الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ١١

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي

الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ١١

المؤلف:

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي


المحقق: مركز الغدير للدّراسات الإسلاميّة
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
المطبعة: فروردين
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٣١

وفي مرآة العجائب وأحاسن الأخبار الغرائب (١) ؛ قيل : كان سبب موت الحسن بن عليّ من سمّ سمَّ به يقال : إنَّ زوجته جعدة بنت الأشعث بن قيس الكندي سقته إيّاه ، ويُذكر والله أعلم بحقيقة أمورهم : أنَّ معاوية دسّ إليها بذلك على أن يوجّه لها مائة ألف درهم ويزوِّجها من ابنه يزيد ، فلمّا مات الحسن وفى لها معاوية بالمال وقال : إنِّي أحبُّ حياة يزيد. وذكروا :

أنَّ الحسن قال عند موته : «لقد حاقت شربته والله لا وفى لها بما وعد ولا صدق فيما قال».

وفي سمّه يقول رجل من الشيعة :

تعرّفكم (٢) لك من سلوة

تفرِّج عنك قليل الحزَنْ

بموت النبيِّ وقتل الوصيِ

وقتل الحسين وسمّ الحسنْ

وقال الزمخشري في ربيع الأبرار (٣) في الباب الحادي والثمانين : جعل معاوية لجعدة بنت الأشعث امرأة الحسن مائة ألف درهم حتى سمّته ، ومكث شهرين وإنَّه يرفع من تحته طستاً من دم وكان يقول : «سُقيت السمّ مراراً ما أصابني فيها ما أصابني في هذه المرّة ، لقد لفظت كبدي».

وفي حسن السريرة (٤) : لمّا كان سنة سبع وأربعين من الهجرة دسَّ معاوية إلى جعدة بنت الأشعث بن قيس الكندي زوجة الحسن بن عليّ أن تسقي الحسن السمَّ ، ويوجّه لها مائة ألف ويزوّجها من ابنه يزيد. ففعلت ذلك.

كان معاوية يرى أمر الإمام السبط عليه‌السلام حجر عثرة في سبيل أمنيّته الخبيثة بيعة

__________________

(١) تأليف الشيخ أبي عبد الله محمد بن عمر زين الدين. (المؤلف)

(٢) كذا ، وفي مروج الذهب : ٣ / ٧ : تأسَّ فكم لك.

(٣) ربيع الأبرار : ٤ / ٢٠٨.

(٤) ألّفه الشيخ عبد القادر بن محمد بن [يحيى الحسيني الشافعي] الطبري ابن بنت محبّ الدين الطبري مؤلّف الرياض النضرة. [توفي سنة ١٠٣٣ ، وكتابه (حسن السريرة في حسن السيرة) : شرح منظومة في السير. راجع ذيل كشف الظنون : ٣ / ٤٠٤]. (المؤلف)

٢١

يزيد ، ويجد نفسه في خطر من ناحيتين ، عهده إليه عليه‌السلام في الصلح معه بأن لا يعهد إلى أحد من جانب ، وجدارة أبي محمد الزكيّ ونداء الناس به من ناحية أخرى ، فنجّى نفسه عن هذه الورطة بسمِّ الإمام عليه‌السلام ، ولمّا بلغه نعيه غدا مستبشراً ، وأظهر الفرح والسرور وسجد وسجد من كان معه.

قال ابن قتيبة : لمّا مرض الحسن بن عليّ مرضه الذي مات فيه ، كتب عامل المدينة إلى معاوية يخبره بشكاية الحسن ، فكتب إليه معاوية : إن استطعت أن لا يمضي يومٌ يمرُّ بي إلاّ يأتيني فيه خبره فافعل. فلم يزل يكتب إليه بحاله حتى توفّي فكتب إليه بذلك. فلمّا أتاه الخبر أظهر فرحاً وسروراً حتى سجد وسجد من كان معه ، فبلغ ذلك عبد الله بن عبّاس وكان بالشام يومئذٍ فدخل على معاوية ، فلمّا جلس قال معاوية : يا ابن عباس هلك الحسن بن عليّ. فقال ابن عباس : نعم هلك ، إنّا لله وإنّا إليه راجعون. ترجيعاً مكرّراً ، وقد بلغني الذي أظهرت من الفرح والسرور لوفاته ، أما والله ما سدّ جسده حفرتك ، ولا زاد نقصان أجله في عمرك ، ولقد مات وهو خيرٌ منك ، ولئن أُصِبنا به لقد أُصبنا بمن كان خيراً منه جدّه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فجبر الله مصيبته ، وخلف علينا من بعده أحسن الخلافة. ثم شهق ابن عبّاس وبكى. الحديث (١).

وفي العقد الفريد (٢) (٢ / ٢٩٨) لمّا بلغ معاوية موت الحسن بن عليّ خرَّ ساجداً لله ، ثم أرسل إلى ابن عبّاس وكان معه في الشام فعزّاه وهو مستبشرٌ. وقال له : ابن كم سنة مات أبو محمد؟ فقال له : سنّه كان يُسمع في قريش فالعجب من أن يجهله مثلك قال : بلغني أنّه ترك أطفالاً صغاراً ، قال : كلُّ ما كان صغيراً يكبر ، وإنَّ طفلنا لكهل وإنَّ صغيرنا لكبير ، ثم قال : مالي أراك يا معاوية مستبشراً بموت الحسن بن عليّ؟

__________________

(١) الإمامة والسياسة : ١ / ١٤٤ [١ / ١٥٠]. (المؤلف)

(٢) العقد الفريد : ٤ / ١٥٦.

٢٢

فو الله لا ينسأ في أجلك ، ولا يسدّ حفرتك ، وما أقلَّ بقاءك وبقاءنا بعده! وذكره الراغب في المحاضرات (١) (٢ / ٢٢٤).

وفي حياة الحيوان (٢) (١ / ٥٨) ، وتاريخ الخميس (٢ / ٢٩٤) وفي طبعة (٣٢٨) : قال ابن خلّكان (٣) : لمّا مرض الحسن كتب مروان بن الحكم إلى معاوية بذلك وكتب إليه معاوية : أن أَقبِلِ المطيَّ إليَّ بخبر الحسن ، فلمّا بلغ معاوية موته سمع تكبيرة من الخضراء فكبّر أهل الشام لذلك التكبير ، فقالت فاختة بنت قريظة لمعاوية : أقرّ الله عينك ، ما الذي كبّرت لأجله؟ فقال : مات الحسن. فقالت : أعلى موت ابن فاطمة تكبّر؟ فقال : ما كبّرت شماتةً بموته ، ولكن استراح قلبي (٤). ودخل عليه ابن عبّاس فقال : يا ابن عبّاس هل تدري ما حدث في أهل بيتك؟ قال : لا أدري ما حدث إلاّ أنّي أراك مستبشراً وقد بلغني تكبيرك ، فقال : مات الحسن. فقال ابن عبّاس : رحم الله أبا محمد ـ ثلاثاً ـ ، والله يا معاوية لا تسدّ حفرته حفرتك ، ولا يزيد عمره في عمرك ، ولئن كنّا أُصبنا بالحسن فلقد أُصبنا بإمام المتّقين وخاتم النبيّين ، فجبر الله تلك الصدعة ، وسكّن تلك العبرة ، وكان الخلف علينا من بعده. انتهى.

