الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ١١

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي

الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ١١

المؤلف:

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي


المحقق: مركز الغدير للدّراسات الإسلاميّة
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
المطبعة: فروردين
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٣١

عينهما كما فعل موسى بملك الموت في مزعمة أبي هريرة (١) فرجع إلى ربّه فقال : أرسلتني إلى عبدٍ لا يريد الموت ، فردَّ الله إليه عينه. كما في سنن النسائي (٢) (٤ / ١١٨).

وفي لفظ الطبري في تاريخه (٣) (١ / ٢٢٤) : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنَّ ملك الموت كان يأتي الناس عياناً حتى أتى موسى فلطمه ففقأ عينه ، قال : فرجع ، فقال : يا ربّ إنَّ عبدك موسى فقأ عيني ، ولولا كرامته عليك لشققت عليه. فقال : ائت عبدي موسى فقل له فليضع كفّه على متن ثور فله بكلِّ شعرة وارت يده سنة ، وخيّره بين ذلك وبين أن يموت الآن. قال : فأتاه فخيّره فقال له موسى : فما بعد ذلك؟ قال : الموت. قال : فالآن إذاً. قال : فشمّه شمة قبض روحه ، قال : فجاء بعد ذلك إلى الناس خفيّا.

وأخرج الحكيم الترمذي مرفوعاً : أنَّ ملك الموت كان يأتي الناس عياناً حتى جاء موسى فلطمه ففقأ عينه فصار يأتي الناس بعد ذلك خفية. ذكره الشعراني في مختصر تذكرة القرطبي (٤) (ص ٢٩).

ما أعيا هذا الملك ـ المأخوذ فيه البأس والشدّة من الله شديد البطش ـ حتى تمكّن منه إنسان فصفعه وفقأ عينه! ثم لم يزل الخوف مزيج نفسيّته حتى تخفّى عن الذين هم في قبضته ، ورهن تصرّفه ، حيث وكّل بهم وبقبض أرواحهم ، ولا كرامة لهم على الله ككرامة موسى النبيّ عليه‌السلام فيحاذر الصفعة منهم.

وإن تعجب فعجبٌ أنَّ مرسل ملك الموت هو الله سبحانه لِم لَم يعطه بأساً يفوق

__________________

(١) راجع صحيح البخاري : ١ / ١٥٨ [١ / ٤٤٩ ح ١٢٧٤] في أبواب الجنائز ، و ٢ / ١٦٣ [٣ / ١٢٥٠ ح ٣٢٢٦] باب وفاة موسى ، صحيح مسلم : ٢ / ٣٠٩ [٤ / ٥٢١ ح ٢٣٧٢] ، مسند أحمد : ٢ / ٣١٥ [٢ / ٦٠٦ ح ٨٠٥٣] ، العرائس للثعلبي : ص ١٣٩ [ص ٢٤٧]. (المؤلف)

(٢) يوجد الحديث في الطبعة التي اعتمدها المؤلف وهي طبعة دار الكتاب العربي ، وحذف من الطبعة المعتمدة لدينا.

(٣) تاريخ الطبري : ١ / ٤٣٤.

(٤) مختصر تذكرة القرطبي : ص ٤٣.

١٨١

كلَّ بأس وهو يعلم من خلق ، وأنَّ فيهم من يجرؤ على رسوله فيصفعه فيفقأ عينه ، وفيهم من يخافه الرسول فيخفي نفسه عنه؟ أكان ذلك غفلة؟ أم أنَّ خزانة القدرة قد نفدت؟ أم لم يكن يعلم ما يقع ـ وهو علاّم الغيوب ـ حتى وقعت الواقعة؟ أم لم يكن في صفوف الموظّفين بعالم الملكوت أيُّ تدريب حتى يتمكّنوا من مقابلة الشدائد إلى عهد موسى ، ثم اطّرد التدريب بإخفاء الموظّف نفسه عند تنفيذ وظيفته؟ تعالى الله عمّا يقول الظالمون علوّا كبيراً.

وهلمَّ معي إلى النبيِّ المعصوم موسى على نبيّنا وآله وعليه‌السلام نراه كيف يتجرّأ على ملك الموت ، وهو يعلم أنّه رسولٌ من الله العظيم ، وأنّه إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ، وأنّه لا تُجديه الصفعة والفقأة؟ وعلى فرض أن يهرب عنه هذا الرسول أو ينسحب عنه بانتظام فإنّه يأتيه غيره أشدّ منه بأساً ، لأنّ الله سبحانه مميته لا محالة ، ولا مردَّ لمجرى قضائه ، وهب أنَّه تخلّص من بأس هذا الملك ، فهل يتخلّص من بأس مُرسله المنتقم القهّار ، وقد أثار غضبه بمجابهة ممثّله؟ أبعد الله الإفك والزور عليه سبحانه وعلى رسوله وملائكته ، وانتقم من كلِّ أفّاك أثيم.

أضف إلى ذلك كلّه ما قاله سيّدنا الحجّة شرف الدين العاملي في كتاب أبي هريرة (١) (ص ٨٦) ممّا لفظه :

ونحن لِمَ برئنا من أصحاب الرسّ وفرعون موسى وأبي جهل وأمثالهم ولعنّاهم بكرةً وأصيلاً؟ أليس ذلك لأنّهم آذوا رُسل الله حين جاءوهم بأوامره؟ فكيف نجوّز مثل فعلهم على أنبياء الله وصفوته من عباده؟ حاشا لله إنَّ هذا لبهتانٌ عظيمٌ.

ثم إنَّ من المعلوم أنَّ قوّة البشر بأسرهم ، بل قوّة جميع الحيوانات منذ خلقها الله تعالى إلى يوم القيامة لا تثبت أمام قوّة ملك الموت فكيف ـ والحال هذه ـ تمكّن

__________________

(١) كتاب أبو هريرة : ص ٧١ رقم ٧.

