الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ١١

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي

الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ١١

المؤلف:

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي


المحقق: مركز الغدير للدّراسات الإسلاميّة
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
المطبعة: فروردين
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٣١

على لحيته فما فضل أخذه. رواه البخاري (١). وروى مسلم (٢) عن ابن عمر أيضاً عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : «احفوا الشوارب واعفوا اللحى». إلى أن قال بعد ذكر عدّةٍ من أحاديث الباب : والأحاديث في ذلك كثيرة وكلّها نصٌ في وجوب توقير اللحى وحرمة حلقها والأخذ منها على ما سيأتي.

ولا يخفى أن قوله : خالفوا المشركين ، وقوله خالفوا المجوس ، يؤيّدان الحرمة ، فقد أخرج أبو داود (٣) وابن حبّان وصحّحه عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «من تشبّه بقوم فهو منهم». وهو غاية في الزجر عن التشبّه بالفسّاق أو بالكفّار في أيّ شيء ممّا يختصّون به من ملبوس أو هيئة ، وفي ذلك خلاف العلماء ، منهم من قال بكفره وهو ظاهر الحديث ، ومنهم من قال : لا يكفّر ولكن يؤدّب.

فهذان الحديثان بعد كونهما أمرين دالاّن على أنَّ هذا الصنع من هيئات الكفّار الخاصّة بهم إذ النهي إنّما يكون عمّا يختصّون به. فقد نهانا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن التشبّه بهم عامّا في قوله : «من تشبّه» ومن أفراد هذا العامّ حلق اللحية. وخاصّا في قوله : «وفّروا اللحى ، خالفوا المجوس ، خالفوا المشركين».

ثم ما تقدّم من الأحاديث ليس على إطلاقه ، فقد روى الترمذي (٤) عن عبد الله ابن عمرو بن العاص قال : كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يأخذ من لحيته من عرضها وطولها. وروى أبو داود والنسائي : أنَّ ابن عمر كان يقبض على لحيته فيقطع ما زاد على الكفِّ. وفي لفظ : ثم يقصّ ما تحت القبضة. وذكره البخاري (٥) تعليقاً. فهذه الأحاديث تقيّد ما رويناه آنفاً. فيُحْمل الإعفاء على إعفائها من أن يأخذ غالبها أو كلّها.

__________________

(١) صحيح البخاري : ٥ / ٢٢٠٩ ح ٥٥٥٣.

(٢) صحيح مسلم ١ / ٢٨٢ ح ٢٥٩ كتاب الطهارة.

(٣) سنن أبي داود : ٤ / ٤٤ ح ٤٠٣١.

(٤) سنن الترمذي : ٥ / ٨٧ ح ٢٧٦٢.

(٥) صحيح البخاري : ٥ / ٢٢٠٩ ح ٥٥٥٣.

٢٠١

وقد اتّفقت المذاهب الأربعة على وجوب توفير اللحية وحرمة حلقها والأخذ القريب منه :

الأوّل : مذهب الحنفيّة. قال في الدرّ المختار (١) : ويحرم على الرجل قطع لحيته وصرّح في النهاية بوجوب قطع ما زاد على القبضة بالضمِّ ، وأمّا الأخذ منها وهي دون ذلك كما يفعله بعض المغاربة ومخنّثة الرجال فلم يبحه أحدٌ. وأخذ كلّها فعل يهود الهند ومجوس الأعاجم. انتهى. وقوله : وما وراء ذلك يجب قطعه. هكذا عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه كان يأخذ من اللحية من طولها وعرضها ، كما رواه الإمام الترمذي في جامعه ، ومثل ذلك في أكثر كتب الحنفيّة.

الثاني : مذهب السادة المالكيّة حرمة حلق اللحية وكذا قصّها إذا كان يحصل به مثلة. وأمّا إذا طالت قليلاً وكان القصّ لا يحصل به مثلة فهو خلاف الأولى أو مكروهٌ ، كما يؤخذ من شرح الرسالة لأبي الحسن وحاشيته للعلاّمة العدوي رحمهم‌الله.

الثالث : مذهب السادة الشافعيّة. قال في شرح العباب : فائدةٌ : قال الشيخان : يكره حلق اللحية. واعترضه ابن الرفعة بأنَّ الشافعي رضى الله عنه نصَّ في الأُمّ على التحريم. وقال الأذرعي : الصواب تحريم حلقها جملة لغير علّة بها. انتهى. ومثله في حاشية ابن قاسم العبادي على الكتاب المذكور.

الرابع : مذهب السادة الحنابلة نصَّ في تحريم حلق اللحية. فمنهم من صرّح بأنَّ المعتمد حرمة حلقها. ومنهم من صرّح بالحرمة ولم يحك خلافاً كصاحب الإنصاف ، كما يُعلم ذلك بالوقوف على شرح المنتهى وشرح منظومة الآداب وغيرهما.

__________________

(١) الدرّ المختار : ص ٣٢٥.

٢٠٢

وممّا تقدّم تعلم أنَّ حرمة حلق اللحية هي دين الله وشرعه الذي لم يُشرّع لخلقه سواه ، وأنَّ العمل على غير ذلك سفه وضلالة ، أو فسق وجهالة ، أو غفلة عن هدي سيدنا محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. انتهى.

نعم ؛ لم يكن الشبلي ولا الحافظ الذي يثني عليه بحلق لحيته في حبِّ الله ، ولا الحفّاظ الآخرون الذين أطنبوا القول حول لحية أبي بكر الصدّيق محتاجين إلى اللحية ، بل كانوا يفتقرون إلى عقل تام ، كما جاء فيما ذكره السمعاني في الأنساب (١) في الرستمي عن مطين (٢) بن أحمد ، قال : رأيت النبيَّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في المنام فقلت له : يا نبيَّ الله أشتهي لحية كبيرة. فقال : لحيتك جيّدة وأنت محتاج إلى عقل تامّ.