وكان ابن هند جذلانَ مستبشراً بموت الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام قبل ولده الطاهر السبط ، فبلغ الحسن عليه‌السلام وكتب إليه فيما كتب : «قد بلغني أنك شمتَّ بما لا يشمت به ذوو الحجى ، وإنَّما مثلك في ذلك كما قال الأوّل :

وقل للذي يبقى خلاف الذي مضى

تجهّز لأخرى مثلها فكأن قدِ

وإنّا ومن قد مات منّا لكالذي

يروح فيمسي في المبيت ليقتدي»

__________________

(١) محاضرات الأدباء : مج ٢ / ج ٤ / ٥٠٠.

(٢) حياة الحيوان : ١ / ٨٣ ـ ٨٤.

(٣) وفيات الأعيان : ٢ / ٦٦ ـ ٦٧.

(٤) إلى هاهنا ذكره الزمخشري أيضاً في ربيع الأبرار [٤ / ٢٠٩] في الباب الحادي والثمانين ، والبدخشي في نُزُل الأبرار [ص ١٤٧ ـ ١٤٨]. (المؤلف)

٢٣

ولإرضاء معاوية منع ذلك الإمام الزكيّ عن أن يقوم أخوه الحسين السبط بإنجاز وصيّته ويدفنه في حجرة أبيه الشريفة التي هي له ، وهو أولى إنسان بالدفن فيها. قال ابن كثير في تاريخه (١) (٨ / ٤٤) : فأبى مروان أن يدعه ، ومروان يومئذٍ معزول يريد أن يرضي معاوية. وقال ابن عساكر (٢) (٤ / ٢٢٦) : قال مروان : ما كنت لأدع ابن أبي تراب يدفن مع رسول الله ، وقد دفن عثمان بالبقيع ، ومروان يومئذٍ معزولٌ يريد أن يرضي معاوية بذلك ، فلم يزل عدوّا لبني هاشم حتى مات. انتهى.

هذه نماذج من جنايات معاوية على ريحانة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولعلَّ فيما أنساه التاريخ أضعافها ، وهل هناك مسائلٌ ابن حرب عمّا اقترفه السبط المجتبى سلام الله عليه من ذنب استحقَّ من جرّائه هذه النكبات والعظائم؟ وهل يسع ابن آكلة الأكباد أن يعدَّ منه شيئاً في الجواب؟ غير أنّه عليه‌السلام كان سبط محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد عطّل دين آباء الرجل الذي فارقه كرهاً ولم يعتنق الإسلام إلاّ فَرَقا ، وأنّه شبل عليّ خليفة الله في أرضه بعد نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو الذي مسح أسلافه الوثنيّين بالسيف ، وأثكلت أُمّهات البيت الأمويّ بأجريتهن (٣) ، ولمّا ينقضي حزن معاوية على أولئك الطغمة حتى تشفّى بأنواع الأذى التي صبّها على الإمام المجتبى إلى أن اغتاله بالسمِّ النقيع ، ولم يملك نفسه حتى استبشر بموته ، وسجد شكراً ، وأنا لا أدري ألِلاته سجد أم لله سبحانه؟ وإنّ لسان حاله كان ينشد ما تظاهر به مقول نغله يزيد :

قد قتلت القِرْمَ من ساداتهم

وعدلنا ميل بدرٍ فاعتدلْ

ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا

جزعَ الخزرجِ من وقع الأسلْ

لعبت هاشمُ بالملكِ فلا

خبرٌ جاء ولا وحيٌ نزلْ

__________________

(١) البداية والنهاية : ٨ / ٤٨ حوادث سنة ٤٩ ه‍.

(٢) تاريخ مدينة دمشق : ١٣ / ٢٨٧ ، ٢٨٨ رقم ١٣٨٣ ، وفي مختصر تاريخ دمشق : ٧ / ٤٢.

(٣) الأجرية : جمع جرو.

٢٤

وأنّه بضعة الزهراء فاطمة الصدِّيقة حبيبة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومنها نسله الذين ملأوا الدنيا أوضاحاً وغرراً من الحسب الوضّاء ، والشرف الباذخ ، والدين الحنيف ، كلُّ ذلك ورغبات معاوية على الضدِّ منها ، وما تغنيه الآيات والنذر.

وفي الذكر الحكيم (سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِ) وَإِنْ يَرَوا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤمِنُوا بِهَا وَإنْ يَرَوا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإنْ يَرَوا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوه سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكَانُوا عَنْها غَافِلِين) (١).

معاوية

وشيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام

لم يبرح معاوية مستصغراً كلّ كبيرة في توطيد سلطانه ، مستسهلاً دونه كلّ صعب ، فكان من الهيّن عنده في ذلك كلّ بائقة ، ومن ذلك دأبه على سفك دماء الشيعة ـ شيعة الإمام الطاهر ـ في أقطار حكومته ، وفي جميع مناطق نفوذه ، واستباحة أموالهم وأعراضهم ، وقطع أصولهم بقتل ذراريهم وأطفالهم ، ولم يستثن النساء ، وهم المعنيّون بثناء صاحب الرسالة صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليهم ، السابقة أحاديثه في الجزء الثالث (ص ٧٨).

وهب أنَّ هذا الثناء لم يصدر من مصدر النبوّة ، أو أنَّ روايته لم تبلغ ابن آكلة الأكباد ، فهل هم خارجون عن ربقة الإسلام المحرّم للنفوس والأموال والحرمات بكتابه وسنّة نبيّه؟ وهل اقترفوا إثماً لا يغفر أو عثروا عثرة لا تُقال غير ولايتهم لإمام أجمع المسلمون على خلافته ، وحثّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أُمّته على اتّباعه وولائه إثر ما نزل في كتاب الله من ولايته؟ أو أنَّ ابن صخر حصل على حكم لم يعرفه المسلمون يعارض كلَّ تلكم الأحكام الواردة في الكتاب والسنّة؟ أو أنَّه لا يتحوّب بارتكاب الموبقات فيلغ في الدماء ولوغاً؟

__________________

(١) الأعراف : ١٤٦.

٢٥

بعث بُسر بن أرطاة بعد تحكيم الحكمين ، وعليّ بن أبي طالب رضى الله عنه يومئذٍ حيٌّ ، وبعث معه جيشاً آخر ، ووجّه برجل من عامر ضمّ إليه جيشاً آخر ، ووجّه الضحّاك ابن قيس الفهري في جيش آخر ، وأمرهم أن يسيروا في البلاد فيقتلوا كلّ من وجدوه من شيعة علي بن أبي طالب عليه‌السلام وأصحابه ، وأن يغيروا على سائر أعماله ، ويقتلوا أصحابه ، ولا يكفّوا أيديهم عن النساء والصبيان. فمرّ بُسر لذلك على وجهه حتى انتهى إلى المدينة فقتل بها ناساً من أصحاب عليّ عليه‌السلام وأهل هواه ، وهدم بها دوراً ، ومضى إلى مكة فقتل نفراً من آل أبي لهب ، ثم أتى السراة فقتل من بها من أصحابه ، وأتى نجران فقتل عبد الله بن عبد المدان الحارثي وابنه ، وكانا من أصهار بني العبّاس عامل عليّ عليه‌السلام ، ثم أتى اليمن وعليها عبيد الله بن العبّاس عامل علي بن أبي طالب وكان غائباً ، وقيل : بل هرب لمّا بلغه خبر بُسر فلم يصادفه بُسر ووجد ابنين له صبيَّين فأخذهما بُسر لعنه الله (١) وذبحهما بيده بمدية كانت معه ، ثم انكفأ راجعاً إلى معاوية.

