الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ١١

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي

الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ١١

المؤلف:

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي


المحقق: مركز الغدير للدّراسات الإسلاميّة
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
المطبعة: فروردين
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٣١

اختصاصه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بجواز لعن من شاء بغير سبب ـ ، وقال القسطلاني (١) (١ / ٣٩٥) : كان له صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يقتل بعد الأمان ، وأن يلعن من شاء بغير سبب ، وجعل الله شتمه ولعنه قربة للمشتوم والملعون لدعائه عليه‌السلام. ألا يضحك ضاحكٌ على عقليّة هذا الأرعن؟ وأنّه كيف يكون ذلك وقد فرض أنَّ مصبَّ هاتيك الطعون مستوجبٌ للرحمة والحنان بالدعوة اللاحقة إيّاها؟ فما المجوِّز لنبيِّ الرحمة هتك ستار أُولئك وفضحهم على ملاً من الأشهاد من غير استحقاق على مرِّ الدهور؟ وهل الدعاء الأخير يرفع عنهم شية العار الملحقة بهم من الدعوة الأولى؟ وهل لإباحة تلكم الفواحش التي هي بذاتها فاحشة وقبائح عقليّة لا تقبل التخصيص لصاحب الرسالة معنى معقول؟ وهل هتك حرمات المؤمنين مع حفظ الوصف لهم والمبدأ فيهم ممّا يُستباح لأحد نبيّا كان أو غيره؟! أمّا أنا فلا أعرفه ، وأحسب أنَّ من ذهب إلى ذلك أيضاً مثلي في الجهل.

وهلاّ كان لرسول الله والحالة هذه أن ينصَّ بعد ما سبَّ من لا يستحقُّ أو لعنه أو جلده أو دعا عليه ، وبعد ما هدأت ثورة غضبه وأطفأ نيران سخطه على أنّ ذلك وقع في غير محلّه ، حتى لا يدنّس ساحة الأبرياء طيلة حياتهم بشية العار ووسمة الشنار ، ولا يُشوّه سُمعة أُناس نزهين في الملأ الدينيِّ أبد الدهر؟

وهلاّ كان للصحابة أن يستفهموا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جليّة الحال في كلِّ تلكم الموارد ليعرفوا وجه ما أتى به من الهتيكة : هل وقع في أهله ومحلّه؟ حتى لا يتّخذوا فعله مدركاً مطّرداً في الوقيعة والتحامل ، ولا يزري أحدٌ أحداً جهلاً منه بالموضوع اقتفاءً لأثره صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

وهلاّ كان لمثل أبي سفيان ومعاوية والحَكم ومروان وبقيّة ثمرات الشجرة الملعونة في القرآن ونظرائهم الملعونين بلسان النبيّ الأقدس أن يحتجّوا برواية مسلم

__________________

(١) المواهب اللدنيّة : ٢ / ٦٢٥.

١٢١

على من يعيّرهم بلعن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إيّاهم كعائشة أمّ المؤمنين وأمير المؤمنين وأبي ذر ووجوه الصحابة غيرهم؟

وهاهنا دقيقةٌ أخرى وهي : أنَّ اللعنات والطعون المتوجّهة في القرآن الكريم إلى أُناس عناهم الذكر الحكيم ونوّه بذلك الصادع الكريم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هل هي من الله تعالى كما زعموه في النبيّ الأقدس ومؤوّلة بمدائح ورحمات وقرب؟! فهي إلى جلالة أُولئك القوم وقداستهم أدلُّ من كونهم ملعونين مطرودين من ساحة رحمة الله تعالى ، وهل الله سبحانه أعطى عهداً بذلك وآلى على نفسه أن يجعلها رحمةً وزكاةً وقربةً؟ أم أنّها باقيةٌ على مداليلها التي هي ناصّة عليها؟! لا أدري ما ذا يقول القوم ، هل يسلبون الحقائق عن الألفاظ القرآنيّة كما سلبوها عن الألفاظ النبويّة؟! وفي ذلك ارتاجٌ لباب التفاهم وسدٌّ لطريق المحاورة ، غير أنَّ أحمال الكلام لم تراقبها دائرةُ المكوس ، فللمُتحذلق أن يقول ما شاء ، وللثرثار أن يلهج بما حبّذه الهوى ولا يكترث. نعوذ بالله من التقوّل بلا تعقّل.

٢٨ ـ عن مسرّة بن عبد الله الخادم ، قال : حدّثنا كردوس بن محمد الباقلاني عن يزيد بن محمد المروزي عن أبيه عن جدّه ، قال : سمعت أمير المؤمنين عليّا رضى الله عنه يقول ، فذكر خبراً فيه : بينا أنا جالس بين يدي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذ جاء معاوية فأخذ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم القلم من يدي فدفعه إلى معاوية ، فما وجدت في نفسي إذْ علمت أنَّ الله أمره بذلك.

ذكره ابن حجر في لسان الميزان (١) (٦ / ٢٠) وعدّه من موضوعات مسرّة بن الخادم فقال : متنٌ باطل وإسنادٌ مختلق.

وأخرج الخطيب في تاريخه (٢) من طريق مسرّة منقبة لأبي بكر وعمر فقال :

__________________

(١) لسان الميزان : ٦ / ٢٤ رقم ٨٣١٤.

(٢) تاريخ بغداد : ١٣ / ٢٧٢ رقم ٧٢٢٨.

١٢٢

هذا الحديث كذب موضوع والرجال المذكورون في إسناده كلّهم ثقاتٌ أئمّةٌ سوى مسرّة والحمل عليه فيه ، على أنّه ذكر سماعه من أبي زرعة بعد موته بأربع سنين (١).

٢٩ ـ عن أنس مرفوعاً : أنا مدينة العلم وعلي بابها ، ومعاوية حلقتها (٢).

زيّفه صاحب المقاصد ، وابن حجر في الفتاوى الحديثيّة (ص ١٩٧) ، والعجلوني في كشف الخفاء (١ / ٢٠٤).

