🚘

الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ١٠

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي

الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ١٠

المؤلف:

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي


المحقق: مركز الغدير للدّراسات الإسلاميّة
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
المطبعة: فروردين
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٣٠
🚘 نسخة غير مصححة

الجامع الصغير (١)

فما قيمة صحابيّ لا ينتجع ممّا جاء عن النبيّ الأقدس صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الكثير الصحيح في الناكثين والقاسطين والمارقين؟ ولم يرقطّ قيمة لتلكم النصوص ، ويضرب عنها صفحاً ولم يتبصّر بها في دينه ، ويتترّس تجاه ذلك الحكم البات النبويّ عن التقاعس عن تلك المشاهد بأنّها فتنة (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ) (٢).

لقد ذاق ابن عمر وبال أمره بتركه واجبه من البيعة لمولانا أمير المؤمنين صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والتبرّك بيده الكريمة التي هي يد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو خليفته بلا منازع ، وبتركه الائتمام به والدخول في حشده ، وهو نفس الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والبقيّة منه ، بذلّ البيعة لمثل الحجّاج الفاجر ، فضرب الله عليه الذلّة والهوان هاهنا ، حتى إنّ ذلك المتجبّر الكذّاب المبير لم ير فيه جدارة بأن يناوله يده فمدّ إليه رجله فبايعها! وأخذه الله بصلاته خلفه وخلف نجدة المارق من الدين ، وحسبه بذينك هواناً في الدنيا ولعذاب الآخرة أشدّ وأبقى ، وكان من أخذه سبحانه إيّاه أن سلّط عليه الحجّاج فقتله وصلّى عليه (٣) ويا لها من صلاة مقبولة ودعاء مستجاب من ظالم غاشم.

معذرة أخرى لابن عمر :

ولابن عمر معذرة أخرى ، أخرج أبو نعيم في الحلية (١ / ٢٩٢) من طريق نافع عن ابن عمر أنّه أتاه رجل فقال : يا أبا عبد الرحمن أنت ابن عمر وصاحب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فما يمنعك من هذا الأمر؟ قال : يمنعني أنّ الله تعالى حرّم عليّ دم المسلم

__________________

(١) الجامع الصغير : ١ / ٦٣٨ ح ٤١٤٨.

(٢) العنكبوت : ٢.

(٣) الاستيعاب : ١ / ٣٦٩ [القسم الثالث / ٩٥٣ رقم ١٦١٢] ، أُسد الغابة : ٣ / ٢٣٠ [٣ / ٣٤٤ رقم ٣٠٨٠]. (المؤلف)

٨١

قال : فإنّ الله عزّ وجلّ يقول : (وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ) (١). قال : قد فعلنا وقد قاتلناهم حتى كان الدين لله ، فأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى يكون الدين لغير الله.

وأخرج في الحلية (١ / ٢٩٤) من طريق القاسم بن عبد الرحمن : أنّهم قالوا لابن عمر في الفتنة الأولى : ألا تخرج فتقاتل؟ فقال : قد قاتلت والأنصاب بين الركن والباب حتى نفاها الله عزّ وجلّ من أرض العرب ، فأنا أكره أن أُقاتل من يقول لا إله إلاّ الله.

دع ابن عمر يحسب نفسه أفقه من كلّ الصحابة من المهاجرين الأوّلين والأنصار الذين باشروا الحرب مع أمير المؤمنين صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في تلكم المعامع ، ولكن هل كان يجد نفسه أفقه من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حيث أمر أصحابه بمناصرة مولانا أمير المؤمنين عليه‌السلام فيها ، وأمره ـ صلوات الله عليه ـ بمباشرة هاتيك الحروب الدامية ، ونهى عن التثبّط عنها. وهل كان صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يعلم أنّ المقاتلين من الفئتين من أهل لا إله إلاّ الله فأمر بالمقاتلة مع عليّ عليه‌السلام؟ أو عزب عنه علم ذلك فأمر بإراقة دماء المسلمين؟ غفرانك اللهمّ.

وهل علم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأنّ نتيجة ذلك القتال أن يكون الدين لغير الله فحضّ عليه؟

أو فاته ذلك لكن علمه ابن عمر فتجنّبه؟ أعوذ بالله من شطط القول.

وما أشبه اعتذار ابن عمر باعتذار أبيه يوم أمره رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقتل ذي الثدية رأس الخوارج ، فما قتله واعتذر بأنّه وجده متخشّعاً واضعاً جبهته لله. راجع الجزء السابع (ص ٢١٦).

ثم إنّ كون الدين لغير الله ، هل كان من ناحية مولانا أمير المؤمنين علي ، وكان

__________________

(١) البقرة : ١٩٣.

٨٢

هو وأصحابه يريدونه؟ أو من ناحية مناوئيه ومن بغى عليه من الفئة الباغية؟ والأوّل لا يتّفق مع ما جاء في الكتاب الكريم والسنّة الشريفة في حقّ الإمام عليّ عليه‌السلام وفي مواليه وتابعيه ومناوئيه ، وفي خصوص الحروب الثلاث ، كما هو مبثوث في مجلّدات كتابنا هذا ، وإن ذهل أو تذاهل عنها ابن عمر.

وإن كان يريد الثاني فلما ذا بايع معاوية بعد أن تقاعد عن بيعة أمير المؤمنين عليه‌السلام؟ هذه أسئلة ووجوه لا أدري هل يجد ابن عمر عنها جواباً في محكمة العدل الإلهي؟ لا أحسب ، ولعلّه يتخلّص عنها بضؤولة العقل المسقط للتكليف.

وأعجب من هذه كلها ما جاء به أبو نعيم في الحلية (١ / ٣٠٩) من قول ابن عمر : إنّما كان مثلنا في هذه الفتنة كمثل قوم كانوا يسيرون على جادّة يعرفونها ، فبينما هم كذلك إذ غشيتهم سحابة وظلمة ، فأخذ بعضهم يميناً وشمالاً فأخطأ الطريق ، وأقمنا حيث أدركنا ذلك حتى جلّى الله ذلك عنّا ، فأبصرنا طريقنا الأوّل فعرفنا وأخذنا فيه ، وإنّما هؤلاء فتيان قريش يقتتلون على هذا السلطان وعلى هذه الدنيا ، ما أُبالي أن لا يكون لي ما يقتل (١) بعضهم بعضاً بنعلي هاتين الجرداوين.