وفعل مثل ذلك سائر من بعث به ، فقصد العامري إلى الأنبار فقتل ابن حسّان البكري وقتل رجالاً ونساءً من الشيعة ، قال أبو صادقة (٢) : أغارت خيلٌ لمعاوية على الأنبار فقتلوا عاملاً لعليّ عليه‌السلام يقال له : حسّان بن حسّان ، وقتلوا رجالاً كثيراً ونساءً ، فبلغ ذلك عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه فخرج حتى أتى المنبر فرقيه فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثم قال :

«إنَّ الجهاد بابٌ من أبواب الجنّة ، فمن تركه ألبسه الله ثوب الذلّة ، وشمله البلاء ، وريب بالصغار وسيم الخسف ، وقد قلت لكم : أغزوهم قبل أن يغزوكم فإنَّه لم يُغْزَ قومٌ قطُّ في عُقر دارهم إلاّ ذلّوا. فتواكلتم وتخاذلتم وتركتم قولي وراءكم ظهريّا ،

__________________

(١) كذا جاء في غير موضع من لفظ الحديث. (المؤلف)

(٢) أخرجه أبو الفرج مسنداً. حذفنا إسناده روماً للاختصار [الأغاني : ١٦ / ٢٨٦ ـ ٢٨٧ وفيه : عن أبي صادق]. (المؤلف)

٢٦

حتى شنّت عليكم الغارات ، هذا أخو غامِدٍ قد جاء الأنبار فقتل عاملها حسّان ابن حسّان وقتل رجالاً كثيراً ونساءً ، والله بلغني أنّه كان يأتي المرأة المسلمة والأخرى المعاهَدَة فينزع حجلها ورعاثها ثم ينصرفون موفورين لم يكلم أحدٌ منهم كلماً ، فلو أنَّ امرأً مسلماً مات دون هذا أسفاً لم يكن عليه ملوماً بل كان به جديراً» (٢) الحديث.

أصاب أُمّ حكيم بنت قارظ ـ زوجة عبيد الله ـ ولهٌ على ابنيها فكانت لا تعقل ولا تصغي إلاّ إلى قول من أعلمها أنَّهما قد قُتلا ، ولا تزال تطوف في المواسم تنشد الناس ابنيها بهذه الأبيات :

يا من أحسّ بابنيَّ اللذينِ هما

كالدرّتينِ تشظّى عنهما الصدفُ

يا من أحسّ بابنيَّ اللذينِ هما

سمعي وقلبي فقلبي اليوم مُزدَهَفُ (٣)

يا من أحسّ بابنيَّ اللذين هما

مخّ العظام فمخّي اليوم مختطفُ

نُبّئت بُسراً وما صدّقت ما زعموا

من قولهم ومن الإفك الذي اقترفوا

انحى على ودجي ابنيّ مرهفةً

مشحوذة وكذاك الإفك يقترفُ

حتى لقيت رجالاً من أُرومته

شمّ الأُنوف لهم في قومهم شرفُ

فالآن ألعنُ بُسراً حقّ لعنته

هذا لعمر أبي بُسر هو السرفُ

من دلَّ والهة حرّى مولّهة

على صبيّين ضلاّ إذ غدا السلفُ

قالوا : ولمّا بلغ علي بن أبي طالب عليه‌السلام قتل بُسر الصبيّين جزع لذلك جزعاً شديداً ، ودعا على بُسر لعنه الله فقال : «اللهمّ اسلبه دينه ، ولا تخرجه من الدنيا حتى تسلبه عقله». فأصابه ذلك وفقد عقله ، وكان يهذي بالسيف ويطلبه فيؤتى بسيف من

__________________

(٢) نهج البلاغة : ص ٦٩ خطبة ٢٧.

(٣) المُزدهف : المستطار القلب من جزع أو حزن.

٢٧

خشب ويجعل بين يديه زقّ منفوخ فلا يزال يضربه حتى يسأم (١).

صورة مفصّلة :

لقد شنَّ الغارة معاوية على شيعة أمير المؤمنين عليه‌السلام سنة (٣٩) وفرّق جيوشه في أصقاع حكومته عليه‌السلام واختار أُناساً ممّن لا خَلاق لهم لقتل أولئك الأبرياء أينما كانوا وحيثما وجدوا ، فوجّه النعمان بن بشير في ألف رجل إلى عين التمر.

ووجّه سفيان بن عوف في ستّة آلاف وأمره أن يأتي هيت فيقطعها ثم يأتي الأنبار والمدائن فيوقع بأهلها ، فأتى هيت ثم أتى الأنبار وطمع في أصحاب عليّ عليه‌السلام لقتلهم فقاتلهم ، فصبر أصحاب عليّ ثم قُتل صاحبهم أشرس (٢) بن حسّان البكري وثلاثون رجلاً ، واحتملوا ما في الأنبار من أموال أهلها ورجعوا إلى معاوية.

ووجّه عبد الله بن مسعدة بن حكمة الفزاري ـ وكان أشدّ الناس على عليّ ـ في ألف وسبعمائة إلى تيماء ، وأمره أن يصدّق (٣) من مرَّ به من أهل البوادي ويقتل من امتنع ، ففعل ذلك وبلغ مكة والمدينة وفعل ذلك.

ووجّه الضحّاك بن قيس وأمره أن يمرّ بأسفل واقصة ويغير على كلّ من مرَّ به ممّن هو في طاعة علي عليه‌السلام من الأعراب ، وأرسل ثلاثة آلاف رجل معه فسار الناس وأخذ الأموال ، ومضى إلى الثعلبيّة وقتل وأغار على مسلحة عليّ ، وانتهى إلى القطقطانة ، فلمّا بلغ علياً أرسل إليه حُجر بن عدي في أربعة آلاف فلحق الضحّاك

__________________

(١) الأغاني : ١٥ / ٤٤ ـ ٤٧ [١٦ / ٢٨٥ ـ ٢٩٢] ، تاريخ ابن عساكر : ٣ / ٢٢٣ [١٠ / ١٥٢ ـ ١٣٥ ، وفي مختصر تاريخ دمشق : ٥ / ١٨٤] ، الاستيعاب : ١ / ٦٥ [القسم الاول / ١٦٠ رقم ١٧٤] ، النزاع والتخاصم : ص ١٣ [ص ٢٨] ، تهذيب التهذيب ١ / ٤٣٥ ، ٤٣٦ [١ / ٣٨١ ـ ٣٨٢]. (المؤلف)

(٢) في كتاب الغارات : ٢ / ٤٦٤ ، وتاريخ الأمم والملوك : ٥ / ١٣٤ ، والكامل في التاريخ ٢ / ٤٢٥ : أشرس. وفي غيرها من المصادر : حسان بن حسان.