١٨٢

موسى عليه‌السلام من الوقيعة فيه؟ وهلاّ دفعه الملك عن نفسه ، مع قدرته على إزهاق روحه ، وكونه مأموراً من الله تعالى بذلك؟

ومتى كان للملك عينٌ يجوز أن تُفْقأ؟

ولا تنس تضييع حقِّ الملك وذهاب عينه ولطمته هدراً إذ لم يُؤمر الملك من الله بأن يقتصَّ من موسى صاحب التوراة التي كتب الله فيها : إنَّ النفس بالنفس ، والعين بالعين ، والأنف بالأنف ، والأُذن بالأُذن ، والسنّ بالسنّ والجروح قصاص (١) ولم يعاتب الله موسى على فعله هذا بل أكرمه إذ خيّره بسببه بين الموت والحياة سنين كثيرة بقدر ما تواريه يده من شعر الثور.

وما أدري ما الحكمة في ذكر شعر الثور بالخصوص؟ إلى آخره.

هذه جملةٌ ممّا وجدنا من كرامات الإمام أحمد ، وكم وكم لها من نظير! وأنت حدِّث العاقل بما لا يقبله عقله فإن صافقك عليه فهو معتوهٌ ، لكن القوم عقلاء وقبلوها ، ونحن إذ عزونا ما هو أخفُّ وأخفُّ وطأة من هذه ممّا يساعده العقل والمنطق والاعتبار إلى أئمّة أهل بيت الوحي عليهم‌السلام الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ، فهنالك الجلبة واللغط ، والتركاض والصخب ، وهتافٌ من شتى الجوانب : هذا لا يكون ، هذا غير معقول ، حديثٌ واه ، هذا قول غلاة الشيعة ، هذا قول الرافضة ، هذا لا يصحُّ وإن صحَّ إسناده ، إسناده صحيح غير أنَّ في قلبي منه شيئاً ، هذا لا يصحُّ وإن جاء بألف طريق. إلى أمثال هذه التهجّمات الفارغة.

__________________

(١) إشارة إلى الآية : ٤٥ من سورة المائدة وقد وجدنا في الفقرة ال : ٢٣ من الإصحاح : ٢١ من إصحاحات الخروج من التوراة الموجودة في أيدي اليهود والنصارى في هذه الأيام ما هذا لفظه : إن حصلت أذيّة تعطى نفساً بنفس ، وعيناً بعين ، وسنّا بسن ، ويداً بيد ، ورجلاً برجل ، وكيّا بكيّ ، وجرحاً بجرح ، ورضّا برضّ. (المؤلف)

١٨٣

ـ ٤٤ ـ

إمام المالكية يرى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كلّ ليلة

ذكر الحريفيش في الروض الفائق (ص ٢٧٠) قال : قال المثنّى بن سعيد القصير : سمعت مالكاً ـ إمام المالكيّة ـ يقول : ما بتُّ ليلة إلاّ رأيت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيها.

قال الأميني : هل يُكذَّب الإمام في دعواه التي لا تُعلم إلاّ من قِبَلِه؟ أو يرمى ابن سعيد بالإفك وإن كان قصيراً؟ أو يُعاتب الحُريفيش في نقله وإن كان مصغّراً؟

وللإمام مالك موقف خطر مع الملكين العظيمين : منكر ونكير ، لا يقلّ عن موقف الإمام أحمد معهما ، ذكره الشعراني في الميزان (١ / ٤٦) قال : لمّا مات شيخنا شيخ الإسلام الشيخ ناصر الدين اللقاني رآه بعض الصالحين في المنام فقال له : ما فعل الله بك؟ فقال : لمّا أجلسني الملكان في القبر ليسألاني أتاهم الإمام مالك فقال : مثل هذا يحتاج إلى سؤال في إيمانه بالله ورسوله؟ تنحّيا عنه ، فتنحّيا عنّي.

قال الأميني : ألا من معبّر يعبّر هذه الأحلام؟ ولعلَّ كلّ فرد من المعبّرين يقول : أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين. وإن اتّخذها الحفّاظ كأصل مسلّم استندوا إليها عند المغالاة في الفضائل. كأنَّ الملكين لم يكن عندهما عرفان بمن يحتاج إلى سؤال في إيمانه ، ولم يكن هنالك ناموسٌ مطّردٌ من المولى سبحانه يتّبعانه ، أعوذ بالله من ضئولة العقل.

ـ ٤٥ ـ

الملكان وأبو العلاء الهمداني

قال ابن الجوزي في المنتظم (١) (١٠ / ٢٤٨) : رأى شخص أنَّ يدين خرجتا من محراب مسجد فقال : ما هذه اليدان؟ فقيل : هذه يد آدم بسطها ليعانق أبا العلاء

__________________

(١) المنتظم : ١٨ / ٢٠٨ رقم ٤٢٩٩.

١٨٤

الحافظ ـ الحسن بن أحمد المتوفّى (٥٦٩) ـ وإذا بأبي العلاء قد أقبل ، قال : فسلّمت عليه فردَّ عليَّ السلام وقال : يا فلان رأيت ابني أحمد حين قام على قبري يلقّنني؟ أما سمعت صوتي حين صِحت على الملكين؟ فما قدرا أن يقولا شيئاً فرجعا.

نظراً إلى هذه المزعمة يجب أن يكون أبو العلاء أشجع من عمر الذي خاف النكيرين وارتعد منهما ، ثم لمّا قالا له : نَم. قال : كيف أنام وقد أصابني منكما هذه الرعدة وقد صحبت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (١) ولعلّهما قبلا وصيّة عمر لمّا نشدهما أن لا يأتيا مؤمناً إلاّ بصورة جميلة ففعلا ، فلم يهبهما أبو العلاء فصاح عليهما ، وخاشنهما الإمام أحمد ، وطردهما مالك عن ناصر الدين اللقاني ، أو أنّهما أتى عليهما الشيخوخة والهرم منذ عهد الخليفة إلى هذه العصور المتأخّرة ، وبلغ منهما الضعف فأخفقت بسالتهما ، فلم يُهب جانبهما ، وإلى الغاية لم ينكشف لنا سرُّ تسليط المولى سبحانه هؤلاء الأعلام على الملكين الكريمين ، وفيه اختلال النظام المقرّر المطّرد الإلهي ، نعوذ بالله من هذه المزاعم التافهة كلّها.

