🚘

الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ١١

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي

الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ١١

المؤلف:

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي


المحقق: مركز الغدير للدّراسات الإسلاميّة
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
المطبعة: فروردين
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٣١
🚘 نسخة غير مصححة

ـ ٩٠ ـ

المولى محمد طاهر القمي

المتوفّى (١٠٩٨)

سلامةُ القلبِ نحّتني عن الزللِ

وشعلةُ العلم دلّتني على العملِ

طهارةُ الأصلِ قادتني إلى كرمٍ

كرامتي ثبتتْ في اللوح في الأزلِ

قلبي يحبُّ عليّا ذا العُلى فلذا

أدعو لأمّيَ في الإبكارِ والأُصُلِ

محبّة المرتضى نورٌ لصاحبها

يمشي بها آمناً من آفةِ الزللِ

لزمت حبَّ عليٍّ لا أُفارقُه

ودادُه من جناني قطّ لم يزلِ

أخو النبيِ (١) إمامي قولُه سندي

لقوله تابعٌ ما كان من عملي

أطعتُ حيدرةً ذا كلّ مكرمةٍ

إمامَ كلِّ تقيٍّ قاصرِ الأملِ

صرفتُ في حبِّ آلِ المصطفى عمري

من مال عنهم إليه قطّ لم أمِلِ

بابُ المدينة (٢) منجانا وملجؤنا

ما انحلّ مشكلُنا إلاّ بحلّ علي

لو لا محبّةُ طه للوصيِّ لما

أتى يشاركُه في طيّب الأكلِ (٣)

ولايةُ المرتضى في خمِّ قد ثبتتْ

بنصِّ أفضلِ خلقِ اللهِ والرسلِ

نصَّ النبيُّ عليه فوقَ منبرِه

عليه أشهدَ أهلَ الدينِ والدولِ

__________________

(١) مرّ الكلام حول حديث المؤاخاة في الجزء الثالث : ص ١١٢ ـ ١٢٥. (المؤلف)

(٢) أشار إلى حديث «أنا مدينة العلم وعليّ بابها» وقد فصّلنا القول حوله في الجزء السادس : ص ٦١ ـ ٨١. (المؤلف)

(٣) أشار إلى حديث الطائر المشوي الثابت المتسالم عليه ، وسيوافيك بطرقه في مسند المناقب ومرسلها.(المؤلف)

٤٢١

قد نصَّ في الدارِ عند الأقربين على

خلافة المرتضى جدّا بلا هزلِ (١)

إنِّ الإمامةَ عهدٌ لم تنلْ أحداً

سوى المصونِ من الزلاّتِ والخطلِ

أطعتُ من ثبتتْ في الكونِ عصمتُه

وعفتُ كلَّ جهولٍ سيّئ العملِ

قد رُدّتِ الشمسُ للمولى أبي حسنٍ (٢)

روحي فدا المرتضى ذي المعجزِ الجللِ

طوبى له كان بيتُ الله مولدَه (٣)

كمثلِ مولدِه ما كان للرسلِ

الشاعر

المولى محمد طاهر بن محمد حسين الشيرازي ثم النجفي ثم القمي. أحد الأوحديّين المشاركين في العلوم ، وفذٌّ من مشايخ الإجازات الذين اتّصلت بهم حلقات الأسانيد ضمَّ إلى فقهه المتدفّق فلسفة صحيحة عالية ، وإلى حديثه الموثوق به أدبه الجمّ ، وفضله الكثار ، إلى عظات بالغة ، ونصائح كافية ، وحكم راقية ، وشعر كثير يزري بعقود الدرر ومنتثر الدراري ، تدفّقت المعاجم بإطرائه والثناء الجميل عليه ، قال صاحب أمل الآمل (٤) : من أعيان الفضلاء المعاصرين ، عالم محقّق مدقّق ثقة ثقة فقيه متكلّم ، محدِّث جليل القدر ، عظيم الشأن. وأطراه شيخنا النوري في المستدرك بقوله : العالم الجليل النبيل ، عين الطائفة ووجهها ، صاحب المؤلّفات الرشيقة النافعة.