(٣) المصدّق : هو الذي يجمع الصدقات.

٢٨

بتدمر فقتل منهم تسعة عشر رجلاً ، وقُتل من أصحابه رجلان ، وحجز بينهما الليل فهرب الضحّاك وأصحابه ورجع حُجر ومن معه.

ووجّه عبد الرحمن بن قباث بن أشيم إلى بلاد الجزيرة وفيها شيب (١) بن عامر جدّ الكرماني الذي كان بخراسان ، فكتب إلى كميل بن زياد وهو بهيت يعلمه خبرهم ، فقاتله كميل وهزمه وغلب على عسكره ، وأكثر القتل في أهل الشام وأمر أن لا يُتبع مدبرٌ ولا يُجهز على جريح.

ووجّه الحرث بن نمر التنوخي إلى الجزيرة ليأتيه بمن كان في طاعة عليّ ، فأخذ من أهل دارا سبعة نفر من بني تغلب فوقع هناك من المقتلة ما وقع.

ووجّه زهير بن مكحول العامري إلى السماوة ، وأمره أن يأخذ صدقات الناس ، فبلغ ذلك عليّا فبعث ثلاثة منهم جعفر بن عبد الله الأشجعي ليصدّقوا (٢) من في طاعته من كلب وبكر ، فوافوا زهيراً فاقتتلوا فانهزم أصحاب عليّ وقتل جعفر بن عبد الله.

وبعث سنة (٤٠) بُسر بن أرطاة في جيش فسار حتى قدم المدينة وبها أبو أيّوب الأنصاري عامل عليّ عليها ، فهرب أبو أيّوب فأتى عليّا بالكوفة ، ودخل بُسر المدينة ولم يُقاتله أحدٌ فصعد منبرها فنادى عليه : يا دينار! ويا نجار! ويا زريق! (٣) شيخي شيخي عهدي به بالأمس فأين هو؟ يعني ـ عثمان ـ ثم قال : يا أهل المدينة! والله لو لا ما عهد إليَّ معاوية ما تركت بها محتلماً إلاّ قتلته. فأرسل إلى بني سلمة فقال : والله مالكم عندي أمانٌ حتى تأتوني بجابر بن عبد الله. فانطلق جابر إلى أُمّ سلمة زوجة النبيِّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال لها : ما ذا ترين؟ إنَّ هذه بيعة ضلالة وقد خشيت أن أُقتل.

__________________

(١) وفي الكامل في التاريخ : شبيب.

(٢) أي : يأخذوا الصدقات.

(٣) هذه بطون من الأنصار. (المؤلف)

٢٩

قالت : أرى أن تبايع فإنِّي قد أمرت ابني عمر بن أبي سلمة وختني عبد الله بن زمعة أن يبايعا ، فأتاه جابر فبايعه ، وهدم بُسر دوراً بالمدينة ، ثم سار إلى مكة فخاف أبو موسى أن يقتله فهرب ، وكتب أبو موسى إلى اليمن : إنَّ خيلاً مبعوثة من عند معاوية تقتل الناس ، تقتل من أبى أن يقرّ بالحكومة. ثم مضى بُسر إلى المدينة وكان عليها عبيد الله بن عبّاس عاملاً لعليّ فهرب منه إلى عليّ بالكوفة ، واستخلف عبد الله ابن عبد المدان الحارثي فأتاه بُسر فقتله وقتل ابنه ، ولقي بُسر ثقل عبيد الله بن عباس وفيه ابنان له صغيران فذبحهما وهما : عبد الرحمن وقثم ، وقال بعضٌ : إنّه وجدهما عند رجل من بني كنانة بالبادية. فلمّا أراد قتلهما قال له الكناني : لِمَ تقتل هذين ولا ذنب لهما؟ فإن كنت قاتلهما فاقتلني معهما ، قال : أفعل. فبدأ بالكناني فقتله ثم قتلهما. فخرجت نسوةٌ من بني كنانة فقالت امرأة منهنّ : يا هذا قتلت الرجال ، فعلامَ تقتل هذين؟ والله ما كانوا يقتلون في الجاهليّة والإسلام ، والله يا ابن أرطاة إنَّ سلطاناً لا يقوم إلاّ بقتل الصبيّ الصغير والشيخ الكبير ، ونزع الرحمة ، وعقوق الأرحام ، لسلطان سوء. وقتل بُسر في مسيره ذلك جماعة من شيعة عليّ باليمن وبلغ علياً الخبر.

تاريخ الطبري (٦ / ٧٧ ـ ٨١) ، كامل ابن الأثير (٣ / ١٦٢ ـ ١٦٧) ، تاريخ ابن عساكر (٣ / ٢٢٢ ، ٤٥٩) ، الاستيعاب (١ / ٦٥ ، ٦٦) ، تاريخ ابن كثير (٧ / ٣١٩ ـ ٣٢٢) ، وفاء الوفا (١ / ٣١) (١).

وقال ابن عبد البرّ في الاستيعاب (٢) (١ / ٦٥) : كان يحيى بن معين يقول : كان بُسر بن أرطاة رجل سوء. قال أبو عمر : ذلك لأُمور عظام ركبها في الإسلام فيما نقل

__________________

(١) تاريخ الأمم والملوك : ٥ / ١٣٩ ـ ١٤٠ حوادث سنة ٤٠ ه‍ ، الكامل في التاريخ : ٢ / ٤٢٥ ـ ٤٣٢ حوادث سنة ٤٠ ه‍ ، تاريخ مدينة دمشق : ١٠ / ١٥٢ ـ ١٥٤ رقم ٨٧٢ ، وفي مختصر تاريخ دمشق : ٥ / ١٨٥ ـ ١٨٦ ، الاستيعاب : القسم الأول / ١٥٧ ـ ١٦٦ رقم ١٧٤ ، البداية والنهاية : ٧ / ٣٥٦ ـ ٣٥٧ حوادث سنة ٤٠ ه‍ ، وفاء الوفا : ١ / ٤٦ الباب ٢.

(٢) الاستيعاب : القسم الأول / ١٥٨ ـ ١٥٩ رقم ١٧٤.

