🚘

الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ١١

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي

الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ١١

المؤلف:

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي


المحقق: مركز الغدير للدّراسات الإسلاميّة
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
المطبعة: فروردين
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٣١
🚘 نسخة غير مصححة

ـ ٢٧ ـ

السختياني يُنبع الماء

أخرج أبو نعيم في حلية الأولياء (٣ / ٥) بالإسناد عن عبد الواحد بن زيد ، قال : كنت مع أيّوب السختياني (١) على حراء فعطشت عطشاً شديداً حتى رأى ذلك في وجهي فقال. ما الذي أرى بك؟ قلت : العطش ، وقد خفت على نفسي. قال : تستر عليَّ؟ قلت : نعم. قال : فاستحلفني فحلفت له أن لا أُخبر عنه ما دام حيّا ، قال : فغمز برجله على حِراء ، فنبع الماء فشربت حتى رويت ، وحملت معي من الماء ، قال : فما حدّثت به أحداً حتى مات.

وفي الروض الفائق (ص ١٢٦) : كان جماعة مع أيّوب السختياني في سفر ، فأعياهم طلب الماء ، فقال أيّوب : أتسترون عليّ ما عشت؟ فقالوا : نعم. فدوّر دائرة فنبع الماء ، قال : فشربنا. فلمّا قدموا البصرة أخبر به حمّاد بن زيد ، قال عبد الواحد بن زيد : شهدت معه ذلك اليوم.

ـ ٢٨ ـ

شيخ يبيع القصر في الجنّة

أتى رجلٌ من أهل خراسان حبيب بن محمد العجميّ البصريّ يريد مكة وقال له : يا شيخ اشتر لي داراً ودفع إليه مالاً وخرج إلى مكة ، فأخذ حبيب المال فتصدّق به ، فلمّا قدم الرجل قال له : اذهب بي إلى الدار التي اشتريتها فأرِنيها ، فقال له : إنّك لا تراها اليوم ولكن إذا متّ تراها. فقال له الخراساني : اكتب إليّ عهدتها حتى أذهب بها إلى خراسان. فكتب له حبيب : بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما اشترى حبيب قصراً في الجنّة كذا وكذا ، وارتفاعه كذا وكذا في الجنّة. ثم ختم الكتاب ودفعه إليه ، فأخذه

__________________

(١) توفّي سنة ١٢١ ، توجد ترجمته في حلية الأولياء : ٣ / ٣ ـ ١٤ [رقم ٢٠٥]. (المؤلف)

١٦١

الرجل فذهب به إلى خراسان إلى أهله فقالوا له : أنت مجنونٌ لو لا أنّك ضيّعت مالك لذهب بك إلى الدار ، ولكن هذا شأن مجنون ، فبقي الرجل ما شاء الله ، فلمّا حضره النزع قال لأهله : اجعلوا هذا الكتاب في كفني ، فلمّا مات وضعوه في أكفانه وحملوه إلى القبر فأصبح حبيب بالبصرة وإذا الكتاب عنده في بيته وفي ذيله : يا أبا محمدإنَّ الله قد سلّم إليه القصر الذي اشتريته له. فذهب إلى أهل الرجل وقال لهم : إنَّ الله قد سلّم إلى أبيكم القصر ، وهذه العهدة فبصروا بها فإذا هي الكتاب الذي وضعوه معه في القبر.

أخرجه ابن عساكر في تاريخه (١) (٤ / ٣٢) وقال مهذِّبه : قد روى الحافظ هذه القصّة بإسناده من طريقين مطوّل ومختصر والمعنى واحد ، وهذه القصّة كانت لحبيب ، وأرجو أن لا يحوم حولها المدّعون فيجعلونها سلّماً لأكل مال الناس بالباطل ، فإنَّ أحوال أمثال حبيب لا يقاس عليها ولا تكون قاعدة للعمل.

ـ ٢٩ ـ

حضور غائب بدعاء معروف

ذكر الإمام أبو محمد ضياء الدين الشيخ أحمد الوتري الشافعيّ المتوفّى بمصر في عشر الثمانين والتسعمائة في كتابه روضة الناظرين (ص ٨) نقلاً عن خليل بن محمد الصيّاد أنّه قال : غاب أبي فتألّمت فجئت إلى معروف الكرخي المتوفّى (٢٠٠ ، ٢٠١ ، ٢٠٤) فقلت : غاب أبي ، فقال : ما تريد؟ قلت : رجوعه. قال : اللهمَّ إنّ السماء سماؤك ، والأرض أرضك وما بينهما لك ائت بمحمد. فأتيت باب الشام فإذا هو واقفٌ فقلت : أين كنت؟ قال : كنت الساعة بالأنبار (٢) ولا أعلم ما صار.

__________________

(١) تاريخ مدينة دمشق : ١٢ / ٥٤ ـ ٥٥ رقم ١١٩٣ ، وتهذيب تاريخ دمشق : ٤ / ٣٥.

(٢) الأنبار : مدينة قرب بلخ. ومدينة على الفرات في غربي بغداد ، بينهما عشرة فراسخ. (المؤلف)

١٦٢

عجباً لعقول تُسوّغ مثل هذا لكلِّ معروف ومنكر ، ولا تسوِّغه في أمير المؤمنين عليّ صلوات الله عليه يوم حضر تغسيل سلمان بالمدائن وكان سلام الله عليه بالمدينة. راجع الجزء الخامس (ص ١٥ ـ ٢١).

ـ ٣٠ ـ

رجل متربّع في الهواء

أخرج ابن الجوزي في صفة الصفوة (١) (٤ / ٢٤٥) عن حذيفة بن قتادة المرعشيّ المتوفّى (٢٠٧) قال : قال : كنت في المركب فكسر بنا فوقعت أنا وامرأة على لوح من ألواح المركب فمكثنا سبعة أيّام فقالت المرأة : أنا عطشى. فسألت الله تعالى أن يسقينا ، فنزلت علينا من السماء سلسلة فيها كوزٌ معلّقٌ فيه ماءٌ فشربت ، فرفعت رأسي أنظر إلى السلسلة فرأيت رجلاً في الهواء متربّعاً فقلت : من أنت؟ قال : من الإنس. قلت : فما الذي بلّغك هذه المنزلة؟ قال : آثرت مراد الله عزَّ وجلَّ على هواي فأجلسني كما تراني.