وأكبر ظنّي أنّ مختلق هذه الخرافات لا يبتغي إلاّ الاستهزاء بما جاء عن النبيِّ الأعظم من الفضائل في رجال لهم الكفاءة لها وحياً من الله العزيز ، ولا يذهب على أيّ جاهل أنّ ابن هند لا يقدّس ساحة رجاسته ألف تمحّل ، واختلاق ألف حديث مثل هذه ، وهو بعدُ معاوية ، وهو بعدُ ابن هند ، وهو بعدُ هو هو.

٣٠ ـ أخرج الطبراني (٣) من طريق عبد الرحمن بن أبي عميرة المزني أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لمعاوية : اللهمّ علّمه الكتاب والحساب وقه العذاب.

وفي لفظ الترمذي (٤) : اللهمّ اجعله هادياً مهديّا واهدِ به ، وبهذا اللفظ أخرجه ابن عساكر في تاريخه (٥) (٢ / ١٠٦).

زيّفه ابن عبد البرّ في الاستيعاب (٦) وقال : لا يثبت. راجع ما أسلفناه في الجزء العاشر (ص ٣٧٦).

٣١ ـ عن عبد الرحمن بن أبي عميرة مرفوعاً : يكون في بيت المقدس بيعة هدى.

__________________

(١) راجع الجزء الخامس من الغدير : ص ٢٥٩ الطبعة الأولى [ص ٤٨٦ من هذه الطبعة]. (المؤلف)

(٢) المقاصد الحسنة : ص ١٢٤ ح ١٨٩ ، الفتاوى الحديثية : ص ٢٦٩.

(٣) المعجم الكبير : ١٨ / ٢٥١ ح ٦٢٨.

(٤) سنن الترمذي : ٥ / ٦٤٥ ح ٣٨٤٢.

(٥) تاريخ مدينة دمشق : ٦ / ٦٢ رقم ٢٩٦ ، وفي مختصر تاريخ دمشق : ٣ / ٣١٦.

(٦) الاستيعاب : القسم الثاني / ٨٤٣ رقم ١٤٤٥.

١٢٣

أخرجه ابن سعد (١) عن الوليد بن مسلم عن شيخ من أهل دمشق عن يونس ابن ميسرة بن جليس عن عبد الرحمن (٢).

أنظر إلى سلسلة الشاميّين في إسناد هذه المفتعلة : يروي الوليد مولى بني أُميّة عالم الشام الذي كان كثير الخطأ ، يروي عن الكذّابين ثم يدسّها عنهم ، روى الأوزاعي عن ضعفاء أحاديث مناكير فأسقطهم الوليد وصيّرها من رواية الأوزاعي ، وكان رفّاعاً اختلط عليه ما سمع وما لم يسمع وكانت له منكرات (٣) عن شيخ من أهل الشام لا يعرفه إنس ولا جان ، عن يونس الأعمى الشامي الذي أدرك معاوية وروى عنه واستمرأ رضائخه ، عن عبد الرحمن الذي لا تثبت أحاديثه ولا تصحّ صحبته كما قاله ابن عبد البرّ.

أفهل يروي مثل هذه الأُضحوكة إلاّ أمثال هؤلاء؟ وهل تروى إلاّ بمثل هذا الإسناد الوعر؟ وهل تدري أيّ بيعة غاشمة يراها النبيُّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ العياذ بالله ـ بيعة هدى؟ هي ذلك الملك العضوض الذي كان يُنبئ عنه الصادع الكريم ، ويحضّ أصحابه على قتال صاحبه ، بيعة الطليق ابن الطليق التي كانت قوامها البراءة عن ولاية الله الكبرى ولاية أمير المؤمنين التي جاء بها الكتاب الكريم ، وأكمل الله بها الدين ، وأتمّ بها النعمة ، وقرنها بولايته وولاية رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، بيعة عمّت شؤمها الإسلام ، وزرعت في قلوب أهلها الآثام ، وخلطت الحلال بالحرام ، وأباحت الأموال والدماء للطلقاء واللعناء ، وجرّت الويلات على عترة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعلى أُمّته حتى اليوم.

__________________

(١) الطبقات الكبرى : ٧ / ٤١٧.

(٢) الإصابة : ٢ / ٤١٤ [رقم ٥١٧٧ وفيه : حليس ، والظاهر أنه سهو طباعي. والصحيح حَلْبَس كما ضبطه ابن حجر في تهذيب التهذيب : ١١ / ٣٩٤ والمزّي في تهذيب الكمال : ٣٢ / ٥٤٤ رقم ٧١٨٥ وآخرون ، وقد مرَّ في الصحيفة ١١١ ما أخرج له الطبراني من مناقب معاوية ح ٢٥ وأسماه ابن حلبس]. (المؤلف)

(٣) تهذيب التهذيب : ١١ / ١٥١ ـ ١٥٥ [١٣٥ ـ ١٣٦]. (المؤلف)

١٢٤

٣٢ ـ أخرج ابن عساكر (١) قال : أنبأنا أبو بكر محمد بن محمد ، أنبأنا أبو بكر محمد بن عليّ ، أنبأنا أبو الحسين أحمد بن عبد الله ، أنبأنا أحمد بن أبي طالب ، حدّثني أبي ، حدّثني أبو عمرو السعيدي ، حدّثنا عليّ بن روح ، حدّثنا عليّ بن عبيد العامري ، حدّثنا جعفر بن محمد وهو الأنطاكي ، حدّثنا إسماعيل بن عياش عن تمام بن نجيح الأسدي عن عطاء عن ابن عمر قال : كنت مع النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ورجلان من أصحابه فقال : لو كان عندنا معاوية لشاورناه في بعض أمرنا ، فكأنّهما دخلهما من ذلك شيء ، فقال : إنّه أُوحي إليَّ أن أُشاور ابن أبي سفيان في بعض أمري ، والله أعلم (٢).

قال الأميني : في الإسناد جمع من المجاهيل ، وفيه جعفر بن محمد الأنطاكي ليس بثقة (٣) وإسماعيل بن عيّاش الحمصي وثّقه جماعة غير أنَّ الجوزجاني قال : أمّا إسماعيل فما أشبه حديثه بثياب نيسابور يرقم على الثوب المائة وأقل وشراؤه دون عشرة ، وكان أروى الناس عن الكذّابين.