ـ ٤٦ ـ

غمامة تظلّ على جنازة

قال الحافظ الجزري في طبقات القرّاء (٢ / ٢٧١) : توفّي ابن الأخرم محمد بن النضر الدمشقي سنة (٢٤١ ، ٢٤٢) بدمشق ، قال عبد الباقي : وصلّيت عليه في المصلّى بعد صلاة الظهر وكان يوماً صائفاً ، وصعدت غمامة على الجنازة من المصلّى إلى قبره فكانت شبه الآية.

قال الأميني :

وفي كلِّ شيء له آيةٌ

تدلُّ على أنَّه واحدُ

__________________

(١) مرّ تمام القصّة في : ص ١٤٠ من هذا الجزء. (المؤلف)

١٨٥

ـ ٤٧ ـ

شابّ ينظر الإذن من ربّه

ذكر الحريفيش في الروض الفائق (ص ١٢٦) عن ذي النون المصري أنّه قال : رأيت شابّا عند الكعبة يكثر الركوع والسجود ، فدنوت منه وقلت له : إنّك لتكثر الصلاة ، فقال : أنتظر الإذن من ربّي في الانصراف ، قال : فرأيت رقعةً سقطت فيها مكتوبٌ :

من العزيز الغفور إلى عبدي الصادق : انصرف مغفوراً لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر.

قال الأميني : لقد جنى من نزلت إليهم هذه الرقاع (١) حيث لم يوصوا بالتحفّظ عليها لتستفيد بها الأُمّة وتتبرّك بها في أجيالها المتأخّرة وتتّخذها معتبراً عوضاً عن أن تكون خبراً ، وتزدان بها متاحف الآثار ، لكن لهم عذراً وهو أنّهم لم يشاهدوها فلم يوصوا بها ، وإنَّما هي شباكٌ طنّبت لاقتناص الأغرار من أُمّة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

ـ ٤٨ ـ

شجرة أُمّ غيلان تثمر رطباً

قال بكر بن عبد الرحمن رحمه‌الله : كنّا مع ذي النون المصري ـ المتوفّى (٢٤٥) ـ في البادية فنزلنا تحت شجرة أُمّ غيلان فقلنا : ما أطيب هذا الموضع لو كان فيه رطب! فتبسّم ذو النون وقال : تشتهون رطباً؟ وحرّك الشجرة وقال : أقسمت عليك بالذي أنبتك وخلقك شجرة إلاّ ما نثرت علينا رطباً جنيّا ، ثم حرّكها فنثرت رطباً فأكلنا وشبعنا ، ثم نمنا وانتبهنا وحرّكنا الشجرة فنثرت علينا شوكاً.

__________________

(١) وما أكثرها وألطفها! راجع ما مرّ في هذا الجزء : ص ١٢١ ، ١٢٥ ، ١٣٧ وما يأتي. (المؤلف)

١٨٦

الروض الفائق (ص ١٢٦) ، مرآة الجنان لليافعي (٢ / ١٥١) وقال : ذكره خلائق من الصالحين ، ورواه عنهم كثيرٌ من العلماء العاملين.

قال الأميني : إلى المولى سبحانه نبتهل في أن يهب لأولئك الصالحين والعلماء العاملين عقلاً وافياً يزعهم عن الخضوع للخرافات.

ـ ٤٩ ـ

ابن أبي الحواري في التنّور

روى ابنا عساكر (١) وكثير : أنّ أحمد بن أبي الحواري (٢) كان قد عاهد أبا سليمان الداراني ألاّ يغضبه ولا يخالفه ، فجاءه يوماً وهو يحدِّث الناس فقال : يا سيّدي هذا قد سجروا التنّور (٣) ، فما ذا تأمر؟ فلم يردّ عليه أبو سليمان لشغله بالناس ، ثم أعادها أحمد ثانية ، وقال له في الثالثة : اذهب فاقعد فيه. ثم اشتغل أبو سليمان في حديث الناس ، ثم استفاق فقال لمن حضره : إنِّي قلت لأحمد : اذهب فاقعد في التنّور وإنّي أحسب أن يكون قد فعل ذلك ، فقوموا بنا إليه ، فذهبوا فوجدوه جالساً في التنّور ولم يحترق منه شيءٌ ولا شعرة واحدة.

تاريخ ابن كثير (٤) (١٠ / ٣٤٨).

ألا تعجب من ابن كثير يسجّل أمثال هذه الأُسطورة كحقائق ثابتة ثم لمّا يبلغ به السير والبحث إلى فضيلة معقولة من فضائل أهل بيت الوحي عليهم‌السلام أربد وجهه ، وأزبد فمه ، وعاد صدره ضيّقاً حرجاً كأنّما يصعّد في السماء ، وأطلق لسانه البذيّ على من جاء بذلك الذكر الشذيّ (كَذلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) (٥).

__________________

(١) مختصر تاريخ دمشق : ٣ / ١٤٣.

(٢) أحد الأعلام ، يروي عنه أبو داود وابن ماجة وأبو حاتم ، توفّي ٢٤٦. (المؤلف)

(٣) كذا في البداية والنهاية ، وفي مختصر تاريخ دمشق : إنّ التنّور قد سُجِر ، فما ذا تأمر؟

(٤) البداية والنهاية : ١٠ / ٣٨٤ حوادث سنة ٢٤٦ ه‍.

(٥) الأنعام : ١٢٥.

١٨٧

ـ ٥٠ ـ

كتاب من الله الى ابن الموفّق

عن أبي الحسن عليّ بن الموفّق المتوفّى (٢٦٥) قال : خرجت يوماً لأؤذِّن ، فأصبت قرطاساً فأخذته ووضعته في كمّي ، فأذّنت وأقمت وصلّيت فلمّا صلّيت ، قرأته فإذا فيه مكتوبٌ : بسم الله الرحمن الرحيم يا عليّ بن الموفّق تخاف الفقر وأنا ربّك؟

تاريخ الخطيب البغدادي (١٢ / ١١٢) ، صفة الصفوة لابن الجوزي (١) (٢ / ٢١٨).

كان حقّا على الحافظين الخطيب وابن الجوزي أن يذكرا شطراً من حياة هذا الرجل بعد الكتاب المذكور المغمورة باليسار والنعمة لتكون تصديقاً للخبر وشاهداً على صحّة المزعمة ، لكنّهما أغفلا عن ذلك فلم يقم لنا شاهدٌ ولا حجّةٌ.