وإن تعجب فعجبٌ من أقوام يقبلون هذا ويبهظهم حديث البساط لمولانا أمير المؤمنين عليه‌السلام.

ـ ٣١ ـ

جنّية تكلّم الخزاعي

أخرج ابن الجوزي في صفة الصفوة (٢) (٢ / ٢٠٥) عن أحمد بن نصر الخزاعي (٣)

__________________

(١) صفة الصفوة : ٤ / ٢٧٠ رقم ٧٩٦.

(٢) صفة الصفوة : ٢ / ٣٦٤ رقم ٢٦٧.

(٣) قتل في خلافة الواثق لامتناعه عن القول بخلق القرآن ونفي التشبيه فعلقت على أُذنه رقعة فيها : بسم الله الرحمن الرحيم هذا رأس أحمد بن نصر بن مالك دعاه عبد الله الإمام هارون وهو الواثق بالله أمير المؤمنين إلى القول بخلق القرآن ونفي التشبيه فأبى إلاّ المعاندة فعجّله الله الى نارهِ. (المؤلف)

١٦٣

أحد أئمّة السنّة الإمام الشهير المتوفّى (٢٣١) ، قال : رأيت مصاباً قد وقع فقرأت في أذنه فكلّمتني الجنّية من جوفه : يا أبا عبد الله بالله دعني أخنقه ، فإنّه يقول : القرآن مخلوق.

ما ألطفها من دعاية إلى المبدأ الباطل ، ولله درُّ الجنّية العالمة التي بلغ من علمها أنَّها قالت بعدم خلق القرآن. ونحن نشكر الله سبحانه على إبطال هذه السخافة القديمة على ممرّ الأيّام فلن تجد اليوم جانحاً إليها ولا محبّذاً إيّاها.

ـ ٣٢ ـ

رأس أحمد الخزاعي يتكلّم

ذكر الخطيب وابن الجوزي بالإسناد عن إبراهيم بن إسماعيل بن خلف ، قال : كان أحمد بن نصر خِلّي ، فلمّا قتل في المحنة وصُلب رأسه أُخبرت أنَّ الرأس يقرأ القرآن ، فمضيت فبتُّ بقرب من الرأس مشرفاً عليه ، وكان عنده رجّالة وفرسان يحفظونه ، فلمّا هدأت العيون سمعت الرأس تقرأ : (الم* أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ) (١) ، فاقشعرَّ جلدي.

وعن أحمد بن كامل القاضي عن أبيه ؛ أنَّه قال : وُكّل برأس أحمد من يحفظه بعد أن نصب برأس الجسر ، وأنَّ الموكّل به ذكر أنَّه يراه بالليل يستدير إلى القبلة بوجهه فيقرأ سورة يس بلسان طَلِق ، وأنّه لمّا أخبر بذلك طُلب ، فخاف على نفسه فهرب.

وعن خلف بن سالم ؛ أنَّه قال : عندما قُتل أحمد بن نصر وقيل له : ألا تسمع ما الناس فيه يا أبا محمد؟ قال : وما ذلك؟ قال : يقولون إنَّ رأس أحمد بن نصر يقرأ القرآن ، قال : كان رأس يحيى بن زكريّا يقرأ (٢).

__________________

(١) العنكبوت : ١ ـ ٢.

(٢) تاريخ بغداد : ٥ / ١٧٩ [رقم ٢٦٢٣] ، صفة الصفوة : ٢ / ٢٠٥ [٢ / ٣٦٤ رقم ٢٦٧]. (المؤلف)

١٦٤

لا تبهظ الخطيب وابن الجوزي هذه الأضحوكة ، ولا أحسب أنَّهما يصدّقانها ولكن لمّا كان يبهظهما وأمثالهما ما يؤثر (١) من أنَّ رأس مولانا أبي عبد الله السبط الشهيد صلوات الله عليه كان يقرأ القرآن الكريم على عامل السنان ، ولقد كانت هذه الأكرومة متسالماً عليها في العصور الخالية ، فنحتوا هذه الأفائك تجاهها تخفيفاً لتلك المنزلة الكريمة الخاصّة ببضعة المصطفى صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

ـ ٣٣ ـ

النبي يفتخر بأبي حنيفة

عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنَّه قال : إنَّ سائر الأنبياء تفتخر بي ، وأنا أفتخر بأبي حنيفة ، وهو رجل تقيّ عند ربّي ، وكأنَّه جبل من العلم ، وكأنّه نبيّ من أنبياء بني إسرائيل ، فمن أحبّه فقد أحبّني ، ومن أبغضه فقد أبغضني.

وعنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنَّ آدم افتخر بي ، وأنا أفتخر برجل من أُمّتي اسمه نعمان ، وكنيته أبو حنيفة ، هو سراج أُمّتي.

أسلفنا الروايتين مع جملة ممّا اختلقته يد الغلوِّ في الفضائل لأبي حنيفة في الجزء الخامس (ص ٢٧٨ ـ ٢٧٩) وذكرنا هنالك أنَّ أمّة من الحنفيّة بلغت مغالاتها فيه حدّا ذهبت إلى أعلميّته من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في القضاء.

وذكر الحريفيش في الروض الفائق (ص ٢١٥) إنَّ من ورع أبي حنيفة رضى الله عنه أنَّ شاةً سرقت في عهده فلم يأكل لحم شاة مدّة تعيش الشاة فيها.