ليت شعري متى غشيت الأُمّة سحابة وظلمة فأقام الرجل حيث أدرك ذلك؟ أعلى العهد النبويّ وهو أصفى أدوار الجوّ الدينيّ؟ أم في دور الخلافة؟ وقد بايع الرجل شيخ تيم وأباه ، وهما عنده خيرا خلق الله واحداً بعد واحد ، فلا يرى فيه غشيان الظلمة أو قبول السحابة ، واعطف على ذلك أيّام عثمان فقد بايعه ولم يتسلّل عنه حتى يوم مقتله ، كما مرّ في (ص ٢٣) من هذا الجزء ، فلم تكن أيّام عثمان عنده أيّام ظلمة وسحابة وإن كان من مُلقِحي فتنتها بما ارتآه ، فلم يبق إلاّ عهد الخلافة العلويّة وملك معاوية بن أبي سفيان.

__________________

(١) في تعليق الحلية : المعنى ما يقتل بعضهم بعضاً عليه ، والله أعلم. (المؤلف)

٨٣

أمّا معاوية فقد بايعه الرجل طوعاً ورغبة وإن رآه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ملكاً عضوضاً ولعن صاحبه. وبايع يزيد بن معاوية بعد ما أخذ مائة ألف من معاوية ، فلم يبق دور ظلمة عنده إلاّ أيّام خلافة خير البشر سيّد الأمّة مولانا أمير المؤمنين علي عليه‌السلام ، وفيها أخذ بعضهم يميناً وشمالاً فأخطأ الطريق ، وكانت الأدوار مجلاّة قبل ذلك وبعده أيّام إمارة معاوية ويزيد وعبد الملك والحجّاج ، فقد أبصر الرجل طريقه المهيع الأوّل عند ذلك فعرفه وأخذ فيه وبايعهم.

وهل هنا من يُسائل الرجل عن الذين أخطأوا الطريق ببيعتهم وانحيازهم هل هم الذين بايعوا أمير المؤمنين عليه‌السلام؟ وهم الصحابة العدول والبدريّون من المهاجرين والأنصار ، والأُمّة الصالحة من التابعين من رجالات المدينة المشرّفة وغيرها من الأمصار الإسلاميّة. أو الذين أكبّوا على تلكم الأيدي العادية فبايعوها؟ من طغام الشام ، سفلة الأعراب ، وبقيّة الأحزاب ، وأهل المطامع والشره ، فيرى هل تحدوه القحّة والصلف إلى أن يقول بالأوّل؟ ونصب عينه قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إن تولّوا عليّا تجدوه هادياً مهديّا ، يسلك بكم الطريق المستقيم».

وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إنْ تؤمّروا علياً ـ ولا أراكم فاعلين ـ تجدوه هادياً مهديّا يسلك بكم الطريق المستقيم».

وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إن تستخلفوا عليّا ـ وما أراكم فاعلين ـ تجدوه هادياً مهديّا ، يحملكم على المحجّة البيضاء» إلى أحاديث أخرى أوعزنا إليها في الجزء الأوّل (ص ١٢)

أو أنّ النصفة تُلقى على روعه فينطق وهو لا يشعر بما يقول ، فيقول بالثاني فينقض ما ارتكبه من بيعة القوم جميعاً.

ثم إنّ من غريب المعتقد ما ارتآه من أنّ فتيان قريش كانوا يقتتلون على السلطان ، ويبغون بذلك حطام الدنيا ، وهو يعلم أنّ لهذا الحسبان شطرين ، فشطر

٨٤

لعليّ أمير المؤمنين وأصحابه ، وهو الذي كانت الدنيا عنده كعفطة عنز ، كما لهج به ـ صلوات الله عليه ـ وصدّق الخبر الخبر ، وكانت نهضته تلك بأمر من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعهد منه إليه وإلى أصحابه ، كما تقدّم في هذا الجزء والجزء الثالث. وشطر لطلحة والزبير ولمعاوية.

أمّا الأوّلان فيعرب عن مرماهما قول مولانا أمير المؤمنين عليه‌السلام في خطبة له : «كلّ واحد منهما يرجو الأمر له ويعطفه عليه دون صاحبه لا يمتّان إلى الله بحبل ، ولا يمدّان إليه بسبب ، كلّ واحد منهما حامل ضبّ لصاحبه ، وعمّا قليل يكشف قناعه به ، والله لئن أصابوا الذي يريدون لينزعنّ هذا نفس هذا ، وليأتينّ هذا على هذا ، قد قامت الفئة الباغية فأين المحتسبون؟» ولمّا خرج طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة جاء مروان بن الحكم إلى طلحة والزبير وقال : على أيّكما أُسلّم بالإمارة ، وأُنادي بالصلاة؟ فسكتا ، فقال عبد الله بن الزبير : على أبي. وقال محمد بن طلحة : على أبي. فأرسلت عائشة إلى مروان : أتريد أن ترمي الفتنة بيننا؟ أو قالت : بين أصحابنا ، مروا ابن اختي فليصلّ بالناس. يعنى عبد الله بن الزبير.

مرآة الجنان لليافعي (١ / ٩٥).

وأمّا معاوية فهو الذي صدق فيه ظنّه بل تنجّز يقينه ، وقد عرفه بذلك أصحاب محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتُعرّفه إيّاك بغايته الوحيدة ، ونفسيّته الذميمة كلماتهم ، وابن لا يصيخ إليها وقد أصمّه وأعماه حبّ العبشميّين ، فاتّبع هواه وأضلّه ، وإليك نماذج من تلكم الكلم :

١ ـ قال هاشم المرقال مخاطباً أمير المؤمنين عليّا عليه‌السلام : سر بنا يا أمير المؤمنين إلى هؤلاء القوم القاسية قلوبهم ، الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم ، وعملوا في عباد الله بغير رضا الله ، فأحلّوا حرامه ، وحرّموا حلاله ، واستهوى بهم الشيطان ،

٨٥

ووعدهم الأباطيل ، ومنّاهم الأمانيّ حتى أزاغهم عن الهوى ، وقصد بهم قصد الردى ، وحبّب إليهم الدنيا ، فهم يقاتلون على دنياهم رغبة فيها كرغبتنا في الآخرة.

كتاب صفّين (ص ١٢٥) ، شرح ابن أبي الحديد (١ / ٢٨٢) ، جمهرة الخطب (١ / ١٥١) (١).