وقال أبو إسحاق الفزاري : لا تكتب عن إسماعيل ما روى عن المعروفين ولا غيرهم. وقال : ذاك رجلٌ لا يدري ما يخرج من رأسه. وقال ابن المبارك : لا أستحلي حديثه. وقال ابن خزيمة : لا يحتجّ به. وقال الحاكم : هو مع جلالته إذا انفرد بحديث لم يقبل منه لسوء حفظه. وقال عليّ بن حجر : ابن عيّاش حجّة لو لا كثرة وهمه. إلى آخر ما مرَّ في هذا الجزء صفحة (٨٢).

وفيه : تمام بن نجيح الدمشقي. قال أحمد (٤) : ما أعرفه. قال حرب : يعني ما أعرف حقيقة حاله. وقال أبو زرعة : ضعيف. وقال أبو حاتم (٥) : منكر الحديث

__________________

(١) مختصر تاريخ دمشق : ٢٥ / ٨.

(٢) اللآلئ المصنوعة للسيوطي : ١ / ٤٢١. (المؤلف)

(٣) لسان الميزان : ٢ / ١٢٤ [٢ / ١٥٦ رقم ٢٠٤٩]. (المؤلف)

(٤) أنظر : الجرح والتعديل.

(٥) الجرح والتعديل : ٢ / ٤٤٥ رقم ١٧٨٨.

١٢٥

ذاهب. وقال البخاري (١) : فيه نظر. وقال ابن عديّ (٢) : عامّة ما يرويه لا يتابعه عليه الثقات وهو غير ثقة. وقال ابن حبّان (٣) : روى أشياء موضوعة عن الثقات كأنَّه المعتمد لها. وقال البزّار : ليس بقويّ. وقال العقيلي (٤) : يحدِّث بمناكير. وقال الآجري عن أبي داود : له أحاديث مناكير (٥).

٣٣ ـ أخرج ابن عساكر (٦) بالإسناد ، قال : أنبأنا أبو الحسن القرضي ، حدّثنا أبو القاسم بن العلاء ، أنبأنا أبو بكر عبد الله بن أحمد بن عثمان بن خلف ، حدثنا أبو زرعة محمد بن أحمد بن أبي عصمة ، حدّثنا أحمد بن عليّ ، حدّثنا عليّ بن محمد الفقيه : حدّثنا محرز بن عون ، حدّثنا شبابة عن محمد بن راشد عن مكحول ، قال : دفع النبيُّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى معاوية سهمين فقال : خذ هذين السهمين سهمي الإسلام فتلقّني بهما في الجنّة ، فلمّا مات معاوية جعلا معه في قبره ، ولمّا حلق النبيُّ رأسه بمنى دفع إلى معاوية من شعره فصانه ، فلمّا مات معاوية جعل شعر النبيِّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على عينيه والله أعلم (٧).

قال الأميني : هذا الإسناد باطلٌ مزيّف ، وهو مع ذلك غير مسند الأخير ، إذ مكحول الدمشقي حديثه مرسلٌ والرجل ليس بصحابيّ ، ذكره ابن سعد (٨) في الطبقة الثالثة من تابعي أهل الشام ، وهو قدريّ ضعيف يدلِّس.

وفي الإسناد محمد بن راشد الدمشقي ، وهو قدريُّ من أهل الورع والنسك ولم يكن الحديث من صنعته ، وكثر المناكير في روايته فاستحقَّ الترك. وقال الدارقطني :

__________________

(١) التاريخ الكبير : ٢ / ١٥٧ رقم ٢٠٤٦.

(٢) الكامل في ضعفاء الرجال : ٢ / ٨٤ رقم ٣٠٤.

(٣) كتاب المجروحين : ١ / ٢٠٤.

(٤) الضعفاء الكبير : ١ / ١٦٩ رقم ٢١٠.

(٥) تهذيب التهذيب : ١ / ٥١٠ [١ / ٤٤٨]. (المؤلف)

(٦) مختصر تاريخ دمشق : ٢٥ / ١١.

(٧) اللآلئ المصنوعة : ١ / ٤٢٢. (المؤلف)

(٨) الطبقات الكبرى : ٧ / ٤٥٣.

١٢٦

يُعتبرُ به. وقال ابن خراش : ضعيف الحديث (١).

وفيه شبابة الفزاري كان يدعو إلى الإرجاء ويقول به ، تركه أحمد ولم يكتب عنه وكان يحمل عليه ولا يرضاه ، وقال أبو حاتم (٢) : يكتب حديثه ولا يحتجُّ به. وقال أبو بكر الأثرم عن أحمد بن حنبل : كان يدعو إلى الإرجاء وحكي عنه قولٌ أخبث من هذه الأقاويل قال : إذا قال فقد عمل بجارحته. وهذا قول خبيث ما سمعت أحداً يقوله ، قيل له : كيف كتبت عنه؟ قال : كتبت عنه شيئاً يسيراً قبل أن أعلم أنّه يقول بهذا. وقبل كلّ هذا كان الرجل يبغض أهل البيت الطاهر ، ومات بإصابة الدعوة عليه فلجاً (٣).

وفي الإسناد مجاهيل لا يُعرفون ولا يوجد لهم ذكرٌ في المعاجم.

٣٤ ـ أخرج إسحاق بن محمد السوسي من طريق محمد بن الحسن بالإسناد مرفوعاً : إنَّ معاوية يُبعث نبيّا من حلمه وائتمانه على كلام ربِّي.

زيّفه ابن حَجر في لسان الميزان (٤) (٥ / ١٢٥) وقال : محمد بن الحسن لعلّه النقّاش صاحب التفسير فإنّه كذّابٌ أو هو آخر من الدجاجلة.

٣٥ ـ قال سعيد بن المسيِّب : من مات محبّا لأبي بكر وعمر وعثمان وعليّ ، وشهد للعشرة بالجنّة ، وترحّم على معاوية ، كان حقّا على الله أن لا يناقشه الحساب.

تاريخ ابن كثير (٥) (٨ / ١٣٩).

قال الأميني : فأوّل من يناقشه الله الحساب إن صدق هذا الحلم هو النبيّ

__________________

(١) تهذيب التهذيب : ٩ / ١٥٩ [٩ / ١٤٠]. (المؤلف)

(٢) الجرح والتعديل : ٤ / ٣٩٢ رقم ١٧١٥.