يروي مولانا محمد الطاهر عن السيّد نور الدين علي (٥) الآنف ذكره (ص ٢٩١) ويروي عنه شيخنا العلاّمة المجلسي بإجازة مؤرّخة بسنة (١٠٨٦) (٦) وشيخنا الحرّ

__________________

(١) راجع في قصة الدار واستخلاف رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم عليّا يوم ذاك. الجزء الثاني ص ٢٧٨ ـ ٢٨٩. (المؤلف)

(٢) مرّ حديث ردّ الشمس في الجزء الثالث : ص ١٢٦ ـ ١٤١. (المؤلف)

(٣) حديث مولده الشريف أسلفناه في الجزء السادس : ص ٢١ ـ ٣٨. (المؤلف)

(٤) أمل الآمل : ٢ / ٢٧٧ رقم ٨١٩.

(٥) راجع بحار الأنوار : ٥ / ٢٦٤ [١١٠ / ١٣٠ رقم ١٠٣] ، مستدرك الوسائل : ٣ / ٤٠٩. (المؤلف)

(٦) توجد في إجازات البحار : ص ١٦٤ [١١٠ / ١٢٩ رقم ١٠٣]. (المؤلف)

٤٢٢

العاملي كما في أمل الآمل (١) ، والشيخ نور الدين الأخباري توجد إجازته له بخطّه ظهر كتاب الوافي كما ذكره شيخنا الرازي ، ويروي عنه المولى محمد محسن الفيض الكاشاني (٢)

له تآليف قيّمة في شتّى المواضيع منها :

١ ـ عطيّه ربّاني وهديّه سليماني ، شرح لاميّته التي التقطنا منها الأبيات المذكورة ، ذكر في هذا الشرح عدّة من مؤلّفاته ومنه أخذنا غير واحد ممّا ذكرناه ومفتتح الشرح :

اى كلام از انتظام نام ذاتت در نظام

وى زشهد شكّرين شكرت زبان شيرين بكام

رحمت عام وسلامت بر روان أنبيا

خاصّة بر روح محمد باد بر آل عبا

٢ ـ تحفة الأخيار وكشف الأسرار في شرح رائيّة له فارسيّة في مدح أمير المؤمنين عليه‌السلام تسمّى بمؤنس الأبرار.

٣ ـ بهجة الدارين في الحكمة. قال صاحب الروضات (٣) : شاهدتها في هذه الأواخر.

٤ ـ الرسالة السلاميّة في ترك (السلام عليك أيّها النبي) في التشهّد.

٥ ـ الأربعين في فضائل أمير المؤمنين وإمامة الأئمّة المعصومين.

٦ ـ الجامع في أصول الفقه والدين أسماه حجّة الإسلام.

٧ ـ الفوائد الدينيّة في الردّ على الحكماء والصوفيّة.

٨ ـ حكمة العارفين في ردِّ شبه المخالفين.

٩ ـ تنبيه الراقدين في الموعظة ، مطبوعٌ.

__________________

(١) أمل الآمل : ٢ / ٢٧٨ رقم ٨١٩.

(٢) المستدرك : ٣ / ٤٢١. (المؤلف)

(٣) روضات الجنّات : ٤ / ١٤٥.

٤٢٣

١٠ ـ رسالةٌ في خلل الصلاة ، فارسيّة.

١١ ـ حقّ اليقين في معرفة أصول الدين.

١٢ ـ منهاج العارفين شرح رباعيّاته.

١٣ ـ فرحة الدارين في العدالة.

١٤ ـ رسالة في صلاة الليل.

١٥ ـ رسالة في الأذكار.

١٦ ـ شرح تهذيب الحديث.

١٧ ـ رسالة في الفرائض.

١٨ ـ رسالة في الرضاع.

١٩ ـ مفتاح العدالة.

٢٠ ـ رسالة الجمعة.

٢١ ـ سفينة النجاة.

كان شيخنا المترجم له شيخ الإسلام وإمام الجمعة والجماعة بقم المشرّفة إلى أن توفّي بها سنة (١٠٩٨) ، ودفن خلف مرقد زكريّا بن آدم القمي طاب ثراه من قريب.

ومن شعره الفارسيّ قوله :

از گفته مصطفى إمام است سه چار

از روى چه گوئى كه امام است چهار

نشناسى اگر سه چار حق را ناچار

خواهى بعذاب ايزدى گشت دوچار

دليل رفعت شأن علي اگر خواهى

باين كلام دمى گوش خويشتن ميدار

چو خواست مادرش از بهر زادنش جائى

درون خانه خاصش بداد جا ستّار

پس آن مطهّرة با احترام داخل شد

در آن مقام مقدّس بزاد مريم وار

برون چو خواست كه آيد پس ازچهارم روز

ندا شنيد كه نامش برو على بگذار

فداى نام چنين زاده بود جانم

چنين امام گزينيد يا اولى الأبصار

٤٢٤

ومن رباعيّاته :