٢ ـ ومن كلام لهاشم المرقال أيضاً : يا أمير المؤمنين فأنا بالقوم جدّ خبير ، هم لك ولأشياعك أعداء ، وهم لمن يطلب حرث الدنيا أولياء ، وهم مقاتلوك ومجادلوك ، لا يُبقون جهداً مشاحّة على الدنيا ، وضنّا بما في أيديهم منها ، ليس لهم إربة غيرها إلاّ ما يخدعون به الجهّال من طلب دم ابن عفّان ، كذبوا ليسوا لدمه ينفرون ، ولكن الدنيا يطلبون.

كتاب ابن مزاحم (ص ١٠٣) ، شرح ابن أبي الحديد (١ / ٢٧٨) (٢).

٣ ـ من خطبة ليزيد بن قيس الأرحبي : إنّ المسلم من سلم دينه ورأيه ، وإنّ هؤلاء القوم والله ما إن يقاتلوننا على إقامة دين رأونا ضيّعناه ، ولا على إحياء حقّ رأونا أمتناه ، ولا يقاتلوننا إلاّ على هذه الدنيا ليكونوا فيها جبابرة وملوكاً ، ولو ظهروا عليكم ـ لا أراهم الله ظهوراً وسروراً ـ إذن لوليكم مثل سعيد (٣) والوليد (٤) وعبد الله ابن عامر (٥) السفيه ، يحدّث أحدهم في مجلسه بذيت وذيت ، ويأخذ مال الله ويقول : لا إثم عليّ فيه ، كأنّما أعطي تراثه من أبيه. كيف؟ إنّما هو مال الله أفاءه علينا بأسيافنا

__________________

(١) وقعة صفّين : ص ١١٢ ، شرح نهج البلاغة : ٣ / ١٨٤ خطبة ٤٦ ، جمهرة خطب العرب : ١ / ٣٢٣ رقم ٢١٢.

(٢) وقعة صفّين : ص ٩٢ ، شرح نهج البلاغة : ٣ / ١٧٢ خطبة ٤٦.

(٣) سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية ، والي معاوية على المدينة. (المؤلف)

(٤) الوليد بن عقبة السكير ، أخو عثمان لأُمّه. (المؤلف)

(٥) عبد الله بن عامر ، ولاّه معاوية على البصرة ثلاث سنين. (المؤلف)

٨٦

ورماحنا ، قاتلوا عباد الله القوم الظالمين الحاكمين بغير ما أنزل الله ، ولا تأخذكم فيهم لومة لائم ، إنّهم إن يظهروا عليكم يفسدوا عليكم دينكم ودنياكم ، وهم من قد عرفتم وجرّبتم ، والله ما أرادوا باجتماعهم عليكم إلاّ شرّا ، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

كتاب صفّين (ص ٢٧٩) ، تاريخ الطبري (٦ / ١٠) ، شرح ابن أبي الحديد (١ / ٤٨٥) (١).

٤ ـ من مقال لعمّار بن ياسر بصفّين : أمضوا معي عباد الله إلى قوم يطلبون فيما يزعمون بدم الظالم لنفسه ، الحاكم على عباد الله بغير ما في كتاب الله ، إنّما قتله الصالحون المنكرون للعدوان ، الآمرون بالإحسان. فقال هؤلاء الذين لا يبالون إذا سلمت لهم دنياهم ولو درس هذا الدين : لم قتلتموه؟ فقلنا : لأحداثه. فقالوا : إنّه ما أحدث شيئاً ، وذلك لأنّه مكّنهم من الدنيا فهم يأكلونها ويرعونها ولا يبالون لو انهدّت عليهم الجبال ، والله ما أظنّهم يطلبون دمه ، إنّهم ليعلمون إنّه لظالم ، ولكنّ القوم ذاقوا الدنيا فاستحبّوها واستمرءوها ، وعلموا لو أنّ صاحب الحقّ لزمهم لحال بينهم وبين ما يأكلون ويرعون فيه منها ، ولم يكن للقوم سابقة في الإسلام يستحقّون بها الطاعة والولاية ، فخدعوا أتباعهم بأن قالوا : قتل إمامنا مظلوماً. ليكونوا بذلك جبابرة وملوكاً ، وتلك مكيدة قد بلغوا بها ما ترون ، ولولا هي ما بايعهم من الناس رجلان.

كتاب صفّين (ص ٣٦١) ، تاريخ الطبري (٦ / ٢١) ، شرح ابن أبي الحديد (١ / ٥٠٤) ، الكامل لابن الأثير (٣ / ١٢٣) ، تاريخ ابن كثير (٧ / ٢٦٦) واللفظ لابن مزاحم (٢).

__________________

(١) وقعة صفّين : ص ٢٤٧ ، تاريخ الأُمم والملوك : ٥ / ١٧ حوادث سنة ٣٧ ه‍ ، شرح نهج البلاغة : ٥ / ١٩٤ خطبة ٦٥.

(٢) وقعة صفّين : ص ٣١٩ ، تاريخ الأُمم والملوك : ٥ / ٣٩ حوادث سنة ٣٧ ه‍ ، شرح نهج البلاغة : ٥ / ٢٥٢ خطبة ٦٥ ، الكامل في التاريخ : ٢ / ٣٨٠ حوادث سنة ٣٧ ه‍ ، البداية والنهاية ٧ / ٢٩٦ حوادث سنة ٣٧ ه‍.

٨٧

٥ ـ من خطبة لعبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي : يا أمير المؤمنين إنّ القوم لو كانوا الله يريدون ، ولله يعملون ، ما خالفونا ، ولكن القوم إنّما يقاتلوننا فراراً من الأُسوة وحبّا للأثرة ، وضنّا بسلطانهم ، وكرهاً لفراق دنياهم التي في أيديهم ، وعلى إحَنٍ في نفوسهم ، وعداوة يجدونها في صدورهم لوقائع أوقعتها يا أمير المؤمنين بهم قديمة ، قتلت فيها آباءهم وإخوانهم.

كتاب صفّين (ص ١١٤) ، شرح ابن أبي الحديد (١ / ٢٨١) ، جمهرة الخطب (١ / ١٤٨) (١).

٦ ـ من كلام لشبث بن ربعي مخاطباً معاوية : إنّه والله لا يخفى علينا ما تغزو وما تطلب. إلى آخر ما يأتي في هذا الجزء.