(٣) تهذيب التهذيب : ٤ / ٣٠١ [٤ / ٢٦٤]. (المؤلف)

(٤) لسان الميزان : ٥ / ١٤٢ رقم ٧٢٠٧.

(٥) البداية والنهاية : ٨ / ١٤٨ حوادث سنة ٦٠ ه‍.

١٢٧

الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ووصيّه أمير المؤمنين عليه‌السلام للعنهما معاوية كما عرفت حديثه ، ويلحقهما في ذلك عيون الصحابة العدول المتقرِّبين إلى الله بالوقيعة في هذا الإنسان ، بل يحقُّ على الله أن يناقش الحساب كلّ مؤمن صالح مرضيّ عنده لنقمتهم على ابن آكلة الأكباد وأفعاله وتروكه ، وذكرهم إيّاه بكلِّ مخزاة وبائقة بكرةً وعشيّا.

وهل على الله أن لا يناقش ابن أبي سفيان الحساب أخذاً بهذا الحكم الباتِّ التافه؟ وهل قنوت الرجل بلعن عليّ أمير المؤمنين وسبِّه إيّاه ووقيعته فيه وتحامله عليه ودعوته الناس إلى مقته وعداه وخروجه عليه بالسيف وقتاله إيّاه ، إلى تلكم الفواحش المبثوثة في صحيفة تاريخ الرجل السوداء من بوائقه وموبقاته مع شيعة أمير المؤمنين عليه‌السلام ، كانت كلّها آية حبّه إيّاه ورمز شهادته له بالجنّة ، وبذلك استوجب الترحّم عليه؟

وهل كان تقاعسه عن نصرة عثمان ، وتثبّطه عن الدفاع عنه ، وإيصائه بذلك قائد جيوشه عن آيات حبّه إيّاه ، وشهادته له بالجنّة ، وموجبات الترحّم عليه؟ نعوذ بالله من التقوّل بلا تدبّر.

٣٦ ـ قال سعيد بن يعقوب الطالقاني : سمعت عبد الله بن المبارك يقول : ترابٌ في أنف معاوية أفضل من عمر بن عبد العزيز. ولفظ : لترابٌ في منخري معاوية مع رسول الله خير وأفضل من عمر بن عبد العزيز.

تاريخ ابن كثير (١) (٨ / ١٣٩).

وسُئل أحمد بن حنبل إمام الحنابلة : أيّما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال : لَغبارٌ لحق بأنف جواد معاوية بين يدي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خيرٌ من عمر بن عبد العزيز.

شذرات الذهب (٢) (١ / ٦٥).

__________________

(١) البداية والنهاية : ٨ / ١٤٨ حوادث سنة ٦٠ ه‍.

(٢) شذرات الذهب : ١ / ٢٧٠ حوادث سنة ٦٠ ه‍.

١٢٨

قال الأميني : إنَّ الحريَّ بعرفان معاوية ومكانته من الفضيلة هم أُولئك الذين عاصروه وشاهدوه من كثب ، والذين رأوا بوائقه واطّلعوا على مخازيه بين ثنايا المشاهدة ، والذين أدركوا أصله ومحتده وعرفوا نفسيّاته وملكاته ، ولن تجد فيهم رجل صدق يقيم له وزناً أو يرى له كرامة ، ويحقُّ أن تسألهم عنه ، لا ابني حنبل ومبارك اللذين أوفر حظّهما من أخبار معاوية السماع أو ركوب العصبيّة العمياء ، وأنت إذا أمعنت النظرة فيما أسلفناه ممّا قيل فيه وذكر عنه ظهرت لك جليّة الحال وعرفت البون الشاسع بين كلمة الرجلين وبين هاتيك الكلم الجوامع المعربة عن حقيقة الرجل وعُجره وبُجره.

٣٧ ـ قال بعض السلف : بينا أنا على جبل بالشام إذ سمعت هاتفاً يقول : من أبغض الصدّيق فذاك زنديق ، ومن أبغض عمر فإلى جهنّم زمراً ، ومن أبغض عثمان فذاك خصمه الرحمن ، ومن أبغض عليّا فذاك خصمه النبيُّ ، ومن أبغض معاوية سحبته الزبانية إلى جهنّم الحامية ، يرمى به في الحامية الهاوية.

تاريخ ابن كثير (١) (٨ / ١٤٠).

عجباً لبيئة دمشق التي لا تربِّي إلاّ الروح الأمويّة الممقوتة هي وأهلها وضواحيها وجبالها ، ومن يهتف بها من شيطان مريد أو إنسان عنيد ، أو مشاغب عن الحقِّ والصلاح بعيد ، وبُعداً لمن يحتجّ في أُمور الدين بالهاتف المجهول ، وطيف الخيال الممجوج ، ويضرب عن الحقائق الراهنة صفحاً ، ويطوي عن البرهنة الصادقة كشحاً.

٣٨ ـ قال بعضهم : رأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعنده أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاوية إذ جاء رجلٌ فقال عمر : يا رسول الله هذا يتنقّصنا فكأنَّه انتهره رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال : يا رسول الله إنّي لا أتنقّص هؤلاء ولكن هذا ـ يعني معاوية ـ فقال : ويلك! أوَليس هو من أصحابي؟ قالها ثلاثاً. ثم أخذ رسول الله حربةً فناولها معاوية

__________________

(١) البداية والنهاية : ٨ / ١٤٩ حوادث سنة ٦٠ ه‍.

١٢٩

فقال : جأ بها (١) في لبّته ، فضربه بها ، وانتبهت فبكرت إلى منزلي فإذا ذلك الرجل قد أصابته الذبحة من الليل ومات ، وهو راشد الكندي.

تاريخ ابن كثير (٢) (٨ / ١٤٠).

قال الأميني : عجباً من حفّاظ قوم وأئمّة مذهب يغرّون بسطاء الأُمّة بأضغاث الأحلام ، ويموّهون على الحقائق الراهنة بالترّهات ، ويسوِّدون صحائف التاريخ بالتافه الواهي ، ويشوِّهون سمعة الصحابة ويدنّسون ساحة قدس صلحائهم بعدِّ ابن هند الخمّار الربَّاء من زمرتهم ، وجعله وإيّاهم عكمي بعير ، قاتل الله الجهل.