أى مانده ز كعبه محبّت مهجور

افتاده ز راه مهر صد منزل دور

با حبّ عمر دم مزن از مهر نبى

كى جمع توان نمود با ظلمت نور

وله :

بما رسيده حديث صحيح مصطفوى

كه هست بعد پيمبر امام هشت وچهار

كسى نكرده ز امّت بدين حديث عمل

بغير پيرو آل وأئمّه أطهار

وله :

أى طالب علم دين ز من گير خبر

تاچند دوى در بدر اى خسته جگر

خود را برسان بشهر علم اى غافل

شو داخل آن شهر وليكن از در

وله :

نبى چو وارد «خم» گشت بر سر منبر

خليفه كرد علي را بگفته جبّار

نهاد بر سر او تاج وال من والاه

ز امّتش بگرفت از براى وى اقرار

وليك آنكه به بخبخ نمود تهنيتش

بكرد از پى اقرار خويشتن انكار

فتاد بر سر حارث زغيب سنك قضا

چو گشت منكر نصّ غدير آن غدّار

ومن رباعيّاته :

از دورى راه خويشتن يادى كن

آماده ز بهر سفرت زادى كن

از بى كسى مردن خود ياد آور

در ماتم خود نشين وفريادى كن

وله :

از دورى راه خويشتن كن يادى

آماده ز بهر سفرت كن زادى

در راه طلب چو خفته اى غافل

بر خيز كه از قافله دور افتادى

٤٢٥

وله :

بر خيز چه خفته رفيقان رفتند

غافل چه نشسته عزيزان رفتند

خندان منشين كه جمله ياران عزيز

با سوز دل وديده گريان رفتند

وله :

أى بنده طول أمل وحرص وحسد

فردا است كه أعضاى تو از هم ريزد

اين سر كه ز باد نخوت امروز پر است

تا چشم زنى بود پر از خاك لحد

وله :

تا چشم زنى رسيده وقت سفرت

فردا است كه در جهان نماند أثرت

بر روى زمين خرام وغفلت تا كى

از زير زمين مگر نباشد خبرت

وله :

از وادى معصيت بيا زود گذر

كين مرحله را هست بسى خوف وخطر

گوئي كه كنم توبه پس از پيريها

از مرگ جوانان مگرت نيست خبر

وله :

سالك هوس عالم بالا نكند

پابند ألم ز پاى دل وا نكند

هر دل كه ز ياد مرگ معمور شود

حقد وحسد وحرص در او جا نكند

وله :

خواهى نشود گلشن دل چون بيشه

بركَن تو نهال حرص را از ريشه

بر پاى درخت أمل وحرص وحسد

پيوسته ز ياد مرگ ميزن تيشه

وله :

أى طالب سيم وكيمياى اصغر

آموز زمن تو كيمياى أكبر

٤٢٦

در بوته ياد مرگ خود را بگداز

تا خاك دلت شود طلاى احمر

وله في تقريظ الكتب الأربعة (١) :

دين را كتب أربعه چون جان باشد

اينچار چهار ركن ايمان باشد

هنگام جهاد نفس اينچار كتاب

چار آينه صاحب عرفان باشد

وله في تقريظها :

أى آنكه ترا غلط روى عادت وخوست

رو كن به رهى كه منزل زحمت اوست

ميخوان كتب أربعه كز وى هر سطر

راهى است كه راست ميرود تا درِ دوست

__________________

(١) الكافي لشيخنا أبي جعفر الكليني ، من لا يحضره الفقيه لشيخنا أبي جعفر القمي ، التهذيب والإستبصار لشيخ الطائفة أبي جعفر الطوسي. (المؤلف)

٤٢٧
٤٢٨

ـ ٩١ ـ

القاضي جمال الدين المكي

المتوفّى بعد (١٠١٢)

أنت نعم النصيرُ في كلِّ زادِ

أنت نعم المولى لكلِّ العبادِ

ذو الأيادي والأيدِ أنت لعمري

سيّدُ الناس أوحدُ العبّادِ

ولك الإرثُ في الولاءِ بحقّ

في رقابِ الورى ليومِ التنادِ

لمقال النبيِّ في ماءِ خمِ

أنت مولىً للمؤمنِ المنقادِ

فتهادى بالطوعِ قومٌ ففازوا

وتمادى الغبيُّ في الانتقادِ (١)

ثم قال النبيُّ والِ عليّا

يا إلهي ومن يُعاديه عادِ

وتفضّلْ برحمةٍ للموالي

وبلعنٍ ونقمةٍ للمُعادي (٢)