ـ ٥١ ـ

الحوراء تكلّم أبا يحيى

قال أبو يحيى زكريّا بن يحيى الناقد (٢) : اشتريت من الله حوراء بأربعة آلاف ختمة ، فلمّا كان آخر ختمة سمعت الخطاب من الحوراء وهي تقول : وفيت بعهدك فها أنا التي قد اشتريتني.

تاريخ بغداد للخطيب (٨ / ٤٦٢) ، المنتظم لابن الجوزي (٣) (٦ / ٨) ، مناقب أحمد

__________________

(١) صفة الصفوة ٢ / ٣٨٦ رقم ٢٧٣.

(٢) أحد الأعلام المجتهدين وأئمّة الحديث من تلمذة أحمد بن حنبل إمام الحنابلة ، توفّي سنة ٢٨٥. (المؤلف)

(٣) المنتظم : ١٢ / ٣٨٦ رقم ١٩٢٠.

١٨٨

لابن الجوزي (١) (ص ٥١٠).

ليس لك أن تناقش في المدّة التي ختم أبو يحيى فيها الأربعة آلاف ختمة ، فإنَّ من الممكن عند القوم أن يختمها في بضع دقائق ، فإنّ أبا مدين المغربي كان يختم في اليوم والليلة سبعين ألف ختمة.

ـ ٥٢ ـ

دعاوى سهل بن عبد الله التستري

ذكر الشعرانيّ في طبقات الأخيار (٢) (١ / ١٥٨) نقلاً عن كتاب الجواهر لسهل ابن عبد الله التستري المتوفّى (٢٨٣) أنَّه قال : أشهدني الله تعالى ما في العُلى وأنا ابن ستّ سنين ، ونظرت في اللوح المحفوظ وأنا ابن ثمان سنين ، وفككت طلسم السماء وأنا ابن تسع سنين ، ورأيت في السبع المثاني حرفاً معجماً حار فيه الجنُّ والإنس ففهمته ، وحمدت الله على معرفته ، وحرّكت ما سكن وسكّنت ما تحرّك بإذن الله تعالى وأنا ابن أربع عشرة سنة.

قال الأميني : ليت شعري متى ما أشهد الله ما في العُلى نبيّه الأعظم صاحب الرسالة الخاتمة؟ ومتى ما نظر صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في اللوح المحفوظ وفكّ طلسم السماء؟ وهل رأى ذلك الحرف المعجم الذي حار فيه الجنُّ والإنس وفهمه ، وهل حرّك وسكّن بإذن الله؟

ايم الله إنَّ هذه الأساطير المشمرجة (٣) لا يبوح بها إلاّ من يتخبّطه الشيطان من المسّ ، وإن هي إلاّ سمٌّ ناقع على روح الإسلام تمسُّ كرامة الأولياء ، وتشوّه سمعة

__________________

(١) مناقب أحمد : ص ٦٧٩ باب ١٠٠.

(٢) طبقات الأخيار : ١ / ١٨٣ رقم ٢٨٦.

(٣) شمرج النساج الثوب : نسجه نسجاً ضعيفاً ، وشمرج في الكلام : خلّطه.

١٨٩

الأُمّة المسلمة ، وتسوِّد صحيفة تاريخها عند الأُمم ، وتضحك الملأ على عقليّة أُولئك المؤلّفين الذين جُمِعت بيراعهم أشتاتُ التاريخ الإسلاميّ.

ـ ٥٣ ـ

سهل وجبل قاف

عن سهل بن عبد الله ، قال : صعدت جبل قاف فرأيت سفينة نوح مطروحة فوقه. وقيل لأبي يزيد رضى الله عنه : هل بلغت جبل قاف؟ فقال : جبل قاف أمره قريبٌ بل جبل كاف وجبل صاد وجبل عين ، وهي محيطةٌ بالأرض ، حول كلّ أرض جبل بمنزلة حائطها ، وجبل قاف بهذهِ الأرض وهي أصغر الأرضين ، وهو أيضاً أصغر الجبال ، وهو جبل من زمرّدة خضراء وقيل : إنّ خضرة السماء من خضرته. وروي : أنَّ الدنيا كلّها خطوةٌ للوليِّ. وحكي : أنَّ وليّا من أولياء الله تعالى احتاج إلى النار فرفع يده إلى القمر فاقتبس منه جذوة في خرقة كانت معه (١).

قال الأميني : حقّا قيل : الجنون فنون. وايم الله يميت القلب ويجلب الهمّ ضياع التاريخ الإسلاميّ بيد هؤلاء المشعوذين الذين شوّهوا صحائفه بأمثال هذه الترَّهات التي لم يُخلق مثلها في أساطير الأوّلين.

ـ ٥٤ ـ

وحشيّ أتى بماء الوضوء

قال سهل بن عبد الله رضى الله عنه : أوّل ما رأيت من العجائب والكرامات أنّي خرجت يوماً إلى موضع خالٍ فطاب لي المقام فيه ، فوجدت من قلبي قرباً إلى الله تعالى ، وحضرت الصلاة وأردت الوضوء ، وكانت عادتي من صباي تجديد الوضوء لكلِ

__________________

(١) روض الرياحين لليافعي : ص ١٧٢ [ص ٣٦٢ رقم ٣٨٧]. (المؤلف)

١٩٠

صلاة ، فكأنّي اغتممت لفقد الماء ، فبينما أنا كذلك ، وإذا دبٌّ يمشي على رجليه كأنَّه إنسانٌ معه جرّة خضراء قد أمسك بيديه عليها ، فلمّا رأيته من بعيد توهّمت أنّه آدمي حتى دنا منّي وسلّم عليَّ ووضع الجرّة بين يديَّ ، فجاءني اعتراض العلم فقلت : هذه الجرّة والماء من أين هو؟ فنطق الدبّ وقال : يا سهل إنّا قومٌ من الوحوش قد انقطعنا إلى الله تعالى بعزم المحبّة والتوكّل ، فبينما نحن نتكلّم مع أصحابنا في مسألة إذ نودينا : ألا إنَّ سهلاً يريد ماءً ليجدِّد الوضوء. فوضعت هذه الجرّة بيدي ، وإذا بجنبي ملكان فدنوت منهما فصبّا فيها الماء من الهواء وأنا أسمع خرير الماء. إلى آخر القصة.

