🚘

الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ١١

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي

الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ١١

المؤلف:

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي


المحقق: مركز الغدير للدّراسات الإسلاميّة
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
المطبعة: فروردين
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٣١
🚘 نسخة غير مصححة

بلاد إيران ونزل بشيراز وأصفهان ، وغادرها إلى النجف الأشرف سنة (١١٢٠) ، وله في الباب الخامس من ديوانه قصيدة يمدح بها السيد المدرّس الحائري سنة (١١٢٢) مجيباً قصيدة السيد التي مدحه بها وهي تعرب عن مقامه الشامخ في الفضائل ، ونبوغه في الأدب ، وتحلّيه بالنفسيّات الكريمة ، ألا وهي :

قم فاجلُ شمسَ الراحِ للندماء

كي تنجلي فيها دجى الغمّاءِ

فمجامرُ الأزهارِ فاحَ أريجُها

عبقاً بنارِ البرق ذي اللألاءِ

والطَّلُّ فوقَ الوردِ أضحى حاكياً

صدغاً أحاط بوجنةٍ حمراءِ

ولآلئ الأنداء قد لاحت ضحىً

بشقائقٍ راقت لعينِ الرائي

فكأنّها نُطَفُ الدموع تدافعت

في حرف جفنِ المقلةِ الرمداءِ

فانشط وأسرج لي كُمَيتاً رُوِّضَتْ

بعد الشماسِ بمزجِها بالماءِ

تجري بمضمارِ اللهى لكن غدا

عوضَ القتامِ لها دخانُ كباءِ

شمطاءُ ترقصُ في الزجاجِ وإنّما

برد الوقار يُرى على الشمطاءِ

يا حبّذا وقد اجتلاها أهيفٌ

نشواتُ من غنجٍ ومن صهباءِ

ما لاح لي ظبيٌ سواه مقرَّطاً

ومقلَّداً بالنجمِ والجوزاءِ

سوى عليٍّ ذي المعالي ما انجلى

قمرُ يمدُّ الشمسَ بالأضواءِ

ربُّ المفاخر من سما أوجِ السما

بمكارمٍ جلّت عن الإحصاءِ

ندبٌ يرى بذل الرغائبِ واجباً

للمجتدي والدهر ذو أكداءِ

ذو هيبةٍ بالبشرِ شيبت مثلَما

يبدي السحاب النار ضمن الماءِ

راحاتُه الراحاتِ تولي والعنا

للأولياءِ له وللأعداءِ

الثاقبُ الآراء نجلُ الثاقب ال

آراء نجل الثاقب الآراءِ

يهتزُّ عند الحمدِ إلاّ أنّه

عند النوائبِ ثابتُ الأرجاءِ

مولىً إذا اسودَّ الزمانُ وأَمَّهُ

عافٍ حباهُ باليدِ البيضاءِ

٤٨١

وإذا عتا فرعونُ فقر مؤمّلٍ

ألقاه من جدواه في دأماءِ (١)

لم تُسمَعِ العوراءُ منه وطالما

أطفى توقّدَ فتنةٍ عمياءِ

من معشرٍ حازوا النهى بفخارِهمْ

قد حبّرت ديباجة العلياءِ

لا يُنصتون إلى الغنا ولطالما

نال الغني بهم ذوو استجداءِ

ما أشرعوا الأرماح إلا أشرقو

ها من دمِ الأقرانِ في الهيجاءِ

تهديهمُ بدجى القتامِ غرائمٌ

لهمُ غدت تحكي نجومَ سماءِ

غارت رماحُ الخطّ من أقلامِهمْ

فلذلك ارتعدت لدى الهيجاءِ

فلكم زها فوق الطروسِ بطلّها

زهرٌ له كمٌّ من الأحشاءِ

زهرٌ يلوح الدهر غضّا ناضراً

والزهرُ يذبلُ عند فقدِ الماءِ

ولكم سبتْ عقلاً بسحرِ بيانِها

وبحكمةٍ من شعرِها غرّاءِ

يا صاحبَ الفضلِ الذي من فضلِه

يُجنى جنيُّ بلاغةِ البلغاءِ

خذ روضَ مدحٍ لم يجده القطر بل

قد جاد منبته وليّ ولاءِ

يبدي الشذى منه قبول قبولكم

لو حبّ في أسحار حسن رجائي

فأعوذ بالرحمن من أن يغتدي

بهجيرِ هجرِك شاحبَ الأرجاءِ

لا زال قدرُك كاسمك السامي الذي

قد سار في الآفاقِ سيرَ ذكاءِ

ما خاط أجفانَ الورى وسنٌ وما

شقَّ الصباحُ غلالة الظلماءِ

ولشاعرنا العامليّ قصائد طوال في مدح الإمام أمير المؤمنين ورثاء ولده الإمام السبط الشهيد سلام الله عليهما ، ومن مديحه أمير المؤمنين قصيدة أوّلها :

الدهر أصبح لي معاندْ

وسطا عليَّ وصال عامدْ

وأشارت الأيّام نحوي

بالمكاره والمكائدْ

__________________

(١) الدأماء : البحر.