شرفٌ شامخٌ ومجدٌ رفيعٌ

وافتخارٌ يزيل غلبَ الهوادي

كنت في الصلب إذ دنا فتدلّى

وعلى الصفّ في مقرِّ الجلادِ

ثم من قبل ذا أجبت نداءً

لألست (٣) الإله في كلِّ وادِ (٤)

__________________

(١) كذا في سلافة العصر ، وفي سلوة الغريب : وتمادى بكرهه المتمادي. (المؤلف)

(٢) كذا في سلوة الغريب ، وفي سلافة العصر :

خصّ باللعن من تولّى عتوّا

وحشاهُ مقطّعٌ بالعناد (المؤلف)

(٣) إشارة إلى قوله تعالى في الآية ١٧٢ من سورة الأعراف (وَإذ أخَذَ ربُّكَ مِن بَني آدمَ مِن هورِهمْ ذُرّيَّتَهمْ وَأشْهَدَهمْ عَلَى أنفُسِهِم أَلَستُ بربِّكمْ قَالُوا بَلَى).

(٤) في سلوة الغريب : وأطعت الإله في كلِّ ناد. (المؤلف)

٤٢٩

من يُباريك في السيادةِ غرٌّ

بمزايا تنير منها الدآدي (١)

أو يجاريك في العلومِ جهولٌ

ما له في الفهومِ من مستفادِ (٢)

أنت أنت المعروفُ في كلّ فضلٍ

أنت صدرُ الإصدارِ والإيرادِ

وسوى بيتِك المنكرُ جهلاً

وسواك الضنينُ بالإمدادِ

فابق واسلم لك السلامةُ وقفٌ

والمثاني من الثنا في ازديادِ

سلافة العصر (ص ١١٧) ، سلوة الغريب ، كلاهما للسيّد علي خان المدني.

ما يتبع الشعر

صدّر شاعرنا جمال الدين بهذه الأبيات كتاباً كتبه إلى الشريف الأجلّ الأمير نصير الدين حسين بن إبراهيم بن سلام ، المتوفّى سنة (١٠٢٣) بالطائف والمدفون بمكة المشرّفة ، والكتاب بديع في بابه ، وبليغ في إنشائه ، درر كلم منضّدة ، ولآلئ ألفاظ منثورة ، مذكور بطوله في سلافة العصر صفحة (١١٧ ـ ١١٩) ، والأمير نصير الدين هو عمّ جدّ صاحب السلافة السيد علي خان المدني ، أخو جدّه الشريف السيد أحمد نظام الدين ، قال صاحب السلافة في سلوة الغريب : كان إماماً فاضلاً مجتهداً مبرّزاً في العربيّة ، غالباً عليه الزهد والصلاح ، يُقال : إنّه لم يمسّ درهماً بيده ولا ديناراً قطُّ تورّعاً وعزفاً من نفسه عن الدنيا ، وكان يكتب جميع ما يعمله في اليوم ، فإذا كان الليل نظر فيه ، فإن كان صالحاً حمد الله ، وإن كان غير ذلك استغفر الله منه ، وكان لا يؤدِّب أحداً من خدمه في الحرم.

الشاعر

القاضي جمال الدين (٣) محمد بن حسن بن دراز المكي ، من مقاول الأدب ،

__________________

(١) الدأداء من الليالي : الشديدة الظلمة. (المؤلف)

(٢) في السلوة : عار في خيبة بلا مستفاد. (المؤلف)

(٣) كذا في الخلاصة [٣ / ٤٢٠]. وفي سلافة العصر [ص ١٠٧] : جمال الدين بن محمد. (المؤلف)

٤٣٠

وألسنة الفضيلة ، ومداره القول ، وصيارفة القريض ، وعباقرة القضاة ، ذكره السيد في سلافة العصر (ص ١٠٧) وأثنى عليه بقوله :