روض الرياحين (١) (ص ١٠٤ ، ١٠٥).

قال الأميني : سل عن هذه العجائب الدبَّ الطلِق الذلِق صاحب الجرّة الخضراء ، أو بقيّة الوحوش المنقطعة إلى الله بعزم المحبّة والتوكّل ، أو سل الملكين إن سهل لك السبيل إليهما ، وإن لم تجدهما فسل عقلك واتّخذه حكماً ، واستعذ بالله من هذه الأوهام المخزية.

ـ ٥٥ ـ

قصّة فيها كرامتان

قال عبد الله بن حنيف رحمه‌الله : دخلت بغداد قاصداً الحجَّ ، ولم آكل الخبز أربعين يوماً ، ولم أدخل على الجنيد وكنت على طهارة ، فرأيت ظبياً على رأس البئر وهو يشرب وكنت عطشاناً ، فلمّا دنوت إلى البئر ولّى الظبي ، فإذا الماء في أسفل البئر ، فمشيت وقلت : يا سيدي ما لي محلّ هذا الظبي؟ فنوديت من خلفي : جرّبناك فلم تصبر فارجع وخذ ، فرجعت فإذا البئر ملآنةٌ ماءً ، فملأت ركوتي ، فكنت أشرب منه وأتطهّر إلى المدينة ولم أنفد ، ولمّا استقيت سمعت هاتفاً يقول : إنَّ الظبي جاء بلا ركوة ولا حبل وأنت جئت معك الركوة. فلمّا رجعت من الحجِّ دخلت الجامع ، فلمّا وقع بصر

__________________

(١) روض الرياحين : ص ٢١٨ رقم ١٩٨.

١٩١

الجنيد عليَّ قال : لو صبرت ولو ساعة لنبع الماء من تحت رجليك.

الروض الفائق (ص ١٢٧).

قال الأميني : أوهامٌ متراكمة بعضها فوق بعض ، وهل ترك الجنيد للأنبياء والرسل علماً بالمغيب ولم يبح به ، وهل أتى البئر العميقة وليٌّ من الأولياء بلا ركوة ولا حبل كالظباء التي تفقدهما ولا يسعها التأهّب بأمثالهما ، وأمّا الإنسان العادي فليس له وهو سارٍ في عالم الأسباب إلاّ أن يحمل معه أدوات حاجته ، هكذا خلق الله البشر ، وهو ظاهر كثير من الأحاديث الشريفة. وحسبك سيرة النبيّ الأعظم والمرسلين من الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين. وكلّهم لله أولياء ، وجميعهم أفضل من ابن حنيف.

ـ ٥٦ ـ

حلق اللحية لله

أخرج الحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء (١٠ / ٣٧٠) قال : سمعت أبا نصر يقول : سمعت أحمد بن محمد النهاوندي يقول : مات للشبلي (١) ابنٌ كان اسمه غالباً ، فجزّت أُمّه شعرها عليه ، وكان للشبلي لحية كبيرة فأمر بحلق الجميع ، فقيل له : يا أُستاذ ما حملك على هذا؟ فقال : جزّت هذه شعرها على مفقود ، فكيف لا أحلق لحيتي أنا على موجود؟

قال الأميني : أهلاً بالناسك الفقيه ، ومرحباً بالأولياء أمثال هذا المتخلّع الجاهل بحكم الشريعة وزهٍ بمدوِّن أخبارهم ، ومنتقي آثار الأوحديِّين منهم كأبي نعيم! كيف خفي على هذا الفقيه البارع في مذهب مالك فتوى مالك وحرمة حلق اللحية ، وإصفاق بقيّة الأئمة معه على ذلك ، كيف خفي عليه الحكم؟ وهو ذلك الفقيه المتضلّع الذي أجاب في دم الحيض المشتبه بدم الاستحاضة بثمانية عشر جواباً للعلماء ، وقد

__________________

(١) أبو بكر دلف بن جحدر ، فقيهٌ عالمٌ محدثٌ توفّي ٣٣٤ ، ٣٣٥. (المؤلف)

١٩٢

جالس الفقهاء عشرين سنة (١). وهلاّ وقف وهو مدرِّس الحديث عشرين عاماً على المأثورات النبويّة الدالّة على حرمة حلق اللحية المرويّة من عدّة طرق؟ منها :

١ ـ عن عائشة مرفوعاً : «عشرٌ من الفطرة» ، فذكر منها : إعفاء اللحية. وجاء من طريق أبي هريرة أيضاً.

صحيح مسلم (١ / ١٥٣) ، سنن البيهقي (١ / ١٤٩) ، سنن أبي داود (١ / ٩ ، ١٠) ، صحيح الترمذي (١٠ / ٢١٦) ، مشكل الآثار (١ / ٢٩٧) ، المعتصر من المختصر (٢ / ٢٢٠) ، طرح التثريب (١ / ٧٣) ، نيل الأوطار (١ / ١٣٥) عن أحمد ومسلم والنسائي والترمذي (٢)

. ٢ ـ عن ابن عمر مرفوعاً : «اعفوا اللحى ، واحفوا الشوارب ، خالفوا المشركين».

صحيح مسلم (١ / ١٥٣) ، سنن النسائي (١ / ١٦) ، جامع الترمذي (١٠ / ٢٢١) بلفظ : احفوا الشوارب ، واعفوا اللحى ، سنن البيهقي (١ / ١٤٩) عن الصحيحين ، المحلّى لابن حزم (٢ / ٢٢٠) ، تاريخ الخطيب (٤ / ٣٤٥) (٣).

٣ ـ عن ابن عمر مرفوعاً : «خالفوا المشركين ، وفّروا اللحى ، واحفوا الشوارب».

أخرجه (٤) : البخاري في صحيحه ، ومسلم في الصحيح (١ / ١٥٣) بلفظ : خالفوا

__________________

(١) تاريخ بغداد : ١٤ / ٣٩٣ رقم ٧٧٠٨.

