راجع ما أسلفناه في الجزء التاسع فتعرف الصحيح من السقيم وتقف على جليّة الحال في القضية.(المؤلف)

(٣) معارف ابن قتيبة : ص ١٢٧ [ص ٢٩٢] ، الاستيعاب : ٢ / ٤٠٤ [القسم الثالث / ١١٧٤ رقم ١٩٠٩] ، الإصابة : ٢ / ٥٣٣ ، وقال : ذكره ابن حبّان [في الثقات : ٣ / ٢٧٥] بسندٍ جيّد ، تاريخ ابن كثير : ٨ / ٤٨ [٨ / ٥٢ حوادث سنة ٥٠ ه‍]. (المؤلف)

(٤) البداية والنهاية : ٨ / ٥٢ حوادث سنة ٥٠ ه‍.

٥٩

غيّبتموه عنّي طويلاً ثم أهديتموه إليَّ قتيلاً ، فأهلاً بها من هديّة غير قالية ولا مقلية.

نعم ؛ هذه الأفاعيل إلى أمثالها من نماذج فقه أُمِّه آكلة الأكباد الذي سوّغ لها ما فعلت بعمِّ النبيّ الأعظم سيّد الشهداء حمزة سلام الله عليه ، واقتصَّ أثر أبيه يزيد بن معاوية فيما ارتكبه من سيّد شباب أهل الجنّة الحسين السبط صلوات الله عليه ، فقتله وآله وصحبه الأكرمين أشنع قتلة وطيف برءوسهم الكريمة في الأمصار على سمر القنا فأعقبهما خزاية لا يغسلها مرّ الدهور ، وشية قُرِنَ ذكرها بالخلود.

على أنّه لو كان هناك قصاصٌ فهو لأولياء الدم وهم ولد عثمان ، وإن لم يكن هناك وليٌّ أو أنّه عجز عن تنفيذ الحكم فيقوم به خليفة الوقت فإنّه وليُّ الدم وأولى بالمؤمنين من أنفسهم ، وهو يومئذٍ وقبله مولانا أمير المؤمنين علي عليه‌السلام فهو موكولٌ إليه ، وكان عمرو بن الحمق في كنفه يراه ويبصر موقفه وخضوعه له ، فلو كان عليه قصاصٌ أجراه عليه وهو الذي لم تأخذه في الله لومة لائم ، وساوى عدله القريب والبعيد ، وكانت يده مبسوطة عند ذاك ، وعمرو أخضع له من الظلِّ لذيه ، ومعاوية عندئذٍ أحد أفراد الأُمّة ـ إن صدق أنَّه أحد أفرادها ـ لا يحويه عيرٌ ولا نفيرٌ ، ولا يناط به حكمٌ من أحكام الشريعة ، غير أنّه قحّمه في الورطات حبُّ الوقيعة في محبّي عليّ أمير المؤمنين عليه‌السلام والله من ورائه حسيبٌ.

صيفي بن فسيل :

وجدَّ زياد في طلب أصحاب حُجر وهم يهربون منه ويأخذ من قدر عليه منهم ، فجاء قيس بن عباد الشيباني إلى زياد فقال له : إنَّ امرأً منّا يقال له : صيفي بن فسيل من رءوس أصحاب حُجر وهو أشدُّ الناس عليه ، فبعث إليه فأُتي به ، فقال له زياد : يا عدوّ الله ما تقول في أبي تراب؟ فقال : ما أعرف أبا تراب. قال : ما أعرفك به! أما تعرف عليَّ بن أبي طالب؟ قال : بلى. قال : فذلك أبو تراب. قال : كلاّ ذاك أبو الحسن والحسين. فقال له صاحب الشرطة : أيقول لك الأمير : هو أبو تراب ، وتقول

٦٠