ـ ٥٧ ـ

عمود نور من السماء إلى قبر الحنبلي

ذكر ابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب (٣) (٣ / ٤٦) في ترجمة أبي بكر عبد العزيز بن جعفر الحنبليّ المعروف بغلام الخلاّل المتوفّى سنة (٣٦٣) قال : حكى أبو العبّاس بن أبي عمرو الشرابيّ ، قال : كان لنا ذات ليلة خدمة أمسيت لأجلها ، ثم إنّي خرجت منها نوبة الناس (٤) وتوجّهت إلى داري بباب الأزج ، فرأيت عمود نور من جوف السماء إلى جوف المقبرة ، فجعلت أنظر إليه ولا ألتفت خوفاً أن يغيب عنّي ، إلى أن وصلت إلى قبر أبي بكر عبد العزيز ، فإذا أنا بالعمود من جوف السماء إلى القبر ، فبقيت متحيّراً ومضيت وهو على حاله.

قال الأميني : أبو بكر الحنبلي هذا هو شيخ الحنابلة وعالمهم في عصره صاحب

__________________

(١) الأنساب : ٣ / ٦٣.

(٢) في الأنساب : مطيّار.

(٣) شذرات الذهب : ٤ / ٣٣٦ حوادث سنة ٣٦٣ ه‍.

(٤) في المصدر : نومة الناس.

٢٠٣

التصانيف ، وهو الراوي من الخلاّل عن الحمصيّ عن إمام الحنابلة أحمد : أنَّه سُئل عن التفضيل فقال : من قدّم عليّا على أبي بكر فقد طعن على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومن قدّمه على عمر فقد طعن على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعلى أبي بكر ، ومن قدّمه على عثمان فقد طعن على أبي بكر وعمر وعثمان وعلى أهل الشورى والمهاجرين والأنصار.

وليت مثقال ذرّة من ذلك النور الخياليِّ الممتدِّ من قبر الرجل سطع على مكمن بصيرته إبّان حياته ، فلا يخضع لكلمة شيخه التافهة هذه التي تخالف الكتاب والسنّة ، وإنَّ مقدار الرجل ينبو عن التدخّل في هذا الشأن العظيم الذي ليس هو من رجاله لكن حنَّ قِدحٌ ليس منها (١) أنّى يقع قوله في التفضيل مع آيتي المباهلة والتطهير؟ ومقتضى الأولى اتّحاد مولانا أمير المؤمنين عليه‌السلام مع صنوه النبيِّ الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيما يمكن اتّحاد شخصين فيه ، وليست هي إلاّ الفضائل والفواضل والمكارم والمآثر ما خلا النبوّة ، فما ظنّك برجل يوازنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيما ذكرناه من الفضل؟ أليس من السخف أن يقال : من قدّم عليّا. إلى آخره؟ ومقتضى الثانية عصمته صلوات الله عليه عن جميع الذنوب والمعاصي ، وهل يوازي المعصوم من يجترح السيّئات ويقترف الآثام؟ لكن صاحب النور يروي : من قدّم عليّا. الى آخره. ولا يبالي بما يروي.

فمقتضى المقام أن يقال : من قدّم أحداً على مولانا أمير المؤمنين فقد طعن على الكتاب الكريم ومن صدع به صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومن أنزله جلّت عظمته.

وأنّى يقع قول صاحب النور المرويّ عن إمامه أحمد أمام السنّة المتواترة الواردة من شتّى النواحي في فضل الإمام صلوات الله عليه المتقدّمة في الأجزاء السابقة من هذا الكتاب (٢)؟ فمن قدّمه سلام الله عليه على أبي بكر وصاحبيه فقد جاء

__________________

(١) مجمع الأمثال : ١ / ٣٤١ رقم ١٠١٨.

(٢) وسيوافيك قول أحمد وجمع آخرين من أئمّة الحديث : لم يرد في حق أحد من الصحابة بالأسانيد الحسان أكثر ممّا جاء في حقّ عليّ بن أبي طالب. وقول حبر الأمّة ابن عباس : ما نزل في أحد من كتاب الله ما نزل في عليّ عليه‌السلام. (المؤلف)

٢٠٤

بالحجّة البالغة ، والنور الساطع ، وأخذ بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها.

ـ ٥٨ ـ

تمرٌ ينقلب رطباً لابن سمعون

أخرج الخطيب في تاريخه (١ / ٢٧٥) قال : حدّثنا أبو بكر محمد بن محمد الطاهري قال : سمعت أبا الحسين بن سمعون (١) يذكر أنّه خرج من مدينة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قاصداً بيت المقدس ، وحمل في صحبته تمراً صيحانيّا ، فلمّا وصل إلى بيت المقدس ترك التمر مع غيره من الطعام في الموضع الذي كان يأوي إليه ، ثم طالبته نفسه بأكل الرطب فأقبل عليها باللائمة وقال : من أين لنا في هذا الموضع رطب؟ فلمّا كان وقت الإفطار عمد إلى التمر ليأكل منه فوجده رطباً صيحانيّا!! فلم يأكل منه شيئاً ، ثم عاد إليه من الغد عشيّة فوجده تمراً على حالته الأولى فأكل منه.

وذكره ابن العماد في الشذرات (٢) (٣ / ١٢٦).

ـ ٥٩ ـ

ابن سمعون يخبر عمّا يراه النائم

أخرج ابن الجوزي في المنتظم (٣) (٧ / ١٩٩) من طريق أبي بكر الخطيب البغدادي ، عن أبي طاهر محمد بن عليّ بن العلاّف ، قال : حضرت أبا الحسين بن سمعون يوماً في مجلس الوعظ وهو جالسٌ على كرسيّه يتكلّم ، وكان أبو الفتح القوّاس جالساً إلى جنب الكرسيِّ فغشيه النعاس ونام ، فأمسك أبو الحسين عن الكلام ساعة

__________________

(١) الواعظ الشهير الإمام القدوة الناطق بالحكمة كما في المنتظم [١٥ / ٣ رقم ٢٩٣٧] ، والشذرات [٤ / ٤٦٧ حوادث سنة ٣٨٧]. توفّي ٣٨٧. (المؤلف)

(٢) شذرات الذهب : ٤ / ٤٦٨ حوادث سنة ٣٨٧.

(٣) المنتظم : ١٥ / ٤ رقم ٢٩٣٧.

٢٠٥

حتى استيقظ أبو الفتح ورفع رأسه فقال له أبو الحسين : رأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في نومك؟ قال : نعم ، فقال أبو الحسين : لذلك أمسكت عن الكلام خوفاً أن تنزعج وتنقطع عمّا كنت فيه!