(٢) صحيح مسلم : ١ / ٢٨٣ ح ٢٦١ كتاب الطهارة ، سنن أبي داود : ١ / ١٤ ح ٥٣ ، سنن الترمذي : ٥ / ٨٨ ح ٢٧٦٤ ، نيل الأوطار : ١ / ١٣٢ ، مسند أحمد : ٧ / ١٩٨ ح ٢٤٥٣٩ ، السنن الكبرى للنسائي : ٥ / ٤٠٥ ح ٩٢٨٦.

(٣) صحيح مسلم : ١ / ٢٨٢ ح ٢٥٩ ، السنن الكبرى : ١ / ٦٦ ح ١٣ ، سنن الترمذي : ٥ / ٨٨ ح ٢٧٦٣.

(٤) صحيح البخاري : ٥ / ٢٢٠٩ ح ٥٥٥٣ ، صحيح مسلم : ١ / ٢٨٢ ح ٢٥٩ ، نيل الأوطار : ١ / ١٣٧.

١٩٣

المشركين ، وحفّوا الشوارب وأوفوا اللحى. سنن البيهقي (١ / ١٥٠) ، نيل الأوطار (١ / ١٤١) قال : متفق عليه.

٤ ـ عن أبي هريرة مرفوعاً : «جزّوا الشوارب ، وأرخوا اللحى ، وخالفوا المجوس».

صحيح مسلم (١ / ١٥٣) ، سنن البيهقي (١ / ١٥٠) ، تاريخ الخطيب (٥ / ٣١٧) بلفظ : احفوا الشوارب واعفوا اللحى ، زاد المعاد لابن القيّم (١ / ٦٣) بلفظ : قصّوا الشوارب. وفي (ص ٦٤) بلفظ : جزّوا الشوارب. نيل الأوطار (١ / ١٤١) عن أحمد ومسلم (١).

٥ ـ عن ابن عمر قال : إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمر بإحفاء الشوارب وإعفاء اللحى.

صحيح مسلم (١ / ١٥٣) ، صحيح الترمذي (١٠ / ٢٢١) ، سنن أبي داود (٢ / ١٩٥) ، سنن البيهقي (١ / ١٥١) (٢).

٦ ـ عن أبي أُمامة قال : قلنا : يا رسول الله إنَّ أهل الكتاب يقصّون عثانينهم (٣) ويوفّرون سبالهم. فقال : «قصّوا سبالكم ، ووفّروا عثانينكم ، وخالفوا أهل الكتاب».

أخرجه أحمد في المسند (٤) (٥ / ٢٦٤).

٧ ـ من حديث ابن عمر في المجوس : «إنَّهم يوفّرون سبالهم ، ويحلقون لحاهم ،

__________________

(١) صحيح مسلم : ١ / ٢٨٢ ح ٢٦٠ ، زاد المعاد : ١ / ٤٥ ، نيل الأوطار : ١ / ١٣٧ ، مسند أحمد : ٣ / ٥٤ ح ٨٥٦٠ ـ ٨٥٦٧.

(٢) صحيح مسلم : ١ / ٢٨٢ ح ٢٥٩ ، سنن الترمذي : ٥ / ٨٨ ح ٢٧٦٤ ، سنن أبي داود : ٤ / ٨٤ ح ٤١٩٩.

(٣) جمع العثنون : اللحية. (المؤلف)

(٤) مسند أحمد : ٦ / ٣٥٤ ح ٢١٧٨٠.

١٩٤

فخالفوهم».

أخرجه (٥) : ابن حبان في صحيحه ، كما ذكره العراقي في تخريج الإحياء للغزالي المطبوع في ذيله (١ / ١٤٦).

٨ ـ عن أنس : «احفوا الشوارب ، واعفوا اللحى ، ولا تشبّهوا باليهود».

أخرجه الطحاوي كما في شرح راموز الحديث (١ / ١٤١).

٩ ـ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه : إنَّ النبيَّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها.

صحيح الترمذي (٦) (١ / ٢٢٠).

وكيف عزب عن الشبلي ما ذهب إليه القوم من أنَّ حلق اللحية من تغيير خلق الله الوارد في قوله تعالى : (وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ) (٧). وقد أفرط جمعٌ في الأخذ به فقال بحرمة حلق اللحية والشارب للمرأة أيضاً.

قال الطبري : لا يجوز للمرأة تغيير شيء من خلقتها التي خلقها الله عليها بزيادة أو نقص ، التماسَ الحسن ، لا للزوج ولا لغيره ، كمن تكون مقرونة الحاجبين فتزيل ما بينهما توهم البلج أو عكسه ، ومن تكون لها سنٌّ زائدة فتقلعها ، أو طويلة فتقطع منها ، أو لحية أو شارب أو عنفقة فتزيلها بالنتف ، ومن يكون شعرها قصيراً أو حقيراً فتطوّله أو تغزّره بشعر غيرها ، فكلّ ذلك داخلٌ في النهي ، وهو من تغيير خلق الله تعالى. قال : ويستثنى من ذلك ما يحصل به الضرر والأذيّة كمن يكون لها سنٌّ زائدة أو طويلة تعيقها في الأكل ، أو اصبع زائدة تؤذيها أو تؤلمها فيجوز ذلك ،

__________________

(٥) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان : ١٢ / ٢٨٩ ح ٥٤٧٦ ، المغني عن حمل الأسفار : ١ / ١٢٩.

(٦) صحيح الترمذي : ١٠ / ٢٢٠ [٥ / ٨٧ ح ٢٧٦٢]. (المؤلف)

(٧) النساء : ١١٩.

١٩٥

والرجل في هذه الأخير كالمرأة (١).

وقال القرطبيّ في تفسيره (٢) (٥ / ٣٩٣) في تفسير الآية : لا يجوز لها ـ للمرأة ـ حلق لحية أو شارب أو عنفقة إن نبتت لها ، لأنَّ كلَّ ذلك تغيير خلق الله.

