الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ١١

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي

الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ١١

المؤلف:

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي


المحقق: مركز الغدير للدّراسات الإسلاميّة
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
المطبعة: فروردين
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٣١

تاريخ ابن كثير (١) (٧ / ١١٤) ، الإصابة (١ / ٤١٤).

قال الأميني : اقرأ صحيفة حياة خالد السوداء ممّا مرّ في الجزء السابع (٢) (ص ١٥٦ ـ ١٦٨) الطبعة الأولى ، وسل عنه بني جذيمة ومالك بن نويرة وامرأته ، وسل عنه عمر الخليفة حتى تعرفه بعُجره وبُجره ، ثم احكم بما تجد الرجل أهلاً له.

ـ ٦ ـ

أبو مسلم لا تحرقه النار

دعا الأسود العنسي ـ المتنبّئ ـ أبا مسلم الخولاني عبد الله بن ثوب اليمني التابعيّ المتوفّى (٦٠ ، ٦٢) فأجّج الأسود ناراً عظيمة وألقى فيها أبا مسلم فلم تضرّه ، وأنجاه الله منها ، فكان يشبّه بإبراهيم الخليل ، فوفد على أبي بكر مسلّماً فقال : الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني من أُمّة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من فُعل به ما فُعل بإبراهيم خليل الله.

وفي لفظ ابن كثير : فقدم على الصدّيق فأجلسه بينه وبين عمر وقال له عمر : الحمد لله الذي لم يمتني حتى أُرى في أُمّة محمد من فُعل به كما فُعل بإبراهيم الخليل وقبّله بين عينيه (٣).

الاستيعاب (٢ / ٦٦٦) ، صفة الصفوة (٤ / ١٨١) ، تاريخ ابن عساكر (٧ / ٣١٨) ، تذكرة الحفّاظ للذهبي (١ / ٤٦) ، تاريخ ابن كثير (٨ / ١٤٦) ، شذرات الذهب (١ / ٧٠) ، تهذيب التهذيب (١٢ / ٢٣٦) ، وذكره السيّد محمد أمين بن عابدين في العقود الدرّية (٢ / ٣٩٣) عن جدّه العمادي في رسالته الروضة الريّا فيمن دفن في داريا ، نقلاً عن أبي

__________________

(١) البداية والنهاية : ٧ / ١٣٠ حوادث سنة ٢١ ه‍.

(٢) راجع : ٧ / ٢١٤ ـ ٢٢٩ من هذه الطبعة.

(٣) الاستيعاب : القسم الرابع / ١٧٥٨ رقم ٣١٧٥ ، صفة الصفوة : ٤ / ٢٠٨ رقم ٧٤٥ ، تاريخ مدينة دمشق : ٢٧ / ٢٠٠ ـ ٢٠١ رقم ٣٢١٣ ، وفي مختصر تاريخ دمشق : ١٢ / ٥٦ ، تذكرة الحفاظ : ١ / ٤٩ ، البداية والنهاية : ٨ / ١٥٦ حوادث سنة ٦٠ ه‍ ، شذرات الذهب : ١ / ٢٨١ حوادث سنة ٦٢ ه‍ ، تهذيب التهذيب : ١٢ / ٢٥٧ ، العقود الدرّية : ٢ / ٣٢٠.

١٤١

نعيم وابن عساكر وابن الزملكاني وابن كثير.

ـ ٧ ـ

أبو مسلم يقطع دجلة بدعائه

أتى أبو مسلم الخولاني يوماً على دجلة وهي ترمي بالخشب من مدّها فوقف عليها ثم حمد الله تبارك وتعالى وأثنى عليه ، وذكر مسير بني إسرائيل في البحر ، ثم نهر (١) دابّته فخاضت الماء وتبعه الناس حتى قطعوا.

أخرجه ابن عساكر في تاريخه (٢) (٧ / ٣١٧).

ـ ٨ ـ

سبحة أبي مسلم تسبّح بيده

كان أبو مسلم الخولاني بيده سبحة يسبّح بها ، فنام والسبحة بيده ، فاستدارت والتفّت على ذراعه وجعلت تسبّح ، فالتفت إليها وهي تدور في ذراعه وهي تقول : سبحانك يا منبت النبات ، ويا دائم الثبات. فقال لزوجته : هلمّي يا أُمّ مسلم وانظري أعجب الأعاجيب ، فجاءت والسبحة تدور وتسبّح فلمّا جلست سكتت.

اخرجه الحافظ ابن عساكر في تاريخ الشام (٣) (٧ / ٣١٨).

ـ ٩ ـ

وفد يسافر بلا زاد ولا مزاد

كان أبو مسلم الخولاني أتاه جماعةٌ من قومه فقالوا له : أما تشتاق إلى الحجِّ؟

__________________

(١) في المصدر : لهز ، أي ضرب بجمع يده في لهازمها ورقبتها.

(٢) تاريخ مدينة دمشق : ٢٧ / ٢١٠ رقم ٣٢١٣ ، وفي مختصر تاريخ دمشق : ١٢ / ٥٩.

(٣) تاريخ مدينة دمشق : ٢٧ / ٢١٦ ، ومختصره : ص ٦١.

١٤٢

قال : بلى لو أصبت لي أصحاباً ، فقالوا : نحن أصحابك ، فقال : لستم لي بأصحاب ، أنا أصحابي قومٌ لا يريدون الزاد ولا المزاد قالوا : سبحان الله وكيف يسافر قومٌ بلا زاد ولا مزاد؟ فقال لهم : ألا ترون إلى الطير تغدو وتروح بلا زاد ولا مزاد والله يرزقها وهي لا تبيع ولا تشتري ولا تحرث ولا تزرع؟ قالوا : فإنّا نسافر معك فقال لهم : تهيّأوا على بركة الله. فغدوا من غوطة دمشق ليس معهم زادٌ ولا مزاد ، فلمّا انتهوا إلى المنزل قالوا : يا أبا مسلم طعامٌ لنا وعلفٌ لدوابّنا ، فقال لهم : نعم فتنحّى بعيداً (١) فتسنّم أحجاراً (٢) فصلّى فيه ركعتين ، ثم جثا على ركبتيه فقال : إلهي قد تعلم ما أخرجني من منزلي ، وإنّما خرجت زائراً لك ، وقد رأيت البخيل من أولاد آدم تنزل به العصابة من الناس فيوسعهم قِرىً وإنّا أضيافك وزوّارك فأطعمنا واسقنا واعلف دوابّنا. [قال :] (٣) فأُتي بسفرة فمدّت بين أيديهم ، وجيء بجفنة من ثريد تبخر ، وجيء بقلّتين من ماء ، وجيء بالعلف ، لا يدرون من يأتي به ، فلم تزل هذه حالهم منذ خرجوا من عند أهاليهم حتى رجعوا لا يتكلّفون زاداً ولا مزاداً.