ـ ٦٠ ـ

ابن سمعون وصبيّة الرصّاص

قال ابن الجوزي في المنتظم (١) (٧ / ١٩٨) : حُكي أنَّ الرصّاص الزاهد كان يقبّل رجل ابن سمعون دائماً فلا يمنعه ، فقيل له في ذلك فقال : كان في داري صبيّة خرج في رِجلها الشوكة ، فرأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في النوم ، فقال لي : قل لابن سمعون يضع رجله عليها فإنَّها تبرأ. فلمّا كان من الغد بكرت إليه ، فرأيته قد لبس ثيابه ، فسلّمت عليه فقال : بسم الله ، فقلت : لعلَّ له حاجة ، أمضي معه وأعرض عليه في الطريق حديث الصبيّة ، فجاء إلى داري فقال : بسم الله. فدخلت وأخرجت الصبيّة إليه وقد طرحت عليها شيئاً ، فترك رجله عليها وانصرف ، وقامت الجارية معافاة فأنا أُقبّل رِجله أبداً.

ـ ٦١ ـ

ملك ينزل لأبي المعالي

كان أبو المعالي البغدادي المتوفّى (٤٩٦) من الصلحاء الزهاد ، ذكر أنّه أصابته فاقة شديدة في شهر رمضان ، فعزم على الذهاب إلى بعض الأصحاب ليستقرض منه شيئاً ، قال : فبينما أنا أُريده إذا بطائر قد سقط على كتفي وقال : يا أبا المعالي أنا الملك الفلانيّ ، لا تمض إليه نحن نأتيك به. قال : فبكر إليَّ الرجل.

__________________

(١) المنتظم : ١٥ / ٣ رقم ٢٩٣٧.

٢٠٦

رواه ابن الجوزي في المنتظم (٩ / ١٣٦) ، وابن كثير في تاريخه (١٢ / ١٦٣) (١).

ألا تعجب من ابن الجوزي لا يمرُّ على منقبة من مناقب آل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلاّ وحكم عليها بالوضع أو الضعف أو الوهن ، لكنّه يرسل هذه الخزعبلات إرسال المسلّم ، ولا ينبس في إسنادها ببنت شفة ، ولا في متونها بما يقتضيه المقام من التفنيد والإحالة؟! كلّ ذلك لأنّه غالٍ فيمن يحبّهم ، وقالٍ لمن يشنؤهم.

ـ ٦٢ ـ

الله يكلّم أبا حامد الغزالي

قال صاحب مفتاح السعادة (٢) (٢ / ١٩٤) : قال أبو حامد الغزالي (٣) في بعض مؤلّفاته : كنت في بدايتي منكراً لأحوال الصالحين ومقامات العارفين حتى حظيت بالواردات ، فرأيت الله تعالى في المنام! فقال لي يا أبا حامد قلت : أو الشيطان يكلّمني؟ قال : لا. بل أنا الله المحيط بجهاتك الستّ ، ثم قال : يا أبا حامد ذر أساطيرك وعليك بصحبة أقوام جعلتهم في أرضي محلّ نظري ، وهم أقوامٌ باعوا الدارين بحبّي. فقلت : بعزّتك إلاّ أذقتني برد حسن الظنِّ بهم. فقال : قد فعلت ذلك والقاطع بينك وبينهم تشاغلك بحبِّ الدنيا ، فاخرج منها مختاراً قبل أن تخرج منها صاغراً ، فقد أمضيت عليك نوراً من أنوار قدسي ، فقم وقل. قال : فاستيقظت فرحاً مسروراً ، وجئت إلى شيخي يوسف النسّاج فقصصت عليه المنام فتبسّم وقال : يا أبا حامد هذا ألواحنا في البداية فمحوناها ، بلى إن صحبتني سأكحل بصر بصيرتك بأثمد

__________________

(١) المنتظم : ١٧ / ٨٢ رقم ٣٧٣٤ ، البداية والنهاية : ١٢ / ٢٠١ حوادث سنة ٤٩٦ ه‍.

(٢) مفتاح السعادة : ٢ / ٣٠٣.

(٣) أبو حامد محمد بن محمد الطوسي الشافعي حجّة الإسلام الغزالي صاحب كتاب إحياء علوم الدين ، ولد بطوس ٤٥٠ وتوفي ٥٠٥. (المؤلف)

٢٠٧

التأييد حتى ترى العرش ومن حوله ، ثم لا ترضى بذلك حتى تشاهد ما لا تدركه الأبصار فتصفو من كدر طبيعتك ، وترتقي على طور عقلك ، وتسمع الخطاب من الله تعالى ـ كما كان لموسى عليه‌السلام ـ : (أَنَا اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ) (١).

قال الأميني : مادح نفسه يقرئك السلام ليت شعري هل كان يضيق فم الشيطان عن أن يقول : أنا الله المحيط بجهاتك الستّ ، كما لم تضق أفواه المدّعين للربوبيّة في سالف الدهر؟ فمن أين عرف الغزالي بصرف الدعوى أنَّه هو الله؟ ولما ذا لم يحتمل بعدُ أنّه هو الشيطان؟ وإن كان قد صدّق الرؤيا وأذعن بأنَّ الله هو الذي خاطبه فلما ذا لم يدع الأساطير وقد خوطب ب : ذر الأساطير. ولم ينسج على نول النسّاج شيخه إلاّ التافهات؟!

وليته كان يوجد في صيدليّة النسّاج كحلٌ آخر يحدُّ بصر الغزالي وبصيرته حتى لا يبوء بإثم كبير ممّا في إحيائه من رياضيّات غير مشروعة محبّذة من قبله كقصّة لصّ الحمّام وغيرها ، وحديث منعه عن لعن يزيد اللعين في باب آفات اللسان إلى أمثاله الكثير الباطل.

وما أحدَّ أثمد النسّاج الذي يترك من اكتحل به لا يرضى بعد رؤيته العرش ومن حوله ، حتى يشاهد ما لا تدركه الأبصار ، ويسمع الخطاب ـ كما سمعه موسى (أَنَا اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ).