٣٠

أهل الأخبار وأهل الحديث أيضاً منها : ذبحه ابني عبيد الله بن العبّاس وهما صغيران بين يدي أُمّهما. وقال الدارقطني : لم تكن له استقامة بعد النبيّ عليه الصلاة والسلام وهو الذي قتل طفلين لعبيد الله بن العبّاس. وقال أبو عمرو الشيباني : لمّا وجّه معاوية ابن أبي سفيان بُسر بن أرطاة الفهري لقتل شيعة عليّ رضى الله عنه قام إليه معن أو عمرو بن يزيد السلمي وزياد بن الأشهب الجعدي فقالا : يا أمير المؤمنين نسألك بالله والرحم أن تجعل لبُسر على قيس سلطاناً فيقتل قيساً بما قتلت به بنو سليم من بني فهر وكنانة يوم دخل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مكة. فقال معاوية : يا بُسر لا إمرة لك على قيس ، فسار حتى أتى المدينة فقتل ابني عبيد الله وفرَّ أهل المدينة ودخلوا الحرّة حرّة بني سليم. قال أبو عمر : وفي هذه الخرجة التي ذكر أبو عمرو الشيباني أغار بُسر بن أرطاة على همدان وسبى نساءهم ، فكنَّ أوّل مسلمات سبين في الإسلام ، وقتل أحياءً من بني سعد. ثم أخرج أبو عمرو بإسناده من طريق رجلين عن أبي ذرّ : أنّه دعا وتعوّذ في صلاة صلاّها أطال قيامها وركوعها وسجودها قال : فسألاه ممَّ تعوّذت؟ وفيمَ دعوتَ؟ قال : تعوّذت بالله من يوم البلاء يدركني ، ويوم العورة أن أدركه. فقالا : وما ذاك؟ فقال : أمّا يوم البلاء فتلتقي فئتان من المسلمين فيقتل بعضهم بعضاً ، وأمّا يوم العورة فإنّ نساءً من المسلمات يُسْبَيْنَ فيكشف عن سوقهنَّ فأيّتهنّ كانت أعظم ساقاً اشتُريت على عظم ساقها ، فدعوت الله أن لا يدركني هذا الزمان ولعلّكما تدركانه. فقُتل عثمان ثم أرسل معاوية بُسر بن أرطاة إلى اليمن فسبى نساءً مسلمات فأُقِمن في السوق.

وفي تاريخ ابن عساكر (١) (٣ / ٢٢٠ ـ ٢٢٤) : كان بُسر من شيعة معاوية بن أبي سفيان وشهد معه صفِّين ، وكان معاوية وجّهه إلى اليمن والحجاز في أوّل سنة أربعين ، وأمره أن يستقرئ من كان في طاعة عليّ فيوقع بهم ، ففعل بمكة والمدينة واليمن أفعالاً قبيحةً وقد ولي البحر لمعاوية. وقتل باليمن ابني عبيد الله بن العبّاس. وقال الدارقطني : إنّ بُسراً كانت له صحبة ولم يكن له استقامة بعد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ يعني : أنّه كان من أهل الردّة.

__________________

(١) تاريخ مدينة دمشق : ١٠ / ١٤٤ ـ ١٥٦ رقم ٨٧٢ ، وفي مختصر تاريخ دمشق : ٥ / ١٨٢ ـ ١٨٤.

٣١

قال : وروى البخاري في التاريخ : أنّ معاوية بعث بُسراً سنة سبع وثلاثين فقدم المدينة فبايع ، ثم انطلق إلى مكة واليمن فقتل عبد الرحمن وقثم ابني عبيد الله بن عبّاس. وفي رواية الزهري : أنَّ معاوية بعثه سنة تسع وثلاثين فقدم المدينة ليبلّغ الناس فأحرق دار زرارة بن خيرون (١) أخي بني عمرو بن عوف بالسوق ، ودار رفاعة بن رافع (٢) ، ودار عبد الله بن سعد (٣) من بني الأشهل ، ثم استمرَّ إلى مكة واليمن فقتل عبد الرحمن بن عبيد ، وعمرو بن أمّ إدراكة الثقفي (٤) ، وذلك أنّ معاوية بعثه على ما حكاه ابن سعد ليستعرض الناس فيقتل من كان في طاعة عليّ بن أبي طالب ، فأقام في المدينة شهراً فما قيل له في أحد : إنَّ هذا ممّن أعان على عثمان إلاّ قتله ، وقتل قوماً من بني كعب على مائهم فيما بين مكة والمدينة وألقاهم في البئر ومضى إلى اليمن ، وقتل من همدان بالجرف من كان مع عليّ بصفّين فقتل أكثر من مائتين ، وقتل من الأبناء كثيراً وهذا كلّه بعد قتل عليّ بن أبي طالب.

قال ابن يونس : كان عبيد الله بن العبّاس قد جعل ابنيه عبد الرحمن وقثم عند رجل من بني كنانة وكانا صغيرين ، فلمّا انتهى بُسر إلى بني كنانة بعث إليهما ليقتلهما ، فلمّا رأى ذلك الكناني دخل بيته فأخذ السيف واشتدَّ عليهم بسيفه حاسراً وهو يقول :

الليث من يمنع حافات الدار

ولا يزال مصلتاً دون الدار (٥)

إلاّ فتى أروع غير غدّار

__________________

(١) صحابيّ توجد ترجمته في معاجم الصحابة [ويأتي في ص ٣٤ تصحيح اسم أبيه إلى : جرول] (المؤلف)

(٢) صحابيّ مترجم له في المعاجم. (المؤلف)

(٣) صحابيّ ترجم له أصحاب فهارس الصحابة. (المؤلف)

(٤) صحابي مذكور في عدّ الصحابة [وهو عمرو بن أراكة كما تُرجم في معاجم الصحابة وكتب التاريخ ، ويأتي في الصحيفة ٣٨ عن الغارات بهذا الاسم]. (المؤلف)

(٥) والصحيح : ولا يزال مصلتاً دون الجار. (المؤلف)

٣٢

فقال له بُسر : ثكلتك أمّك والله ما أردنا قتلك فِلمَ عرضت نفسكَ للقتل؟ فقال : أقتل دون جاري فعسى أُعذر عند الله وعند الناس. فضرب بسيفه حتى قُتل ، وقدّم بُسر الغلامين فذبحهما ذبحاً ، فخرج نسوةٌ من بني كنانة فقالت قائلةٌ منهنَّ : يا هذا هؤلاء الرجال قتلت فعلامَ تقتل الولدان؟ والله ما كانوا يُقتلون في جاهليّة ولا إسلام ، والله إنّ سلطاناً لا يقوم إلاّ بقتل الضرع الصغير والمدره (١) الكبير ، وبرفع الرحمة وعقوق الأرحام لَسلطان سوء. فقال لها بُسر : والله لقد هممت أن أضع فيكنَّ السيف. فقالت : تالله إنَّها لأخت التي صنعت ، وما أنا بها منك بآمنة. ثم قالت للنساء اللواتي حولها : ويحكنَّ تفرّقن.

وفي الإصابة (٣ / ٩) : عمرو بن عميس قتله بُسر بن أرطاة لمّا أرسله معاوية للغارة على عمّال عليّ فقتل كثيراً من عمّاله من أهل الحجاز واليمن.

صورة مفصّلة :

كان بُسر بن أرطاة (٢) قاسي القلب ، فظّا سفّاكاً للدماء ، لا رأفة عنده ولا رحمة ، فأمره معاوية أن يأخذ طريق الحجاز والمدينة ومكة حتى ينتهي إلى اليمن ، وقال له : لا تنزل على بلدٍ أهله على طاعة عليّ إلاّ بسطت عليهم لسانك حتى يروا أنّهم لا نجاء لهم ، وأنّك محيطٌ بهم ، ثم اكفف عنهم وادعهم إلى البيعة لي ، فمن أبى فاقتله ، واقتل شيعة عليّ حيث كانوا.