أخرجه الحافظ ابن عساكر في تاريخ الشام (٤) (٧ / ٣١٨).

قال الأميني : أنا لم أُفْضِ في المقام بنأمة (٥) ، وإنّما أُوجّه نظر الباحث شطر كلمة طاش كبرى زادة قال في مفتاح السعادة (٦) (٣ / ٣٤٥) : من يخوض في البراري من غير زاد لتصحيح التوكّل؟ ذلك بدعةٌ إذ السلف كانوا يأخذون الزاد ويتوكّلون.

__________________

(١) في المصدر : غير بعيد.

(٢) في المصدر : فتسنّم مسجد أحجارٍ.

(٣) من المصدر.

(٤) تاريخ مدينة دمشق : ٢٧ / ٢١٦ رقم ٣٢١٣ ، وفي مختصر تاريخ دمشق : ١٢ / ٦١.

(٥) النأمة : الصوت ، الحركة.

(٦) مفتاح السعادة : ٣ / ٤٢٩ الدوحة السابعة.

١٤٣

ـ ١٠ ـ

دعاء أبي مسلم لمرأة وعليها

كان أبو مسلم الخولاني إذا دخل داره فكان في وسطها كبّر [وكبّرت امرأته ، فاذا بلغ البيت كبّر وكبّرت امرأته] (١) فيدخل فينزع رداءه وحذاءه وتأتيه امرأته بطعام فيأكل ، فجاء ذات ليلة فكبّر فلم تجبه ، ثم أتى باب البيت فكبّر وسلّم وكبّر فلم تجبه ، وإذا البيت ليس فيه سراجٌ وإذا هي جالسةٌ بيدها وَدّ (٢) تنكت به الأرض فقال لها : ما لكِ؟ فقالت : الناس بخير ، وأنت أبو مسلم ، لو أنّك أتيت معاوية فيأمر لك بخادم ويعطيك شيئاً تعيش به؟ فقال : اللهمّ من أفسد عليَّ أهلي فَأَعمِ بصره. وكانت أتتها امرأة فقالت : أنتِ امرأة أبي مسلم الخولاني فلو كلّمت زوجك يكلّم معاوية ليخدمكم ويعطيكم. فبينا هذه المرأة في منزلها إذ أنكرت بصرها فقالت : سراجكم طفئ؟ فقالوا : لا. فقالت : إنّا لله ، ذهب بصري ، فأتت إلى أبي مسلم فلم تزل تناشده الله وتطلب إليه حتى دعا الله فردَّ بصرها ورجعت امرأته إلى حالها التي كانت عليها.

أخرجه ابن عساكر في تاريخه (٣) (٧ / ٣١٧).

قال الأميني : ما أقسى صاحب هذه المعاجز حيث أعمى امرأة مسلمة من غير ذنب تستحقّ لأجله مثل هذه العقوبة! فإنَّ مراجعة معاوية كبقيّة المسلمين وهو أميرهم فيما حسبوه ـ والرجل في الرعيل الأوّل من شيعته ـ للتوسيع عليه ليس فيها اقتراف مأثم ولا اجتراح سيّئة تستحقُّ المسكينة عليها التنكيل بها ، فهلاّ دعا الله سبحانه أن يهديها وامرأته ، وأن يثبّت قلبيهما على الصبر والتقوى إن كان يعلم من نفسه إجابة دعوته؟ لكنّه أبى إلاّ القسوة ، أو أنَّ المغالي في فضله افتعل له ذلك ذاهلاً

__________________

(١) ما بين المعقوفتين من المصدر.

(٢) الودّ : الوتد (بلغة تميم).

(٣) تاريخ مدينة دمشق : ٢٧ / ٢١٤ رقم ٣٢١٣ ، وفي مختصر تاريخ دمشق : ١٢ / ٦٠.

١٤٤

عن أنَّ ما افتعله يمسّ كرامة الرجل ، ونحن نجلّ ساحة قدس المولى سبحانه عن أن تكون عنده إجابة لمثل هذه الدعوة الصادرة عن الجهل.

ـ ١١ ـ

الظبي يُحبَس بدعاء أبي مسلم

أخرج ابن عساكر في تاريخه (١) (٧ / ٣١٧) عن بلال بن كعب قال : ربّما قال الصبيان لأبي مسلم الخولاني : ادع الله يحبس علينا هذا الظبي. فيدعو الله فيحبسه حتى يأخذوه بأيديهم.

قال الأميني : لقد راق القوم أن لا يدعوا للأنبياء والرسل معجزة أو آية إلاّ وسحبوها إلى من أحبّوه من رجال عاديّين ، بل راقهم أن يثبتوا لأوليائهم كلّ شيء أباحه العقل أو أحاله ، أنا لا أدري أيريدون بذلك تخفيضاً من مقام الرسل؟ أو ترفيعاً لهؤلاء؟ وأيّا ما أرادوا فحسب رواة السوء رواية غير المعقول ، وخلط الحابل بالنابل.

أتعرف أبا مسلم الخولاني صاحب هذه الخزعبلات؟ أتدري لما ذا استحقّ الرجل نسج هذه الكرامات له على نول الافتعال؟ أتصدِّق أن يكون تحت راية ابن هند في الفئة الباغية رجلٌ إلهيّ يؤمَن إليه ولإيمانه ، ويصدَّق زلفاه إلى ربّه ، فضلاً عن أن يكون صاحب حفاوة وكرامة؟! أتزعم أن تربِّي قاعة الشام في عصر معاوية إنساناً يعرف ربّه ، ويكون من أمره على بصيرة ، ولا تزحزحه عن سبيل الحقِّ والرشاد رضائخ ذلك الملك العضوض؟! نعم ؛ إنَّما نسجت يد الاختلاق هذه المفتعلات كوسام لأبي مسلم شكراً على تقدّمه في ولاء أبناء بيت أُميّة ، وعدائه المحتدم لأهل بيت الوحي ، كان الرجل عثمانيّا أُمويّ النزعة ، خارجاً على إمام زمانه

__________________

(١) تاريخ مدينة دمشق : ٢٧ / ٢١٥ رقم ٣٢١٣ ، وفي مختصر تاريخ دمشق : ١٢ / ٦٠.