ليتني أدري أنّ الذي شهده هذا الرجل في طيف الخيال هل هو ذلك النبيّ الأقدس صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي كان ينتقص هو معاوية ويلعنه في يقظته وانتباهته ، وقد تطابق في ابن هند لسان حاله والمقال ، أم هو غيره؟ انتظر هاهنا حتى يوافيك الجواب عن صاحب الرؤيا ولا أظنّ.

وليتني عرفت ما مصير عدول الصحابة مناوئي معاوية ومنتقصيه بألسنةٍ حداد ، والداعين عليه في صلواتهم جهاراً ، والمتحاملين عليه في كلّ ندوة ومجتمع؟ هل انتهرهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وناول معاوية حربة وجأ بها في لبّتهم؟!

٣٩ ـ وجد أبو الفتح يوسف القوّاس في كتبه جزءاً له فيه فضائل معاوية وقد قرضته الفأرة ، فدعا الله تعالى على الفأرة التي قرضته ، فسقطت من السقف ولم تزل تضطرب حتى ماتت.

تاريخ بغداد للخطيب الحافظ (١٤ / ٣٢٧).

هلمَّ واضحك على عقليّة هذا الحافظ المعتوه الذي يرى من كرامة معاوية على

__________________

(١) من : وَجَأ أي ضرب.

(٢) البداية والنهاية : ٨ / ١٤٩ حوادث سنة ٦٠ ه‍.

١٣٠

الله أن أهلك لأجله فأرة قرضت جزءاً فيه فضائل معاوية ، وقد أصفق أئمّة الحديث كما أسلفناه على أنَّه لا يصحّ منها شيء ، وهل الفئران كلّفت بولاء ابن آكلة الأكباد ، والفأرة التي أصابتها الدعوة قد شذّت وخالفت أُمّتها وعادت معاوية فحقّت عليها كلمة العذاب؟ وهل المسكينة كانت عارفة بما في ذلك الجزء فأنكرته وسخطت عليه وقرضته وهي على بصيرة من أمرها ، وهل كانت لأبي الفتح القوّاس سابقة معرفة بتلك الفأرة فلمّا سقطت وماتت عرف أنَّها هي هي؟ إنّي أعظك أن تكون من الجاهلين.

٤٠ ـ قال الكلواذي في قصيدة له :

ولابن هندٍ في الفؤاد محبّةٌ

مغروسةٌ فليرغمنَّ مفنّدي

ردَّ عليه العلاّمة شهاب الدين أحمد الحفظي الشافعي بقوله :

قل لابن كلواذي وخيمِ الموردِ

أوقعتَ نفسك في الحضيضِ الأوهدِ

أفأنت تطمع يا سخيف العقل في

إرغامِ طه والوصيِّ المهتدي

والمسلمين الصادقي إيمانهم

بالله جلَّ وبالنبيّ محمدِ

أوَلست أنت القائلَ البيتَ الذي

تصلى به وهجَ السعيرِ المؤصدِ

(ولابن هندٍ في الفؤاد محبّةٌ

مغروسةٌ فليرغمنَّ مفنّدي)

أرأيت ويلك ذا يقين لا يفنّد

ما يفوه به لسان الأبعدِ

أوَهل ترى إلاّ بقلبِ منافقٍ

غُرِستْ محبّةُ عجلِك المتمرّدِ

أوَما علمت بأنَّ من أحببته

رأسُ البغاةِ وخصمُ كلِّ موحِّدِ

لعن الوصيَّ وبدّل الأحكامَ وار

تكب الكبائرَ باللسانِ وباليدِ

إنَّ المحبَّ مع الحبيبِ مقرُّه

ولسوف تعلمُ مستقرَّكَ في غدِ

فعليكما سخطُ الإلهِ ومقتُهُ

وعلى الذي بك في العقيدة يقتدي (١)

__________________

(١) تقوية الإيمان : ص ١٠٧ [١١٠ ـ ١١١]. (المؤلف)

١٣١

توجد جملةٌ ضافية من الآراء والأقوال الساقطة والأحلام الخياليّة التافهة في الثناء على ابن هند في تاريخ ابن كثير (١) (٨ / ١٣٩ ، ١٤٠) ، وتطهير الجنان واللسان عن الخطور والتفوّه بثلب معاوية بن أبي سفيان لابن حجر الهيتمي (٢) وغيرهما وفي المذكور غنىً وكفاية.

(فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ) (٣)

__________________

(١) البداية والنهاية : ٨ / ١٤٣ ـ ١٥٠ حوادث سنة ٦٠ ه‍.

(٢) طبع في هامش الصواعق المحرقة له [ص ٩ ـ ٢٨]. (المؤلف)

(٣) البقرة : ٧٩.

١٣٢

الغلوّ الفاحش

هاهنا ننهي البحث عن المغالاة في مناقب الخلفاء ، ويهمّنا عندئذٍ أن نوقف القارئ على شرذمة قليلة من الكثير الوافي ممّا نسجته يد الغلوّ من قصص الخرافة ، وما لفّقته الأهواء والشهوات من فضائل أُناس من القوم منذ عهد الصحابة وهلمّ جرّا ، ونلمسك باليد الغلوّ الفاحش :

ـ ١ ـ

زيد بن خارجة يتكلّم بعد الموت

أخرج البيهقي (١) بإسناده عن سعيد بن المسيّب : أنّ زيد بن خارجة الأنصاري توفّي زمن عثمان بن عفان فسجّي بثوبه ، ثم إنّهم سمعوا جلجلة في صدره ثم تكلّم ثم قال : أحمد أحمد في الكتاب الأوّل ، صدق صدق أبو بكر الصدّيق ، الضعيف في نفسه ، القويّ في أمر الله في الكتاب الأوّل ، صدق صدق عمر بن الخطّاب القويّ الأمين في الكتاب الأوّل ، صدق صدق عثمان بن عفّان على منهاجهم مضت أربع وبقيت ثنتان أتت بالفتن ، وأكل الشديد الضعيف ، وقامت الساعة ، وسيأتيكم عن جيشكم خبر بئر أريس ، وما بئر أريس؟!