٤٨٢

إلى أن يقول :

يا سعد وقيتَ النوى

وكفيت منها ما أكابدْ

بالله إن جزتَ الغريَ

فعُجْ على خيرِ المشاهدْ

وقفِ الركابَ ونادِها

هنّيت في نيلِ المقاصدْ

واخلع بها نعليك مل

ـتثمَ الثرى لله ساجدْ

واعمد إلى تقبيل أع

ـتاب الإمام البرِّ عامدْ

مولى البريّةِ ذي التقى

علَمِ الهدى حاوي المحامدْ

نجلِ الغطارفةِ الكرا

مِ الأريحيّين الأماجدْ

كالبحرِ إلاّ أنَّه

عذبُ المصادرِ والمواردْ

وقلِ السلَامُ عليك يا

كهفَ النجاةِ لكلّ وافدْ

ومحطَّ رحل المستضامِ

المستجيرِ وكلّ واردْ

يا آيةَ اللهِ التي

ظهرت فأعيتْ كلَّ جاحدْ

والحجّةَ الكبرى المنا

طة بالأقاربِ والأباعدْ

لولاك ما اتّضحَ الرشادُ

ولا اهتدى فيه المعاندْ

كلاّ ونيرانُ الضلالةِ لم

تكن أبداً خوامدْ

والدينُ كان بناؤه

لولاك منهدَّ القواعدْ

حارت بك الأوهامُ واخ

تلفت بمعناك العقائدْ

فمن اقتدى بك اهتدى

وهوى ضلالاً عنك حائدْ

يا من نعوذُ باسمِه

من كلِّ شيطانٍ وماردْ

وبه نلوذُ من الزمانِ

وحين نودَعُ في الملاحدْ

أنت المرجّى في الفوا

دحِ والمؤمّل في الشدائدْ

مولاي معتقدي بأنّ

ـك‍ علّةُ الأشياءِ واحدْ

٤٨٣

ومعادُ أجسامِ الورى

يومَ المعاد عليك عائدْ

فلذلك الله العلي

براك في الكونين قائدْ

تدعو الأنامَ إلى الهدى

وعليهمُ في ذاك شاهدْ

خذها أبا حسنٍ إلى

علياك أبكاراً خرائدْ

٤٨٤

ـ ١٠٠ ـ

المولى مسيحا الفسوي

المولود (١٠٣٧)

المتوفّى (١١٢٧)

ما ارتحت مذ ركبتْ للبين جيراني

يا صاحبيّ بإتلافي أجيراني

يقول فيها :

فضلي ومجدي وإتقاني ومعرفتي

عادت بأجمعها أسبابَ حرماني

لو قلّبَ الدهرُ أوراقي لصادفها

آياتِ لقمانَ في أشعارِ حسّانِ

دنياي قد ثكلتني فهي باكيةٌ

نجومُها الدمعُ والعينان عيناني

واسوءَ بسطِ يدٍ غُلّتْ إلى عنقي

حتى بدا المزن بالأمطارِ باراني

وقُوِّست ألفي كالنون من نصبٍ

فكاد ينقلب إيران نيراني

فيما ارتقابي سحباً غيرَ ماطرةٍ

إلامَ أرضى بأرضٍ ليس ترعاني

من لي بعاصفِ شملالٍ (١) يبلّغني

إلى الغريِّ فيلقيني وينساني

إلى الذي فرضَ الرحمنُ طاعتَه

على البريّة من جنٍّ وإنسانِ

عليٍّ المرتضى الحاوي مدائحَهُ

أسفارُ توراة بل آياتُ فرقانِ

ما أستعينُ بشملالٍ ولا قدمٍ

من تربِ ساحتِه طوبى لأجفاني

تنزّه الربُّ عن مثلٍ يخبّرنا

بأنَّه ورسولَ اللهِ سيّانِ

__________________

(١) الشملال : السريع الخفيف.