لا أدري لأيِّ خرافة أضحك؟ ألفخر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم برجل استتيب من الكفر مرّتين (٢) والنبيّ مفخرة العالمين جميعاً صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وفي أُمّته من باهى به الله كمولانا

__________________

(١) سيوافيك حديثه في مسند المناقب ومرسلها إن شاء الله تعالى. (المؤلف)

(٢) راجع الجزء الخامس : ص ٢٨٠. (المؤلف)

١٦٥

أمير المؤمنين عليه‌السلام ليلة مبيته على فراش رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (١)؟

أم لكون الرجل أعلم من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالقضاء؟ أنا لا أدري من أين جاء أبو حنيفة بهذا العلم والفقه؟ أهو فقهٌ إسلاميّ والنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مستقاه ومنبثق أنواره؟ أم هو ممّا اتّخذه من غير المسلمين من رجال كابل أو بابل أو ترمذ (٢) فأحرِ به أن يُضرب عرض الجدار؟ وأيُّ حاجة للمسلمين إلى فقه غيرهم وقد أنعم الله عليهم بقضاء الإسلام وفقهه وفيهما القول الحاسم وفصل الخطاب؟

أم لورع الرجل الموصول بفقهه الناجع في قصّة الشاة المسروقة الذي لا يصافقه عليه فيه أيُّ فقيه متورّع ، وقد أباح الإسلام أكل لحم الشياه في جميع الأحيان ، وفي كلّها أفرادٌ منها مسروقةٌ في الحواضر الإسلاميّة وأوساطها ، لكن هذا الفقيه لا يعرف عدم تنجّز الحكم في الشبهات إذا كانت غير محصورة خارجاً أكثر أطرافها من محلِّ الابتلاء ، ولعلّه كان يعلم ذلك لكن عمله هذا من حيله التي هو أخبر بها عن نفسه ، قال أبو عاصم النبيل : رأيت أبا حنيفة في المسجد الحرام يفتي ، وقد اجتمع الناس عليه وآذوه ، فقال : ما هاهنا أحدٌ يأتينا بشرطيّ؟ فقلت : يا أبا حنيفة تريد شرطيّا؟ قال : نعم. فقلت : اقرأ عليَّ هذه الأحاديث التي معي ، فقرأها فقمت عنه ووقفت بحذائه ، فقال لي : أين الشرطيّ؟ فقلت له : إنَّما قلت : تريد. لم أقل لك : أجيء به فقال : انظروا أنا أحتال للناس منذ كذا وكذا وقد احتال عليَّ هذا الصبيُ (٣).

أراد الإمام الأعظم بالقصّة التظاهر بالورع ونصبها فخّا لاصطياد الدهماء كقصته الأخرى المحرابيّة التي حكاها حفص بن عبد الرحمن ؛ قال : صلّيت خلفه فلمّا

__________________

(١) أسلفنا حديثه في الجزء الثاني : ص ٤٨. (المؤلف)

(٢) إيعاز إلى محتد أبي حنيفة ، قال الحافظ أبو نعيم الفضل بن دكين وغيره : أصله من كابل. وقال أبو عبد الرحمن المقري : إنه من أهل بابل. وقال الحارث بن إدريس : أصله من ترمذ. (المؤلف)

(٣) أخبار الظراف لابن الجوزي : ص ١٠٣ [ص ١٥٧]. (المؤلف)

١٦٦

صلّى وجلس في المحراب قال له رجلُ : أيحلُّ أن تصلّي وفيه تصاوير؟ قال : أُصلّي فيه منذ خمس وأربعين سنة فما علمت أنَّ فيه تصاوير ، ثم أمر بالصور فطمست. وقال له رجلٌ : ما أحسن سقف هذا المسجد! قال : ما رأيته وأنا فيه أكثر من أربعين سنة (١).

ولعلّ رأيه في الشاة ممّا يوقف القارئ على سرِّ عدم دخول آرائه مدينة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال محمد بن مسلمة المديني وقيل له : إنَّ رأي أبي حنيفة دخل هذه الأمصار كلّها ولم يدخل المدينة ، قال : لأنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : على كلِّ ثقب من أثقابها ملكٌ يمنع الدجّال من دخولها. وكلام هذا من كلام الدجّالين ، فمن ثم لم يدخلها (٢).

وفي فقه أبي حنيفة شذوذٌ تقصر عنه قصّة الشاة ، قد خالف فيه السنّة الثابتة حتى قال وكيع بن الجراح (٣) : وجدت أبا حنيفة خالف مائتي حديث عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٤). غير أنَّ عبد الله بن داود الحريبي المغالي في حبِّ إمامه يقول : ينبغي للناس أن يدعوا في صلاتهم لأبي حنيفة لحفظه الفقه والسنن عليهم (٥).

وقال صاحب مفتاح السعادة (٦) (٢ / ٧٠) : سمعت من أثق به يروي عن بعض الكتب أنَّ ثابتاً ـ والد أبي حنيفة ـ توفّي وتزوّج أُمَّ الإمام أبي حنيفة رحمه‌الله الإمام جعفر الصادق ، وكان أبو حنيفة رحمه‌الله صغيراً ، وتربّى في حجر جعفر الصادق ، وأخذ علومه منه ، وهذه إن ثبتت فمنقبةٌ عظيمةٌ لأبي حنيفة.

__________________

(١) مناقب أبي حنيفة ، تأليف الحافظ الكردري : ١ / ٢٥١. (المؤلف)

(٢) أخبار الظراف لابن الجوزي : ص ٣٥ [ص ٤٥ ـ ٤٦]. (المؤلف)

(٣) أبو سفيان الكوفي الحافظ كان ثقة حافظاً متقناً مأموناً عالياً رفيع القدر كثير الحديث وكان يفتي ، توفّي سنة مائة وست وتسعين [تهذيب التهذيب : ١١ / ١١٤]. (المؤلف)

(٤) الانتقاء لابن عبد البرّ ـ صاحب الاستيعاب ـ : ص ١٥٠. (المؤلف)

(٥) تاريخ ابن كثير : ١٠ / ١٠٧ [١٠ / ١١٤ حوادث سنة ١٥٠ ه‍]. (المؤلف)

(٦) مفتاح السعادة : ٢ / ١٨١.

١٦٧

عقّبه الحسن النعماني في تعليق المفتاح ، فقال : كيف يتّجه أنَّ الإمام كان صغيراً وتربّى في حجر الإمام الصادق ، لأنَّ جعفر الصادق توفّي سنة ثمان وأربعين ومائة عن ثمان وستين سنة ، والإمام أبو حنيفة توفّي سنة خمسين ومائة وولد على قول الأكثر (١) سنة ثمانين ، فتكون سنة ولادتهما واحدة ، وبين وفاتيهما سنتان ، ثبت أنّهما من الأقران لا أنَّ الإمام صغيرٌ ، والإمام جعفر الصادق كبيرٌ.