١٤٥

تحت راية القاسطين ، وهو القائل : يا أهل المدينة كنتم بين قاتل وخاذل ، فكلاّ جزى الله شرّا ، يا أهل المدينة لأنتم شرٌّ من ثمود. إنَّ ثمود قتلوا ناقة الله ، وأنتم قتلتم خليفة الله ، وخليفة الله أكرم عليه من ناقته.

وهو الذي كان سفير معاوية إلى عليّ في حرب صفّين ، وقد أتى ببعض كتبه إلى الإمام عليه‌السلام ، ولمّا أقام عليه‌السلام عليه الحجّة وأفحمه خرج وهو يقول : الآن طاب الضراب.

وهو الذي كان يرتجز يوم صفّين ويقول :

ما علّتي ما علّتي

وقد لبست درعتي

أموت عند طاعتي؟! (١)

أترى من يموت في طاعة ابن هند ، ويركض وراء أهوائه وشهواته ، ويتّخذه إماماً متّبعاً في أفعاله وتروكه ، ويحارب إمام زمانه المطهّر بلسان الله تعالى ولم يعرفه ، ويضرب الصفح عمّا جاء عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حرب علي عليه‌السلام وسلمه عامّة ، وفي قتاله يوم صفّين خاصّة ، وتكون له خطوات واسعة وأشواط بعيدة في تلكم البوائق المدلهمّة ، والمواقف الموبقة ، توهب له من المولى سبحانه وتعالى تلك المنزلة الرفيعة من الكرامة التي تضاهي منازل الأنبياء ، ويقصر عنها مقام كلّ وليّ صادق؟! لاها الله ، إن هي إلاّ اختلاق ، لا تساعدها البرهنة الصادقة ، ولا يسوّغها الإسلام ومبانيه ومبادئه ، ولا يقبلها العقل والمنطق.

قاتل الله العصبيّة العمياء ، إلى أيّ هوّة من التعاسة والانحطاط تحدو البشر؟

__________________

(١)] كتاب] صفّين لنصر بن مزاحم : ص ٩٥ ـ ٩٨ [ص ٨٥ ـ ٨٦] ، تاريخ ابن عساكر : ٧ / ٣١٩ [٢٧ / ٢٢١ رقم ٣٢١٣ ، وفي مختصر تاريخ دمشق : ١٢ / ٦٣ ـ ٦٤] ، شرح ابن أبي الحديد : ٣ / ٤٠٨ [١٥ / ٧٥]. (المؤلف)

١٤٦

تجعل أبا مسلم الشاميّ الخارجيّ الباغي المحارب إمام وقته زاهداً عابداً ناسكاً ذا كرامات ومقامات ، وتعرِّف سيّد غفار أشبه الناس بعيسى بن مريم زهداً وهدياً وبرّا ونسكاً ، الممدوح بلسان النبيِّ الأعظم (١) شيوعيّا اشتراكياً يموت في المعتقل. غفرانك اللهمّ وإليك المصير.

ـ ١٢ ـ

الربيع يتكلّم بعد الموت

عن ربعي بن خراش (٢) العبسي ، قال : مرض أخي الربيع بن خراش فمرّضته ثم مات فذهبنا نجهِّزه ، فلمّا جئنا رفع الثوب عن وجهه ثم قال : السلام عليكم ، قلنا : وعليك السلام ، قد متّ؟ قال : بلى ولكن لقيت بعدكم ربّي ولقيني بروح وريحان وربّ غير غضبان ، ثم كساني ثياباً من سندس أخضر ، وإنِّي سألته أن يأذن لي أن أُبشّركم فأذن لي ، وإنَّ الأمر كما ترون ، فسدِّدوا وقاربوا ، وبشِّروا ولا تنفّروا (٣).

وفي لفظ أبي نعيم : إنّه توفّي أخي ـ ربيع بن خراش ـ فبينا نحن حوله وقد بعثنا من يَبتاع له كفناً إذ كشف عن وجهه فقال : السلام عليكم. فقال القوم : وعليك السلام يا أخاه! عيشاً بعد الموت؟ يعني حياة. قال : نعم إنِّي لقيت ربِّي بعدكم فلقيت ربّا غير غضبان ، واستقبلني بروح وبريحان واستبرق ، ألا وإنَّ أبا القاسم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ينتظر الصلاة عليَّ ، فعجّلوا بي ولا تؤخّروني ، ثم كان بمنزلة حصاة رمي بها في الطست (٤).

__________________

(١) راجع الجزء الثامن : ص ٣١٥ ـ ٣٢٤ الطبعة الأولى [ص ٤٣٣ ـ ٤٤٦ من هذه الطبعة] (المؤلف)

(٢) كذا بالمعجمة في غير واحد من المصادر والصحيح كما في تهذيب التهذيب [٣ / ٢٠٥] : حراش ـ مهملة الأوّل. (المؤلف)

(٣) تاريخ ابن كثير : ٦ / ١٥٨ [٦ / ١٧٥] ، الروض الانف : ٢ / ٣٧٠ [٧ / ٥٧٥] ، صفة الصفوة : ٣ / ١٩ [٣ / ٣٧ رقم ٣٩٢]. (المؤلف)

(٤) حلية الأولياء : ٣ / ٢١٢ [٤ / ٣٦٧ رقم ٢٨٨]. (المؤلف)

١٤٧

وفي لفظ : مات أخي الربيع فسجّيته ، فضحك ، فقلت : يا أخي! أحياةٌ بعد الموت؟ قال : لا ، ولكنّي لقيت ربّي فلقيني بروح وريحان ووجه غير غضبان ، فقلت : كيف رأيت الأمر؟ قال : أيسر ممّا تظنّون. فذُكر لعائشة ، فقالت : صدق ربعي سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : من أُمّتي من يتكلّم بعد الموت (١).