٤٨٥

كأنَّ رحمتَه في طيِّ سطوتِهِ

آرامُ وجرةَ (١) في آساد خفّانِ

عمَّ الورى كرماً فاقَ الذرى شمماً

روّى الثرى عنماً (٢) من نحر فرسانِ

فالدين منتظمٌ والشمل ملتئمٌ

والكفر منهدمٌ من سيفه القاني

كالبرق في بَسمٍ والنارِ في ضرمٍ

والماءِ في سجمٍ من نهر أفنانِ

فقارُهُ وهي في غِمْدٍ تجلّلها

آيُ الوعيدِ حواها جلدُ قرآنِ

قد اقتدى برسولِ اللهِ في ظُلمٍ

والناسُ طرّا عكوفٌ عند أوثانِ

تعساً لهم كيف ضلّوا بعد ما ظهرت

لهم بوارقُ آياتٍ وبرهانِ

فهل أُريد سواهُ حيث قيلَ لهمْ

هذا عليٌّ فمن والاه والاني

هل رُدّت الشمسُ يوماً لابن حنتمةٍ

أو هل هوى كوكبٌ في بيت عثمانِ

هل جادَ يوماً أبو بكر بخاتمِهِ

مناجياً بين تحريمٍ وأركانِ

وهل تظنُّ تعالوا ندعُ أنفسَنا

في غيرِهِ نزلت عن ذاك حاشاني

أخصّ بالسطلِ والمنديلِ واحدَهمْ

أم استحبّوا بتفّاحٍ ورمّانِ

أم ريثما صال عمروٌ بين أظهرِهمْ

سواه صبّغ منه السيف بالقاني

أم خيبر كان وافى قبله بطلاً

سلَّ المصاريع (٣) من مرصوصِ بنيانِ

أشالَها لجميعِ الجندِ قنطرةً

يجيزها الكلّ من رجلٍ وركبانِ

أم ريثما انهزمَ الأصحابُ في أُحدٍ

وظلَّ خيرُ الورى فرداً بلا ثانِ

من عصبةِ الشرك صُفَّتْ حولَهُ فئةٌ

ذات المخالبِ في أرياشِ عقبانِ

سواه حامى رسول الله يطعنهم

بسمهريٍّ يُحاكي لدغَ ثعبانِ

بالسيفِ والرمحِ والأنصالِ دافعَهمْ

عن الرسولِ بإخلاصٍ وإيقانِ

حتى تبدّدَ أهلُ الشركِ وانهزموا

شبهَ الحنادسِ إذ تُمحى بنيرانِ

__________________

(١) الوجرة : الحفرة تُجعل للوحوش فيها مناجل فإذا مرّت بها عرقبتها.

(٢) العنم : نبات يتخذّ من أزهاره الحمراء خضاب.

(٣) مفرده مصراع ، وهو أحد جُزْئَي الباب.

٤٨٦

والقومُ بشّرَهم إبليسُ من كذبٍ

بقتلِ أحمدَ مصروعاً بميدانِ

فارتاح أنفسُهمْ سرّا وقد ستروا

أسرارَهمْ خوفَ أبصارٍ وآذانِ

وهل تصدّق للنجوى سواه فتىً

وقد مضى قبل نسخِ الحكمِ يومانِ

هل في فراشِ رسولِ اللهِ باتَ فتىً

سواه إذ حفَّ من نصلٍ بنيرانِ

لولاه لم يجدوا كفواً لفاطمةٍ

لولاه لم يفهموا أسرارَ فرقانِ

لولاه كان رسول الله ذا عقمٍ

لولاه ما اتّقدت مشكاةُ إيمانِ

لولاه لم يك سقفُ الدين ذا عمدٍ

لولاه لانهدمتْ أركانُه الواني (١)

لولاه ما خلقت أرضٌ ولا فلكٌ

لولاه لم يقترن بالأوّل الثاني

هو الذي كان بيتُ اللهِ مولدَهُ

فطهّر البيتَ من أرجاسِ أوثانِ

هو الذي من رسولِ اللهِ كان له

مقامُ هارونَ من موسى بنِ عمرانِ

هو الذي صارَ عرشُ الرب ذا شنفٍ

إذ صار قرطيه ابناه الكريمانِ

أقدامُه مسحت ظهراً به مسحتْ

يدُ الإلهِ لتبريدٍ وإحسانِ

يا واضعاً قدميهِ حيثما وُضِعتْ

يدُ الإلهِ عليه عزَّ من شانِ

رحبُ الأكفِّ إذا فاضت أناملُهُ

لو لم يقل حسب ثنّى يومَ طوفانِ

لو ظلَّ تحت لواه في الوغى علمٌ

تراه ترتجُّ حنواً نحو ميدانِ

ما تستقرُّ الرواسي تحت صارمِهِ

كالطود تندكُّ من أُسٍّ وبنيانِ

لو لا الوصيّةُ فالشيخانِ أربعةٌ

يومَ السقيفةِ بل عثمانُ إثنانِ

فيا عجيباً من الدنيا وعادتها

أن لا يساعدَ غير الوغد والداني

من كان نصُّ رسولِ اللهِ عيّنهُ

لإمرةِ الشرعِ تبليغاً بإعلانِ

يومَ الجماهيرُ في بيداءَ قد مُلِئتْ

بكلّ من كان من أعقاب عدنانِ

وقال صحبُ رسولِ اللهِ قاطبةً

بخٍ لذاك وكان الأوّل الثاني (٢)

__________________

(١) الواني : الضعيف البدن. يقال : نسيم وانٍ : ضعيف الهبوب. (المؤلف)

(٢) كان أوّل من خاطب الإمام عليه‌السلام يوم غدير خم مبخبخاً عمر بن الخطّاب ، وهو ثاني من تقمّص الخلافة. (المؤلف)

٤٨٧

من بعد ما شدّدَ الرحمنُ إمرتَه

على الرسولِ بإحكامٍ وإتقانِ

فقال بلِّغ وإلاّ فادرِ أنّك ما

بلّغتَ حقَّ رسالاتي وتبياني

تقدّمته أُناسٌ ليس عيّنهمْ

نصُّ الإله ولا منطوق برهانِ

لا أضحك الله سنَّ الدهر إنّ له

قواعداً عدلتْ عن كلِّ ميزانِ

بصفوِ حبِّك قد أحييت مهتدياً

فدتْكَ نفسيَ يا ديني وإيماني

ودَرَّ فيضُكَ ما دارَ السما وجرى

ودام ظلُّكَ ما كرَّ الجديدانِ

ما يتبع الشعر

القصيدة توجد برمّتها (٩١) بيتاً في الجزء الثاني من كتاب الرائق للعلاّمة السيد أحمد العطّار ، وذُكر منها (٨٩) بيتاً في نجوم السماء (ص ١٩٧) ، وجملة منها مذكورةٌ في فارسنامه ناصري (٢ / ٢٣٠) ، وعدَةٌ منها توجد في هامش نهج البلاغة المطبوع في إيران سنة (١٣١٠) ، وخمّس العلاّمة الأوحد السيد محمد حسين الشهرستاني المتوفّى (١٣١٥) (١) من هذه القصيدة واحداً وأربعين بيتاً ، وبدأ بالبيت الحادي عشر أوّله :