وفي رواية إبراهيم الثقفي في الغارات (٣) في حوادث سنة أربعين : بعث معاوية بُسر بن أبي أرطاة في ثلاثة آلاف وقال : سر حتى تمرّ بالمدينة فاطرد الناس ، وأخف من مررت به ، وانهب أموال كلّ من أصبت له مالاً ممّن لم يكن له دخلٌ في طاعتنا ،

__________________

(١) المدره : زعيم القوم. وفي الغارات : المدرهم : وهو الشيخ المسنّ.

(٢) ويقال : ابن أبي أرطاة. (المؤلف)

(٣) الغارات : ص ٤١١.

٣٣

فإذا دخلت المدينة فأرهم أنَّك تريد أنفسهم ، وأخبرهم أنَّه لا براءة لهم عندك ولا عذر حتى إذا ظنّوا أنّك موقع بهم فاكفف عنهم ، ثم سر حتى تدخل مكة ولا تعرض فيها لأحد ، وأرهب الناس عنك فيما بين المدينة ومكة ، واجعلهم شرودات حتى تأتي صنعاء والجند ، فإنَّ لنا [بهما] (١) شيعة وقد جاءني كتابهم.

فخرج بُسر في ذلك البعث مع جيشه وكانوا إذا وردوا ماءً أخذوا إبل أهل ذلك الماء فركبوها ، وقادوا خيولهم حتى يردوا الماء الآخر ، فيردّون تلك الإبل ويركبون إبل هؤلاء ، فلم يزل يصنع ذلك حتى قرب إلى المدينة ، فاستقبلتهم قضاعة ينحرون لهم الجزر حتى دخلوا المدينة ، وعامل عليّ عليه‌السلام عليها أبو أيّوب الأنصاري صاحب منزل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فخرج عنها هارباً ودخل بُسر المدينة ، فخطب الناس وشتمهم وتهدّدهم يومئذٍ وتوعّدهم وقال : شاهت الوجوه إنّ الله تعالى ضرب مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنّة يأتيها رزقها رغداً. وقد أوقع الله تعالى ذلك المثل بكم وجعلكم أهله ، وكان بلدكم مهاجر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومنزله وفيه قبره ومنازل الخلفاء من بعده ، فلم تشكروا نعمة ربّكم ولم ترعوا حقَّ نبيّكم ، وقتل خليفة الله بين أظهركم ، فكنتم بين قاتل وخاذل ومتربّص وشامت ، إن كانت للمؤمنين قلتم : ألم نكن معكم؟ وإن كان للكافرين نصيب ، قلتم : ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين؟ ثم شتم الأنصار ، فقال : يا معشر اليهود وأبناء العبيد بني زريق وبني النجّار وبني سالم وبني عبد الأشهل أما والله لأوقعنَّ بكم وقعة تشفي غليل صدور المؤمنين وآل عثمان ، أما والله لأدعنّكم أحاديث كالأُمم السالفة ، فتهدّدهم حتى خاف الناس أن يوقع بهم ، ففزعوا إلى حُويطب بن عبد العزّى ، ويقال : إنّه زوج أُمّه فصعد إليه المنبر فناشده وقال : عترتك وأنصار رسول الله وليست بقتلة عثمان ، فلم يزل به حتى سكن ودعا الناس إلى بيعة معاوية فبايعوه ونزل فأحرق دوراً كثيرة منها : دار زرارة بن حرون (٢) أحد بني عمرو

__________________

(١) التصحيح من كتاب الغارات.

(٢) كذا في شرح نهج البلاغة. وفي الغارات : جرول.

٣٤

ابن عوف ، ودار رفاعة بن رافع الزرقي ، ودار أبي أيّوب الأنصاري. وفقد جابر بن عبد الله الأنصاري ، فقال : مالي لا أرى جابراً ، يا بني سلمة لا أمان لكم عندي أو تأتوني بجابر. فعاذ جابر بأمّ سلمة ، فأرسلت إلى بُسر بن أرطاة فقال : لا أؤمنه حتى يبايع فقالت له أُمّ سلمة : اذهب فبايع ، وقالت لابنها عمر : اذهب فبايع ، فذهبا فبايعاه.

وروى من طريق وهب بن كيسان ، قال : سمعت جابر بن عبد الله الأنصاري يقول : لمّا خفت بُسراً وتواريت عنه قال لقومي : لا أمان لكم عندي حتى يحضر جابر ، فأتوني وقالوا : ننشدك الله لما انطلقت معنا فبايعت فحقنت دمك ودماء قومك فإنَّك إن لم تفعل قتلت مقاتليناو سبيت ذرارينا ، فاستنظرتهم الليل ، فلمّا أمسيت دخلت على أمّ سلمة فأخبرتها الخبر ، فقالت : يا بنيَّ انطلق فبايع احقن دمك ودماء قومك ، فإنّي قد أمرت ابن أخي أن يذهب فيبايع ، وإنِّي لأعلم أنّها بيعة ضلالة.

قال إبراهيم : فأقام بُسر بالمدينة أيّاماً ثم قال لهم : إنّي قد عفوت عنكم وإن لم تكونوا لذلك بأهل ، ما قومٌ قُتِل إمامهم بين ظهرانيهم بأهل أن يكفّ عنهم العذاب ، ولئن نالكم العفو منّي في الدنيا إنّي لأرجو أن لا تنالكم رحمة الله في الآخرة ، وقد استخلفت عليكم أبا هريرة فإيّاكم وخلافه. ثم خرج إلى مكة.

وروى الوليد بن هشام ؛ قال : أقبل بُسر فدخل المدينة فصعد منبر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثم قال : يا أهل المدينة خضبتم لحاكم وقتلتم عثمان مخضوباً ، والله لا أدع في المسجد مخضوباً إلاّ قتلته. ثم قال لأصحابه : خذوا بأبواب المسجد وهو يريد أن يستعرضهم ، فقام إليه عبد الله بن الزبير وأبو قيس أحد بني عامر بن لؤيّ فطلبا إليه حتى كفّ عنهم وخرج إلى مكة ، فلمّا قرب منها هرب قثم بن العبّاس وكان عامل علي عليه‌السلام ، ودخلها بُسر فشتم أهل مكة وأنّبهم ثم خرج عنها واستعمل عليها شيبة بن عثمان.