جمال العلوم والمعارف ، المتفيّئُ ظلَّ ظليلها الوارف ، أشرقت بالفضل أقماره وشموسه ، وزخر بالعلم عبابه وقاموسه ، فدوّخ صيته الأقطار ، وطار ذكره في منابت الأرض واستطار. وتهادت أخباره الركبان ، وظهر فضله في كلِّ صقع وبان. وله الأدب الذي ما قام به مضطلع ، ولا ظهر على مكنونه مطّلع. استنزل عِصم البلاغة من صياصيها ، واستذلَّ صعاب البراعة فسفع بنواصيها. إن نثر فما اللؤلؤ المنثور انفصم نظامه ، أو نظم فما الدرّ المشهور نسقه نظامه ، بخطّ يزدري بخدّ العذار إذا بقل ، وتحسبه سائر الجوارح على مشاهدة حسنه المقل. ولمّا رحل إلى اليمن في دولة الروم ، قام له رئيسها بما يحبُّ ويروم. فولاّه منصب القضاء ، وسطع نور أمله هناك وأضاء. ولم يزل مجتلياً به وجوه أمانيه الحسان ، مجتنياً من رياضه أزاهر المحاسن والإحسان. إلى أن انقضت مدّة ذلك الأمير ، ومني اليمن بعده بالإفساد والتدمير. فانقلب إلى وطنه وأهله ، فكابد حزن العيش بعد سهله. كما أنبأ بذلك قوله في بعض كتبه : ولمّا حصلت عائداً من اليمن بعد وفاة المرحوم سنان باشا ، وانقضاء ذلك الزمن ، اخترت الإقامة في الوطن بعد التشرّف بمجلس القضاء في ذلك العطن ، إلاّ أنَّه لم يحل لي التحلّي عن تذكّر ما كان في خزانة الخيال مرسوماً ، وتفكّر ما كان في لوح المفكّرة موسوماً. فاخترت أن أكون مدرّساً في البلد الحرام ، وممارساً لما أذن غبّ الحصول بالانصرام. ولم يكن في البلد الأمين كفاية ، ولا ما يقوم به الإتمام والوفاية. انتهى. وما زال مقيماً في وطنه وبلده ، ومتدرّعاً جلباب صبره وجلده. حتى انصرمت من العيش مدّته ، وتمّت من الحياة عدّته.

ثم ذكر جملةً وافية من منثور كلمه في ثلاث عشرة صحيفة فقال : ومن شعره قوله في صدر كتاب :

٤٣١

هذا نظامك أم درٌّ بمنتسقِ

أم الدراري التي لاحتْ على الأفقِ

وذا كلامُك أم سحرٌ به سُلِبَتْ

نهى العقول فتتلو سورةَ الفلقِ

وذا بيانُك أم صهباءُ شعشعَها

أغنُّ ذو مقلةٍ مكحولة الحدقِ

بتاج كلِّ مليكٍ منه لامعة

وجيد كلّ مجيدٍ منه في أنقِ

روضٌ من الزهر والأنوارُ زاهيةٌ

كأنجمِ الأُفق في اللألاءِ والنمقِ

وذي حمائمُ ألفاظٍ سجعنَ ضحىً

على الخمائلِ غبَّ العارضِ الغدقِ

رسالةٌ كفراديسِ الجنانِ بها

من كلّ مؤتلقٍ يلفى ومنتشقِ

كأنّما الألِفاتُ المائلاتُ بها

غصونُ بانٍ على أيدٍ من الورقِ

تعلو منابرَها الهمزاتُ صادحةً

كالوِرقِ ناحت على الأفنانِ من حرقِ

ميماتُها كثغورٍ يبتسمن بها

يزري على الدرِّ إذ يزهي على العنقِ

فطرسُها كبياض الصبح من يققٍ

ونِقسها (١) كسوادِ الليلِ في غسقِ

يا ذا الرسالةِ قد أرسلتَ معجزةً

ودّت بلاغتها الدعوى من الفرقِ

ويا مليك ذوي الآدابِ قاطبةً

ويا إماماً هدانا أوضحَ الطرقِ

من ذا يعارض ما قد صاغ فكرك من

حلى البيانِ ومن يقفوك في السبقِ

أنت المجلّى بمضمارِ العلومِ إذا

أضحى قرومُ أولي التحقيقِ في قلقِ

صلّى أئمّةُ أهلِ الفضلِ خلفَكَ يا

مولى الموالي وربّ المنطق الذلقِ

مسلّمين لما قد حُزت من أدبٍ

مصدّقين بما شرّفت من خلقِ

مهلاً فباعي من التقصير في قصرٍ

وأنت في الطول والإحسانِ ذو عمقِ

سبحان بارئ هذي الذاتِ من هممٍ

سبحان فاطر ذا الإنسانِ من علقِ

يا ليت شعري هل شبهٌ يُرى لكمُ

كلاّ وربّي ولا الأملاك في الخلقِ

عذراً فما فكرتي صوّاغةٌ دُرراً

حتى أصوغَ لك الأسلاك في نسقِ

واسلم ودم وتعالى في مشيدِ عُلاً

تستنزل الشهبَ للإنشا فلم تعقِ

__________________

(١) اليقق : القطن. نقس : المداد الذي يكتب به. (المؤلف)