٧ ـ قال وردان غلام عمرو بن العاص له : اعتركت الدنيا والآخرة على قلبك ، فقلت : عليّ معه الآخرة في غير دنيا ، وفي الآخرة عوض من الدنيا ، ومعاوية معه الدنيا بغير آخرة ، وليس في الدنيا عوض الآخرة. فقال عمرو :

يا قاتلَ اللهُ ورداناً وفطنته

أبدى لعمرُك ما في النفس وردانُ

لمّا تعرّضت الدنيا عرضت لها

بحرص نفسي وفي الأطباع إدهانُ

نفسٌ تعفُّ وأخرى الحرصُ يقلبُها

والمرءُ يأكلُ تبناً وهو غرثانُ

أمّا عليٌّ فدينٌ ليس يشركه

دنياً وذاك له دنياً وسلطانُ

فاخترت من طمعي دنياً على بصرٍ

وما معي بالذي أختار برهانُ

إلى آخر أبيات مرّت في (٢ / ١٤١) ، ومرّ لعمرو بن العاص قوله :

معاوي لا أعطيك ديني ولم أنل

بذلك دنيا فانظرنْ كيف تصنعُ

__________________

(١) وقعة صفّين : ص ١٠٢ ، شرح نهج البلاغة : ٣ / ١٨٠ خطبة ٤٦ ، جمهرة خطب العرب : ١ / ٣٢٠ رقم ٢٠٨.

٨٨

فإن تعطِني مصراً فأربح بصفقةٍ

أخذت بها شيخاً يضرّ وينفعُ

وما الدينُ والدنيا سواء وإنّني

لآخذ ما تُعطي ورأسي مقنّعُ

إلى آخر ما أسلفناه في (٢ / ١٤٣).

٨ ـ من كتاب لمحمد بن مسلمة الأنصاري إلى معاوية : وأمّا أنت فلعمري ما طلبت إلاّ الدنيا ، ولا اتّبعت إلاّ الهوى. فإن تنصر عثمان ميتاً فقد خذلته حيّا.

كتاب صفّين (١) (ص ٨٦).

٩ ـ قال نصر : لمّا اشترطت عكّ والأشعريون على معاوية ما اشترطوا من الفريضة والعطاء فأعطاهم (٢) ، لم يبق من أهل العراق أحد في قلبه مرض إلاّ طمع في معاوية ، وشخص بصره إليه حتى فشا ذلك في الناس ، وبلغ ذلك عليّا فساءه ، وجاء المنذر بن أبي حميصة الوادعي (٣) ، وكان فارس همدان وشاعرهم فقال : يا أمير المؤمنين إنّ عكّا والأشعريين طلبوا إلى معاوية الفرائض والعطاء فأعطاهم ، فباعوا الدين بالدنيا ، وإنّا رضينا بالآخرة من الدنيا ، وبالعراق من الشام ، وبك من معاوية ، والله لآخرتنا خير من دنياهم ، ولعراقنا خير من شامهم ، ولإمامنا أهدى من إمامهم ، فاستفتحنا بالحرب ، وثق منّا بالنصر ، واحملنا على الموت. ثم قال في ذلك :

إنّ عكّا سألوا الفرائض والأش

عر سالوا جوائزاً بثنيَّهْ (٤)

تركوا الدين للعطاء وللفر

ض فكانوا بذاك شرّ البريّهْ

__________________

(١) وقعة صفّين : ص ٧٧.

(٢) اشترطوا على معاوية أن يجعل لهم فريضة ألفي رجل في ألفين ، ومن هلك فابن عمّه مكانه. كتاب صفّين : ص ٤٩٣ [ص ٤٣٣]. (المؤلف)

(٣) الوادعي : نسبة إلى وادعة ، بطن من همدان. (المؤلف)

(٤) البثنيّة : منسوبة إلى قرية بالشام بين دمشق وأذرعات ، وإليها تُنسب الحنطة البثنية ، وهي أجود أنواع الحنطة [معجم البلدان : ١ / ٣٣٨]. (المؤلف)

٨٩

وسألنا حسن الثواب من اللّ

ه وصبراً على الجهاد ونيّهْ

فلكلٍّ ما ساله ونواه

كلّنا يحسبُ الخلافَ خطيّهْ

ولأَهلُ العراقِ أحسن في الحر

بِ إذا ما تدانت السمهريّهْ

ولأَهلُ العراقِ أحملُ للثق

ل إذا عمّت العبادَ بليّهْ

ليس منّا من لم يكن لك في اللّ

ه وليّا يا ذا الولا والوصيّهْ

فقال عليّ : «حسبك رحمك الله» ، وأثنى عليه خيراً وعلى قومه. وانتهى شعره إلى معاوية ، فقال معاوية : والله لأستميلنّ بالأموال ثقات عليّ ، ولأقسمنّ فيهم المال حتى تغلب دنياي آخرته.

كتاب صفّين (ص ٤٩٥) ، شرح ابن أبي الحديد (٢ / ٢٩٣) (١).

١٠ ـ من كتاب لمولانا أمير المؤمنين إلى معاوية : «واعلم يا معاوية أنّك قد ادّعيت أمراً لست من أهله لا في القدَم ولا في الولاية ، ولست تقول فيه بأمرٍ بيّن تُعرف لك به أثرة ، ولا لك عليه شاهد من كتاب الله ، ولا عهد تدّعيه من رسول الله ، فكيف أنت صانع إذا انقشعت عنك جلابيب ما أنت فيه من دنيا أبهجت بزينتها ، وركنت إلى لذّتها ، وخُلّي فيها بينك وبين عدوّ جاهد ملحّ ، مع ما عرض في نفسك ، من دنياً قد دعتك فأجبتها ، وقادتك فاتّبعتها ، وأمرتك فأطعتها ، فأقعس عن هذا الأمر ، وخُذ أُهبة الحساب ، فإنّه يوشك أن يقفك واقف على ما لا يُجنّك منه مجنّ ، ومتى كنتم يا معاوية ساسة للرعيّة؟ أو ولاةً لأمر هذه الأُمّة بغير قدمٍ حسن؟ ولا شرفٍ سابق على قومكم ، فشمّر لما قد نزل بك ، ولا تمكّن الشيطان من بغيته فيك ، مع أنّي أعرف أنّ الله ورسوله صادقان ، فنعوذ بالله من لزوم سابق الشقاء ، وإلاّ تفعل أُعلمْك ما أغفلك من نفسك ، فإنّك مُترف قد أخذ منك الشيطان مأخذه ، فجرى منك مجرى الدم في العروق».

__________________

(١) وقعة صفّين : ص ٤٣٥ ، شرح نهج البلاغة : ٨ / ٧٧ خطبة ١٢٤.