قال الأميني : لست أدري لما ذا استحال القوم القول بالرجعة ، وليست هي إلاّ رجوع الحياة للميِّت بعد زهوق النفس ، وهم يروون أمثال هذه الرواية وما مرّ في (ص ١٠٣) مخبتين إليها من دون أيّ غمز بها ، وإن مغزاها إلاّ من مصاديق الرجعة. نعم لهم أن يناقشونا الحساب باقترابها من الموت وبُعدها عنه ، أو بطول أمدها وقصره ، أو بقصر جوازها على تأييد المذهب فحسب ، أو بحصر نطاقها بغير العترة الطاهرة فقط ، غير أنَّ هذه كلّها لا تؤثّر في جوهريّة الإمكان ، ولا تصيّره محظوراً غير سائغ عقلاً أو شرعاً.

وشتّان بين قصّة ابن خراش هذه وبين ما جاء به ابن سعد في طبقاته (٢) (٣ / ٢٧٣) عن سالم بن عبد الله بن عمر قال : سمعت رجلاً من الأنصار يقول : دعوت الله أن يُريني عمر في النوم فرأيته بعد عشر سنين وهو يمسح العرق عن جبهته فقلت : يا أمير المؤمنين! ما فعلت؟ فقال : الآن فرغت ، ولولا رحمة ربّي لهلكت. وذكره السيوطي في تاريخ الخلفاء (٣) (ص ٩٩).

وأخرج ابن الجوزي في سيرة عمر (٤) (ص ٢٠٥) عن عبد الله بن عمر قال : رأى عمر في المنام فقال : كيف صنعت؟ قال : خيراً ؛ كاد عرشي يهوي لو لا أنّي لقيت

__________________

(١) الخصائص الكبرى : ٢ / ١٤٩ [٢ / ٢٥٣]. (المؤلف)

(٢) الطبقات الكبرى : ٣ / ٣٧٦.

(٣) تاريخ الخلفاء : ص ١٣٧.

(٤) تاريخ عمر بن الخطّاب : ص ٢١١ باب ٧٥.

١٤٨

ربّا غفوراً. فقال : منذ كم فارقتكم؟ فقلت : منذ اثنتي عشرة سنة. فقال : إنَّما انفلتّ الآن من الحساب. وروى نحوه الحافظ المحبّ الطبري في الرياض (١) (ص ٢ / ٨٠).

هذا عمر الخليفة وحراجة موقفه في الحساب ، لا يستقبله ربّه بروح وريحان ، ولا يكسوه ثياباً من استبرق أخضر ، ولا انتظر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يصلّي عليه ، وقد انفلت من الحساب بعد اثنتي عشرة سنة ، ولولا رحمة ربّه لهلك. وذاك ابن خراش (٢) وأمره الأمر السريع ، فانظر مآل الرجلين واحكم.

ـ ١٣ ـ

أربعة آلاف تعبر الماء

عن أبي هريرة وأنس ، قالا : جهّز عمر بن الخطّاب جيشاً واستعمل عليهم العلاء بن الحضرمي ، قال أنس : وكنت في غزاته فأتينا مغازينا فوجدنا القوم قد بدروا بنا فعفّوا آثار الماء والحرّ شديد ، فجهدنا العطش ودوابّنا وذلك يوم الجمعة ، فلمّا مالت الشمس لغروبها صلّى بنا ركعتين ، ثم مدَّ يده إلى السماء ، وما نرى في السماء شيئاً ، قال : فو الله ما حطَّ يده حتى بعث الله ريحاً وأنشأ سحاباً ، وأفرغت حتى ملأت الغُدُر والشعاب ، فشربنا وسقينا ركابنا واستقينا ، ثم أتينا عدوّنا وقد جاوزوا خليجاً في البحر إلى جزيرة ، فوقف على الخليج وقال : يا عليّ يا عظيم يا حليم يا كريم. ثم قال : أجيزوا بسم الله. قال : فأجزنا ما يبلّ الماء حوافر دوابّنا ، فلم نلبث إلاّ يسيراً فأصبنا العدوّ عليه فقتلنا وأسرنا وسبينا ، ثم أتينا الخليج فقال مثل مقالته ، فأجزنا ما يبلّ الماء حوافر دوابّنا. وفي لفظ الصفوري : وكان الجيش أربعة آلاف.

فلم نلبث إلاّ يسيراً حتى رُمي في جنازته. قال : فحفرنا له وغسّلناه ودفنّاه ، فأتى رجلٌ بعد فراغنا من دفنه فقال : من هذا؟ فقلنا : هذا خير البشر ، هذا ابن

__________________

(١) الرياض النضرة : ٢ / ٣٦١.

(٢) لا يوجد له ذكر في معاجم التراجم. (المؤلف)

١٤٩

الحضرمي فقال : إنَّ هذه الأرض تلفظ الموتى ، فلو نقلتموه إلى ميل أو ميلين إلى أرض تقبل الموتى ، فقلنا : ما جزاء صاحبنا أن نعرضه للسباع تأكله ، قال : فاجتمعنا على نبشه فلمّا وصلنا إلى اللحد إذا صاحبنا ليس فيه ، وإذا اللحد مدّ البصر نور يتلألأ ، قال : فأعدنا التراب إلى اللحد ثم ارتحلنا (١).