وأنا إلى الغاية لا أدري أنَّ موسى عليه‌السلام المشارك له في السماع هل شاركه في الرؤية؟ ولعلَّ صاحب الهذيان يجد نفسه مربية على نبيِّ الله موسى الذي هو من أُولي العزم من الرسل ، وخوطب بقول الله العزيز : لن تراني يا موسى! هكذا فليكن السالك المجاهد الغزّال!

__________________

(١) القصص : ٣٠.

٢٠٨

ـ ٦٣ ـ

يد الغزالي في يد سيّد المرسلين

قال الشيخ الإمام الزاهد شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد الجلالي النسائي الشافعي : رأيت في بعض تصانيف الشيخ الإمام مسعود الطرازي : أنَّ الإمام أبا حامد الغزالي رضى الله عنه كان قد أوصى أن يلحده الشيخ أبو بكر النسّاج الطوسي تلميذ الشيخ الإمام أبي القاسم الكرساني ، قال : فلمّا ألحده وخرج من اللحد خرج متغيّراً منتقع اللون ، فقيل له في ذلك فلم يخبر بشيء ، فأقسموا عليه بالله إلاّ ما أخبرتهم ، فقال : إنّي لمّا وضعته في اللحد شاهدت يداً يُمنى قد خرجت من تجاه القبلة ، وسمعت هاتفاً يقول ضع يد محمد الغزالي في يد سيّد المرسلين محمد المصطفى العربيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فوضعتها فيها ثم خرجت كما ترون أو كما قال قدّس الله روحه العزيز (١).

لقد علم الغزالي أنَّ للنسّاج عليه يداً واجبة بتكحيله بأثمده المتقدّم ذكره ، فكان منه بدء هدايته ، فأحبَّ أن يكون هو المجهّز له في الغاية ، وعرف أنَّ الرجل نسيج وحده في وشي الخرافات ، فأوصى إليه ما أوصى ، وأحسب أنَّ يد الغزالي التي وضعها في يد النبيِّ محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غير التي حمل القلم الذي خطَّ به كتاب الإحياء المشحون بالأباطيل والأضاليل أو غيره من كتبه التي تحوي أمثال قصّة الرؤية والأثمد.

ـ ٦٤ ـ

إحياء العلوم للغزالي

عن الإمام أبي الحسن المعروف بابن حرازم ـ ويقال : ابن حرزم ـ وكان مطاعاً في بلاد المغرب أنّه لمّا وقف على إحياء العلوم للغزالي أمر بإحراقه. وقال : هذا بدعةٌ

__________________

(١) مفتاح السعادة : ٢ / ٢٠٧ [٢ / ٣١٤]. (المؤلف)

٢٠٩

مخالفٌ للسنّة ، فأمر بإحضار ما في تلك البلاد من نسخ الإحياء ، فجمعوا وأجمعوا على إحراقها يوم الجمعة ، وكان إجماعهم يوم الخميس ، فلمّا كان ليلة الجمعة رأى أبو الحسن في المنام كأنّه دخل من باب الجامع ، ورأى في ركن المسجد نوراً وإذا بالنبيِّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأبي بكر وعمر جلوسٌ والإمام الغزالي قائمٌ وبيده الإحياء وقال : يا رسول الله هذا خصمي ، ثم جثا على ركبتيه وزحف عليهما إلى أن وصل إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فناوله كتاب الإحياء وقال : يا رسول الله انظر فيه فإن كان فيه بدعةٌ مخالفةٌ لسنّتك كما زعم تبت إلى الله ، وإن كان شيئاً تستحسنه حصل لي من بركتك فأنصفني من خصمي ، فنظر فيه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ورقةً ورقةً إلى آخره ثم قال : والله إنَّ هذا شيءٌ حسن ، ثم ناوله أبا بكر رضى الله عنه فنظر فيه كذلك ، ثم قال : نعم ، والذي بعثك بالحقِّ يا رسول الله إنَّه لحسنٌ. ثم ناوله عمر رضى الله عنه فنظر فيه كذلك ، ثم قال كما قال أبو بكر رضى الله عنه ، فأمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بتجريد أبي الحسن وضربه حدّ المفتري ، فجُرِّد وضُرب ثم شفع فيه أبو بكر بعد خمسة أسواط وقال : يا رسول الله إنَّما فعل ذلك اجتهاداً في سنّتك وتعظيماً. فعفا عنه أبو حامد عند ذلك ، فلمّا استيقظ أبو الحسن من منامه وأصبح أعلم أصحابه بما جرى ومكث قريباً من الشهر مُتألّماً من الضرب ، ثم سكن عنه الألم ومكث إلى أن مات وأثر السياط على ظهره ، وصار ينظر كتاب الإحياء ويعظّمه وينتحله أصلاً أصيلاً.

وفي لفظ اليافعي : وبقيت متوجّعاً لذلك خمساً وعشرين ليلة ، ثم رأيت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جاء ومسح عليَّ وتوّبني فشفيت ونظرت في الإحياء ففهمته غير الفهم الأوّل. وذكره السبكي في طبقاته (١) (٤ / ١٣٢) وقال : هذه حكاية صحيحة حكاها لنا جماعةٌ من ثقات مشيختنا عن الشيخ العارف وليّ الله سيّدي ياقوت الشاذلي ، عن شيخنا السيّد الكبير وليّ الله أبي العبّاس المرسي ، عن شيخه الشيخ الكبير وليّ الله أبي

__________________

(١) طبقات الشافعية : ٦ / ٢٥٩ ـ ٢٦٠.

٢١٠

الحسن الشاذلي قدس الله تعالى أسرارهم (١).

وذكره المولى أحمد طاش كبرى زاده في مفتاح السعادة (٢) (٢ / ٢٠٩) ، واليافعي في مرآة الجنان (٣ / ٣٣٢).

وقال السبكي في طبقاته (٣) (٤ / ١١٣) : كان في زماننا شخصٌ يكره الغزالي ويذمّه ويستعيبه في الديار المصريّة ، فرأى النبيَّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في المنام وأبا بكر وعمر بجانبه ، والغزالي جالسٌ بين يديه وهو يقول : يا رسول الله هذا يتكلّم فيَّ ، وأنَّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : هاتوا السياط ، وأمر به فضرب لأجل الغزالي ، وقام هذا الرجل من النوم وأثر السياط على ظهره ، ولم يزل يبكي ويحكيه للناس. وسنحكي منام أبي الحسن بن حرزم المغربي المتعلّق بكتاب الإحياء وهو نظير هذا.