وفي غضون ما ألّفه الموفّق بن أحمد ، والحافظ الكردري في مناقب أبي حنيفة ، وما ذكره بعض الحنفيّة في معاجم التراجم لدى ترجمته خرافات وسفاسف جمّة تُشوّه سمعة الإسلام المقدّس ، ولا يسوّغه العقل والمنطق إن لم يشفعهما الغلوّ في الفضائل ، ومن أعجب ما رأيت ما ذكره الإمام أبو الحسين الهمداني في آخر خزانة المفتين ؛ من أنَّ الإمام أبا حنيفة لمّا حجَّ حجّة الوداع أعطى لسدنة الكعبة مالاً عظيماً حتى أخلوا له البيت ، فدخل وشرع للصلاة ، وافتتح القراءة كما هو دأبه على رجله اليمنى حتى قرأ نصف القرآن ، ثم ركع ، وقام في الثانية على رجله اليسرى حتى ختم القرآن ثم قال : إلهي عرفتك حقَّ المعرفة لكن ما قمت بكمال الطاعة ، فهب نقصان الخدمة بكمال المعرفة ، فنودي من زاوية البيت : عرفت فأحسنت المعرفة ، وخدمت فأخلصت الخدمة ، غفرنا لك ولمن اتّبعك ، ولمن كان على مذهبك إلى قيام الساعة (٢).

قال الأميني : ليت شعري أيّ كميّة من الزمن استوعبها الإمام حتى ختم الكتاب العزيز في ركعتيه ، وقد أُخلي له البيت في يوم من أيّام الموسم والناس عندئذٍ مزدلفون حول البيت ، يتحرّون التبرّك بالدخول فيه؟! وكيف وسع السدنة منع أُولئك الجماهير عن قصدهم ، وكبح رغباتهم الأكيدة طيلة تلك البرهة الطويلة؟!

ثم ما هذا الدأب من الإمام على قراءة نصف القرآن الأوّل على رجله اليمنى ،

__________________

(١) وقال بعض : إنه ولد سنة إحدى وستين [وفيات الأعيان : ٥ / ٤١٣ وصحح القول الأَوّل]. (المؤلف)

(٢) مفتاح السعادة ٢ / ٨٢ [٢ / ١٩٢]. (المؤلف)

١٦٨

ونصفه الآخر على رجله اليسرى؟ أهو حكمٌ متّخذٌ من كتاب؟ أم سنّة متّبعة صدع بها النبيّ الأعظم؟ أم بدعة لم نسمعها من غير الإمام؟ وهل في الألعاب الرياضيّة المجعولة لحفظ الصحة والإبقاء على قوّة البدن ونشاطه مثل ذلك؟ أنا لا أدري.

ثم كيف وسعت الإمام تلك الدعوى الباهظة العظيمة أمام ربِّ العالمين سبحانه ، وهو الواقف على السرائر والضمائر؟ وما أجرأه على دعوى لم يدّعها نبيّ من الأنبياء حتى خاتمهم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعليهم على سعة معرفتهم! ولا شكَّ أنَّ معرفته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أوسع ، وقد أغرق فيها نزعاً ، ومع ذلك لم يؤثر عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تقحّم الإمام في مناجاة أو دعاء ، ولا يصدر مثل هذا إلاّ عن إنسان معجب بنفسه ، مغترّ بعلمه ، غير عارف بالله حقّ المعرفة.

والمغفّل صاحب الرواية يحسب أنَّ الإمام ادّعاها في عالم الشهود فصدّقه عليها هاتف عالم الغيب ، وليس هذا الهتاف المنسوج بيد الاختلاق الأثيمة إلاّ دعايةً على الإمام وعلى مذهبه الذي هو أتفه المذاهب الإسلاميّة فقهاً. ولو كانت الأُمّة تصدّق هذه البشارة لمعتنقي ذلك المذهب ، وتراها من ربِّ البيت لا من الأساطير المزوّرة لوجب عليها أن يكونوا حنفيّين جمعاء ، غير أنّ الأُمّة لا تصفق على صحّتها ، رضي بذلك الإمام أم لم يرض.

وأعجب من هذا ما ذكره العلاّمة البرزنجي قال :

ذهب بعض الحنفيّة إلى أنَّ كلاّ من عيسى والمهدي يقلّدان مذهب الإمام أبي حنيفة رضى الله عنه ، وذكره بعض مشايخ الطريقة ببلاد الهند في تصنيف له بالفارسيّة شاع في تلك الديار ، وكان بعض من يتوسّم بالعلم من الحنفيّة ، ويتصدّر للتدريس يشهر هذا القول ويفتخر به ويقرِّره في مجلس درسه بالروضة النبويّة.

وحكى الشيخ علي القاري عن بعضهم أنّه قال : اعلم أنّ الله قد خصّ أبا

١٦٩

حنيفة بالشريعة والكرامة ، ومن كراماته : أنَّ الخضر عليه‌السلام كان يجيء إليه كلّ يوم وقت الصبح ويتعلّم منه أحكام الشريعة إلى خمس سنين ، فلمّا توفّي أبو حنيفة ناجى الخضر ربّه قال : إلهي إن كان لي عندك منزلة فائذن لأبي حنيفة حتى يعلّمني من القبر على حسب عادته حتى أعلم شرع محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على الكمال لتحصل لي الطريقة والحقيقة ، فنودي : أن اذهب إلى قبره وتعلّم منه ما شئت. فجاء الخضر وتعلّم منه ما شاء كذلك إلى خمس وعشرين سنة أخرى حتى أتمَّ الدلائل والأقاويل.