٩٠

كتاب صفّين (ص ١٢٢) ، نهج البلاغة (٢ / ١٠) ، شرح ابن أبي الحديد (٣ / ٤١٠) (١).

١١ ـ روي : أنّ الحسن بن علي قال لحبيب (٢) بن مسلمة في بعض خرجاته بعد صفّين : «يا حبيب ربّ مسير لك في غير طاعة الله». فقال له حبيب : أمّا إلى أبيك فلا. فقال له الحسن : «بلى والله ولقد طاوعت معاوية على دنياه وسارعت في هواه ، فلئن كان قام بك في دنياك لقد قعد بك في دينك ، فليتك إذ أسأت الفعل أحسنت القول ، فتكون كما قال الله تعالى : (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً) (٣). ولكنّك كما قال الله تعالى : (كَلاَّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ) (٤)» (٥).

١٢ ـ قال القحذمي : لمّا قدم معاوية المدينة ، قال : أيّها الناس إنّ أبا بكر رضى الله عنه لم يرد الدنيا ولم ترده ، وأمّا عمر فأرادته الدنيا ولم يردها ، وأمّا عثمان فنال منها ونالت منه ، وأمّا أنا فمالت بي وملت بها ، وأنا ألينها وهي أُمّي وأنا ابنها ، فإن لم تجدوني خيركم فأنا خير لكم.

العقد الفريد (٦) (٢ / ٣٠٠).

إلى كلمات أخرى تعرب عن مدى غايات معاوية وتركاضه وراء حطام الدنيا وملكها العضوض.

ابن عمر يحيي أحداث أبيه :

هاهنا يوقفنا السبر عن أخبار ابن عمر على مواقف اتّباعه أحداث والده ،

__________________

(١) وقعة صفّين : ص ١٠٩ ، نهج البلاغة : ص ٣٦٩ كتاب ١٠ ، شرح نهج البلاغة : ١٥ / ٧٩.

(٢) نزيل الشام ، كان مع معاوية في حروبه. (المؤلف)

(٣) التوبة : ١٠٢.

(٤) المطفّفين : ١٤.

(٥) الاستيعاب : ١ / ١٢٣ [القسم الأول : ١ / ٣٢١ رقم ٤٧٠]. (المؤلف)

(٦) العقد الفريد : ٤ / ١٥٨.

٩١

واتّخاذه آراءه الشاذّة عن الكتاب والسنّة ديناً بعد تبيّن الرشد من الغيّ ، ما بالهم إذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها؟!

منها : ذكر الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (٤ / ٢٦٥) عن ابن عمر لمّا سُئل عن المتعة ، قال : حرام. فقيل : إنّ ابن عبّاس لا يرى بها بأساً. فقال : والله لقد علم ابن عباس أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نهى عنها يوم خيبر وما كنّا مسافحين.

وأخرج البيهقي في السنن الكبرى (٧ / ٢٠٦) عن عبد الله بن عمر أنّه سُئل عن متعة النساء فقال : حرام ، أما إنّ عمر بن الخطّاب رضى الله عنه لو أخذ فيها أحداً لرجمه بالحجارة.

إنّ الرجل متقوّل على الله وعلى رسوله بحكمه الباتّ بحرمة المتعة ، والسائل إنّما سأله عن دين الله لا عمّا أحدثه أبوه ، وهو في قوله هذا مكذّب لأبيه ، حيث يقول : متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأنا أنهى عنهما وأُعاقب عليهما. ويقول : ثلاث كنّ على عهد رسول الله أنا محرّمهنّ ومعاقب عليهنّ : متعة الحجّ ، ومتعة النساء ، وحيّ على خير العمل. ولم يستثنِ من ذلك العهد شيئاً ، ونسب التحريم إلى نفسه ، وقد عُدّ من أوليات عمر.

ومكذّب أيضاً ابن عبّاس وقاذف إيّاه بأنّه كان يعلم حكم الله ويحكم بخلافه ، ويحلف بالله في قوله الفاحش ، وحاشا حبر الأمّة عن هذه الطامّة الكبرى.

ومكذّب فحول الصحابة نظراء جابر بن عبد الله ، وأبي سعيد الخدري ، وعمران بن حصين ، القائلين بإباحة المتعة في السنّة الشريفة ، وإنّهم تمتّعوا على عهد أبي بكر وشطر من خلافة عمر ، وإنّ عمر هو الذين نهى عنها.

ومكذّب سيّد العترة أمير المؤمنين عليه‌السلام في عزوه النهي عن المتعة إلى عمر ، وقوله : «لو لا نهيه عنها ما زنى إلاّ شقيّ».

٩٢

على أنّ النهي عن المتعة بخيبر يكذّبه إطباق الحفّاظ وشرّاح البخاري على عدم وجود النهي عنها يومئذ ، وقد سبق القول عن السهيلي وأبي عمر والزرقاني في الجزء السادس (ص ٢٢٦) بأنّه وهم وغلط لا يعرفه أحد من أهل السير ورواة الأثر.

مرّ الكلام حول هذا البحث ضافياً في الجزء السادس (ص ١٩٨ ـ ٢٤٠).

ومنها : نهيه عن البكاء على الأموات احتذاء منه سيرة أبيه ، خلاف ما جاء في السنّة الشريفة من فعل النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقوله وتقريره ، وكان ذلك بعد قيام الحجّة عليهما كما مرّ في الجزء السادس ، وكان الرجل يقول : مرّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقبر فقال : إنّ هذا ليُعذّب الآن ببكاء أهله عليه ، فقالت عائشة : غفر الله لأبي عبد الرحمن ، إنّه وهم ، إنّ الله تعالى يقول (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) (١) : إنّما قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إنّ هذا ليعذّب الآن وأهله يبكون عليه» (٢).

فصّلنا القول في المسألة في الجزء السادس (١٥٩ ـ ١٦٧) وفي هذا الجزء (ص ٤٣ ، ٤٤).

ومنها : استنكافه من الحديث عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أخذاً برأي أبيه ، السابق ذكره في (٦ / ٢٩٤) ، قال الشعبي : قعدت مع ابن عمر سنتين أو سنة ونصفاً فما سمعته يحدّث عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلاّ حديثاً (٣).