قال الأميني : نعمّا هي لو صدقت الأحلام! إنّا نحن نربأ بصاحب الرسالة عن الإصفاق على تصديق مثل هذا الكتاب الذي هو في كثير من مواضيعه على الطرف النقيض لما صدع به من شريعته المقدّسة ، وليست أباطيل الغزالي بألغاز لا يحلّها إلاّ الفنّي فيها ، وإنّما هي سرد متعارف يعرفها كلُّ من وقف عليها من أهل العلم ، وليس فهمها قصراً على قوم دون آخرين ، فهي فتق لا يُرتق ، وصدع لا يُرأب.

قال ابن الجوزي في المنتظم (٤) (٩ / ١٦٩) : أخذ في تصنيف كتاب الإحياء في القدس ثم أتمّه بدمشق إلاّ أنّه وضعه على مذهب الصوفيّة وترك فيه قانون الفقه مثل أنّه ذكر في محو الجاه ومجاهدة النفس : أنَّ رجلاً أراد محو جاهه فدخل الحمّام فلبس ثياب غيره ، ثم لبس ثيابه فوقها ، ثم خرج يمشي على مهل حتى لحقوه فأخذوها منه

__________________

(١) مفتاح السعادة : ٢ / ٣١٥.

(٢) كذا حكي عن السبكي ، والمطبوع من طبقاته يخالفه في بعض الألفاظ. (المؤلف)

(٣) طبقات الشافعية : ٦ / ٢١٨ ـ ٢١٩.

(٤) المنتظم ١٧ / ١٢٥ رقم ٣٧٩٩.

٢١١

وسمّي سارق الحمّام ، وذكر مثل هذا على سبيل التعليم للمريدين قبيحٌ ، لأنَّ الفقه يحكم بقبح هذا ، فإنّه متى كان للحمّام حافظٌ وسرق سارقٌ قطع ، ثم لا يحلُّ لمسلم أن يتعرّض بأمر يأثم الناس به في حقّه. وذكر أنَّ رجلاً اشترى لحماً فرأى نفسه تستحيي من حمله إلى بيته فعلّقه في عنقه ومشى ، وهذا في غاية القبح ، ومثله كثيرٌ ليس هذا موضعه ، وقد جمعت أغلاط الكتاب وسمّيته : إعلام الأحياء بأغلاط الإحياء. وأشرت إلى بعض ذلك في كتابي المسمّى بتلبيس إبليس (١) مثل ما ذكر في كتاب النكاح ؛ أنّ عائشة قالت صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنت الذي تزعم أنّك رسول الله. وهذا محالٌ. إلى أن قال :

وذكر في كتاب الإحياء من الأحاديث الموضوعة وما لا يصحُّ غير قليل ، وسبب ذلك قلّة معرفته بالنقل ، فليته عرض تلك الأحاديث على من يعرف ، وإنّما نقَل نقْل حاطب ليل. وكان قد صنّف للمستظهر كتاباً في الردِّ على الباطنيّة ، وذكر في آخر مواعظ الخلفاء فقال : روي أنّ سليمان بن عبد الملك بعث إلى أبي حازم : ابعث إليَّ من إفطارك. فبعث إليه نخالة مقلوّة ، فبقي سليمان ثلاثة أيّام لا يأكل ، ثم أفطر عليها وجامع زوجته ، فجاءت بعبد العزيز ، فلمّا بلغ ولد له عمر بن عبد العزيز. وهذا من أقبح الأشياء لأنَّ عمر ابن عمِّ سليمان وهو الذي ولاّه ، فقد جعله ابن ابنه ، فما هذا حديث من يعرف من النقل شيئاً أصلاً. إلى آخره.

وقال ابن الجوزي في تلبيس إبليس (ص ٣٥٢) : قد حكى أبو حامد الغزالي في كتاب الإحياء قال : كان بعض الشيوخ في بداية إرادته يكسل عن القيام ، فألزم نفسه القيام على رأسه طول الليل لتسمح نفسه بالقيام عن طوع. قال : وعالج بعضهم حبَّ المال بأن باع جميع ماله ورماه في البحر إذ خاف من تفرقته على الناس رعونة الجود ورياء البذل. قال : وكان بعضهم يستأجر من يشتمه على ملأ من الناس ليعوّد نفسه الحلم. قال : وكان آخر يركب البحر في الشتاء عند اضطراب الموج ليصير شجاعاً.

__________________

(١) تلبيس إبليس : ص ٣٥٢ ـ ٣٦٣.

٢١٢

ثم قال : قال المصنّف رحمه‌الله : أعجب من جميع هؤلاء عندي أبو حامد كيف حكى هذه الأشياء ولم ينكرها؟ وكيف ينكرها وقد أتى بها في معرض التعليم؟ وقال قبل أن يورد هذه الحكايات : ينبغي للشيخ أن ينظر إلى حالة المبتدئ ، فإن رأى معه مالاً فاضلاً عن قدر حاجته أخذه وصرفه في الخير ، وفرّغ قلبه منه حتى لا يلتفت إليه. وإن رأى الكبرياء قد غلب عليه أمره أن يخرج إلى السوق للكدّ ويكلّفه السؤال والمواظبة على ذلك. وإن رأى الغالب عليه البطالة استخدمه في بيت الماء وتنظيفه وكنس المواضع القذرة وملازمة المطبخ ومواضع الدخان. وإن رأى شره الطعام غالباً عليه ألزمه الصوم ، وإن رآه عزباً ولم تنكسر شهوته بالصوم أمره أن يفطر ليلة على الماء دون الخبز وليلة على الخبز دون الماء ويمنعه اللحم رأساً. فقال :

قلت : وإنّي لأتعجّب من أبي حامد كيف يأمر بهذه الأشياء التي تخالف الشريعة؟ وكيف يحلّ القيام على الرأس طول الليل فينعكس الدم إلى وجهه ويورثه ذلك مرضاً شديداً ، وكيف يحلّ رمي المال في البحر؟ وقد نهى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن إضاعة المال. وهل يحلّ سبّ مسلم بلا سبب؟ وهل يجوز للمسلم أن يستأجر على ذلك؟ وكيف يجوز ركوب البحر زمان اضطرابه؟ وذاك زمان قد سقط فيه الخطاب بأداء الحجّ ، وكيف يحلُّ السؤال لمن يقدر أن يكتسب؟ فما أرخص ما باع أبو حامد الغزالي الفقه بالتصوّف!