وروى عوانة ، عن الكلبي : أنَّ بُسراً لمّا خرج من المدينة إلى مكة قتل في

٣٥

طريقه رجالاً ، وأخذ أموالاً ، وبلغ أهل مكة خبره فتنحّى عنها عامّة أهلها ، وتراضى الناس بشيبة بن عثمان أميراً لمّا خرج قثم بن العبّاس عنها ، وخرج إلى بُسر قومٌ من قريش فتلقّوه فشتمهم ثم قال : أما والله لو تركت ورأيي فيكم لتركتكم وما فيها روحٌ تمشي على الأرض. فقالوا : ننشدك الله في أهلك وعترتك. فسكت ثم دخل وطاف بالبيت وصلّى ركعتين ثم خطبهم فقال : الحمد لله الذي أعزَّ دعوتنا ، وجمع أُلفتنا ، وأذلَّ عدوّنا بالقتل والتشريد ، هذا ابن أبي طالب بناحية العراق في ضنك وضيق قد ابتلاه الله بخطيئته ، وأسلمه بجريرته ، فتفرّق عنه أصحابه ناقمين عليه ، وولي الأمر معاوية الطالب بدم عثمان ، فبايعوا ، ولا تجعلوا على أنفسكم سبيلاً. فبايعوا ، وفقد سعيد بن العاص فطلبه فلم يجده وأقام أيّاماً ثم خطبهم فقال : يا أهل مكة إنّي قد صفحت عنكم فإيّاكم والخلاف ، فو الله إن فعلتم لأقصدنَّ منكم إلى التي تبير الأصل ، وتحرب المال ، وتخرب الديار. ثم خرج إلى الطائف.

قال إبراهيم الثقفي : ووجّه رجلاً من قريش إلى نبالة وبها قومٌ من شيعة عليّ عليه‌السلام وأمره بقتلهم فأخذهم وكلّم فيهم وقيل له : هؤلاء قومك فكفَّ عنهم حتى نأتيك بكتاب من بُسر بأمانهم فحبسهم ، وخرج منيع الباهلي من عندهم إلى بُسر وهو بالطائف يستشفع إليه فيهم ، فتحمّل عليه بقوم من الطائف فكلّموه فيهم وسألوه الكتاب بإطلاقهم فوعدهم ومطلهم بالكتاب حتى ظنَّ أنَّه قد قتلهم القرشيُّ المبعوث لقتلهم ، وأنَّ كتابه لا يصل إليهم حتى يُقتلوا ، ثم كتب لهم فأتى منيع منزله وكان قد نزل على امرأة بالطائف ورحله عندها فلم يجدها في منزلها ، فوطئ على ناقته بردائه وركب فسار يوم الجمعة وليلة السبت لم ينزل عن راحلته قطّ ، فأتاهم ضحوة وقد أُخرج القوم ليُقتلوا واستبطئ كتاب بُسر فيهم ، فقدّم رجلٌ منهم فضربه رجل من أهل الشام فانقطع سيفه ، فقال الشاميّون بعضهم لبعض : شمسوا سيوفكم حتى تلين فهزّوها وتبصّر منيع الباهلي بريق السيوف ، فألمع بثوبه فقال القوم : هذا راكب عنده خبر فكفوا ، وقام به بعيره فنزل عنه وجاء على رجليه يشدُّ فدفع الكتاب إليهم

٣٦

فأُطلقوا ، وكان الرجل المقدّم الذي ضُرب بالسيف فانكسر السيف أخاه.

قال إبراهيم : وروى عليّ بن مجاهد ، عن ابن إسحاق (١) : أنَّ أهل مكة لمّا بلغهم ما صنع بُسر خافوه وهربوا ، فخرج ابنا عبيد الله بن العبّاس وهما : سليمان ، وداود ، وأُمّهما حوريّة (٢) ابنة خالد بن قارظ الكنانيّة وتكنّى أُمّ حكيم ، وهم حلفاء بني زهرة وهما غلامان مع أهل مكة فأضلّوهما عند بئر ميمون بن الحضرمي ، وميمون هذا أخو العلاء بن الحضرمي ، وهجم عليهما بُسر فأخذهما وذبحهما فقالت أمّهما :

هامن أحسَّ بابنيّ اللذين هما

كالدرّتين تشظّى عنهما الصدفُ (٣)

وقد روي أنَّ اسمهما : قثم وعبد الرحمن ، وروي : أنّهما ضلاّ في أخوالهما من بني كنانة ، وروي : أنّ بُسراً إنَّما قتلهما باليمن وأنّهما ذُبحا على درج صنعاء. وروى عبد الملك ابن نوفل عن أبيه : إنّ بُسراً لمّا دخل الطائف وقد كلّمه المغيرة قال له : لقد صدقتني ونصحتني فبات بها وخرج منها وشيّعه المغيرة ساعة ثم ودّعه وانصرف عنه فخرج حتى مرّ ببني كنانة وفيهم ابنا عبيد الله بن العبّاس وأُمّهما ، فلمّا انتهى بُسر إليهم طلبهما ، فدخل رجلٌ من بني كنانة وكان أبوهما أوصاه بهما ، فأخذ السيف من بيته وخرج فقال له بُسر : ثكلتك أُمّك والله ما كنّا أردنا قتلك فلِم عرّضت نفسك للقتل؟ قال : أُقتل دون جاري أعذر لي عند الله والناس. ثم شدَّ على أصحاب بُسر بالسيف حاسراً وهو يرتجز :

آليت لا يمنع حافات الدار

ولا يموت مصلتاً دون الجار (٤)

إلاّ فتى أروع غير غدّار

__________________

(١) في الغارات : ٢ / ٦١١ عن سنان بن أبي سنان : أنّ أهل مكة.

(٢) كذا في شرح نهج البلاغة ، وفي الطبعة المعتمدة لدينا من شرح النهج والغارات : جويرية.

(٣) إلى آخر الأبيات التي مرّت في صفحة ١٧ ، ١٨. (المؤلف)

(٤) مرَّ في الصحيفة ٣٢ بغير هذا اللفظ ، وصحّح المؤلف رحمه‌الله ؛ شطره ب : ولا يزال مصلتاً دون الجار.

٣٧

فضارب بسيفه حتى قُتل ، ثم قدّم الغلامان فقتلا ، فخرج نسوة من بني كنانة فقالت امرأة منهنّ : هذه الرجال يقتلها فما بال الولدان؟ والله ما كانوا يُقتلون في جاهليّة ولا إسلام ، والله إنَّ سلطاناً لا يشتدّ إلاّ بقتل الضرع الضعيف ، والشيخ الكبير ورفع الرحمة ، وقطع الأرحام ، لسلطان سوء. فقال بُسر : والله لهممت أن أضع فيكنّ السيف. قالت : والله إنّه لأحبّ إليَّ إن فعلت.

قال إبراهيم : وخرج بُسر من الطائف فأتى نجران فقتل عبد الله بن عبد المدان وابنه مالكاً ، وكان عبد الله هذا صهراً لعبيد الله بن العباس ، ثم جمعهم وقام فيهم ، وقال : يا أهل نجران! يا معشر النصارى وإخوان القرود! أمّا والله إن بلغني عنكم ما أكره لأعودنَّ عليكم بالتي تقطع النسل ، وتهلك الحرث ، وتخرب الديار ، وتهدّدهم طويلاً ، ثم سار حتى دخل أرحب فقتل أبا كرب وكان يتشيّع ويقال : إنَّه سيّد من كان بالبادية من همدان فقدّمه فقتله ، وأتى صنعاء قد خرج عنها عبيد الله بن العبّاس وسعيد بن نمران ، وقد استخلف عبيد الله عليها عمرو بن أراكة الثقفي ، فمنع بُسراً من دخولها وقاتله فقتله بُسر ودخل صنعاء فقتل منها قوماً ، وأتاه وفد مأرب فقتلهم فلم ينج منهم إلاّ رجلٌ واحدٌ ورجع إلى قومه فقال لهم : أنعى قتلانا ، شيوخاً وشبّاناً.