ومنها : قوله في طواف الوداع على الحائض التي أفاضت حذو رأي أبيه خلاف السنّة النبويّة الشريفة ، وكان على ذلك ردحاً من الزمان ، ثم لمّا لم يرَ من وافقه في الرأي لم يجد بدّا من البخوع للحقّ فأخبت إليه ، كما أسلفناه في (٦ / ١١١).

__________________

(١) الأنعام : ١٦٤.

(٢) مسند أحمد : ٢ / ٣١ ، ٣٨ [٢ / ١١٣ ح ٤٨٥٠ ، ص ١٢٥ ح ٤٩٣٩]. (المؤلف)

(٣) سنن الدارمي : ١ / ٨٤ ، سنن ابن ماجة : ١ / ١٥ [١ / ١١ ح ٢٦] ، مسند أحمد : ٢ / ١٥٧ [٢ / ٣٣٥ ح ٦٤٢٩] ولفظه : جالست ابن عمر سنتين ما سمعته روى شيئاً عن رسول الله. (المؤلف)

٩٣

ومنها : حضّه الناس على ما أحدثه أبوه من المنع عن السؤال عمّا لم يقع (١) ، وقوله : يا أيّها الناس لا تسألوا عمّا لم يكن ، فإنّي سمعت عمر بن الخطّاب يلعن من سأل عمّا لم يكن (٢).

ألا تعجب من سوء حظ أُمّة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن تدعم الأحدوثة فيها بالمسبّة ، وتنهى عن المعروف بالفسوق؟!

ومنها : قوله في المتطيّب عند الإحرام اقتداءً بأحدوثة أبيه خلاف السنّة الثابتة ، أخرج البخاري ومسلم من طريق إبراهيم بن محمد بن المنتشر ، عن أبيه قال : سمعت ابن عمر يقول : لئن أصبح مطليّا بقطران أحبّ إليّ من أن أصبح محرماً أنضخ (٣) طيباً ، قال : فدخلت على عائشة فأخبرتها بقوله فقالت : طيّبت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فطاف على نسائه ثم أصبح محرماً.

وفي لفظ البخاري : ذكرته لعائشة فقالت : يرحم الله أبا عبد الرحمن ، كنت أطيّب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيطوف على نسائه ثم يصبح محرماً ينضخ طيباً.

وفي لفظ النسائي : سألت ابن عمر عن الطيب عند الإحرام فقال : لَأَن أُطلَى بالقطران أحبّ إليّ من ذلك. فذكرت ذلك لعائشة فقالت : يرحم الله أبا عبد الرحمن ، قد كنت أُطيّب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيطوف في نسائه ثم يصبح ينضخ طيباً (٤).

__________________

(١) مرّ البحث عنه في : ٦ / ٢٩٣. (المؤلف)

(٢) كتاب العلم لأبي عمر : ٢ / ١٤٣ [ص ٣٦٩ ح ١٧٩٤] ، مختصر كتاب العلم : ص ١٩٠ [ص ٣٢٦ رقم ٢٣٢]. (المؤلف)

(٣) النضخ : بالخاء المعجمة كاللطخ فيما يبقى له أثر ، يقال : نضخ ثوبه بالطيب. والنضح بالمهملة فيما كان رقيقاً مثل الماء. (المؤلف)

(٤) صحيح البخاري : ١ / ١٠٢ ، ١٠٣ [١ / ١٠٤ ح ٢٦٤] ، صحيح مسلم : ٤ / ١٢ ، ١٣ [٣ / ٢٢ ح ٤٩ كتاب الحج] ، سنن النسائي : ٥ / ١٤١ [٢ / ٣٤٠ ح ٣٦٨٤]. (المؤلف)

٩٤

ومنها : ما أخرجه الشيخان (١) من طريق مجاهد قال : دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد ، فإذا عبد الله بن عمر جالس إلى حجرة عائشة والناس يصلّون الضحى في المسجد ، فسألناه عن صلاتهم فقال : بدعة ، فقال له عروة : يا أبا عبد الرحمن كم اعتمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم؟ قال : أربع عمر ، إحداهنّ في رجب ، فكرهنا أن نكذّبه ونردّ عليه ، وسمعنا استنان عائشة في الحجرة ، فقال عروة : ألا تسمعين يا أمّ المؤمنين إلى ما يقول أبو عبد الرحمن؟ فقالت : وما يقول؟ قال : يقول : اعتمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أربع عمر إحداهنّ في رجب. فقالت : يرحم الله أبا عبد الرحمن ، ما اعتمر رسول الله إلاّ وهو معه ، وما اعتمر في رجب قط.

الظاهر من الرواية أنّ ابن عمر تعمّد باختلاق عمرة لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في رجب ، وإن كره مجاهد وعروة أن يكذّباه ، وإنّما فعل ذلك رَوماً لتدعيم ما تأوّل به رأي أبيه الشاذّ في متعة الحجّ ممّا رواه أحمد في مسنده (٢) (٢ / ٩٥) من قوله : إنّ عمر لم يقل لكم إنّ العمرة في أشهر الحجّ حرام ، ولكنّه قال : إنّ أتمّ العمرة أن تفردوها من أشهر الحج.

فأراد ابن عمربعزو عمرة رجب المختلقة إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تأييداً لتأويله الذي يضادّ صريح قول أبيه : إنّي أُحرّمها وأُعاقب عليها. وقد فصّلنا القول فيها في (ج ٦).

ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما اعتمر في رجب قطّ كما جاء في حديث أنس أيضاً : اعتمر

__________________

(١) صحيح البخاري : ٣ / ١٤٤ [٢ / ٦٣٠ ح ١٦٨٥] ، صحيح مسلم : ٤ / ٦١ [٣ / ٨٩ ح ٢٢٠ كتاب الحج] ، مسند أحمد : ٢ / ٧٣ ، ١٢٩ ، ١٥٥ [٢ / ١٨٧ ح ٥٣٩٣ ، ص ٢٨٥ ح ٦٠٩١ ، ص ٣٣١ ح ٦٣٩٤] ، [وسنن ابن ماجة : ٢ / ٩٩٧ ح ٢٩٩٨] وفي تيسير الوصول : ١ / ٣٣٦ [١ / ٣٩٤] : أخرجه الخمسة إلاّ النسائي. (المؤلف)

(٢) مسند أحمد : ٢ / ٢٢٦ ح ٥٦٦٧.

٩٥

رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أربع عمر كلّها في ذي القعدة (١) ، وأخرج ابن ماجة في سننه (٢) (٢ / ٢٣٣) من طريق ابن عبّاس قال : لم يعتمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عمرة إلاّ في ذي القعدة.