أمسيت والهمُّ في إيرانَ يطرقُني

والكربُ طولَ الليالي ما يفارقُني

وذكرُ من حلَّ في كوفانَ يقلقُني

من لي بعاصفِ شملالٍ يبلّغني

إلى الغريّ فيلقيني وينساني

إلى الذي طهّرَ الجبّارُ طينتَهُ

إلى الذي بشّرَ المختارُ شيعتَهُ

إلى الذي أوجبَ القربى مودّتَهُ

إلى الذي فرض الرحمنُ طاعتَهُ

على البريّةِ من جنٍّ وإنسان

__________________

(١) أحد شعراء الغدير ، يأتي ذكره في شعراء القرن الرابع عشر. (المؤلف)

٤٨٨

الشاعر

المولى محمد مسيح الشهير بمسيحا ابن المولى إسماعيل فدشكوئي الفسوي المتخلّص ب (معنى) في شعره الفارسي ، وبمسيح في العربيّ منه ، عالم فيلسوف ، وحكيم بارع ، وفقيه متضلّع ، وأديب شاعر ، وخطيب كاتب ، مذكور بالثناء الجميل في سوانح تلميذه الشيخ علي الحزين ، ونجوم السماء (ص ١٩٥) ، وفارسنامه ناصري (٢ / ٢٣٠) ، وغيرها أخذ العلم عن أستاذ الكلّ آقا حسين الخونساري ، وأخذ عنه كثيرون من العلماء ، تقلّد شيخوخة الإسلام بشيراز على عهد السلطان شاه سليمان ، والسلطان شاه حسين ، وله يوم تسنّما عرش الملك خطبٌ بليغة ، توفّي سنة (١١٢٧) عن عمر يقدّر بالتسعين ، وخلف آثاراً قيّمة لا يستهان بها منها : إثبات الواجب ، ورسالة فارسيّة في القصر والإتمام ، وحواشٍ على حاشية الخفري على شرح التجريد ، ذكرها له شيخنا القمي في الفوائد الرضويّة (١ / ٦٤٣) وقال : رآها في كرمانشاه.

٤٨٩
٤٩٠

ـ ١٠١ ـ

ابن بشارة الغروي

المتوفّى بعد (١١٣٨)

تلك الديارُ تغيّرتْ آثارُها

وتغيّبتْ تحت الثرى أقمارُها

دارٌ لقد أخفى البِلى أضواءَها

ومن السحائب جادَها مدرارُها

إلى أن قال :

أنا سيّدُ الشعراءِ غيرَ مدافعٍ

وإذا نثرتُ فإنّني نثّارُها

وأقودُهمْ نحو الجنانِ ورايتي

بيضاءُ تلمعُ فوقهمْ أنوارُها

إذ كنتُ مادحَ حيدرٍ ربّ التقى

فخر البريّةِ حصنهم كرّارُها

ليثٌ إذا حمي الوطيسُ وزمجرتْ

فرسانُها والحربُ طارَ شرارُها (١)

يسطو بأعظمِ صولةٍ روّاعةٍ

منها الكماةُ تصرّمتْ أعمارُها (٢)

وإذا الخيولُ الصافناتُ تسابقتْ

يومَ البرازِ فسبقه نحّارُها

صهرُ النبيّ أبو الأئمّةِ خيرُهمْ

وبه الخلافةُ قد سما مقدارُها

بغديرِ خمٍّ للولايةِ حازها

حقّا وليس بممكنٍ إنكارُها

وإذا رقى للوعظِ صهوةَ منبرٍ

يُصغي لزاجرِ وعظِهِ جبّارُها

وبراحتيه تفجّرتْ عينُ الندى

فالواردون جميعُهم يمتارُها

__________________

(١) زمجرت : أكثرت الصياح والصخب. وتزمجر الأسد : ردّد الزئير. (المؤلف)

(٢) الكماة جمع الكميّ : الشجاع أو لابس السلاح. (المؤلف)

٤٩١

وله العلومُ الفائضاتُ على الورى

فيضَ الغمائمِ إذ هما مهمارُها

نهجُ البلاغة من جواهرِ لفظِه

فيه العلومُ تبيّنتْ أسرارُها

لولاه ما عُبد الإلهُ بأرضِهِ

يوماً ولا بخعتْ له كفّارُها (١)