وقال : وحكى أبو حامد : أنَّ أبا تراب النخشبي قال لمريد له : لو رأيت أبا يزيد مرّة واحدة كان أنفع لك من رؤية الله سبعين مرّة. فقال : قلت : وهذا فوق الجنون بدرجات.

هذه جملةٌ من كلمات ابن الجوزي حول إحياء العلوم ، ومن أمعن النظر في أبحاث هذا الكتاب يجده أشنع ممّا قاله ابن الجوزي ، وحسبك ما جاء به من حلّيّة الغناء والملاهي وسماع صوت المغنّية الأجنبيّة والرقص واللعب بالدرق والحراب ،

٢١٣

ونسبة كلّ ذلك إلى نبيِّ القداسة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال (١) بعد سرد جملة من الموضوعات تدعيماً لرأيه السخيف : فيدلّ هذا على أنَّ صوت النساء غير محرّم تحريم صوت المزامير ، بل إنَّما يحرم عند خوف الفتنة ، فهذه المقاييس والنصوص تدلُّ على إباحة الغناء ، والرقص ، والضرب بالدفِّ ، واللعب بالدرق والحراب ، والنظر إلى رقص الحبشيّة والزنوج في أوقات السرور كلّها قياساً على يوم العيد فإنَّه وقت سرور ، وفي معناه يوم العرس ، والوليمة ، والعقيقة ، والختان ، ويوم القدوم من السفر ، وسائر أسباب الفرح وهو كلّ ما يجوز به الفرح شرعاً ، ويجوز الفرح بزيارة الإخوان ولقائهم واجتماعهم في موضع واحد على طعام أو كلام فهو أيضاً مظنّة السماع. ثم ذكر سماع العشّاق تحريكاً للشوق وتهييجاً للعشق وتسليةً للنفس. وفصّل القول في ذلك بما لا طائل تحته ، وخلط الحابل بالنابل ، وجمع فيه بين الفقه المزيّف وبين السلوك بلا فقاهة.

ومن طامّات كتاب الإحياء أو من شواهد جهل مؤلّفه المبير ومبلغه من الدين والورع رأيه الساقط في اللعن ، قال (٢) في (٣ / ١٢١) : وعلى الجملة ففي لعن الأشخاص خطرٌ فليجتنب ، ولا خطر في السكوت عن لعن إبليس مثلاً فضلاً عن غيره ، فإن قيل : هل يجوز لعن يزيد لأنَّه قاتل الحسين أو أمره به؟ قلنا : هذا لم يثبت أصلاً ، فلا يجوز أن يقال : إنّه قتله ، أو أمر به ما لم يثبت فضلاً عن اللعنة ، لأنّه لا تجوز نسبة مسلم إلى كبيرة من غير تحقيق. ثم ذكر أحاديث في النهي عن لعن الأموات فقال :

فإن قيل : فهل يجوز أن يقال : قاتل الحسين لعنه الله ، أو الآمر بقتله لعنه الله؟ قلنا : الصواب أن يقال : قاتل الحسين إن مات قبل التوبة لعنه الله لأنَّه يُحتمل أن يموت بعد التوبة ، فإنَّ وحشيّا قاتل حمزة عمِّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قتله وهو كافرٌ ، ثم تاب عن

__________________

(١) راجع إحياء العلوم : ٢ / ٢٧٦ [٢ / ٢٥٧]. (المؤلف)

(٢) إحياء علوم الدين : ٣ / ١٢٠.

٢١٤

الكفر والقتل جميعاً ، ولا يجوز أن يلعن والقتل كبيرة ، ولا تنتهي إلى رتبة الكفر ، فإذا لم يقيّد بالتوبة وأُطلق كان فيه خطرٌ ، وليس في السكوت خطرٌ فهو أولى. انتهى.

فهلمّ معي أيّها القارئ الكريم إلى هذه التافهات المودوعة في غضون إحياء العلوم ، هل يراها النبيّ الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شيئاً حسناً ، وحلف بذلك؟ وهل سرّه دفاع الرجل عن إبليس اللعين أو عن جروه يزيد الطاغية الذي أبكى عيون آل الله وعيون صلحاء أُمّة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في ريحانته إلى الأبد؟!

وهل يحقُّ لمسلم صحيح يُنزّه عن النزعة الأمويّة الممقوتة ، ويطّلع على فقه الإسلام وطقوسه ، ويعلم تاريخ الأُمّة ، ويعرف نفسيّات أبناء بيت أُميّة الساقط ، ولا يجهل أو لا يتجاهل بما أتت به يد يزيد الطاغية الأثيمة ، وما نطق به ذلك الفاحش المتفحّش ، وما أحدثه في الإسلام من الفحشاء والمنكر ، وما ثبت عنه من أفعاله وتروكه ، وما صدر عنه من بوائق وجرائم وجرائر ، أن يدافع عنه بمثل ما أتى به هذا المتصوّف الثرثار البعيد عن العلوم الدينيّة وحياتها؟ وهو لا يبالي بما يقول ، ولا يكترث لمغبّة ما خطّته يمناه الخاطئة ، والله من ورائه حسيب ، وهو نعم الحَكم العدل ، والنبيّ الأعظم ، ووصيّه الصدّيق ، والشهيد السبط المفدّى هم خصماء الرجل يوم يُحشر للحساب مع يزيد الخمور والفجور ـ ومن أحبَّ حجراً حشره الله معه ـ وسيذوق وبال مقاله ويرى جزاء محاماته.