قال الأميني : نحن لا ننبس هاهنا ببنت شفة ولا نحوم حول إسناده الباطل ولا نؤاخذ رواة القصّة بقولهم في الحضرمي : هذا خير البشر. وإنّه كذب فاحش يخالف ما أجمعت عليه الأُمّة ، وليس على الله بعزيز أن يجعل أفراد جيش جهّزه عمر كلّها صاحب كرامة ، لكنّا لا نعرف معنى قولهم : إنّ هذه الأرض تلفظ الموتى ، أيّ أرض هذه؟ وفي أيِّ قطر هي؟ وهل هي تعرف بهذه الصفة عند الملأ؟ وهل هي شاعرة بخاصّتها هذه أو لا تشعر؟ وهل هي باقيةٌ عليها إلى يومنا هذا؟ وكيف شذّت عن بقاع الأرض بهذه الخاصّة؟ ولما ذا هي؟ وكيف تخلّفت عن ذاتيّها في خصوص هذا المقبور؟ وهل كان الرجل في القبر لمّا نبشوه مجلّلاً بالأنوار وقد أعشتهم عن رؤيته فحسبوه مفقوداً ، أو أنّه غادر القبر إلى جهة لا تُعرف ، وترك فيه أنواره؟ أنا لا أدري ، وهل في مُنّة (٢) الراوي أو مدوّن القصّة أو مفتعلها أو من قاصَّها الجواب عن هذه الأسئلة؟

ـ ١٤ ـ

جيش يعبر الماء بدعاء سعد

أرسل عمر بن الخطّاب رضى الله عنه جيشاً إلى مدائن كسرى ، فلمّا بلغوا شاطئ الدجلة لم يجدوا سفينة ، فقال سعد بن أبي وقّاص رضى الله عنه وهو أمير السريّة ، وخالد بن

__________________

(١) تاريخ ابن كثير : ٦ / ١٥٥ [٦ / ١٧١ ـ ١٧٢] ، نزهة المجالس : ٢ / ١٩١ ، وأوعز إليها ابنا الأثير وحجر في أُسد الغابة : ٤ / ٧ [٤ / ٧٤ رقم ٣٧٣٩] ، والإصابة : ٢ / ٤٩٨ [رقم ٥٦٤٢] فقالا : خاض البحر بكلماتٍ قالها ودعا بها. (المؤلف)

(٢) المنّة : القدرة والقوة.

١٥٠

الوليد رضى الله عنه : يا بحر إنّك تجري بأمر الله ، فبحرمة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعدل عمر رضى الله عنه إلاّ ما خلّيتنا والعبور. فعبروا هم وخيلهم وجمالهم فلم تبتلّ حوافرها (١).

قال الأميني : ليس في إمكان حوافر الخيل والجمال أن تبتلَّ بعد دعاء ذلك الرجل الإلهيّ العظيم ـ سعد ـ المتخلّف عن بيعة الإمام المعصوم ، والخارق لإجماع الأُمّة وهي لا تجتمع على الخطأ ، ولا سيّما إذا شفعته بزميله خالد بن الوليد الزاني الفاتك الهاتك صاحب المخازي والمخاريق ، وإلى الغاية لم يتّضح لنا أنّ الله تعالى بما ذا أبرَّ قسم الرجل؟ أبمجموع المقسم به من حرمة محمد وعدل عمر؟ بحيث كان إبرار القسم منبسطاً عليهما معاً على حدٍّ سواء. أم أنّه وليد القسم بحرمة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فحسب؟ لما نرتئيه من عدم قيام وزن لعدل عمر عند من أمعن النظرة في أفعاله وتروكه ، وقد أسلفنا نبذاً من ذلك في نوادر الأثر في الجزء السادس.

ـ ١٥ ـ

دعاء سعد يؤخّر أجله

أخرج ابن الجوزي في صفة الصفوة (٢) (١ / ١٤٠) من طريق لبيبة ، قال : دعا سعد فقال : يا ربّ إنّ لي بنين صغاراً فأخّر عنّي الموت حتى يبلغوا ، فأخّر عنه الموت عشرين سنة.

قال الأميني : ما أكرم أولاد سعد على الله وفيهم عمر بن سعد قاتل الإمام السبط الشهيد؟ فحقّا كان على الله أن يستجيب دعوة سعد ويؤخّر أجله حتى يربّي من له قدمٌ وأيّ قدم في قتل ريحانة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإبادة أهله.

وليتني أدري من الذي أخبر سعداً أو لبيبة أو من روى القصّة ومن حفظها بأنَ

__________________

(١) نزهة المجالس للصفوري : ٢ / ١٩١. (المؤلف)

(٢) صفة الصفوة : ١ / ٣٦٠ رقم ٩.

١٥١

سعداً قد أتاه أجله المحتوم الذي (إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) (١) (وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً) (٢) فأخّره الله عنه ببركة دعائه عشرين عاماً مدّة معيّنة؟ هل تجد مثل هذا العلم عند العاديّين من البشر أمثال سعد ولبيبة؟ وهل لكلّ ابن أُنثى طريق إلى الكشف عن تلكم المغيّبات؟ نعم ؛ ليس على الله بمستنكر أن يطلع على غيبه أيَّ إنسان خلق جهولاً سعيداً أو شقيّا ، (عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً* إِلاَّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ* فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً) (٣).

ـ ١٦ ـ

سحابة تروي وتنبت

عن الحسن البصري ، قال : مات هرم بن حيّان ـ في خلافة عثمان ـ في يوم صائف شديد الحرّ ، فلمّا نفضوا أيديهم عن قبره جاءت سحابة تسير حتى قامت على قبره فلم تكن أطول منه ولا أقصر ، فرشّته حتى روته ثم انصرفت.

وفي لفظ قتادة : أمطر قبر هرم بن حيّان من يومه ، وأنبت العشب من يومه (٤).

نحن لا نستعظم هذه الكرامة لهرم بن حيّان في مماته ، فإنَّ بقاءه في بطن أمّه أربع سنين (٥) أعظم وأعجب ، سبحان الخالق القادر.

__________________

(١) يونس : ٤٩.

(٢) آل عمران : ١٤٥.

(٣) الجنّ : ٢٦ ـ ٢٧.

(٤) حلية الأولياء : ٢ / ١٢٢ [رقم ١٦٨] ، صفة الصفوة : ٣ / ١٣٩ [٣ / ٢١٥ رقم ٤٨٨] ، الإصابة : ٣ / ٦٠١ [رقم ٨٩٤٦]. (المؤلف)

(٥) راجع تفسير روح البيان : ٤ / ٣٤٧. (المؤلف)

١٥٢

ـ ١٧ ـ

إبراهيم التيميّ يواصل أربعين

عن الأعمش ، قال : قلت لإبراهيم التيميّ المتوفّى (٩٢) : بلغني أنَّك تمكث شهراً لا تأكل شيئاً. فقال : نعم وشهرين ، وما أكلت منذ أربعين ليلة إلاّ حبّة عنب ناولنيها أهلي فأكلتها ثم لفظتها في الحال.