الشاعر

أبو الرضا الشيخ محمد علي بن بشارة من آل موحي الخيقاني النجفي ، أوحديٌّ حقّت له العبقريّة والنبوغ ، وفذّ من أفذاذ الفضيلة ، برع في فنون الشعر والأدب ، ورث فضله الكثار وأدبه الموصوف عن أبيه العلاّمة الشاعر المفلق الشيخ بشارة ، وعاصر نوابغ العلم وأساتذة البيان وأخذ منهم ، ونال من الفضل حظّه الوافر ، ونصيبه المقدّر ، فأطروه وأثنوا عليه ، وعدَّ من رجال تلك الحلقة ، وأبقى شعره وأدبه له ذكرى خالدة ، وسجّلت آثاره القيّمة العلميّة والأدبيّة في صفحة التاريخ له غرراً ودرراً تُذكر وتُشكر ، منها نشوة السلافة ومحلّ الإضافة ، قرّظها السيد حسين ابن الأمير رشيد الآتي ذكره ، وقال الشيخ أحمد النحويّ الحلّي مقرّظاً إيّاها :

يا أخا الفضل والمكارم والسؤ

دد والمجدِ والعُلى والشرافه

والأديب الأريب المصقع المد

ره ربّ الكمال ربّ الظرافه

أيّ درٍّ أودعتَ في صدفِ الطر

سِ غدا الدرُّ حاسداً أوصافه

لو رأى هذه الرياضَ زهيرٌ

لتمنّى من زهرهنّ اقتطافه

لو درى عرفَهنّ صاحبُ عرفِ الطي

ـبِ أبدى لطيبهنّ اعترافه

لو رأى جمعها عليٌ (٢) رأى الفض

ـل على جمعه لكمْ والأنافه

قال جمعي صبابةٌ في إناءٍ

من سُلاف وذا حبابُ السلافه

__________________

(١) ذكرها في كتابه نشوة السلافة وهي تناهز الخمسين بيتاً. (المؤلف)

(٢) يعني السيد علي خان المدني صاحب سلافة العصر التي ألّف ابن بشارة نشوته تتميماً لها. (المؤلف)

٤٩٢

أيّ مستمتعٍ لذي الفضل فيها

وبشتّى نكاتها واللطافه

جئتها طاوي الحشا فأضافت

ـني وقالت : هذا محلّ الإضافه

ومنها : نتائج الأفكار ، قرّظها المدرّس الأوحد السيد نصر الله الحائري بقوله :

حيَّر عقلي ذا الكتابُ الأنيق

فليس للوصف إليه طريقْ

رقيقُ لفظٍ جزلُ معنىً له

كلّ مجاميع البرايا رقيقْ

ما هو إلاّ روضةٌ غضّةٌ

شقيقُها ليس له من شقيقْ

صاداتُها الغدرانُ همزاتُها

حمائمٌ تشدو بلحنٍ أنيقْ

كم نشق العشّاقُ من نفحِها

نسيمَ أخبار اللوى والعقيقْ

كم قد جلت أكؤسُ ألفاظِها

معانياً يخجلُ منها الرحيقْ

رصّعها صوبُ يراعِ الذي

أصبح دوحُ الفضلِ فيه وريقْ

مولىً جليلُ القدرِ في شأنِه

قد اغتدى صاحبَ فكرٍ دقيقْ

لا زال نصرُ اللهِ طولَ المدى

له رفيقاً فهو نعمَ الرفيقْ

ومنها : شرح نهج البلاغة ، وريحانة النحو. ذكرهما الشيخ أحمد النحويّ الحلّي في قصيدته التي مدحه بها أوّلها :

برزَتْ فيا شمسَ النهارِ تستّري

خجلاً ويا زهرَ النجوم تكدّري

فهي التي فاقت محاسنُ وجهِها

حسنَ الغزالةِ والغزالِ الأحورِ

يقول فيها :

من آل موحٍ شهبِ أفلاكِ العُلى

وبدورِ هالاتِ الندى والمفخرِ

وهم الغطارفةُ الذين لبأسِهمْ

ذُهِل الورى عن سطوةِ الإسكندرِ

وهم البرامكةُ الذين بجودِهمْ

نسي الورى فضلَ الربيعِ وجعفرِ

لم يخلُ عصرٌ منهمُ أبداً فهم

مثلُ الأهلّةِ في جباهِ الأعصُرِ

٤٩٣

لا سيّما العلَم الذي دانت له ال

أعلامُ ذو الفضل الذي لم ينكرِ

ولقد كسا نهج البلاغة فكره

شرحاً فأظهر كلّ خافٍ مضمرِ

وعجبت من ريحانةِ النحو التي

لم يذوِ ناضرَها مرور الأعصرِ

فذروا السلافةَ (١) إنّ في ديوانه

في كلِّ بيتٍ منه حانةَ مسكرِ

ودعوا اليتيمةَ (٢) إنَّ بحر قريضِهِ

قذفت سواحلُه صنوفَ الجوهرِ

ما دميةُ القصرِ (٣) التي جمع الأُلى

كخرائدٍ برزت بأحسنِ منظرِ

يا صاحبَ الشرفِ الأثيل ومعدنَ ال

كرمِ الجزيلِ وآيةَ المستبصرِ

خذها إليك عروسَ فكرٍ زفّها

صدقُ الودادِ لكم وعذرُ مقصّرِ

فاسلكْ على رغم العدى سبلَ العُلى

واسحبْ على كيوانِ ذيل المفخرِ

ومنها : ديوان شعره الذي وصفه السيد المدرّس الحائري بقوله :