٤٣٢

وقوله مخاطباً بعض أكابر عصره لأمر اقتضى ذلك :

حصل القصد والمنى والمرادُ

واستكانت لمجدِك الأضدادُ

أسجد اللهُ في عتابكَ شوساً

تتّقي الأسد بأسَها والجلادُ

وأذلّت لك الجدودُ أناساً

شِيد للمجدِ في رباهم عمادُ

ثم جاءت إليك طوعاً وكرهاً

تتهادى حيناً وحيناً تُقادُ

أنت في الشهب ثاقبٌ لا تسامى

في معاليك حين تثنى الوسادُ

لا تبالي بنازلٍ وملمّ

ولو أنَّ الملمّ سبعٌ شدادُ

ساهراً في طلاب كلِّ منيعٍ

عزَّ نيلاً فلم ينلْهُ العبادُ

مهرُه النفسُ إن يسُمْه كميّ

والطريقُ السهادُ والجسمُ زادُ

من يَجُدْ بالجَنانِ نال مناه

والشحيحُ الجَنانِ عنه يُذادُ

لا تُنالُ العُلى بغيرِ العوالي

لا ولا الحمدُ يكتسيه الجمادُ

أحمدُ الناسِ أنت قولاً وفعلاً

والوفيُّ الذمام والمستجادُ

يا شهاباً بجِدّه حاز جَدّا (١)

ومقاماً لغيره لا يُشادُ

ماز بيني وبين خدنيَ فدمٌ (٢)

ذو سبالٍ يدبّ فيه القرادُ

ولو أنَّ الذي تحكّم فينا

ألمعيٌّ لقرَّ منّي الفؤادُ

أنكر المارقون فضل عليٍ

رماهم إلى الجحيمِ العنادُ

وحقيقٌ أنّ البلاءَ قديمٌ

وأهالي الفهومِ منه تكادُ

ويولَّى الأمِّيُّ حكمَ البرايا

والبليغُ المقال لا يستفادُ

وولاة الأمور فينا حيارى

وذوو النقصِ لا تزال تزادُ

عادةُ الدهر أن يُؤَخِّرَ مثلي

وعلى الأصل جاء هذا المفادُ

قل لمن يبتغي التفاضلَ بيني

ثم بين القضاةِ هذا الزنادُ

__________________

(١) الجَدّ : الحظّ ، يقال : جُدِدت يا فلان ، فأنت جَديد ومجدود أي : محظوظ.

(٢) الفديم : العييّ الثقيل.

٤٣٣

فاقتبس من زنادِهم لك ناراً

أو فدعهمْ إن لاحَ منه الرمادُ

ويح دهرٍ لا يعرف الفرق فيه

بين عَيٍّ وقائلٍ يُستجادُ

هيِّنٌ ما لقيتُ ما دمتَ فينا

ذا عفافٍ وصحَّ منك الودادُ

وقوله أيضاً :

سلام على الدار التي قد تباعدتْ

ودمعي على طول الزمانِ سفوحُ

يعزُّ علينا أن تشطّ بنا النوى

ولي عندكم دون البريّةِ روحُ

إذا نسمت من جانب الرملِ نفحةٌ

وفيها عرارٌ للغويرِ وشيحُ

تذكّرتُكمْ والدمعُ يسترُ مقلتي

وقلبي مشوقٌ بالبعادِ جريحُ

فقلت ولي من لاعج الوجدِ زفرةٌ

لها لوعةٌ تغدو بها وتروحُ

ألا هل يعيدُ الدهرُ أيّامَنا التي

نعمنا بها والكاشحون نزوحُ

وتوجد ترجمة شاعرنا جمال الدين في خلاصة الأثر للمحبّي (٣ / ٤٢٠ ـ ٤٢٧) وذكر ما في السلافة وقال : لقد فحصت عن وفاة صاحب الترجمة فلم أظفر بها وقد علم أنّه كان في سنة اثنتي عشرة وألف موجوداً ، وما عاش بعدها كثيراً رحمه‌الله تعالى.