وكان ابن عمر يحسب أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اعتمر مرّتين فأنكرت عليه عائشة أيضاً ، ولعلّه كان قبل إنكارها السابق عليه ، أخرج أبو داود وأحمد (٣) من طريق مجاهد قال : سُئل ابن عمر : كم اعتمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم؟ فقال : مرّتين. فقالت عائشة : لقد علم ابن عمر أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد اعتمر ثلاثاً سوى التي قرنها بحجّة الوداع.

ولعلّ الباحث يقرب من عرفان حقيقة ابن عمر إن أمعن النظر فيما أخرجه ابن عساكر من طريق إمام الحنابلة (٤) عن ابن أبزي : أنّ عبد الله بن الزبير قال لعثمان يوم حُصِر : إنّ عندي نجائب قد أعددتها لك ، فهل لك أن تتحوّل إلى مكة فيأتيك من أراد أن يأتيك؟ قال : لا ، إنّي سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : «يُلحد بمكة كبش من قريش اسمه عبد الله عليه نصف أوزار الناس» ، ولا أراك إلاّ إيّاه أو عبد الله بن عمر.

تاريخ ابن عساكر (٥) (٧ / ٤١٤).

وأخرج أحمد في مسنده (٦) (٢ / ١٣٦) : أتى عبد الله بن عمر عبد الله بن الزبير فقال : يا ابن الزبير إيّاك والإلحاد في حرم الله تبارك وتعالى ، فإنّي سمعت

__________________

(١) صحيح البخاري : ٣ / ١٤٥ [٢ / ٦٣١ ح ١٦٨٨] ، صحيح مسلم : ٤ / ٦٠ [٣ / ٨٨ ح ٢١٧ كتاب الحج] ، سنن أبي داود : ١ / ٣١٢ [٢ / ٢٠٦ ح ١٩٩٤] ، الإجابة للزركشي : ص ١١٥ [ص ١٠٤ ح ٣]. (المؤلف)

(٢) سنن ابن ماجة : ٢ / ٩٩٧ ح ٢٩٩٦.

(٣) راجع سنن أبي داود : ١ / ٣١٢ [٢ / ٢٠٥ ح ١٩٩٢] ، مسند أحمد : ٢ / ٧٠ ، ١٣٩ [٢ / ١٨٣ ح ٥٣٦٠ ، ص ٣٠٣ ح ٦٢٠٦] ، فتح الباري : ٣ / ٤٧٣ [٣ / ٦٠١]. (المؤلف)

(٤) مسند أحمد : ١ / ١٠٤ ح ٤٦٣.

(٥) تاريخ مدينة دمشق : ٢٨ / ٢١٩ رقم ٣٢٩٧ ، وفي مختصر تاريخ دمشق : ١٢ / ١٩٥.

(٦) مسند أحمد : ٢ / ٢٩٨ ح ٦١٦٥.

٩٦

رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : «إنّه سيلحد فيه رجل من قريش لو وُزِنت ذنوبه بذنوب الثقلين لرجحت». قال : فانظر لا تكونه.

الفريق الثاني :

أمّا الفريق الثاني من أخبار ابن عمر فحدّث عنه ولا حرج ، تراه لا يدعه عداؤه المحتدم ونفسيّته الواجدة على أمير المؤمنين ، أو حبّه المعمي والمصمّ للبيت العبشمي ، أن يجري على لسانه اسم عليّ وذكر أيّام خلافته فضلاً عن أن يبايعه ، مرّ حول حديث ذكرناه في هذا الجزء صفحة (٢٤) قول ابن حجر : لم يذكر ابن عمر خلافة عليّ لأنّه لم يبايعه لوقوع الاختلاف عليه. إلى آخر كلامه.

وسبق في (ص ٣٦) من طريق الحافظ ابن عساكر ، ذكر ابن عمر الخلافة الإسلاميّة وعدّه خلفاءها الاثني عشر من قريش : أبا بكر ، وعمر ، وعثمان ، ومعاوية ، ويزيد ، والسفاح ، ومنصور ، وجابر ، والأمين ، وسلام ، والمهدي ، وأمير العصب ، وقوله فيهم : إنّ كلّهم صالح لا يوجد مثله.

أيّ نفسيّة ذميمة أو عقليّة ساقطة دعت الرجل إلى هذه العصبيّة ، عصبيّة الجاهليّة الأولى؟ هب أنّ خلافة أمير المؤمنين كانت غير مشروعة ـ العياذ بالله ـ ولكن هل كانت من السقوط على حدّ هو أسوأ حالاً من أيّام يزيد الطاغية الباغية وملكه العضوض ، الذي استساغ الرجل أن يلهج به دون عهد أمير المؤمنين وخلافته؟ وهل تسوغ تسمية أيّام الفراعنة والجبابرة لدى سرد تاريخ قصّة أو قضيّة ، وقد ثبت عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عند القوم أنّ الخلافة بعده صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثلاثون عاماً ، ثم ملك عضوض ، ثم كائن عتوّا وجبريّة وفساداً في الأُمّة ، يستحلّون الفروج والخمور (١)؟

__________________

(١) راجع الخصائص الكبرى : ٢ / ١١٩ [٢ / ١٩٧] ، فيض القدير : ٣ / ٥٠٩ [ح ٤١٤٧]. (المؤلف)

٩٧

وهل كان على لسان الرجل عقال عيّ به عن سرد فضائل أمير المؤمنين وتبكّمت عليه ممّا ملأ بين الخافقين؟ وقد نزلت فيه عليه‌السلام ثلاثمائة آية ، وجاءت في الثناء عليه آلاف من الأحاديث لم يُرْوَ منها عن ابن عمر إلاّ نزر يعدّ بالأنامل ، وذلك بصورة مصغّرة مشوّهة ، يضمّ آراءه السخيفة إليها مثل ما أخرجه أحمد في مسنده (١) (٢ / ٢٦) عن ابن عمر قال : كنّا نقول في زمن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : رسول الله خير الناس ، ثم أبو بكر ، ثم عمر ، ولقد أوتي ابن أبي طالب ثلاث خصال لَأَن تكونَ لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ من حمر النعم! زوّجه رسول الله ابنته وولدت له ، وسدّت الأبواب إلاّ بابه في المسجد ، وأعطاه الراية يوم خيبر.