كذا في طبقات الشعراني (١) (١ / ٣٦) ، وفي إحياء العلوم للغزالي (٢) (١ / ٣٠٩) : إنَّه كان يمكث أربعة أشهر لم يطعم ولم يشرب.

لعلَّ النطس وعلماء الطبِّ يضحكون على هذه العقليّة السخيفة ، غير أنَّ قصّة الطوى عند القوم مشكلةٌ لا تنحلّ ، يحار دونها العقل ، ولا يسمع فيها قضاء الطبيعة ، ولا يتّخذ فيها الناموس المطّرد ممّا خلق الله عليه البشر ، ولا يصحّحها إلاّ المغالاة في الفضائل ، وهناك فئةٌ تضاهي إبراهيم التيميَّ في هذه الدعوى المجرّدة ، أو تربو عليه في الفضيلة ، وسيوافيك ذكر بعضها.

ـ ١٨ ـ

حافظ دعا على رجل فمات

روى غيلان بن جرير البصري : إنَّ رجلاً كذب على مطرف بن عبد الله الحافظ البصري المتوفّى سنة (٩٥) فقال مطرف : اللهمّ إن كان كاذباً فأمته ، فخرَّ مكانه ميّتاً (٣)

__________________

(١) الطبقات الكبرى : ١ / ٤١ رقم ٦٨.

(٢) إحياء علوم الدين : ١ / ٢٩٨.

(٣) طبقات الحفّاظ للذهبي : ١ / ٦٠ [١ / ٦٤ رقم ٥٤] ، دول الإسلام : ١ / ٤٧ [ص ٥٥ سنة ٩٥ ه‍] ، الإصابة : ٣ / ٤٧٩ [رقم ٨٣٢٤] ، تهذيب التهذيب : ١ / ١٧٣ [١٠ / ١٥٧]. (المؤلف)

١٥٣

قال الأميني : ليس هذا المستجاب دعوته ببعيد في القسوة عن أبي مسلم الخولاني الذي أعمى المرأة من غير ذنب ، والكذب وإن كان محرَّماً لكن ليس الجزاء عليه إعدام صاحبه ، وليس من السهل السائغ أن تستجاب دعوة كلِّ غير معصوم على من عاداه وفيهم من رجال الغضب الثائر مثل أبي مسلم الخولاني ومطرف البصري ، وإلاّ لوجب على الأُمّة المستجابة دعوتهم أن تدعو على الكذبة ، وعلى الله أن يجيبهم بقتل رواة هذه القصص ، فتشاد وتعمر بقاعٌ بأجداث كثيرين من الحفّاظ وأئمّة الحديث ورماة القول على عواهنه ، حتى تستريح أُمّة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من هذه السفاسف التي لا مقيل لها من الاعتبار ، ولا لها نهاية.

ـ ١٩ ـ

سحابة تظلّ كرز بن وبرة

عن أبي سليمان المكتب ، قال : صحبت كرز بن وبرة إلى مكة فكان إذا نزل أخرج ثيابه فألقاها في الرحل ثم تنحّى للصلاة فإذا سمع رغاء الإبل أقبل ، فاحتبس يوماً عن الوقت ، فانبثَّ أصحابه في طلبه فكنت فيمن طلبه ، قال : فأصبته في وهدة يصلّي في ساعة حارّة وإذا سحابةٌ تظلّه ، فلمّا رآني أقبل نحوي فقال : يا أبا سليمان لي إليك حاجة ، قال : قلت : وما حاجتك يا أبا عبد الله؟ قال : أُحبُّ أن تكتم ما رأيت. قال : قلت ذلك لك يا أبا عبد الله ، فقال : أوثق لي فحلفت ألاّ أُخبر به أحداً حتى يموت.

حلية الأولياء للحافظ أبي نعيم (٥ / ٨٠) ، الإصابة (٣ / ٣٢١).

ـ ٢٠ ـ

فقير يجعل الأرض ذهباً

عن الحسن البصري رحمة الله عليه ، قال : كان بعبادان رجلٌ فقيرٌ أسود يأوي إلى الخرابات فحصل معي شيءٌ فطلبته ، فلمّا وقعت عينه عليَّ تبسّم وأشار بيده إلى الأرض فصارت الأرض كلّها ذهباً تلمع ، ثم قال : هات ما معك. فناولته وهالني أمره

١٥٤

فهربت. الروض الفائق (ص ١٢٦).

اقرأ وتعجّب ، اضحك أو ابك.

ـ ٢١ ـ

الغطفاني ميت يتبسّم

عن الحارث الغنوي ، قال : آلى ربعي بن خراش الغطفاني المتوفّى (١٠١ ، ١٠٤) ، أن لا يضحك حتى يعلم في الجنّة هو أو في النار ، فلقد أخبرني غاسله أنَّه لم يزل متبسّماً على سريره ونحن نغسّله حتى فرغنا منه.

صفة الصفوة لابن الجوزي (٣ / ١٩) ، طبقات الشعراني (١ / ٣٧) ، تاريخ ابن عساكر (٥ / ٢٩٨) (١).

ـ ٢٢ ـ

عمر بن عبد العزيز في التوراة

عن خالد الربعي ، قال : مكتوبٌ في التوراة : إنَّ السماء والأرض لتبكي على عمر ابن عبد العزيز أربعين صباحاً.

الروض الفائق للحريفيش (ص ٢٥٥).

لعلَّ هذه الخاصّة لعمر بن عبد العزيز خاصّة بتوراة الربعي فإنَّ توراة موسى عليه‌السلام ما كانت موجودة في تلكم العصور ، فلا يقف عليها الربعي وغيره ، وأمّا التوراة المحرّفة فأيّ حجّة لما فيها من أساطير ، على أنَّ نسخ التوراة الموجودة الآن على اختلاف طبعاتها خاليةٌ عن ذا العزو المختلق.

__________________

(١) صفة الصفوة : ٣ / ٣٦ رقم ٣٩١ ، الطبقات الكبرى : ١ / ٤٣ رقم ٧٤ ، تاريخ مدينة دمشق : ١٨ / ٤٥ رقم ٢١٣٥ ، وفي مختصر تاريخ دمشق : ٨ / ٢٦٩.

١٥٥

وحسبك في عرفان خطر عمر بن عبد العزيز قول الإمام أحمد بن حنبل لمّا سُئل : أيّما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال : لغبارٌ لحق بأنف جواد معاوية بين يدي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خيرٌ من عمر بن عبد العزيز (١).