٤٣٤

ـ ٩٢ ـ

أبو محمد ابن الشيخ صنعان

نهجُ البلاغةِ روضةٌ ممطورةٌ

بالنور من سبحاتِ وجهِ الباري

أو حكمةٌ قدسيّةٌ جُلِيتْ بها

مرآةُ ذاتِ اللهِ للنظّارِ

أو نورُ عرفانٍ تلألا هادياً

للعالمين مناهجَ الأبرارِ

أو لجّةٌ من رحمةٍ قد أشرقتْ

بالعلمِ فهي تموجُ بالأنوارِ

خطبٌ روت ألفاظها عن لؤلؤٍ

من مائه بحرُ المعارفِ جاري

وتهلّلت كلماتُها عن جنّةٍ

حفّتْ من التوحيدِ بالنوارِ

وكأنّها عين اليقينِ تفجّرتْ

من فوقِ عرشِ اللهِ بالأنهارِ

حِكَمٌ كأمثالِ النجومِ تبلّجتْ

من ضوءِ ما ضمنتْ من الأسرارِ

كشفَ الغطاءَ بيانُها فكأنّها

للسامعين بصائرُ الأبصارِ

وترى من الكلمِ القصارِ جوامعاً

يُغنيك عن سِفْرٍ من الأسفارِ

لفظٌ يمدُّ من الفؤادِ سواده

والقلبُ منه بياض وجهِ نهارِ

وجلا عن المعنى السواد كأنّه

صبحٌ تبلّج صادقَ الأسفارِ

من كلّ عاقلةِ الكمالِ عقيلةٍ

تشتاف فوق مدارك الأفكارِ

عن مثلِها عجزَ البليغُ وأعجزت

ببلاغةٍ هي حجّةُ الإقرارِ

وإذا تأمّلتَ الكلامَ رأيتَهُ

نطقت به كلماتُ علمِ الباري

ورأيتَ بحراً بالحقائقِ طامياً

من موجهِ سفنُ العلومِ جواري

ورأيت أنّ هناك برّا شاملاً

وسع الأنامَ كديمةٍ مدرارِ

٤٣٥

ورأيت أنّ هناك عفوَ سماحةٍ

في قدرةٍ تعلو على الأقدارِ

ورأيت أنّ هناك قدراً ماشياً

عن كبرياءِ الواحدِ القهّارِ

قدر الذي بصفاتِه وسماتِه

ممسوسُ ذاتِ الله في الآثارِ (١)

مصباحُ نورِ اللهِ مشكاةُ الهدى

فتّاحُ بابِ خزائنِ الأسرارِ

صنوُ الرسولِ وكان أوّلَ مؤمنٍ

عبدَ الإلهَ كصنوِهِ المختارِ

وبه أقام اللهُ دينَ نبيِّه

وأتمَّ نعمتَه على الأخيارِ (٢)

الشاعر

أبو محمد ابن الشيخ صنعان توجد بخطّه نسخة من نهج البلاغة للسيد الشريف الرضي في مكتبة مدرسة سپهسالار بطهران تحت رقم (٣٠٨٥) كتبها سنة (١٠٧٢) وعليها هذا التقريظ ، بخطّ ناظمه أبي محمد ، ولم أقف من تاريخ حياته على شيء غير أنّ شعره هذا يعرب عن قوّته في القريض ، وجودته في السرد ، وتقدّمه في مضمار الأدب ، كما أنّه آية في ولائه الخالص للإمام الطاهر أمير المؤمنين عليه‌السلام.

__________________

(١) أشار إلى ما أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء : ١ / ٦٨ مرفوعاً : «لا تسبّوا عليّا فإنّه ممسوس في ذات الله». (المؤلف)

(٢) أشار إلى قوله تعالى : (اليَوْمَ أكمَلتُ لَكُم دِينَكُم وأتْمَمْتُ عَلَيكُم نِعمَتِي) النازل يوم الغدير في عليّ أمير المؤمنين. كما فصّلنا القول فيه في الجزء الأوّل : ص ٢٣٠ ـ ٢٣٨. (المؤلف)

٤٣٦

شعراء الغدير

في

القرن الثاني عشر

 ١ ـ الشيخ محمد الحرّ العاملي

 ٧ ـ الشيخ علي العاملي

٢ ـ الشيخ أحمد البلادي

 ٨ ـ المولى مسيحا الفسوي

٣ ـ شمس الأدب اليمني

 ٩ ـ ابن بشارة الغروي

٤ ـ السيد علي خان المدني

 ١٠ ـ الشيخ إبراهيم البلادي

٥ ـ الشيخ عبد الرضا المقري الكاظمي

 ١١ ـ الشيخ أبو محمد الشويكي

٦ ـ علم الهدى محمد

 ١٢ ـ السيد حسين الرضوي

السيد بدر الدين اليمني

٤٣٧
٤٣٨

ـ ٩٣ ـ

شيخنا الحرّ العاملي

المولود (١٠٣٣)