وكيف خفي على الشبلي ما انتهى إلى ابن حزم الظاهري من الإجماع الذي نقله في كتابه مراتب الإجماع (ص ١٥٧) على أنَّ حلق جميع اللحية مثلةٌ لا تجوز ، ولا سيّما للخليفة ، والفاضل ، والعالم ، وعدَّ في (ص ٥٢) ناتف اللحية ممّن لا تُقبل شهادته.

وهلمّ إلى كلمات أعلام الفقه :

١ ـ قال الحافظ العراقي في طرح التثريب (٢ / ٨٣) : من خصال الفطرة إعفاء اللحية ، وهو توفير شعرها وتكثيره ، وأنَّه لا يؤخذ منه كالشارب. من عفا الشيء إذا كثر وزاد. وفي الصحيحين من حديث ابن عمر الأمر بذلك ـ اعفوا اللحى ـ وفي رواية : أوفوا. وفي رواية : وفّروا. وفي رواية : أرخوا. وهي بالخاء المعجمة على المشهور وقيل بالجيم. من الترك والتأخير ، وأصله الهمزة فحذف تخفيفاً كقوله : (تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَ) (٣).

واستدلَّ به الجمهور على أنَّ الأَولى ترك اللحية على حالها ، وأن لا يُقطع منها شيءٌ وهو قول الشافعي وأصحابه ، وقال القاضي عياض : يكره حلقها وقصّها وتحريقها. وقال القرطبيّ في المفهم : لا يجوز حلقها ولا نتفها ولا قصُّ الكثير منها ، وقال القاضي عياض : وأمّا الأخذ من طولها فحسن. قال : وتكره الشهرة في تعظيمها كما يكره في قصّها وجزّها. قال : وقد اختلف السلف هل لذلك حدٌّ؟ فمنهم من لم يحدّد

__________________

(١) فتح الباري : ١٠ / ٣١٠.

(٢) الجامع لأحكام القرآن : ٥ / ٢٥٢.

(٣) الأحزاب : ٥١.

١٩٦

شيئاً في ذلك إلاّ أنّه لا يتركها لحدّ الشهرة ويأخذ منها ، وكره مالك طولها جدّا ، ومنهم من حدّد بما زاد على القبضة فيزال ، ومنهم من كره الأخذ منها إلاّ في حجّ أو عمرة.

٢ ـ قال الغزالي في الإحياء (١) (١ / ١٤٦) : قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «اعفوا اللحى». أي كثّروها ، وفي الخبر : إنَّ اليهود يعفون شواربهم ، ويقصّون لحاهم ، فخالفوهم. وكره بعض العلماء الحلق ورآه بدعة. وقال (٢) في (ص ١٤٨) : وقد اختلفوا فيما طال منها فقيل : إن قبض الرجل على لحيته وأخذ ما فضل عن القبضة فلا بأس ، فقد فعله ابن عمر وجماعة من التابعين ، واستحسنه الشعبي وابن سيرين ، وكرهه الحسن وقتادة وقالا : تركها عافية أحبّ ، لقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «اعفوا اللحى». والأمر في هذا قريب إن لم ينته إلى تقصيص اللحية وتدويرها من الجوانب ، فإنَّ الطول المفرط قد يشوِّه الخلقة ويطلق ألسنة المغتابين بالنبز (٣) إليه ، فلا بأس بالاحتراز عنه على هذه النيّة.

٣ ـ قال ابن حجر في فتح الباري (٤) (١٠ / ٢٨٨) عند ذكر حديث نافع : كان ابن عمر إذا حجَّ أو اعتمر قبض على لحيته فما فضل أخذه.

الذي يظهر أنَّ ابن عمر كان لا يخصُّ هذا التخصيص بالنسك ، بل كان يحمل الأمر بالإعفاء على غير الحالة التي تشوّه فيها الصورة بإفراط طول شعر اللحية أو عرضه ، فقد قال الطبري : ذهب قومٌ إلى ظاهر الحديث ، فكرهوا تناول شيء من اللحية من طولها ومن عرضها ، وقال قومٌ : إذا زاد على القبضة يؤخذ الزائد ، ثم ساق بسنده إلى ابن عمر أنَّه فعل ذلك ، وإلى عمر أنَّه فعل ذلك برجل ، ومن طريق أبي

__________________

(١) إحياء علوم الدين : ١ / ١٢٩.

(٢) إحياء علوم الدين : ١ / ١٣١.

(٣) في المصدر : بالنبذ.

(٤) فتح الباري : ١٠ / ٣٥٠.

١٩٧

هريرة أنَّه فعله ، وأخرج أبو داود (١) من حديث جابر بسند حسن قال : كنّا نعفّي السبال إلاّ في حجّ أو عمرة. وقوله : نعفّي. بضمّ أوّله وتشديد الفاء أي نتركه وافراً ، وهذا يؤيِّد ما نقل عن ابن عمر ، فإنَّ السبال بكسر المهملة وتخفيف الموحّدة جمع سبلة بفتحتين وهي ما طال من شعر اللحية فأشار جابر إلى أنَّهم يقصّرون منها في النسك ، ثم حكى الطبري اختلافاً فيما يؤخذ من اللحية ، هل له حدٌّ أم لا؟ فأسند عن جماعة الاقتصار على أخذ الذي يزيد منها على قدر الكفّ ، وعن الحسن البصري : إنّه يؤخذ من طولها وعرضها ما لم يفحش ، وعن عطاء نحوه قال : وحمل هؤلاء النهي على منع ما كانت الأعاجم تفعله من قصِّها وتخفيفها ، قال : وكره آخرون التعرّض لها إلاّ في حجّ أو عمرة ، وأسنده عن جماعة واختار قول عطاء ، وقال : إنَّ الرجل لو ترك لحيته لا يتعرّض لها حتى أفحش طولها وعرضها لعرض نفسه لمن يسخر به ، واستدلَ بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه : أنَّ النبيَّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها. وهذا أخرجه الترمذي (٢) ، ونقل عن البخاري أنّه قال في رواية عمر ابن هارون : لا أعلم له حديثاً منكراً إلاّ هذا ، وقد ضعّف عمر بن هارون مطلقاً جماعة.