ديوان نجل المقتدى بشاره

لسائر الشعر غدا إكليلا

ما هو إلاّ جنّةٌ قد أزهرت

وذلّلت قطوفها تذليلا

وقوله فيه :

ألا قد غدا ديوان نجلِ بشارةٍ

طرازَ دواوينِ الأنامِ بلا ريبِ

مهذّبةٌ أبياتُه كخلائقي

فليس به عيبٌ سوى عدمِ العيبِ

وللسيد العلاّمة المدرّس الحائري عدّة قواف في الثناء على شاعرنا ابن بشارة منها :

__________________

(١) هي سلافة العصر للسيد علي خان المدني شارح الصحيفة الشريفة الآنف ذكره في هذا الجزء : ص ٣٤٤. (المؤلف)

(٢) هي يتيمة الدهر للثعالبي كتاب أدبيّ ضخم فخم مطبوع في أربع مجلّدات. (المؤلف)

(٣) دمية القصر تأليف الباخرزي ، مطبوع سائر دائر. (المؤلف)

٤٩٤

سلامٌ يسحبُ الأذيالَ تيهاً

على هام الدراري الثاقباتِ

أخصُّ به شقيقَ الصبحِ بشراً

سليلَ بشارة ذي المنقباتِ

فتىً أضحت بغيثِ نداه تزهو

أزاهيرُ الأماني للعفاةِ

وراحت في صباح الرأي منه

تجابات (١) دياجي المشكلاتِ

شأى قسّا بلفظٍ راق رصفاً

ومعنىً بالهبات الوافراتِ

له فكرٌ بأدنى الأرض لكن

له عزمٌ بأعلى النيّراتِ

ونظمٌ يشبه الأزهارَ لو لم

تعد بعد النضارةِ ذابلاتِ

وبعد فإنَّ روضَ العيشِ أضحى

هشيماً ذا نواحٍ شاحباتِ

وقد كانت نواحيه قديماً

بطلّ البشر منكم زاهياتِ

وأمسى يا شهابَ سما المعالي

مريدَ الوجدِ مخترقاً جهاتي

فعوّذني بكتبك من أذاه

فما لي غيرها من راقياتِ

ولا زالت جلابيبُ المعالي

بمجدِكمُ المبجّلِ معلماتِ

ومنها قوله :

سلامٌ كزهرِ الروض إذ جاده القطرُ

وكالدرِّ في اللألاءِ إذ حازه البحرُ

أخصّ به المولى سليل بشارةٍ

أخي الفضلِ من في مدحهِ يزدهي الشعرُ

سحاب الندى السهمُ الذي فاقتِ السها

عزائمُه وانقاد قنّا له الدهرُ

فتىً فاز بالقدح المعلّى من العُلى

وحاز علوماً لا يُحيط بها الحصرُ

فما القطبُ ما الرازي وما جوهريُّهمْ

إذا ما به قيسوا وما العضدُ ما الصدرُ

مناقبُهُ غرٌّ مواهبُهُ حياً

منازلُهُ خضرٌ مناصلُهُ حمرُ

طوى سبل العلياءِ في متنِ سابقٍ

لهمّته القعساءِ عِثْيَرُهُ الفخرُ

وبعدُ : فإنَّ الحالَ من بعدِ بُعدكم

كحالِ رياض الحزنِ فارقها القطرُ

__________________

(١) كذا ، وفي أعيان الشيعة ١٠ / ١٣ : مجابات.

٤٩٥

فلله ليلاتٌ تقضّتْ بقربِكمْ

ولم يندَ من روضاتِ وصلِكمُ الزهرُ

وإذ موردُ اللذّاتِ صافٍ وناظري

يزيلُ قذاه منظرٌ منكمُ نضرُ

فلا تقطعوا يوماً عن الصبِّ كتبَكمْ

ففي نشرِها للميْتِ من بعدكمْ نشرُ

ولا برحتْ تبدو بأفقِ جبينِكمْ

نجومُ السعودِ الزهرُ ما نجم الزهرُ

ومنها قوله مهنّئاً له بعيد النحر :

نشر الربيعُ مطارفَ الأزهارِ

في طيِّها نفحاتُ مسكٍ داري (١)