ثم ناجى الخضر ربّه وقال : يا إلهي ما ذا أصنع؟ فنودي : أن اذهب إلى صعالك (١) واشتغل بالعبادة إلى أن يأتيك أمري. إلى أن قال له : اذهب إلى البقعة الفلانيّة وعلّم فلاناً علم الشريعة. ففعل الخضر عليه‌السلام ما أُمر ، ثم بعد مدّة ظهر في مدينة ما وراء النهر شابٌّ وكان اسمه أبا القاسم القشيريّ وكان يخدم أُمّه ويحترمها. إلى أن قال : فأمر الله الخضر أن اذهب إلى القشيريّ وعلّمه ما تعلّمت من أبي حنيفة رضى الله عنه لأنَّه أرضى أُمّه. فجاء الخضر إلى أبي القاسم وقال : أنت أردت السفر لأجل طلب العلم وقد تركته لرضا أُمّك وقد أمرني الله تعالى أن أجيء إليك كلَّ يوم على الدوام وأُعلّمك. فكلّ يوم يجيء إليه الخضر حتى ثلاث سنين وعلّمه العلوم التي تعلّم من أبي حنيفة في ثلاثين سنة ، حتى علّمه علم الحقائق والدقائق ودلائل العلم ، وصار مشهور دهره وفريد عصره ، حتى صنّف ألف كتاب وصار صاحب كرامة وكثر مريدوه وتلاميذه ، فكان له مريدٌ كبير متديِّنٌ لا يفارق الشيخ فعدَّ له الشيخ ألف كتاب من مصنّفاته ووضعه في الصندوق وأعطى لذلك المريد وقال : قد بدا لي أمرٌ فاذهب وارم هذا الصندوق في جيحون ، فحمل المريد الصندوق وخرج من عند الشيخ وقال في نفسه : كيف أرمي مصنّفات الشيخ في الماء؟ لكن أذهب وأحفظ الكتب وأقول للشيخ : رميتها. وحفظ الكتب وجاء وقال للشيخ : رميت الصندوق في

__________________

(١) كذا ، وفي المصدر : صعانك.

١٧٠

الماء. قال الشيخ : وما رأيت في تلك الساعة من العلامات؟ قال : ما رأيت شيئاً. قال الشيخ : اذهب وارم الصندوق. فذهب المريد إلى الصندوق وأراد أن يرميه فلم يهن عليه ورجع إلى الشيخ مثل الأول وقال : رميته؟ قال : نعم. قال : وما رأيت؟ قال : لم أر شيئاً. قال الشيخ : ما رميته فاذهب وارمه فإنّ لي فيها سرّا مع الله ولا تردَّ أمري.

فذهب المريد ورمى الصندوق فخرج من الماء يدٌ وأخذ الصندوق ، قال المريد له : من أنت؟ فنادى في الماء : إنّي وكّلت أن احفظ أمانة الشيخ ، فرجع المريد وجاء إلى الشيخ فقال : رميت؟ قال : نعم. قال : وما رأيت؟ قال : رأيت الماء قد انشقّ وخرج منه يد وأخذ الصندوق وقد صرت متحيّراً ، وما السرّ في ذلك؟ قال الشيخ : السرُّ في ذلك أنَّه إذا قربت القيامة وخرج الدجّال ونزل عيسى ببيت المقدس فيضع الإنجيل بجنبه ويقول : أين الكتاب المحمدي؟ أو قد أمرني الله أن أحكم بينكم بكتابه ولا أحكم بالإنجيل ، فيطلبون الدنيا ويطوفون البلاد فلم يوجد كتابٌ من كتب الشرع المحمديّ ، فيتحيّر عيسى ويقول : إلهي : بما ذا أحكم بين عبادك ولم يوجد غير الإنجيل ، فينزل جبريل ويقول : قد أمر الله أن تذهب إلى نهر جيحون وتصلّي ركعتين بجنبه وتنادي : يا أمين صندوق أبي القاسم القشيري سلّم إليَّ الصندوق وأنا عيسى ابن مريم وقد قتلت الدجّال ، فيذهب عيسى إلى جيحون ويصلّي ركعتين ويقول مثل ما أمره جبريل ، فينشق الماء ويخرج الصندوق ويأخذه ويفتحه ويجد فيه ختمه وألف كتاب ، فيحيي الشرع بذلك الكتاب ، ثم سأل عيسى جبريل : بِمَ نال أبو القاسم هذه المرتبة؟ فقال : برضاء والدته. نقل من كتاب أنيس الجلساء (١).

وقد أطنب الشيخ علي القاري في ردِّ هذه الأسطورة بعدّة صحائف إلى أن

__________________

(١) الإشاعة لأشراط الساعة ، تأليف السيد محمد البرزنجي المدني : ص ٢٢١ ـ ٢٢٥ [٢٣٦ ـ ٢٣٩]. (المؤلف)

١٧١

قال (١) في (ص ٢٣٠) : ثم إنَّ مثل هؤلاء لفرط تعصّبهم وعنادهم ليس مطمح نظرهم إلاّ تفضيل أبي حنيفة ولو بما لا أصل له ، ولو بما يؤدّي إلى الكفر وليس عندهم علمٌ بفضائله الجمّة التي أُلّفت فيها الكتب (٢) فيرضون بالأكاذيب والافتراءات التي لا يرضاها الله ورسوله ولا أبو حنيفة نفسه ، ولو سمعها أبو حنيفة رضى الله عنه لأفتى بكفر قائلها وفي فضائل أبي حنيفة المقرّرة المحرّرة كفاية لمحبّيه ، ولا يحتاج في إثبات فضله إلى الأقوال الكاذبة المفتراة المؤدِّية إلى تنقيص الأنبياء ، ومن العجائب أنّه وقع للقهستاني مع فضله وجلالته شيء من ذلك ، فقال في شرح خطبة النقابة (٣) : إنّ عيسى إذا نزل عمل بمذهب أبي حنيفة كما ذكره في الفصول الستّة. وليت شعري ما الفصول الستّة؟ وما الدليل على هذا القول؟ فإنّا لله وإنّا إليه راجعون. إلى آخره.

وفي مفتاح السعادة (٤) (١ / ٢٧٥ و ٢ / ٨٢) : إنَّ أبا حنيفة رحمه‌الله تعالى رأى كأنّه ينبش قبر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويجمع عظامه إلى صدره فهالته الرؤيا ، فقال ابن سيرين : هذه رؤيا أبي حنيفة. فقال : أنا أبو حنيفة. فقال ابن سيرين : اكشف عن ظهرك. فكشف فرأى خالاً بين كتفيه ، فقال : أنت الذي قال عليه الصلاة والسلام : يخرج في أمّتي رجلٌ يقال له أبو حنيفة بين كتفيه خالٌ يحيي الله تعالى ديني على يديه ، ثم قال ابن سيرين : لا تخف إنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مدينة العلم وأنت تصل إليها. فكان كما قال.

اقرأ وابك على أُمّة محمد المرحومة بأيّ أناس بُليت ، وبأيِّ خلق منيت؟! ما حيلة الجاهل الغرّ وما ينجيه من هذه السخائف والأساطير؟!