ولست أدري إلى الغاية أنَّ حدَّ المفتري الذي أقامه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على أبي الحسن بن حرازم إن كان بحقّ ـ ولا بدّ أن يكون ما يفعله النبيُّ حقّا ـ فلما ذا درأته عنه شفاعة الشيخ أبي بكر؟ ولا شفاعة في الحدود. وإن لم يكن أبو الحسن مستحقّا له فبما ذا أقامه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولما ذا أرجأ الشيخ رأيه في اجتهاد ابن حرازم إلى أن جُرِّد وضُرب خمسة أسواط؟ وكيف خفي على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما يُدرأ به الحدُّ من شبهة الاجتهاد؟ ومن سنّته الثابتة درء الحدود بالشبهات. وهل تُقام الحدود في عالم الطيف؟

٢١٥

ـ ٦٥ ـ

اللامشي يسجد على أرض النهر

قال السمعاني : سمعت أبا بكر الزاهد السمرقندي يقول : بتُّ ليلة مع الإمام اللامشي ـ الحسين بن علي أبي عليّ الحنفيّ المتوفّى (٥٢٢) ـ في بعض بساتينه ، فخرج من باب البستان نصف الليل ومرَّ على وجهه فقمت أنا وتبعته من حيث لا يعلم ، فوصل إلى نهر كبير عميق ، وخلع ثيابه ، واتّزر بمئزر وغاص في الماء ، وبقي زماناً لا يرفع رأسه فظننت أنّه غرق فصحت وقلت : يا مسلمون غرق الشيخ. فإذا بعد ساعة قد ظهر وقال : يا بنيَّ لا نغرق. قلت : يا سيّدي ظننت أنَّك غرقت ، فقال : ما غرقت ولكن أردت أن أسجد لله سجدة على أرض [هذا] (١) النهر ، فإنَّ هذه أرضٌ أظنُّ أنَّ أحداً ما سجد لله عليها سجدة. الجواهر المضيّة في طبقات الحنفيّة (٢) (١ / ٢١٥).

مرحى بالسخافة وزهٍ بمستسخف الناس الذين يخضعون لأمثال هذه السفاسف ، وحيّا الله هذه النَفْس التي لم يأخذ بخناقها انقطاع النَفَس طيلة تلك المدّة تحت الماء ، وليس ذلك من خرافة القصّاصين بعجيب ، ولا عجب فإنَّ المغالاة في الحبِّ يستسهل وقوع ما يحيله العقل.

ـ ٦٦ ـ

الطلحي يستر سوأته بعد موته

أخرج ابن الجوزي وابن كثير بالإسناد عن أحمد الأسواري وكان ثقةً ، وهو تولّى غسل إسماعيل بن محمد الحافظ (٣) أنّه قال : أراد أن ينحِّي الخرقة عن سوأته

__________________

(١) من المصدر.

(٢) الجواهر المضيّة : ٢ / ١٢١ رقم ٥١٠.

(٣) أبو القاسم الطلحي الشافعي من أهل أصبهان ، قال ابن الجوزي : إمام في الحديث والتفسير واللغة ، حافظ متقن ديّن ، ولد ٤٥٩ وتوفي بأصبهان سنة ٥٣٥. (المؤلف)

٢١٦

وقت الغسل ، فجذبها الشيخ إسماعيل من يده وغطّى فرجه ، فقال الغاسل : أحياةٌ بعد الموت؟

المنتظم (١٠ / ٩٠) ، تاريخ ابن كثير (١٢ / ٢١٧) (١).

قال الأميني : لا حياة بعد الموت لأمثال الطلحي ، إلى يوم الوقت المعلوم ، لكن الغلوّ في الحبِّ يُحيي ويُميت ، ويُميت ويُحيي.

ـ ٦٧ ـ

طاعة الحيوانات والجمادات للمنبجي

قال الإمام أبو محمد ضياء الدين الوتري في روضة الناظرين (ص ٣٦) : قال الشيخ عقيل بن شهاب الدين أحمد المنبجي العمري أحد أحفاد عمر بن الخطّاب ؛ وكان يلقّب بالغوّاص : أعطاني الله الكلمة النافذة في كلِّ شيء ، ثم داخله وجدٌ فقام وقال : يا هوام يا حجارة يا شجر صدّقوني ، فإنّي ما ادّعيت باطلاً ، فوفدت الوحوش من الجبل وقد ملأ زئيرها وصراخها البقاع ودارت به ، ورقصت الحجارة ، فهذه صاعدةٌ وهذه نازلةٌ ، واشتبكت الأغصان بعضها ببعضها ، ثم حضر فسكت وعاد كلٌّ لما كان عليه.

وقال الوتري : كان يلقّب بالغوّاص ، وذلك لأنّه مرَّ بجماعة من تلامذة شيخه السروجي بالفرات ، ففرش سجّادته على الماء وجلس عليها وغاص بالماء إلى الجانب الآخر ، ثم ظهر من الماء ، ولا بلل بثيابه ، فذكر ذلك إخوانه لشيخه مسلمة السروجي فقال : عقيل غوّاص. فاشتهر بذلك (٢).

قال الأميني : حقّا إنَّ تأثير هذا الرجل في المواليد الثلاثة أقوى من تأثير الله

__________________

(١) المنتظم : ١٨ / ١٠ رقم ٤٠٦٦ ، البداية والنهاية : ١٢ / ٢٧٠ حوادث سنة ٥٣٥ ه‍.

(٢) روضة الناظرين : ص ٣٥. (المؤلف)

٢١٧

سبحانه في تصديقها إيّاه إن حقّقت المزاعم والتافهات! فقد جاء في الذكر الحكيم : (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) (١) و (سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) (٢) و (لِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) (٣) و (النَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ) (٤) (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) (٥) ، ومع ذلك لم يسمع أحدٌ للوحوش والدوابّ نعيقاً ، وللشجر حفيفاً ، وللأحجار صعوداً وهبوطاً ، بعنوان السجدة والتسبيح ، فهو لا محالة إمّا بلسان ملكوتيّ ، أو بعنوان جعل الاستعداد ، أو الشهادة التكوينيّة التي لا تفارق كلَّ موجود على حدّ قول القائل :

وفي كلّ شيء له آيةٌ

تدلُّ على أنّه واحدُ

وعليه ينزّل قوله تعالى : (شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ) أي خلق ما يشهد له بأحد الوجوه المذكورة ، وإلاّ فهي دعوى لا شهادة لها إن أُريد بها ظاهرها.