وفي لفظ آخر (٢) من طريق النعمان بن بشير قال : الأوسط أجلد الثلاثة ، الذي

__________________

(١) دلائل النبوّة : ٦ / ٥٥ ، وانظر البداية والنهاية : ٦ / ١٧٣.

(٢) دلائل النبوّة : ٦ / ٥٦ ، وانظر البداية والنهاية : ٦ / ١٧٤.

١٣٣

كان لا يبالي في الله لومة لائم ، كان لا يأمر الناس أن يأكل قويّهم ضعيفهم ؛ عبد الله أمير المؤمنين صدق صدق كان ذلك في الكتاب الأوّل. ثم قال : عثمان أمير المؤمنين وهو يعافي الناس من ذنوب كثيرة ، خلت اثنتان وبقي أربع ، ثم اختلف الناس وأكل بعضهم بعضاً فلا نظام ، وانتجت الأكما (١) ، ثم ارعوى المؤمنون وقال : كتاب الله وقدره ، أيّها الناس : أقبلوا على أميركم واسمعوا وأطيعوا ، فمن تولّى فلا يعهدنّ دماً (٢) وكان أمر الله قدراً مقدوراً ، الله أكبر هذه الجنّة وهذه النار ، ويقول النبيّون والصدّيقون : سلامٌ عليكم يا عبد الله بن رواحة هل أحسست لي خارجة لأبيه وسعداً اللذين قتلا يوم أُحد؟ كلاّ إنَّها لظى نزّاعة للشوى تدعو من أدبر وتولّى وجمع فأوعى. ثم خفت صوته. فسألت الرهط عمّا سبقني من كلامه فقالوا : سمعناه يقول : أنصتوا أنصتوا. هذا أحمد رسول الله ، سلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته ، أبو بكر الصدّيق الأمين ، خليفة رسول الله كان ضعيفاً في جسمه قويّا في أمر الله صدق صدق ، وكان في الكتاب الأوّل. إلى آخره.

وفي لفظ القاضي في الشفا : قال : أنصتوا أنصتوا. محمد رسول الله النبيّ الأُمّي وخاتم النبيّين كان ذلك في الكتاب الأوّل. إلى آخره.

راجع (٣) : الاستيعاب (١ / ١٩٢) ، تاريخ ابن كثير (٦ / ١٥٦) ، الشفا للقاضي عياض ، الروض الأُنف (٢ / ٣٧٠) ، الإصابة (١ / ٥٦٥ و ٢ / ٢٤) ، تهذيب التهذيب (٣ / ٤١٠) ، الخصائص الكبرى (٢ / ٨٥) ، شرح الشفا للخفاجي (٣ / ١٠٨) فقال : هذا

__________________

(١) كذا في الطبعة التي اعتمدها المؤلف من البداية والنهاية ، وفي الطبعة المحققة المعتمدة لدينا وكذا في دلائل النبوّة : وأُبيحت الأحماء.

(٢) كذا في البداية والنهاية ، وفي دلائل النبوّة : فلا يعهدن ذمّا.

(٣) الاستيعاب : القسم الثاني / ٥٤٨ رقم ٨٤٤ ، البداية والنهاية : ٦ / ١٧٣ ، الشفا بتعريف حقوق المصطفى : ١ / ٦١٦ ، الروض الأُنف ٧ / ٥٧٥ ، تهذيب التهذيب : ٣ / ٣٥٣ ، الخصائص الكبرى : ٢ / ١٤٢ ، نسيم الرياض في شرح الشفا : ٣ / ١٠١ ، المعجم الكبير : ٥ / ٢١٩ ح ٥١٤٥ ، أُسد الغابة : ٢ / ٢٨٤ رقم ١٨٣١ ، المنتظم : ٣ / ١٨٥ رقم ٣٩.

١٣٤

مما رواه : الطبراني وأبو نعيم وابن منده ورواه ابن أبي الدنيا عن أنس. وحكاه (ص ١٠٥) عن ابن عبد البر وابن سيّد الناس وابن الأثير والذهبي وابن الجوزي وابن أبي الدنيا.

قال الأميني : نعمت الدعاية إلى مبادئ اعتنقها القوم ولم يقتنعوا بابتداعها حتى دعموها بأمثال هذه ، وللمنقّب أن يسهب في القول هاهنا لكنّا نحيله إلى رويّة القارئ. ولنا أن نُسائل صاحب هذه المهزأة : هل القيامة قد قامت يوم مات فيه ابن خارجة فكلّم الله فيه الموتى؟ أو كان ذلك جواباً عن مساءلة البرزخ قد سمعه الملأ الحضور؟ أو أنَّ عقيدة الإماميّة في مسألة الرجعة قد تحقّقت فرجع ابن خارجة ـ ولم يكن رجوعه في الحسبان ـ لتحقيق الحقائق ، غير أنّ تحقيقه إيّاها لم يعدُ التافهات؟ وهل كان ابن خارجة متأثّراً من عدم إشادته بأمر خلافة الخلفاء إبّان حياته وكان ذلك حسرة في قلبه حتى تداركه بعد الموت ، وكان من كرامته على الله سبحانه أن منحه بما دار في خلده وهو ميّت؟ أو أنَّ الله تعالى كلّمه لإقامة الحجّة على الأُمّة وأراه من الكتاب الأوّل ما لم يُره نبيّه الرسول الأمين ، وأرجأ هذا البلاغ لابن خارجة ومنحه ما لم يمنحه صاحب الرسالة الخاتمة ، وليت شعري لو كان ابن خارجة كشفت له عن الحقائق الراهنة الثابتة في الكتاب الأول ، وأذن له ربّه أن يبلّغ أُمّة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما فيه نجاحها ونجاتها ، فلما ذا أخفى عليها اسم رابع الخلفاء الراشدين ـ أو الخليفة الحقّ ـ ولم يذكره؟! أو من الذي أنساه إيّاه فجاء بلاغاً مبتوراً؟ أفتراه لم يأت ذكره في الكتاب الأوّل وما صدق وما صدق ، وهو نفس النبيّ الأعظم في الكتاب الثاني ، والمطهّر بآية التطهير ، وقد قرنت ولايته بولاية الله وولاية رسوله؟ إنّ هذا لشيء عجاب.