__________________

(١) الإشاعة لأشراط الساعة : ص ٢٤٣.

(٢) الكتب المؤلّفة في فضائل أبي حنيفة حوت بين دفّتيها لدة هذه الترّهات والأكاذيب المزخرفة وما أكثرها! ولو لم يكن الباطل الذي لا أصل له مأخوذاً به فيها إذاً لم تلق منها باقية. (المؤلف)

(٣) في المصدر : النقاية.

(٤) مفتاح السعادة : ١ / ٣١٣ ، ٢ / ١٩٣.

١٧٢

ـ ٣٤ ـ

أبو زرعة يجعل الحصاة تبراً

روى الذهبي في تذكرة الحفّاظ (١) (١ / ١٧٤) عن خالد بن الفزر ، قال : كان حياة ابن شريح ـ أبو زرعة المصري شيخ الديار المصريّة المتوفّى (١٥٨) ـ من البكّائين ، وكان ضيّق الحال جدّا ، فجلست وهو متخلّ يدعو ، فقلت : لو دعوت أن يوسّع الله عليك فالتفت يميناً وشمالاً فلم ير أحداً فأخذ حصاة فرمى إليَّ بها فإذا هي تبرةٌ ما رأيت أحسن منها. وقال : ما خير في الدنيا إلاّ للآخرة ، ثم قال : هو أعلم بما يصلح عباده ، فقلت : وما أصنع بهذا؟ قال : استنفقها. فهبته والله أن أردّه.

ـ ٣٥ ـ

وضوء إبراهيم الخراساني

ذكر اليافعي في روض الرياحين (٢) ، عن إبراهيم الخراسانيّ المتوفّى (١٦٣) قال : قال : احتجت يوماً إلى الوضوء فإذا أنا بكوز من جوهر ، وسواك من فضّة ألين من الخزِّ فاستكت وتوضّأت وتركتهما وانصرفت ، قال : وبقيت في بعض سياحاتي أيّاماً لم أر فيها أحداً من الناس ولا طيراً ولا ذا روح ، وإذا بشخصٍ لا أدري من أين خرج فقال لي : قل لهذه الشجرة تحمل دنانير. فقلت : احملي دنانير. فلم تحمل ، ثم قال لها : احملي ، وإذا بشماريخ الشجرة دنانير معلّقة ، فاشتغلت أنظر إليها ، ثم التفتُّ فلم أر الشخص وذهبت الدنانير من الشجرة.

قال الأميني : اقرأ وابك على الإسلام وعلى تاريخه ، وانظر كيف شوّهت صفحاته.

__________________

(١) تذكرة الحفّاظ : ١ / ١٨٥ رقم ١٨٠.

(٢) روض الرياحين : ص ٢٦٢ ـ ٢٦٣.

١٧٣

ـ ٣٦ ـ

الماجشون يموت ويحيى

أخرج الحافظ يعقوب بن أبي شيبة في ترجمة أبي يوسف يعقوب بن أبي سلمة القرشي الشهير بالماجشون ، المتوفّى (١٦٤) بالإسناد عن ابن الماجشون ، قال : قال : عُرج بروح الماجشون فوضعناه على سرير الغسل ، فدخل غاسلٌ إليه يغسّله ، فرأى عِرقاً يتحرّك في أسفل قدمه ، فأقبل علينا وقال : أرى عِرقاً يتحرّك ولا أرى أن أعجل عليه ، فاعتللنا على الناس بالأمر الذي رأيناه ، وفي الغد جاء الناس وغدا الغاسل عليه فرأى العِرق على حاله فاعتذرنا إلى الناس ، فمكث ثلاثاً على حاله والناس يتردّدون إليه ليصلّوا عليه ثم استوى جالساً وقال : ائتوني بسويق. فأُتي به فشربه فقلنا له : خبِّرنا ما رأيت؟ فقال : نعم ؛ عُرج بروحي فصعد بي الملك حتى أتى سماء الدنيا فاستفتح فَفُتِح له ، ثم عرج هكذا في السموات حتى انتهى إلى السماء السابعة فقيل له : من معك؟ قال : الماجشون. فقيل له : لم يأن له بعدُ بقي من عمره كذا وكذا سنة ، وكذا وكذا شهراً ، وكذا وكذا يوماً ، وكذا وكذا ساعة ، ثم هبط بي فرأيت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأبا بكر عن يمينه ، وعمر عن يساره ، وعمر بن عبد العزيز بين يديه ، فقلت للملك الذي معي : من هذا؟ قال : عمر بن عبد العزيز. قلت : إنّه لقريبٌ من رسول الله ، فقال : إنّه عمل بالحقِّ في زمن الجور وإنّهما عملا بالحقِّ في زمن الحقِّ.

وأخرجه (١) : ابن عساكر في تاريخ الشام ، وذكره ابن خلّكان في تاريخه (٢ / ٤٦١) ، واليافعي في مرآة الجنان (١ / ٣٥١) ، وابن حجر في تهذيب التهذيب (١١ / ٣٨٩) ، وأبو الفلاح الحنبلي في شذرات الذهب (١ / ٢٥٩).

__________________

(١) مختصر تاريخ دمشق : ٢٨ / ٤٣ ـ ٤٤ ، وفيات الأعيان : ٦ / ٣٧٦ رقم ٨٢٣ ، تهذيب التهذيب : ١١ / ٣٤١ ، شذرات الذهب : ٢ / ٢٩٠ حوادث سنة ١٦٤ ه‍.

١٧٤

قال الأميني : ما كنت أحسب أن يوجد في الأُمّة الإسلاميّة من يتّهم الملك الموكَّل بقبض الأرواح بالجهل بآونة الوفيات ، وقد وكّل به من عند العزيز العليم ، فقال سبحانه : (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ) (١) أو من يقذفه بالاستبداد في نزع روح أحد قبل إرادة المولى سبحانه وتعالى وفي الكتاب المنزل قوله : (اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ) مَوتِهَا) (٢) (وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) (٣) (وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً) (٤) (لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ) (٥) (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى) (٦) (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) (٧) (ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى) (٨) (ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى) (٩) (فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ) (١٠) (إِنَّ أَجَلَ اللهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (١١) (فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً) (١٢).