أو أنَّ للموجودات في تسبيحها وسجودها لغةً وأطواراً لا يحسّها البشر ، إلاّ من اصطفاه الله من عباده المنتجبين ، وعلّمه منطق الطير ، وعرّفه لغة الحجر والشجر والهوام ، لكن الشيخ الغوّاص أعطاه الله الكلمة النافذة في كلِّ شيء حتى زأرت وصرخت له الوحوش ، ورقصت الحجارة ، واشتبكت أغصان الأشجار ، فحظيت بسماعها ورؤيتها آذان أولئك الغالين في فضائله ومُقَلهم ، فحيّى الله منحة المولى سبحانه لعبده أكثر ممّا عنده ، ولك إمعان النظر وتدقيق البحث حول السجّادة والغوص ، وهذه كلّها سهلةٌ غير مستصعب على الشيخ مهما كان حفيد عمر الخليفة ،

__________________

(١) الإسراء : ٤٤.

(٢) الصف : ١.

(٣) النحل : ٤٩.

(٤) الرحمن : ٦.

(٥) الحج : ١٨.

٢١٨

وقد سمعت كراماته الظاهرة في العناصر الأربعة في الجزء الثامن (١) (ص ٨٣ ـ ٨٧) الطبعة الأولى ، هكذا يخلق أو يختلق الغلوّ في الفضائل ، وافقت العقل أم لم توافق.

ـ ٦٨ ـ

كرامة لابن مسافر الأموي

قال عمر بن محمد : خدمت الشيخ عديّ ـ بن مسافر الشاميّ الأمويّ المتوفّى (٥٥٧ ، ٥٥٨) ـ سبع سنين شهدت له فيها خارقات ، أحدها : أنِّي صببت على يديه ماءً فقال لي : ما تريد؟ قلت : أُريد تلاوة القرآن ولا أحفظ منه غير الفاتحة وسورة الإخلاص ، فضرب بيده في صدري فحفظت القرآن كلّه في وقتي ، وخرجت من عنده وأنا أتلوه بكماله.

شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي (٢) (٤ / ١٨٠).

قال الأميني : ليت هذا الامويّ أدرك عهد الخليفة الثاني فيضرب بيده في صدره فلا يتجشّم ـ بمقاساة الشدّة ـ حفظ سورة البقرة في اثني عشر عاماً. لكنّه لم يدرك.

وليت شعري هل كان يرضخ راوي هذه الأُسطورة لها لو كان صاحبها علويّا؟ أو أنَّ رضوخه قصرٌ على الأمويِّ فحسب؟

وذكر ابن العماد أيضاً في شذرات ذهبه (٣) نقلاً عن اليونيني ـ الآتي ذكره ـ قال : قال لي عديّ بن مسافر يوماً : اذهب إلى الجزيرة السادسة بالبحر المحيط تجد بها مسجداً فادخله ترَ فيه شيخاً ، فقل له : يقول لك الشيخ عديّ بن مسافر : احذر الاعتراض ولا تختر لنفسك أمراً ليست لك فيه إرادة. فقلت : يا سيّدي وأنّى لي

__________________

(١) راجع ٨ / ١٢٢ ـ ١٢٧ من هذه الطبعة.

(٢) شذرات الذهب : ٦ / ٣٠١ حوادث سنة ٥٥٧ ه‍.

(٣) شذرات الذهب : ٦ / ٣٠١ حوادث سنة ٥٥٧ ه‍.

٢١٩

بالبحر المحيط؟ فدفعني بين كتفي فإذا أنا بجزيرة والبحر محيطٌ بها وَثمَّ مسجدٌ فدخلته ، فرأيت شيخاً مهيباً يفكّر ، فسلّمت عليه وبلّغته الرسالة ، فبكى وقال : جزاه الله خيراً ، فقلت : يا سيدي ما الخبر؟ فقال : اعلم أنّه أحد السبعة الخواصّ في النزع ، وطمحت نفسي وإرادتي أن أكون مكانه ، ولم تكمل خطرتي حتى أتيتني ، فقلت : يا سيّدي ، وأنّى لي بالوصول إلى جبل هكار؟ فدفعني بين كتفي فإذا أنا بزاوية الشيخ عديّ ، فقال لي : هو من العشرة الخواصّ.

قال الأميني : الجنون فنون ، وأرقّها جنون الحبِّ والمغالاة في الفضائل.

ـ ٦٩ ـ

عبد القادر يحيي دجاجة

قال اليافعي في مرآة الجنان (٣ / ٣٥٦) : روى الشيخ الإمام الفقيه العالم المقري أبو الحسن عليّ بن يوسف بن جرير بن معضاد الشافعيّ اللخميّ في مناقب الشيخ عبد القادر (١) بسنده من خمس طرق ، وعن جماعة من الشيوخ الجلّة أعلام الهدى العارفين المقتنين للاقتداء ، قالوا : جاءت امرأة بولدها إلى الشيخ عبد القادر فقالت له : يا سيّدي إنّي رأيت قلب ابني هذا شديد التعلّق بك ، وقد خرجت عن حقّي فيه لله عزَّ وجلَّ ولك ، فقبله الشيخ وأمره بالمجاهدة وسلوك الطريق ، فدخلت أُمّه عليه يوماً فوجدَته نحيلاً مصفرّا من آثار الجوع والسهر ، ووجدَته يأكل قرصاً من الشعير فدخلت إلى الشيخ فوجدت بين يديه إناء فيه عظام دجاجة مسلوقة قد أكلها ، فقالت : يا سيّدي تأكل لحم الدجاج ويأكل ابني خبز الشعير؟ فوضع يده على تلك العظام وقال : قومي بإذن الله تعالى الذي يحيى العظام وهي رميمٌ. فقامت الدجاجة سويّة وصاحت ، فقال الشيخ : إذا صار ابنك هكذا فليأكل ما شاء.

__________________

(١) الشيخ السيّد عبد القادر بن أبي صالح موسى الحسني الجيلاني ، مؤسّس الطريقة القادرية. من كبار المتصوّفين ، ولد في ٤٩١ بجيلان ـ وراء طبرستان ـ وانتقل إلى بغداد شاباً ، وتوفّي سنة ٥٦١ ودفن ببغداد وقبره مشهور يزار. (المؤلف)

٢٢٠