وخرائدُ الأغصانِ بالأكمام قد

رقصت بتشبيبِ النسيمِ الساري

وصوادحُ الأوراقِ في الأوراقِ قد

غنّت بأعوادٍ بلا أوتارِ

والظلّ ظلَّ محاكياً بدبيبِه

خطَّ العذارِ بوجنةِ الأنهارِ

فبدارِ نجلُ خمرة تجلو العنا

عنّا ولا تركنْ إلى الأعذارِ

بكرٌ إذا ما قلّدت بحبابها

حلّت يمينَ مديرِها بسوارِ

شمسٌ يطوف بأفق مجلسِنا بها

قمرٌ تقلّد نحرُه بدراري

سلب السلافَ مذاقَها وفعالهَا

برضابِه وبطرفِه السحّارِ

ساق تخالُ الثغرَ منه لآلئاً

أو أُقحواناً لاحَ غبِّ قطارِ

أو أحرفاً رقمت بكفِّ المجتبى

أعني سليلَ بشارة المغوارِ

ماءُ الطلاقةِ في أسرّةِ وجهِه

يجري ونارُ سطاه ذاتُ شرارِ

مولى بأُفقِ سما المناقبِ قد بدا

قمراً ولكنْ لم يرع بسرارِ

فبذاك يثمر قصد كلّ مؤمّل

وبهذه تُصلى مُنى الفخّارِ

شهمٌ لبيبٌ لم تلد أمّ العُلى

ندّا له في سائرِ الأعصارِ

ندسٌ (٢) بديعُ بنانِه قد راح عن

وجهِ المعاني كاشفَ الأستار

__________________

(١) الداري : العطّار. نسبة إلى دارين بالبحرين كان يحمل إليها المسك من الهند. (المؤلف)

(٢) الندس : سريع السمع الفَهِم الفَطِن.

٤٩٦

ولقد غدا صرف الزمان يُصدُّ عن

من نحوه أضحى مريد جوارِ

نعمٌ تعمُّ عمومَ هطّال الحيا

لكنّها جلّت عن الأضرارِ

وشمائلٌ كالروض لو لا أنّه

يذوي لفقد العارض المدرارِ

أقلامه قد قلّمت ما طال لل

أخطابِ والأخطارِ من أظفارِ

ودواته أدوت وداوت كاشحاً

ومؤمّلاً جدواه ذا إعسارِ

من آلِ خاقانَ الذين وجوهُهمْ

عند اسودادِ النقعِ كالأقمارِ

قومٌ إذا شاموا الصوارمَ أغمدتْ

في جيدِ كلِّ مملّكٍ كرّارِ

وإذا همُ اعتقلوا الذوابل في الوغى

آبتْ نواضرُ بالنجيعِ الجاري

أخبارُهمْ بسوادِ كلِّ دجنّةٍ

حُرِّرْنَ فوق بياضِ كلِّ نهارِ

يا من له بأسٌ يحاكي الصخرَ في

خُلُقٍ أرقَّ من النسيمِ الساري

وعُلاً تناسقَ كابراً عن كابرٍ

يحكي أنابيبَ القنا الخطّارِ

وافاك عيدُ النحر طلقاً وجهُهُ

يحكي رقيقُ نسيمِه أشعاري

عيدٌ يعود عليكمُ بمسرّةٍ

محمودةِ الإيرادِ والإصدارِ

لا زالت الأيدي تشيرُ إليكمُ

شبهَ الهلالِ عشيّة الإفطارِ

وبقيت ترفل من علاك بحلّةٍ

فضفاضةٍ قد طرّزت بفخارِ

وله مراسلاً إيّاه لازماً الجناس المذيّل قوله :

لعمرك إنّ دمعَ العين جارٍ

لأنّي حنظل التفريق جارعْ

وما لي غير شهد الوصلِ شافٍ

فهل لي في اجتناءٍ منه شافعْ

وقلبي للوصولِ إليك صادٍ

ونظمي بالثناءِ عليك صادعْ

وهمّي ليثُه الفتّاكُ ضارٍ

ولولاه لما أمسيتُ ضارعْ

ولوني أصفرٌ والدمعُ قانٍ

وطرفي منكمُ بالطيف قانعْ

ومذ غبتم فصبحي شبهُ قارٍ

لديَّ وإصبعي للسنِّ قارعْ

٤٩٧

وإنّي للتواصلِ منك راجٍ

فهل ذاك الزمانُ العذبُ راجعْ

وإنّي بالذي تهواه راضٍ

أيا مولىً لدرِّ الفضل راضعْ

فيا لك من كريمِ الأصل سامٍ

لهمسِ المجتدين نداهُ سامعْ

هزبرٌ عنه سيفُ الضدِّ نابٍ

وينبوعُ الفضائلِ منه نابعْ

وطرفُ الخائفِ المذعورِ ساجٍ

بمغناه وطيرُ المدحِ ساجعْ

وبحرُ علومِه للناسِ طامٍ

فكلٌّ منهم بالريِّ طامعْ

وغيثُ نداه طولَ الدهر هامٍ

وغيثُ الأفقِ بعضَ العامِ هامعْ

ومعشره أُولو سَلَم وضالٍ (١)

لديهم سابق الكرماء ضالعْ

له سيفٌ غداة الحربِ دامٍ

وطرفٌ خشيةَ الجبّارِ دامعْ

ونسكٌ من رياءِ الخدعِ خالٍ

وطبعٌ للخلاعةِ راحَ خالعْ

وشعرٌ رائقٌ كشرابِ جامٍ

لحسن نفائس الأشعار جامعْ

وقلبٌ قُلَّبٌ في الحربِ ساطٍ

ووجهٌ في ظلام الخطب ساطعْ

وإحسانٌ لحرِّ المدحِ شارٍ

ورمحُ عزيمةٍ ما زال شارعْ

حليمٌ للعدى بالصفحِ جازٍ

ومن هولِ الحوادث غير جازعْ

وزاكٍ علمُه للجهلِ نافٍ

وطبٌّ إن يضرّك فهو نافعْ

وشهمٌ ما له في الناسِ زارٍ

لحبِّ هواه في الأحشاءِ زارعْ

لما لا يرتضيه اللهُ قالٍ

ألَم ترَه لضرسِ هواه قالعْ

وقاه اللهُ نظرةَ كلِّ راءٍ

فإنَّ جمالَه للعقل رائعْ

ومنها قوله حينما أهدى إليه ماء ورد :

يا أيّها المولى الذي

هو من إياس (٢) اليوم أذكى

__________________

(١) السلم والضال : نوعان من الشجر. (المؤلف)

(٢) هو إياس بن معاوية كان يُضرب المثل بذكائه.