كما إنّي ما كنت أشعر إمكان حركة جارحة من جوارح الميِّت بعد نزعه روحه ، فلم أدر بأيِّ صلة بالروح المقبوضة كان يتحرّك العِرق الماجشونيّ خلال

__________________

(١) السجدة : ١١.

(٢) الزمر : ٤٢.

(٣) المؤمنون : ٨٠.

(٤) آل عمران : ١٤٥.

(٥) الدخان : ٨.

(٦) الأنعام : ٢.

(٧) الأعراف : ٣٤.

(٨) النحل : ٦١.

(٩) فاطر : ٤٥.

(١٠) الزمر : ٤٢.

(١١) نوح : ٤.

(١٢) فاطر : ٤٥.

١٧٥

ثلاثة أيّام ، وإلى أيّ مركز حسّاس كانت صلة ذلك العِرق النابض.

وما كنت أدري أنَّ السموات العُلى لها أبواب مغلّقة يقف عندها ملك الموت في كلِّ عروجه بروح من الأرواح فيستفتح فتفتح له.

وليتني أدري هل هذا السير البطيء ـ ثلاثة أيّام ـ لملك الموت في استصحابه روح الماجشون يخصُّ بالماجشون فحسب أو هو الشأن المطّرد في عامّة الأرواح؟

نعم ؛ كلُّ هذه تسوّغها الدعاية إلى السلطات الأمويّة الغاشمة التي كانت تحكم ١١ / ١٣٧ على الأُمّة في تلكم الأيّام.

ـ ٣٧ ـ

رقعة من الله إلى أحمد إمام الحنابلة

مرض بشر بن الحارث وعادته آمنة الرمليّة ، فبينما هي عنده إذ دخل الإمام أحمد ابن حنبل يعوده كذلك فنظر إلى آمِنة فقال لبشر : فاسألها تدعو لنا. فقال لها بشر : ادعي الله لنا ، فقالت : اللهمّ إنَّ بشر بن الحارث وأحمد بن حنبل يستجيران بك من النار فأجرهما يا أرحم الراحمين. قال الإمام أحمد رضى الله عنه : فلمّا كان من الليل طرحت إليَّ رقعة من الهواء مكتوب فيها : بسم الله الرحمن الرحيم قد فعلنا ذلك ولدينا مزيد.

أخرجه (١) : ابن عساكر في تاريخه (٢ / ٤٨) ، وابن الجوزي في صفة الصفوة (٤ / ٢٧٨).

ـ ٣٨ ـ

رسول إلياس وملك إلى أحمد

ذكر ابن الجوزي في مناقب أحمد (٢) (ص ١٤٣) بالإسناد عن أبي حفص

__________________

(١) تهذيب تاريخ دمشق : ٥ / ٣٤٠ رقم ١٣٦ ، صفة الصفوة : ٤ / ٣٠٥ رقم ٨٢٨.

(٢) مناقب أحمد بن حنبل : ص ١٩٠ ـ ١٩١ باب ١٥.

١٧٦

القاضي ، قال : قدم على أبي عبد الله أحمد بن حنبل رجلٌ من بحر الهند فقال : إنّي رجلٌ من بحر الهند خرجت أُريد الصين فأُصيب مركبنا ، فأتاني راكبان على موجة من أمواج البحر ، فقال لي أحدهما : أتحبُّ أن يخلّصك الله على أن تُقرئ أحمد بن حنبل منّا السلام؟ قلت : ومن أحمد؟ ومن أنتما يرحمكما الله؟ قال : أنا إلياس وهذا الملك الموكّل بجزائر البحر ، وأحمد بن حنبل بالعراق. قلت : نعم. فنفضني البحر نفضة فإذا أنا بساحل الأبلة ، فقد جئتك أُبلّغك منهما السلام.

ـ ٣٩ ـ

النخلة تحمل بقلم أحمد

قال أبو طالب عليّ بن أحمد : دخلت يوماً على أبي عبد الله وهو يملي وأنا أكتب فاندقّ قلمي فأخذ قلماً فأعطانيه ، فجئت بالقلم إلى أبي عليّ الجعفريّ فقلت : هذا قلم أبي عبد الله أعطانيه. فقال لغلامه : خذ القلم فضعه في النخلة عسى تحمل. فوضعه فيها فحملت.

مختصر طبقات الحنابلة (١) (ص ١١).

ـ ٤٠ ـ

تكّة سراويل أحمد

قال ابن كثير في تاريخه (٢) (١٠ / ٣٣٥) : يروى أنَّه لمّا أُقيم ـ أحمد بن حنبل ـ ليضرب ـ لمّا ضربه المعتصم ـ انقطعت تكّة سراويله ، فخشي أن يسقط سراويله ، فتكشف عورته ، فحرّك شفتيه فدعا الله فعاد سراويله كما كان ، ويروى أنّه قال : يا غياث المستغيثين ، يا إله العالمين ، إن كنت تعلم أنِّي قائمٌ لك بحقّ فلا تهتك لي عورة.

__________________

(١) مختصر طبقات الحنابلة : ص ١٥.

(٢) البداية والنهاية : ١٠ / ٣٦٨ ـ ٣٦٩ حوادث سنة ٢٤١ ه‍.

١٧٧

ـ ٤١ ـ

الحريق والغريق وكرامة أحمد

روى ابن الجوزي في مناقب أحمد (١) (ص ٢٩٧) بإسناده عن فاطمة بنت أحمد قالت : وقع الحريق في بيت أخي صالح وكان قد تزوّج إلى قوم مياسير ، فحملوا إليه جهازاً شبيهاً بأربعة آلاف دينار فأكلته النار فجعل صالح يقول : ما غمّني ما ذهب منّي إلاّ ثوب لأبي كان يصلّي فيه أتبرّك به وأُصلّي فيه ، قالت : فطفئ الحريق ودخلوا فوجدوا الثوب على سرير قد أكلت النار ما حواليه والثوب سليم.

قال ابن الجوزي : قلت : وهكذا بلغني عن قاضي القضاة عليّ بن الحسين الزينبي أنّه وقع الحريق في دارهم فاحترق ما فيها إلاّ كتاباً كان فيه شيءٌ بخطّ أحمد.