ولعلّك لا تعجب من هذه الهضيمة بعد ما علمت أنَّ سلسلة هذه الرواية تنتهي إلى سعيد بن المسيّب ونعمان بن بشير وهما هما ، وقد أسلفنا البحث عنهما وأنّهما في طليعة مناوئي أمير المؤمنين عليه‌السلام.

١٣٥

وهنا مشكلةٌ أخرى لا تنحلّ ألا وهي : أنَّ ابن خارجة توفّي في عهد عثمان وأيّام خلافته ، فهل الصحابة العدول أو عدول الصحابة رأوا هذه المكرمة من كثب وصدّقوها وأذعنوا بنبإ ابن خارجة العظيم ، ثم نسوها مع قرب عهدهم بها كما نسوا عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم غدير خم في مائة ألف أو يزيدون ، وأصفقوا على بكرة أبيهم المهاجر منهم والأنصار على قتل عثمان بعد تلك الحجّة البالغة وما شذَّ منهم محتجّا على المتجمهرين عليه بنبإ ابن خارجة ، كأن لم يكن شيئاً مذكوراً؟

وأنت تعرف مقدار عقليّة أُولئك الحفّاظ ومكانتهم من العلم والدين والثقة بروايتهم أمثال هذه المخازي وعدّهم إيّاها من الصحاح والمسانيد ، قاتل الله الحبَّ المعمي والمصمّ.

ـ ٢ ـ

أنصاريٌّ يتكلّم بعد القتل

أخرج البيهقي (١) في عدّ من تكلّم بعد الموت ، قال : أنبأنا أبو سعيد بن أبي عمر ، حدّثنا أبو العبّاس محمد بن يعقوب ، حدّثنا يحيى بن أبي طالب ، أنبأنا عليّ بن عاصم ، أنبأنا حصين بن عبد الرحمن ، عن عبد الله بن عبيد الأنصاري ، قال : بينما هم يُوارون القتلى يوم صفّين أو يوم الجمل إذ تكلّم رجلٌ من الأنصار من القتلى فقال : محمد رسول الله ، أبو بكر الصدّيق ، عمر الشهيد ، عثمان الرحيم. ثم سكت (٢).

قال الأميني : في الإسناد يحيى بن أبي طالب ، قال موسى بن هارون : أشهد أنّه يكذب عنّي في كلامه (٣). وعليّ بن عاصم ؛ قال خالد الحذّاء : كذّابٌ فاحذروه. وعن

__________________

(١) دلائل النبوّة : ٦ / ٥٨.

(٢) تاريخ ابن كثير : ٦ / ١٥٨ [٦ / ١٧٥]. (المؤلف)

(٣) لسان الميزان : ٦ / ٢٦٢ [٦ / ٣٢٢ رقم ٩١٥٩]. (المؤلف)

١٣٦

شعبة أنّه قال : لا تكتبوا عنه. وعن يحيى بن معين : كذّابٌ ليس بشيء ، وعنه : ليس بشيء ولا يحتجُّ به ، ليس ممّن يكتب حديثه. وقال يزيد بن هارون : ما زلنا نعرفه بالكذب ، وقال البخاري (١) : ليس بالقويِّ عندهم (٢).

والنظر في المتن لدة النظر في سابقه فيأتي هاهنا جميع ما ذكر هنالك فليس القتيل الأنصاري عن ابن خارجة ببعيد.

ـ ٣ ـ

شيبان يحيي حماره

عن الشعبي ، قال : خرج رجلٌ من النخع يقال له : شيبان في جيش على حمار له في زمن عمر ، فوقع الحمار ميّتاً ، فدعاه أصحابه ليحملوه ومتاعه فامتنع ، فقام فتوضّأ ثم قام عند رأسه فقال : اللهمّ إنّي أسلمت لك طائعاً ، وهاجرت مختاراً في سبيلك ابتغاء مرضاتك ، وإنَّ حماري كان يعينني ويكفيني عن الناس ، فقوِّني به ، وأحيه لي ، ولا تجعل لأحد عليَّ منّة غيرك. فنفض الحمار رأسه وقام فشدَّ عليه ولحق بأصحابه. وذكر ابن أبي الدنيا من طريق مسلم بن عبد الله النخعي قصّة مثل هذه وسمّى صاحب الحمار نباتة بن يزيد. وأخرج الحسن بن عروة قصّة حمار عن أبي سبرة النخعي وقال : أقبل رجلٌ من اليمن. إلى آخره.

تاريخ ابن كثير (٣) (٦ / ١٥٣ ، ٢٩٢) ، الإصابة (٢ / ١٦٩).

قال الأميني : ليس عزيزاً على الله أن يخلق في مجاهيل أُمّة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في عسكر عمر من يضاهي روح الله عيسى بن مريم يحيي الموتى بإذنه ولو كان المحيى

__________________

(١) التاريخ الكبير : ٦ / ٢٩٠ رقم ٢٤٣٥.

(٢) تهذيب التهذيب : ٧ / ٣٤٥ ـ ٣٤٨ [٧ / ٣٠٢ ـ ٣٠٥]. (المؤلف)

(٣) البداية والنهاية : ٦ / ١٧٠ ، ٣٢٤.

١٣٧

حماراً ، غير أنّ هذه وأمثالها تخصُّ برجال زمان أبي بكر وعمر وعثمان ومن بعدهم ممّن يحبّهم ويعتنق ولاءهم ، وإن جاء حديث في كرامة غيرهم فمن الصعب المستصعب قبوله ، والعقل والشرع والمنطق والبرهنة تأباه ، وهنالك يحقُّ كلُّ جلبة ولغط ، ويجري كلُّ ما يتصوّر من المناقشة في الحساب. لما ذا هي كلّها؟ أنا لا أدري وإن كان المحاسب يدري.

وللقوم قصّة حمار عدّوها من دلائل النبوّة ذكرها ابن كثير بالإسناد المتّصل في تاريخه (١) (٦ / ١٥٠) ونحن نذكرها محذوفة السند ونحيل البحث عنها إلى أُولي الألباب من الأُمّة المسلمة :

عن أبي منظور ، قال : لمّا فتح الله على نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خيبر أصابه من سهمه أربعة أزواج بغال ، وأربعة أزواج خفاف ، وعشر أواق ذهب وفضّة ، وحمار أسود ومكتل.