٤٩٨

وجّهتُ نحوَكَ ماءَ وَر

دٍ من أريجِ المسكِ أذكى

فاقبله من حبٍّ جوا

ه في حشاه النارُ أذكى

ومنها قوله مراسلاً إيّاه :

سلامٌ لا لأوّله بدايه

ولا يُلفَى لآخره نهايه

على ابن بشارةَ المولى الذي قد

تجاوزَ في المعالي كلَّ غايه

فتىً برقُ البشاشةِ في المحيّا

على طيبِ الأُرومة منه آيه

جليلُ القدرِ محمودُ السجايا

على كلّ القلوبِ له الولايه

روى الإحسان عن جدٍّ فجدٍّ

وقد صحّت له تلك الروايه

فلو وافاه يوم الجدبِ عافٍ

أباح له حمى روض الرعايه

إذا ما جُنَّ للإشكال ليلٌ

ترى مثلَ الصباحِ الطلقِ رأيه

وإن حسرتْ لثاماً حربُ بحثٍ

فليس لها بكفِّ سواه رايه

له وجهٌ حكاهُ البدرُ حسناً

وما من ريبة في ذي الحكايه

وفيّ العهد زاكي الجدّ مولى

سلامةُ ذاتِه أقصى مُنايه

ولمّا كان في ذا العصر فرداً

مدحناه بعنوان الكنايه

وأنّى يمكنُ التصريحُ باسمٍ

بأعلى العرش خطّته العنايه

فسدّدْ رأيَهُ يا ربّ لطفاً

وجنّبه الضلالةَ والغوايه

وألبسه من الإنعام برداً

موشّىً بالكلاءة والحمايه

إلى غيرها من قصائد توجد في ديوان الشريف السيد المدرّس في ثناء المترجم له ، وهي تُعرب عن مكانته العالية في الفضائل والفواضل ، وتحلّيه بنفسيّات كريمة وملكات فاضلة.

ومن شعر شاعرنا ـ ابن بشارة ـ قوله في كتابه نشوة السلافة يمدح به مولانا أمير المؤمنين عليه‌السلام ، جارى به قصيدة السيد علي خان المدني المذكورة (ص ٣٥٠):

٤٩٩

من ظلمةِ الليلِ ليَ المأنسُ

إذ فيه تبدو الشهُبُ الكنّسُ

والطيفُ يأتيني به زائراً

وتارةً صاحبُه يغلسُ (١)

ولم نراقب من رقيب الهوى

خوفاً ولا تبصرنا الحرَّسُ

ومن رياض الوصل كم نجتَني

زواهراً تُحيى بها الأنفسُ

كم ليلةٍ بتُّ بظلمائِها

معانقاً للحبِّ لا أدنسُ (٢)

حتى هوت للغربِ شهبُ الدجى

والنجمُ في إسرائه ينعسُ (٣)

وانتشر الصبح بأنوارِهِ

وانجابَ عن أضوائهِ الحندسُ (٤)

فارقني خشية أعدائهِ

وقد خلا من جمعنا المعرسُ (٥)

لا أقبل الصبحُ بإسفارِه

لأنّه الفضّاحُ والأوكسُ

والليل لو جنَّ به جنّتي

وجنّتي طاب بها المأنسُ

موسى رأى النارَ به سابقاً

من جانب الطور لها غرنسُ

وقد أتاها طالباً جذوةً

حتى دنامن قربها يقبسُ

نودي بالشاطئ غربيّها

أنا الإلهُ الخالقُ الأقدسُ

ونارُ موسى سرُّها حيدرٌ

العالم الخنذيذُ والدهرسُ (٦)

والأسدُ المغوار يومَ الوغى

تَفْرقُ من صولته الأشوسُ (٧)

لو قامت الحرب على ساقها

قام إليها وهو لا ينكسُ

__________________

(١) الغلس : ظلمة آخر الليل. أغلس : صار بغلس. (المؤلف)

(٢) دنس : تلطّخ بمكروه أو قبيح. (المؤلف)

(٣) من تناعس البرق : فتر. (المؤلف)

(٤) الحندس : الظلمة جمع حنادس. (المؤلف)

(٥) المعرس : الموضع الذي يعرس فيه القوم ، أي ينزلون فيه للاستراحة. (المؤلف)

(٦) الخنذيذ : الخطيب البليغ. العالم بأيّام العرب وأشعارهم. السيد الحليم. الشجاع البهمة. الدهرس : الداهية. (المؤلف)

(٧) الأشوس : الجريء على القتال الشديد. (المؤلف)

٥٠٠