وقال : قلت : ولمّا وقع الغرق ببغداد في سنة أربع وخمسين وخمسمائة وغرقت كتبي سلم لي مجلّد فيه ورقتان بخطّ الإمام أحمد.

وقال الذهبي في ذيل العبر (٢) ذكر ما وقع سنة (٧٢٥) ، واليافعي في المرآة : ومن الآيات أنّ مقبرة الإمام أحمد بن حنبل غرقت سوى البيت الذي فيه ضريحه ، فإنَّ الماء دخل في الدهليز علوّ ذراع ووقف بإذن الله وبقيت البواري عليها غبار حول القبر ، صحَّ هذا عندنا ، وجرَّ السيل أخشاباً كباراً وحيّات غريبة الشكل.

مرآة الجنان (٤ / ٢٧٣) ، شذرات الذهب (٣) (٦ / ٦٦) ، صلح الإخوان للخالدي (ص ٩٨).

__________________

(١) مناقب أحمد : ص ٣٩٩ ـ ٤٠٠ باب ٦١.

(٢) العبر في خبر من غبر : ٤ / ٧١ ـ ٧٢ حوادث سنة ٧٢٥ ه‍.

(٣) شذرات الذهب : ٨ / ١١٩ حوادث سنة ٧٢٥ ه‍.

١٧٨

قال الأميني : وكفى شاهداً على صدق هذه الكرامة عدم وجود أيّ أثر من ذلك المرقد المعظّم اليوم ، وقد جرفته السيول ، وعفت رسمه ، كأن لم يكن ، وغدا حديث أمس الدابر.

ـ ٤٢ ـ

الله يزور أحمد كلّ عام

روى ابن الجوزي في مناقب أحمد (١) (ص ٤٥٤) ، قال : حدّثني أبو بكر بن مكارم بن أبي يعلى الحربي وكان شيخاً صالحاً قال : كان قد جاء في بعض السنين مطرٌ كثير جدّا قبل دخول رمضان بأيّام ، فنمت ليلة في رمضان فأُريت في منامي كأنّي قد جئت على عادتي إلى قبر الإمام أحمد بن حنبل أزوره فرأيت قبره قد التصق بالأرض حتى بقي بينه وبين الأرض مقدار ساف (٢) أو سافين فقلت : إنّما تمّ هذا على قبر الإمام أحمد من كثرة الغيث فسمعته من القبر وهو يقول : لا بل هذا من هيبة الحقِّ عزَّ وجلَّ لأنَّه عزَّ وجلَّ قد زارني ، فسألته عن سرِّ زيارته إيّاي في كلِّ عام ، فقال عزَّ وجلَّ : يا أحمد لأنّك نصرت كلامي فهو ينشر ويتلى في المحاريب. فأقبلت على لحده أُقبّله ثم قلت : يا سيّدي ما السرُّ في أنّه لا يقبّل قبر إلاّ قبرك؟ فقال لي : يا بنيَّ ليس هذا كرامة لي ، ولكن هذا كرامة لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأنَّ معي شعرات من شعره صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ألا ومن يحبّني يزورني (٣) في شهر رمضان. قال ذلك مرّتين.

مرّت في زيارة إمام الحنابلة أحمد في الجزء الخامس (ص ١٩٧ ـ ٢٠١) لدة هذه من آيات الغلوّ. فراجع ويا حبّذا لو صدقت الأحلام.

__________________

(١) مناقب أحمد : ص ٦٠٧ باب ٩٢.

(٢) الساف والسافة : الصف من الطين أو اللبن جمع آسف وسافات. (المؤلف)

(٣) في المصدر : لم لا يزورني.

١٧٩

ـ ٤٣ ـ

أحمد والملكان النكيران

ذكر ابن الجوزي في مناقب أحمد (١) (ص ٤٥٤) عن عبد الله بن أحمد يقول : رأيت أبي في المنام فقلت : ما فعل الله بك؟ قال : غفر لي. قلت : جاءك منكرٌ ونكيرٌ؟ قال : نعم ، قالا لي : من ربّك؟ قلت : سبحان الله أما تستحيان منّي؟ فقالا لي : يا أبا عبد الله اعذرنا بهذا أُمرنا.

قال الأميني : ما أجرأ الإمام على الملكين الكريمين في ذلك المأزق الحرج! وما أجهله بالناموس المطّرد من سؤال القبر وأنَّه بأمر من الله العليِّ العزيز! حتى جابه الملكين بذلك القول الخشن ، ما أحمد وما خطره؟ وقد جاء في الرواية : أنَّ عمر ارتعد منهما لمّا دخلا عليه (٢) وكان عمر بمحلّ من المهابة ؛ على حدِّ قول عكرمة أنَّه دعا حجّاماً فتنحنح عمر وكان مهيباً فأحدث الحجّام ، فأعطاه عمر أربعين درهماً (٣).

وعلى الملكين أن يشكرا الله سبحانه على أن كفَّ الإمام عن أن يصفعهما فيفقأ

__________________

(١) مناقب أحمد : ص ٦٠٦ باب ٩٢.

(٢) قال السيّد الجرداني في مصباح الظلام : ٢ / ٥٦ [٢ / ١٣٢] : إنّ الله تعالى أعطى عليّا علم البرزخ ، فلمّا مات عمر بن الخطاب رضي‌الله‌عنه جلس عليّ على قبره ليسمع قوله للملكين ، فلمّا دخلا عليه ارتعد منهما ثمّ أجاب ، فقالا له : نم. فقال : كيف أنام وقد أصابني منكما هذه الرعدة؟ وقد صحبت النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم ، ولكن أشهد عليكما الله وملائكته أن لا تدخلا على مؤمن إلاّ في أحسن صورة ففعلا. فقال له علي بن أبي طالب : نم يا ابن الخطّاب ، فجزاك الله عن المسلمين خيراً لقد نفعت الناس في حياتك ومماتك. اقرأ واضحك. (المؤلف)

(٣) طبقات ابن سعد : ٣ / ٢٠٦ [٣ / ٢٨٧] ، تاريخ بغداد : ١٤ / ٢١٥ ، تاريخ عمر لابن الجوزي : ص ٩٩ [١٢٥ باب ٤٥] ، كنز العمّال : ٦ / ٣٣١ [١٢ / ٥٦٤ ح ٣٥٧٦٩]. (المؤلف)

١٨٠