قال : فكّلم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الحمار فكلّمه الحمار ، فقال له : ما اسمك؟ قال : يزيد بن شهاب ، أخرج الله من نسل جدّي ستّين حماراً كلّهم لم يركبهم إلاّ نبيّ ، لم يبق من نسل جدّي غيري ، ولا من الأنبياء غيرك ، وقد كنت أتوقّعك أن تركبني ، قد كنت قبلك لرجل يهودي ، وكنت أعثر به عمداً ، وكان يجيع بطني ويضرب ظهري ، فقال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : سمّيتك يعفور ، يا يعفور ، قال : لبّيك. قال تشتهي الإناث؟ قال : لا. فكان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يركبه لحاجته فإذا نزل عنه بعث به إلى باب الرجل فيأتي الباب فيقرعه برأسه ، فإذا خرج إليه صاحب الدار أومأ إليه أن أجب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فلمّا قبض النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جاء إلى بئر كان لأبي الهيثم بن التيّهان فتردّى فيها فصارت قبره جزعاً منه على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

__________________

(١) البداية والنهاية : ٦ / ١٦٦.

١٣٨

ـ ٤ ـ

عصا أُسيد وعبّاد

عن أنس : كان أُسيد بن حضير ، وعبّاد بن بشر عند النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في ليلة ظلماء حندس ، فلما خرجا أضاءت عصا أحدهما فمشيا في ضوئها ، فلمّا افترقت بهما الطريق أضاءت عصا الآخر.

صحيح البخاري (٦ / ٣) ، إرشاد الساري (٦ / ١٥٤) ، طرح التثريب (١ / ٣٥) ، أُسد الغابة (٣ / ١٠١) ، تاريخ ابن كثير (٦ / ١٥٢) (١).

قال الأميني : أتصدّق أنَّ أحداً لم يكن من علية الصحابة كانت له هذه الكرامة الباهرة في أوليات الإسلام على عهد الصادع الكريم ، وتخفى على كلّ الناس وينحصر علمها بأنس ولم يروها غيره ، ولم تشتهر عنه في الملأ الديني؟!

أتصدّق أن يكون الرجلان بهذه المكانة الرابية من الفضيلة وهما من متأخّري المسلمين أسلما بالمدينة ، ولم يذكرهما نبيّ العظمة بتلك الكرامة ولو همساً ، ولم يعرّفهما أُمّته ولو ركزاً ، ولم يعرفهما رجال الدين بتلكم المكرمة طيلة حياة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

لعلّك لا يعزب عنك لما ذا استحقّ أُسيد هذه المنقبة ، وأنّها إنّما اختلقت بعد رسول الله للرجل لتقدّمه على المهاجرين والأنصار يوم السقيفة ببيعة أبي بكر ، وهو أوّل رجل من الأنصار بايع يوم ذاك وشقّ عصا المسلمين ، قال ابن الأثير (٢) : له في بيعة أبي بكر أثرٌ عظيم. وقال : كان أبو بكر الصدّيق يكرمه ولا يقدّم عليه أحداً. فهو

__________________

(١) صحيح البخاري : ٣ / ١٣٨٤ ح ٣٥٩٤ ، إرشاد الساري : ٨ / ٣١٦ ح ٣٨٠٥ ، أُسد الغابة : ٣ / ١٥١ رقم ٢٧٥٩ ، البداية والنهاية : ٦ / ١٦٨.

(٢) أُسد الغابة : ١ / ٩٢ [١ / ١١٢ رقم ١٧٠]. (المؤلف)

١٣٩

حريٌّ بتلك البيعة أن يُشرّف بوسام من محبّذي ذلك الانتخاب الدستوري الذي لم يكن عن جدارة ، كما استحقّ بها أبو عبيدة الجرّاح ـ حفّار القبور ـ أن يقبّل رجله عمر بن الخطّاب (١) ، ومن هنا تجد عائشة تثني على أُسيد بقولها : كان من أفاضل الناس. وقولها : ثلاثة من الأنصار لم يكن أحدٌ يعتدّ عليهم فضلاً بعد رسول الله : سعد ابن معاذ ، وأُسيد بن حضير ، وعبّاد بن بشر (٢) ، تقوله أُمّ المؤمنين وهي تعلم أنَّ من الأنصار بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقيةً صالحةً بدريين عقمت أُمُّ الدهور أن تأتي بمثلها كأبي أيّوب الأنصاري ، وخزيمة ذي الشهادتين ، وجابر بن عبد الله ، وقيس بن سعد ، إلى أُناس آخرين.

نعم ؛ هؤلاء لا يروق أُمّ المؤمنين ذكرهم لأنّهم علويّون في ولائهم ، وأمّا أُسيد فهو جديرٌ بهذه المدحة البالغة من أُمّ المؤمنين لنقضه عهد المصطفى في أخيه علم الهدى ، وتسرّعه إلى بيعة أبيها وتدعيمه خلافته ، فهو تيميُّ المبدأ والمنتهى. وعبّاد بن بشر لا تقصر خطواته في تلك الخلافة عن أُسيد ، وقد قُتل تحت راية أبي بكر يوم اليمامة ، ولعائشة ثناءٌ جميل عليه.

ـ ٥ ـ

خمر صارت عسلاً بدعاء خالد

عن الأعمش ، عن خيثمة ، قال : أُتي خالد بن الوليد برجل معه زقّ خمر ، فقال له خالد : ما هذا؟ فقال : عسل. فقال : اللهمّ اجعله خلاّ. فلمّا رجع إلى أصحابه قال : جئتكم بخمر لم يشرب خمرٌ مثله. ثم فتحه فإذا هو خلٌّ. فقال : أصابته والله دعوة خالد رضي الله عنه. وفي لفظ : اللهمّ اجعله عسلاً. فصار عسلاً.

__________________

(١) تاريخ ابن كثير : ٧ / ٥٥ [٧ / ٦٥ حوادث سنة ١٥ ه‍]. (المؤلف)

(٢) أُسد الغابة : ٣ / ١٠٠ [٣ / ١٥١ رقم ٢٧٥٩] ، مجمع الزوائد : ٩ / ٣١٠. (المؤلف)

١٤٠