وقال عياض : يكره حلق اللحية وقصّها وتجذيفها ، وأمّا الأخذ من طولها وعرضها إذا عظمت فحسنٌ ، بل تكره الشهرة في تعظيمها كما يكره في تقصيرها كذا قال : وتعقّبه النووي بأنّه خلاف ظاهر الخبر في الأمر بتوفيرها ، قال : والمختار تركها على حالها وأن لا يتعرّض لها بتقصير ولا غيره. وكان مراده بذلك في غير النسك لأنَّ الشافعي نصَّ على استحبابه فيه.

وقال (٣) في (ص ٢٨٩) : أنكر ابن التين ظاهر ما نقل عن ابن عمر فقال : ليس

__________________

(١) سنن أبي داود : ٤ / ٨٤ ح ٤٢٠١.

(٢) سنن الترمذي : ٥ / ٨٧ ح ٢٧٦٢.

(٣) فتح الباري : ١٠ / ٣٥١.

١٩٨

المراد أنّه كان يقتصر على قدر القبضة من لحيته ، بل كان يمسك عليها فيزيل ما شذَّ منها ، فيمسك من أسفل ذقنه بأصابعه الأربعة ملتصقة ، فيأخذ ما سفل عن ذلك ليتساوى طول لحيته ، قال أبو شامة : وقد حدث قومٌ يحلقون لحاهم وهو أشدّ ممّا نقل عن المجوس أنَّهم كانوا يقصّونها. وقال النووي (١) : يستثنى من الأمر بإعفاء اللحى ما لو نبتت للمرأة لحية فإنّه يستحبُّ لها حلقها ، وكذا لو نبت لها شاربٌ أو عنفقة.

٤ ـ قال المناوي في فيض القدير (١ / ١٩٨) : اعفوا اللحى : وفّروها (٢) ، فلا يجوز حلقها ولا نتفها ، ولا قصّ الكثير منها ، كذا في التنقيح ، ثم زاد الأمر تأكيداً مشيراً إلى العلّة بقوله : ولا تشبّهوا باليهود في زيّهم الذي هو عكس ذلك ، وفي خبر ابن حبّان (٣) بدل اليهود : المجوس. وفي آخر : المشركين. وفي آخر : آل كسرى. قال الحافظ العراقي : والمشهور أنَّه من فعل المجوس فيكره الأخذ من اللحية ، واختلف السلف فيما طال منها فقيل : لا بأس أن يقبض عليها ويقصّ ما تحت القبضة كما فعله ابن عمر ، ثم جمع من التابعين واستحسنه الشعبي وابن سيرين ، وكرهه الحسن وقتادة ، والأصحُّ كراهة أخذ ما لم يتشعّث ويخرج عن السمت مطلقاً.

٥ ـ قال السيّد عليّ القاري في شرح الشفا للقاضي (٤) : حلق اللحية منهيٌّ عنه ، وأمّا إذا طالت زيادة على القبضة فله أخذها.

٦ ـ في شرح الخفاجي على الشفا (١ / ٣٤٣) : وتقصير اللحية حسنٌ كما مرَّ ، وهيئته تحصل بقصِّ ما زاد على القبضة ، ويؤخذ من طولها أيضاً ، وأمّا حلقها فمنهيٌّ عنه لأنّه عادة المشركين.

__________________

(١) شرح صحيح مسلم للنووي : ٣ / ١٤٩.

(٢) عبارة (وفّروها) هي شرح المناوي لكلمة (أعفوا) في الحديث : «أَحفوا الشوارب وأعفوا اللحى».

(٣) الإحسان في صحيح ابن حبّان : ١٢ / ٢٨٨ ح ٥٤٧٥.

(٤) هامش شرح الخفاجي : ١ / ٣٤٣. (المؤلف)

١٩٩

٧ ـ قال الشوكاني في نيل الأوطار (١) : إعفاء اللحية توفيرها كما في القاموس ، وفي رواية للبخاري : وفّروا اللحى. وفي رواية أخرى لمسلم : أوفوا اللحى. وهو بمعناه ، وكان من عادة الفرس قصُّ اللحية ، فنهى الشارع عن ذلك وأمر بإعفائها. قال القاضي عياض : يكره حلق اللحية وقصّها وتحريقها ، وأمّا الأخذ من طولها وعرضها فحسنٌ ، ثم نقل الأقوال في حدِّ ما زاد.

وقال (٢) في (ص ١٤٢) : قد حصل من مجموع الأحاديث خمس روايات : اعفوا ، وأوفوا ، وأرخوا ، وارجوا ، ووفّروا. ومعناها كلّها تركها على حالها. قوله : خالفوا المجوس. قد سبق أنّه كان من عادة الفرس قصُّ اللحية ، فنهى الشرع عن ذلك.

٨ ـ في شرح راموز الحديث (١ / ١٤١) : أشار إلى العلّة في خبر ابن حبّان : المجوس ، بدل اليهود ، وفي آخر : المشركين. وفي أخرى : كسرى. قال العراقي : المشهور : أنَّه فعل المجوس ، فكره الأخذ من اللحية ، واختلف السلف فيما طال. ثم نقل الأقوال التي ذكرناها.

٩ ـ أحسن كلمة تجمع شتات الفتاوى وآراء أئمّة المذاهب في المسألة ما أفاده الأستاذ محفوظ في الإبداع في مضارّ الابتداع (٣) (ص ٤٠٥) قال : ومن أقبح العادات ما اعتاده الناس اليوم من حلق اللحية وتوقير الشارب ، وهذه البدعة كالتي قبلها سرت إلى المصريِّين من مخالطة الأجانب واستحسان عوائدهم حتى استقبحوا محاسن دينهم وهجروا سنّة نبيّهم محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فعن ابن عمر رضى الله عنه عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : «خالفوا المشركين وفّروا اللحى واحفوا الشوارب». وكان ابن عمر إذا حجَّ أو اعتمر قبض

__________________

(١) نيل الأوطار : ١ / ١٣٢ ـ ١٣٣.

(٢) نيل الأوطار : ١ / ١٣٨ ـ

(٣) تأليف الأستاذ الكبير الشيخ علي محفوظ أحد مدرّسي الأزهر الشريف ، الطبعة الرابعة. (المؤلف)

٢٠٠