وقال عبد الله بن المبارك : ترابٌ في أنف معاوية أفضل من عمر بن عبد العزيز. وفي لفظ : لترابٌ في منخري معاوية مع رسول الله خيرٌ وأفضل من عمر بن عبد العزيز (٢) فما خطر رجل يكون تراب منخر ابن هند أو منخر جواده أفضل منه حتى يُذكر في التوراة ، أو تبكي عليه السماء والأرض أربعين يوماً؟ (فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ) (٣).

ـ ٢٣ ـ

رعاء الشاة في خلافة عمر بن عبد العزيز

قال اليافعي في روض الرياحين (٤) (ص ١٦٥) : حُكي أنّه لمّا ولي عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه الخلافة ، قال رعاء الشاة في رأس الجبال : من هذا الخليفة الصالح الذي قد قام على الناس؟ فقيل لهم : وما أعلمكم بذلك؟ قالوا : إنّه إذا قام خليفةٌ صالحٌ كفَّ الذئاب والأسد عن شياهنا.

قال الأمينيّ : ما أعرف السباع المفترسة في القرون الخالية بصالح الخلفاء من طالحهم ، حتى كفّت عن الفرس والعدوان جرياً على الصالح العامّ؟ وما أجهل به الإنسان الظلوم الجهول حتى حاد عنه وخاصمه وعانده وحاربه وقاتله؟ ولو كانت هذه السيرة مطّردة في السباع في كلِّ أدوار الحياة ، ولم يكن هذا الشعور الحيُّ من خاصّة سباع عصر عمر بن عبد العزيز ورعائه ، لكان لها أن تفني شياه الدنيا ولم

__________________

(١) شذرات الذهب : ١ / ٦٥ [١ / ٢٧٠ حوادث سنة ٦٠ ه‍]. (المؤلف)

(٢) تاريخ ابن كثير : ٨ / ١٣٩ [٨ / ١٤٨ حوادث سنة ٦٠ ه‍] ، الصواعق ص ١٢٧ [ص ٢١٣]. (المؤلف)

(٣) الدخان : ٢٩.

(٤) روض الرياحين : ص ٣٤٧ رقم ٣٦٣.

١٥٦

تبق منها شيئاً يوم [ولي] معاوية ويزيد وهلمّ جراً ، أو ارجع إلى الوراء القهقرى.

ـ ٢٤ ـ

كتاب براءة لعمر بن عبد العزيز

كان عمر بن عبد العزيز يأتي المساجد المهجورة في الليل فيصلّي فيها ما يسّر الله عزّ وجلّ ، فإذا كان وقت السحر وضع جبهته على الأرض ، ومرّغ خده على التراب ، ولم يزل يبكي إلى طلوع الفجر ، فلمّا كان في بعض الليالي فعل ذلك على العادة ، فلمّا فرغ ورفع رأسه من صلاته وتضرُّعه وجد رقعة خضراء قد اتّصل نورها بالسماء مكتوبٌ فيها : هذه براءةٌ من النار من الملك العزيز لعبده عمر بن عبد العزيز.

وأخرج ابن أبي شيبة بإسناده عن عبد العزيز بن أبي سلمة : إنَّ عمر بن عبد العزيز لمّا وضع عند قبره هبّت ريحٌ شديدةٌ فسقطت صحيفةٌ بأحسن كتاب فقرأوها فإذا فيها : بسم الله الرحمن الرحيم ، براءةٌ من الله لعمر بن عبد العزيز من النار. فأدخلوها بين أكفانه ودفنوها معه.

تاريخ ابن كثير (١) (٩ / ٢١٠) ، الروض الفائق للحريفيش (ص ٢٥٦).

وروى ابن عساكر (٢) في ترجمة يوسف بن ماهك ، قال : بينما نحن نسوّي التراب على قبر عمر بن عبد العزيز إذ سقط علينا من السماء كتابٌ فيه : بسم الله الرحمن الرحيم ، أمانٌ من الله لعمر بن عبد العزيز من النار.

قال الأميني : سوف يتبيّن الرشد من الغيِّ يوم العرض الأكبر.

__________________

(١) البداية والنهاية : ٩ / ٢٣٦ حوادث سنة ٩٤ ه‍.

(٢) مختصر تاريخ دمشق : ٢٨ / ٩٢.

١٥٧

ـ ٢٥ ـ

امرأة تلد بدعاء مالك ابن أربع سنين

أخرج البيهقي في السنن الكبرى (٧ / ٤٤٣) بإسناده عن هاشم المجاشعي ، قال : بينما مالك بن دينار ـ المتوفّى (١٢٣) وقيل غير ذلك ـ يوماً جالسٌ إذ جاءه رجلٌ فقال : يا أبا يحيى ادعُ لامرأة حبلى منذ أربع سنين قد أصبحت في كربٍ شديد ، فغضب مالك وأطبق المصحف ثم قال : ما يرى هؤلاء القوم إلاّ أنّا أنبياء ، ثم دعا فقال : اللهمّ هذه المرأة إن كان في بطنها ريحٌ فاخرجها عنها الساعة ، وإن كان في بطنها جاريةٌ فأبدلها بها غلاماً ، فإنّك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أُمّ الكتاب ، ثم رفع مالك يده ورفع الناس أيديهم ، وجاء الرسول إلى الرجل فقال : أدرك امرأتك ، فذهب الرجل ، فما حطّ مالكٌ يده حتى طلع الرجل من باب المسجد على رقبته غلامٌ جعد قطط ابن أربع سنين قد استوت أسنانه ما قطعت أسراره.

قال الأميني : ليس من المستحيل التلفّظ بالمحال ، لكن التقوى أو الحياء يزع كلّ منهما الإنسان عن أن يلهج بما هو خارجٌ عن مستوى المعقول. ألا من مُسائل هذا الراوي عن أنّ رحم المرأة هل فيها تمطّط فتبلغ من السعة ما يقلّ ابن أربع سنين وقد استوت أسنانه ونبت شعره ويركب الرقاب؟ وهب أنَّ فيها تمطّطاً فهل ما يحويها من بنية البدن له مثل ذلك التمطّط؟ فيجب عليه أن يكون في هيئة الحامل إذن تضخّم أكثر من النساء العاديات ، فهل كانت أُمّ الغلام هكذا؟ أو أنّها بقيت على حالتها وهي كرامة أخرى لأحد من عباد الله؟ سبحان الذي تولّى كلاءة هذه المرأة المسكينة عن أن تنكسر عظامها ، وتنقطع عروقها ، وينفتق جلدها ولحمها ، وقد فعل سبحانه ما أراد في الزمن الماضي.