وفي حديث : قيل لابن عمر : ما قولك في عليّ وعثمان؟ فقال ابن عمر : أمّا عثمان فقد عفا الله عنه فكرهتم أن تعفوا ، وأمّا عليّ فابن عمّ رسول الله وختنه (٢).

وتراه يوازن أبا بكر وعمر وعثمان مع رسول الله ويزنهم بميزان قسطه الذي فيه ألف عين ، ثم يرفعه ولم تلحق الزنة عليّا. أخرج أحمد في المسند (٣) (٢ / ٧٦) من طريق ابن عمر ، قال : خرج علينا رسول الله ذات غداة بعد طلوع الشمس ، فقال : رأيت قُبيل الفجر كأنّي أُعطيت المقاليد والموازين ، فأمّا المقاليد فهذه المفاتيح ، وأمّا الموازين فهي التي تَزِنون بها ، فوُضعت في كفّة ووضعت أُمّتي في كفّة ، فوُزنت بهم فرجَحتُ ، ثم جيء بأبي بكر فوزن بهم فوزن ، ثم جيء بعمر فوزن [فوزن] (٤) ، ثم جيء بعثمان فوزن بهم. ثم رفعت.

يؤيّد ابن عمر بهذه الأسطورة رأيه في المفاضلة بين الصحابة ، وأنّه لا تفاضل

__________________

(١) مسند أحمد : ٢ / ١٠٤ ح ٤٧٨٢.

(٢) أخرجه البخاري [في صحيحه : ٤ / ١٦٤١ ح ٤٢٤٣]. (المؤلف)

(٣) مسند أحمد : ٢ / ١٩٤ ح ٥٤٤٦.

(٤) ما بين المعقوفين من المصدر.

٩٨

بينهم بعد أبي بكر وعمر وعثمان ، وإذا ذهبوا استوى الناس.

نعم ، ثقيل على ابن عمر أن يذكر عليّا بخير ، ويبوح بشيء من فضائله الجمّة ، وهو يأتي في غيره بما لا يقبله قطّ ذو مسكة ، ولا يساعده فيه العقل والمنطق ، مثل قوله : كنت عند النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعنده أبو بكر الصدّيق عليه عباءة قد خلّها على صدره بخلال ، فنزل عليه جبريل فقال : مالي أرى أبا بكر عليه عباءة قد خلّها على صدره بخلال؟ إلى آخر ما مرّ في (٥ / ٢٧٤ الطبعة الأولى وص ٣٢١ الطبعة الثانية).

وقوله مرفوعاً : لو وُزِن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح. لسان الميزان (١) (٣ / ٣١٠).

وقوله مرفوعا : أُتيت في المنام بعسّ مملوء لبناً فشربت منه حتى [إذا] امتلأتُ فرأيته يجري في عروقي فضلت فضلة فأخذها عمر بن الخطّاب فشربها. إلى آخر ما أسلفناه في (٥ / ٢٧٩ الطبعة الأولى وص ٣٢٦ الطبعة الثانية).

وقوله مرفوعاً : أُحْشَرُ يوم القيامة بين أبي بكر وعمر ، حتى أقف بين الحرمين فيأتيني أهل مكة والمدينة.

وقوله مرفوعاً : هبط جبريل فقال : إنّ ربّ العرش يقول لك : لمّا أخذت ميثاق النبيّين أخذت ميثاقك ، وجعلتك سيّدهم ، وجعلت وزيرك أبا بكر وعمر.

وقوله مرفوعاً : لمّا أُسري بي إلى السماء فصرت إلى السماء الرابعة سقطت في حجري تفّاحة فأخذتها بيدي فانفلقت فخرجت منها حوراء تقهقه ، فقلت لها : تكلّمي لمن أنت؟ قالت : للمقتول شهيداً عثمان بن عفّان.

وقوله مرفوعاً : أما إنّ معاوية يبعث يوم القيامة عليه رداء من نور الإيمان.

__________________

(١) لسان الميزان : ٣ / ٣٨٢ رقم ٤٦٤٦.

٩٩

وقوله مرفوعاً : إنّه أُوحي إليّ أن أُشاور ابن أبي سفيان في بعض أمري.

وقوله : لمّا نزلت آية الكرسي قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمعاوية : اكتبها فقال لي : مالي بكتبها إن كتبتها؟ قال : لا يقرؤها أحد إلاّ كُتب لك أجرها.

وقوله مرفوعاً : الآن يطلع عليكم رجل من أهل الجنّة فطلع معاوية ، فقال : أنت يا معاوية منّي وأنا منك ، لَتزاحمني على باب الجنة كهاتين. وأشار بإصبعيه.

وقوله مرفوعاً : يطلع عليكم رجل من أهل الجنّة فطلع معاوية ، ثم قال من الغد مثل ذلك ، فطلع معاوية ، ثم قال من الغد مثل ذلك ، فطلع معاوية.

وقوله : إنّ جعفر بن أبي طالب أهدى إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سفرجلاً ، فأعطى معاوية ثلاث سفرجلات وقال : تلقاني بهنّ في الجنّة.

إلى روايات أخرى أسلفناها في الجزء الخامس في سلسلة الموضوعات ، ونحن وإن ماشينا القوم هنالك وأخذنا بتلكم الطامّات أُناساً آخرين من رجال أسانيدها ، غير أنّ ما صحّ عن ابن عمر من أخباره كحديث المفاضلة ، وما علم من نزعاته الوبيلة ، وما ثبت عنه من أفعاله وتروكه تقرّب إلى الذهن أنّه هو صائغ تلكم الصحاصح (١) ، ولا رجحان لغيره عليه في كفّة الاختلاق والتقوّل ، كما أنّ له في نحت الأعذار لمن انحاز إليهم من الأمويّين قَدَماً وقِدْماً ، وقد مرّ شطر من شواهد ذلك. ومنها ما أخرجه أحمد في مسنده (٢) (٢ / ١٠١) من طريق عثمان بن عبد الله بن موهب ، قال : جاء رجل من مصر يحجّ البيت ، قال : فرأى قوماً جلوساً فقال : من هؤلاء القوم؟ فقالوا : قريش. قال : فمن الشيخ فيهم؟ قالوا : عبد الله بن عمر. قال : يا بن عمر إنّي سائلك عن شيء أو أنشدك بحرمة هذا البيت ، أتعلم أنّ عثمان فرّ يوم أحد؟ قال :

__________________

(١) الصحاصح : الباطل ، الترّهات.

(٢) مسند أحمد : ٢ / ٢٣٧ ح ٥٧٣٨.

١٠٠