قال إبراهيم : وهذه الأبيات المشهورة لعبد (١) بن أراكة الثقفي يرثي بها ابنه عمراً :

لعمري لقد أردى ابن أرطاة فارساً

بصنعاء كالليث الهزبر أبي الأجرِ

تعزَّ فإن كان البكا ردَّ هالكاً

على أحد فاجهد بكاك على عمرِو

ولا تبك ميتاً بعد ميت أحبّة

عليّ وعبّاس وآل أبي بكرِ

__________________

(١) كذا في الطبعة التي اعتمدها المؤلف من شرح نهج البلاغة ، وفي الطبعة المعتمدة لدينا نُسبت الأبيات لعبد الله بن أراكة ، وكلاهما غير صحيح ، والصواب أنّها لأراكة بن عبد الله يخاطب بها ولده الآخر عبد الله ويرثي ولده عمراً الذي قتله بُسر ، كما في الكامل في اللغة والأدب للمبرد : ٢ / ٣٣٢. ولم نعثر على هذه الأبيات في كتاب الغارات نفسه ، بل ذكرها محقق الكتاب السيد جلال الدين الحسيني الأرموي في هامشه ناقلاً إياها عن المؤتلف والمختلف للآمدي.

٣٨

قال : ثم خرج بُسر من صنعاء فأتى أهل حبسان (١) وهم شيعة لعليّ عليه‌السلام فقاتلهم وقاتلوه فهزمهم وقتّلهم قتلاً ذريعاً ، ثم رجع إلى صنعاء فقتل بها مائة شيخ من أبناء فارس لأنّ ابني عبيد الله بن العبّاس كانا مستترين في بيت امرأة من أبنائهم تعرف بابنة بزرج. وكان الذي قتل بُسر في وجهه ذلك ثلاثين ألفاً ، وحرّق قوماً بالنار ، فقال يزيد بن مفرّغ :

تعلّق من أسماء ما قد تعلّقا

ومثل الذي لاقى من الشوق أرّقا

سقى منفخ الأكناف منبعج الكلى

منازلها من مشرقات فشرّقا

إلى الشرف الأعلى إلى رامَهُرْمزٍ

إلى قربات الشيخ من نهر أربقا

إلى دست مارين إلى الشطّ كلّه

إلى مجمع السلاّن من بطن دورقا

إلى حيث يرقى من دجيل سفينه

إلى مجمع النهرين حيث تفرّقا

إلى حيث سار المرء بُسرٌ بجيشه

فقتّل بُسرٌ ما استطاع وحرَّقا

قال : ودعا عليّ عليه‌السلام على بُسر فقال : «اللهمّ إنَّ بسراً باع دينه بالدنيا ، وانتهك محارمك ، وكانت طاعة مخلوق فاجر آثر عنده ممّا عندك ، اللهمّ فلا تمته حتى تسلبه عقله ، ولا توجب له رحمتك ، ولا ساعة من نهار ، اللهمّ العن بُسراً وعمراً ومعاوية ، وليحلّ عليهم غضبك ، ولتنزل بهم نقمتك ، وليصبهم بأسك وزجرك الذي لا تردّه عن القوم المجرمين». فلم يلبث بُسر بعد ذلك إلاّ يسيراً حتى وسوس وذهب عقله ، فكان يهذي بالسيف ويقول : اعطوني سيفاً أقتل به. لا يزال يردِّد ذلك حتى اتُّخذ له سيفٌ من خشب ، وكانوا يدنون منه المرفقة فلا يزال يضربها حتى يغشى عليه فلبث كذلك إلى أن مات (٢).

__________________

(١) كذا في شرح نهج البلاغة ، وأما في الطبعة المعتمدة لدينا من شرح النهج والغارات ففيهما : جيشان ، وهي كورة باليمن شمال لحج.

(٢) شرح ابن أبي الحديد : ١ / ١١٦ ـ ١٢١ [٢ / ٧ ـ ١٨ خطبة ٢٥]. (المؤلف)

٣٩

وفي شرح ابن أبي الحديد (١) (٣ / ١٥) : روى أبو الحسن عليّ بن محمد بن أبي سيف المدائني [في كتاب الأحداث ، قال : كتب معاوية نسخة واحدة إلى عمّاله بعد عام الجماعة : أن برئت الذمّة ممّن روى شيئاً] (٢) من فضل أبي تراب وأهل بيته ، فقامت الخطباء في كلّ كورة وعلى كلّ منبر يلعنون عليّا ويبرؤون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته ، وكان أشدُّ الناس بلاءً حينئذٍ أهل الكوفة لكثرة من بها من شيعة عليّ عليه‌السلام فاستعمل عليهم زياد بن سميّة وضمَّ إليه البصرة ، فكان يتتبّع الشيعة وهو بهم عارفٌ لأنّه كان منهم أيّام عليّ عليه‌السلام فقتلهم تحت كلّ حجر ومدر وأخافهم ، وقطع الأيدي والأرجل ، وسمل العيون ، وصلبهم على جذوع النخل ، وطردهم وشرّدهم عن العراق ، فلم يبق بها معروفٌ منهم. وكتب معاوية إلى عمّاله في جميع الآفاق : أن لا يُجيزوا لأحد من شيعة عليّ وأهل بيته شهادة. وكتب إليهم : أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبّيه وأهل ولايته والذين يروون فضائله ومناقبه فأدنوا مجالسهم وقرّبوهم وأكرموهم واكتبوا لي بكلّ ما يروي كلّ رجل منهم واسمه واسم أبيه وعشيرته. ففعلوا ذلك حتى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصلات والكساء والحباء والقطائع ، ويفيضه في العرب منهم والموالي ، فكثر ذلك في كلّ مصر وتنافسوا في المنازل والدنيا ، فليس يجيء أحدٌ مردودٌ من الناس عاملاً من عمّال معاوية فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة إلاّ كتب اسمه وقرّبه وشفّعه فلبثوا بذلك حيناً ، ثم كتب إلى عمّاله : إنَّ الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كلّ مصر وفي كلّ وجه وناحية ، فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأوّلين ولا تتركوا خبراً يرويه أحدٌ من المسلمين في أبي تراب إلاّ وتأتوني بمناقض له في الصحابة مفتعلة ، فإنَّ هذا أحبُّ إليَّ ، وأقرُّ لعيني ، وأدحض لحجّة أبي تراب وشيعته ، وأشدُّ إليهم من مناقب عثمان وفضله.

ثم كتب إلى عمّاله نسخة واحدةً إلى جميع البلدان : انظروا إلى من قامت عليه

__________________

(١) شرح نهج البلاغة : ١١ / ٤٤ ـ ٤٥ خطبة ٣٢.

(٢) ما بين المعقوفين ساقط وأثبتناه من المصدر.

٤٠