ورحم الله مالك بن دينار لو لا دعاؤه للمرأة المسكينة لكان يبقى جنينها في

١٥٨

بطن أُمِّه أربعين عاماً أو إلى ما شاء الله.

ثم هل كان المولود في بطن أُمّه أُنثى فأبدله دعاء ابن دينار ذكراً؟ أو أنّه كان ذكراً ولا صلة للدعاء المذكور به ، وأنَّ الله هو الذي يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور؟ وإنَّ من المقطوع به أنّه في تلك الساعة كان قد أفرزت خلقة المولود وصوّر مثاله فلم يبق فيه بعدُ مجالٌ للتغيّر والتأثّر وأنّه إمّا ذكرٌ أو أُنثى ، فلا محلّ من الإعراب لدعاء ابن دينار ـ وإن كان في بطنها جارية فأبدلها بها غلاماً ـ غير أنّه دعا ، وهل كانت له هذه الدعوة المستجابة بعد الولادة أخذاً بقوله : إنّك تمحو ما تشاء وتثبت؟ لعلّها له وليس على الله بعزيز ، ولا يُسأل عمّا يفعل ، وهو على كلّ شيء قدير.

ـ ٢٦ ـ

ناصبيّ مستجاب الدعوة

قال الجريري سعيد بن إياس المتوفّى (١٤٤) : كان عبد الله بن شقيق العقيلي أبو عبد الرحمن البصري مجاب الدعوة ، كانت تمرُّ به السحابة فيقول : اللهمّ لا تجوز كذا وكذا حتى تمطر. فلا تجوز ذلك الموضع حتى تمطر. حكاه ابن أبي خيثمة في تاريخه.

تهذيب التهذيب (١) (٥ / ٢٥٤).

قال الأميني : لعلّك لا تستبعد إجابة دعوة وليّ من أولياء الله وتراها غير عزيز على المولى سبحانه كرامةً لصالحي عباده ، بيد أنَّ هذه النسبة تبعد من العقيلي بُعد المشرقين بعد ما عرفه الملأ ممّن نصب العداء لسيّد العترة ، قال ابن خراش : كان عثمانيّا يبغض عليّا ، وقال أحمد بن حنبل : كان يحمل على عليّ (٢). فأيّ كرامة لابن أُنثى لا يُوالي سيّد العرب أمير المؤمنين فضلاً عن أن يعاديه بعد ما ثبت عن النبيّ الأقدس

__________________

(١) تهذيب التهذيب : ٥ / ٢٢٤.

(٢) تهذيب التهذيب : ٥ / ٢٥٤ [٥ / ٢٢٤]. (المؤلف)

١٥٩

من الدعوة المستجابة بقوله في عليّ عليه‌السلام : «اللهمّ والِ من والاه وعادِ من عاداه» (١) ، وبعد عهد النبيِّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إليه سلام الله عليه أنّه لا يحبّه إلاّ مؤمنٌ ولا يبغضه إلاّ منافقٌ (٢) ، وبعد قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «يا عليُّ لا يبغضك مؤمنٌ ولا يحبّك منافق» (٣) ، وبعد قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لا يحبُّ عليّا المنافق ، ولا يبغضه مؤمن» (٤) ، وبعد قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لولاك يا عليُّ ما عُرِف المؤمنون بعدي» (٥) ، وبعد قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «والله لا يبغضه أحدٌ من أهل بيتي ولا من غيرهم من الناس إلاّ وهو خارجٌ من الإيمان» (٦) ، وبعد قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «يا عليُّ أنت سيّدٌ في الدنيا سيّدٌ في الآخرة ، حبيبك حبيبي وحبيبي حبيب الله ، وعدوّك عدوّي وعدوّي عدوّ الله ، والويل لمن أبغضك بعدي» (٧) ، وبعد قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «يا عليُّ طوبى لمن أحبّك وصدق فيك ، وويلٌ لمن أبغضك وكذب فيك» (٨). وبعد قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعليّ عليه‌السلام : «من أحبّك أحبّني ، ومن أبغضك أبغضني» (٩) إلى أحاديث جمّة.

فكيف يسع لمسلم يصدِّق رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في أقواله هذه أن يذعن لكرامة ابن شقيق مبغض عليّ عليه‌السلام والمتحامل عليه بالوقيعة فيه ، ويراه مستجاب الدعوة ، نافذ المشيئة في السحاب. نعم يسوِّغه الغلوّ في الفضائل لا عن دراية.

وأمّا الجريري راوي هذه المهزأة فقد عرفت في ما مرَّ في هذا الجزء أنّه اختلط قبل موته بثلاث سنين ، وهذه الرواية من آيات اختلاطه.

__________________

(١) راجع حديث الغدير في الجزء الأول من كتابنا هذا. (المؤلف)

(٢) راجع ما أسلفناه في الجزء الثالث : ص ١٨٣. (المؤلف)

(٣) راجع ما مرّ في الجزء الثالث : ص ١٨٥. (المؤلف)

(٤) راجع : ص ١٨٥ من الجزء الثالث. (المؤلف)

(٥) راجع : ص ١٨٧ من الجزء الثالث. (المؤلف)

(٦) يأتي في مسند المناقب بمصادره. (المؤلف)

(٧) مستدرك الحاكم : ٣ / ١٢٨ [٣ / ١٣٨ ح ٤٦٤٠ وصحّحه ، ووثّق الذهبي رواته]. (المؤلف)

(٨) مستدرك الحاكم : ٣ / ١٣٥ [٣ / ١٤٥ ح ٤٦٥٧] وصحّحه. (المؤلف)

(٩) مستدرك الحاكم : ٣ / ١٤٢ [٣ / ١٥٣ ح ٤٦٨٦] صحّحه الحاكم والذهبي. (المؤلف)

١٦٠