والمتوفّى (١١٠٤)

كيف تحظى بمجدك الأوصياءُ

وبه قد توسّل الأنبياءُ

ما لخلقٍ سوى النبيِّ وسبطي

ـه‍ السعيدين هذه العلياءُ

فبكُم آدمُ استغاثَ وقد مسّ

ته بعد المسرَّةِ الضرّاءُ

يوم أمسى في الأرض فرداً غريباً

ونأت عنه عرسُه حوّاءُ

وبكى نادماً على ما بدا من

ـه‍ وجهدُ الصبِّ الكئيبِ البكاءُ

فتلقّى من ربِّهِ كلماتٍ (١)

شرّفتها من ذكرِكمْ أسماءُ

فاستجيب الدعاء منه ولولا

ذكرُكمْ ما استجيبَ منه الدعاءُ

ثم يعقوبُ قد دعا مستجيراً

من بلاءٍ بكم فزالَ البلاءُ

وأتاه قميصُ يوسف وارتدَّ

بصيراً وتمّت النعماءُ

وبكم كان للخليلِ ابتهالٌ

ودعاءٌ لربّه واشتكاءُ

حين ألقاه عصبةُ الكفر في النا

ر فما ضرّ جسمَهُ الإلقاءُ

أيُضامُ الخليلُ من بعد ما كا

نَ إليكمْ له هوىً والتجاءُ

وبكم يونسُ استغاثَ ونوحٌ

إذ طغا الماءُ واستجدَّ العناءُ

__________________

(١) إشارة إلى ما جاء في قوله تعالى : (فَتَلَقّى آدَمُ مِن ربّهِ كَلِماتٍ فَتَابَ عَلَيهِ) من أن الكلمات المتلقّاة هي أسماء الأشباح الخمسة. راجع ما مرّ في الجزء السابع : ص ٢٩٩. (المؤلف)

٤٣٩

وبأسمائِكم توسّل أيّو

بُ فزالتْ عنه بها الأسواءُ

يا له سؤدداً منيعاً رفيعاً

قد رواهُ الأعداءُ والأولياءُ

لعليٍّ مجدٌ غدا دون أدنا

هُ الثريّا في البعد والجوزاءُ

هو فضلٌ وعصمةٌ ووفاءٌ

وكمالٌ ورأفةٌ وحياءُ

ولَكَم نال سؤدداً لم يُبِنْ كن

ـه‍ علاهُ الإنشادُ والإنشاءُ

والحروف التي تركّبت العل

ـياء منها عينٌ ولامٌ وياءُ

كان نوراً محمدٌ وعليٌ

في سنا آدمٍ له لألاءُ

أخذَ اللهُ كلَّ عهدٍ وميثا

ق له إذ بدا سناً وسناءُ

أيُّ فخرٍ كفخرِهِ والنبيّو

ن عليهمْ عهدٌ له وولاءُ

وبه يُعرفُ المنافقُ إذ كا

نت له في فؤادِه بغضاءُ

ولعمري من أوّل الأمر لا تخ

ـفى على ذي البصيرةِ السعداءُ

ولدته منزّهاً أُمُّهُ ما

شانَه في الولادةِ الأقذاءُ

داخلَ الكعبةِ الشريفةِ لم يد

نُ إليها من الأنامِ النساءُ

لاح منه نورٌ فأشرقتِ الأر

ضُ وأرجاؤها به والسماءُ

كان للدين في ولادتِه مث

ـلُ أخيه مسرّةٌ وازدهاءُ

يا له مولداً سعيداً تجلّتْ

عن محيّاه بهجةٌ غرّاءُ

فهنيئاً به لفاطمة السع

ـد الذي ما له مدىً وانتهاءُ

بل لدينِ الإسلامِ من غير شكٍ

وارتيابٍ قد كان ذاك الهناءُ

إلى أن قال :

وأتت منه في عليٍّ نصوصٌ

لم يَحُمْ حول ربعِها الإحصاءُ

قال فيه هذا وليّي وصيّي

وارثي هكذا روى العلماءُ

وزعمتم بأنَّ كلَّ نبيٍ

لم يرث منه مالَهُ الأقرباءُ

هو مولى من كان مولاه نصّا

منه فليُتْرَكِ الهوى والمراءُ

ودعا بعدها دعاءً مجاباً

وبه قد تواتر الأنباءُ

٤٤٠