🚘

الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ١٠

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي

الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ١٠

المؤلف:

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي


المحقق: مركز الغدير للدّراسات الإسلاميّة
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
المطبعة: فروردين
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٣٠
🚘 نسخة غير مصححة

وقد كتبها إلى طلحة والزبير ومعاوية ، ولتبرئة الأعيان من الصحابة إيّاه منذ مقتل عثمان إلى أن استحرّ القتال في واقعة صفّين ، وقد كتبوها إلى طلحة والزبير ومعاوية ومن لفّ لفّهم ، قيمة توازن عند معاوية شهادات الزور التي لفّقها هو من أُناس لا خلاق لهم ، وثبّتتها حيله ودسائسه ، وأجراها ترغيبه وترهيبه؟ وقد علم هو أنّ أمير المؤمنين من هو ، وصلحاء الصحابة الذين وافقوه على التبرئة والتبرير من هم ، ومن أولئك الطغمة الثائرون لخلافه ، والمجلبون عليه ، جيرِ : كان يعلم كلّ ذلك لكنّه الملك والسلطان ، وهما يبرّران لصاحب النهمة والشرَه كلّ بائقة وموبقة.

ـ ١٩ ـ

دفاع ابن حجر عن معاوية بأعذار مفتعلة

أنت إذا قضيت الوطر من معاوية ومعاذيره التافهة في هذه المعمعة ، فهلمّ معي إلى ناصره الأخير ـ ابن حجر ـ الذي فاتته النصرة بالضرب والطعن ، فطفق يسوّد صحيفة من صحائفه الشوهاء بأعذار مفتعلة في صواعقه ، يتصوّل بها كمن يُدلي بحجج قاطعة ، وابن حجر وإن لم يكن أوّل من نحت تلكم الأعذار ، وقد سبقه إليها أُناس آخرون من أبناء حزم وتيميّة وكثير ، غير أنّ ما جاء به ابن حجر يجمع شتات ما تترّس به القوم دفاعاً عن ابن هند ، وزاد هو في طنبوره نغمات ، قال في الصواعق (١) (ص ١٢٩):

ومن اعتقاد أهل السنّة والجماعة : أنّ ما جرى بين معاوية وعليّ من الحروب فلم يكن لمنازعة معاوية لعليّ في الخلافة ، للإجماع على حقيّتها لعليّ كما مرّ (٢) ، فلم تَهِج الفتنة بسببها وإنّما هاجت بسبب أنّ معاوية ومن معه ، طلبوا من عليّ تسليم قتلة عثمان إليهم لكون معاوية ابن عمّه ، فامتنع عليّ ظنّا منه أنّ تسليمهم إليهم

__________________

(١) الصواعق المحرقة : ص ٢١٦.

(٢) ذكره في الصواعق : ص ٧١ [ص ١١٩]. (المؤلف)

٤٢١

على الفور مع كثرة عشائرهم واختلاطهم بعسكر عليّ يؤدّي إلى اضطراب وتزلزل في أمر الخلافة التي بها انتظام كلمة أهل الإسلام ، سيّما وهي في ابتدائها لم يستحكم الأمر فيها ، فرأى عليّ عليه‌السلام أنّ تأخير تسليمهم أصوب إلى أن يرسخ قدمه في الخلافة ، ويتحقّق التمكّن من الأُمور فيها على وجهها ، ويتمّ له انتظام شملها واتّفاق كلمة المسلمين ، ثم بعد ذلك يلتقطهم واحداً فواحداً ويسلّمهم إليهم ، ويدلّ لذلك أنّ بعض قتلته عزم على الخروج على عليّ ومقاتلته ، لمّا نادى يوم الجمل بأن يخرج عنه قتلة عثمان ، وأيضاً فالذين تمالئوا على قتل عثمان كانوا جموعاً كثيرة كما علم ممّا قدّمته في قصّة محاصرتهم له إلى أن قتله بعضهم ، جمع من أهل مصر قيل : سبعمائة ، وقيل : ألف ، وقيل خمسمائة ، وجمع من الكوفة ، وجمع من البصرة وغيرهم ، قدموا كلّهم المدينة ، وجرى منهم ما جرى ، بل ورد أنّهم هم وعشائرهم نحو من عشرة آلاف ، فهذا هو الحامل لعليّ رضى الله عنه على الكفّ عن تسليمهم ، لتعذّره كما عرفت.

ويُحتمل أنّ عليّا رضى الله عنه رأى أنّ قتلة عثمان بغاة ، حملهم على قتله تأويل فاسد استحلّوا به دمه رضى الله عنه ، لإنكارهم عليه أموراً كجعله مروان ابن عمّه كاتباً له ، وردّه إلى المدينة بعد أن طرده النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منها ، وتقديمه أقاربه في ولاية الأعمال ، وقضيّة محمد ابن أبي بكر ، ظنّوا أنّها مبيحة لما فعلوه جهلاً منهم وخطأً ، والباغي إذا انقاد إلى الإمام العدل لا يؤاخذ بما أتلفه في حال الحرب عن تأويل دماً كان أو مالاً ، كما هو المرجّح من قول الشافعي رضى الله عنه ، وبه قال جماعة آخرون من العلماء ، وهذا الاحتمال وإن أمكن لكن ما قبله أولى بالاعتماد منه. إلخ.

قال الأميني : هب أنّ عثمان قُتل مظلوماً بيد الجور والتعدّي.

وأنّه لم يك يقترف قطّ ما يهدر دمه.

وأنّ قتله لم يقع بعد إقامة الحجّة عليه والأخذ بكتاب الله في أمره.

وأنّه لم يُقتل في معمعة بين آلاف مكردسة من المدنيّين ، والمصريّين ، والكوفيّين ، والبصريّين.

٤٢٢

ولم تكن البلاد تمخّضت عليه ، وما نقم عليه عباد الله الصالحون.

وأنّ قاتله لم يُجهل من يوم أودى به ، وكان مشهوداً يُشار إليه ، ولم يكن قتيل عمّيّة (١) لا يُدرى من قتله ، حتى تكون ديته من بيت مال المسلمين.

ولم يُقتل الذين باشروا قتله ، وكان قد بقي منهم باقية يقتصّ منها.

وأنّ المهاجرين والأنصار ما اجتمعوا على قتله ، ولم تكن لأولئك المجتهدين العدول يد في تلك الواقعة ، ولم يشارك في دمه عيون الصحابة.

وأنّ أهل المدينة ليسوا كاتبين إلى من بالآفاق من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّكم إنّما خرجتم أن تجاهدوا في سبيل الله عزّ وجلّ تطلبون دين محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فإنّ دين محمد قد أفسده من خلفكم وترك ، فهلمّوا فأقيموا دين محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

وأنّ المهاجرين لم يكتبوا إلى من بمصر من الصحابة والتابعين : أن تعالوا إلينا وتداركوا خلافة رسول الله قبل أن يسلبها أهلها ، فإنّ كتاب الله قد بُدّل ، وسنّة رسول الله قد غُيّرت ، وأحكام الخليفتين قد بُدّلت. إلى آخر ما مرّ (ج ٩).

وأنّ طلحة ، والزبير ، وأمّ المؤمنين عائشة ، وعمرو بن العاص ، لم يكونوا أشدّ الناس عليه ، ولم يكن لهم تركاض وراء تلك الثورة.

وما قرع سمع الدنيا نداء عثمان : ويلي على ابن الحضرميّة ـ يعني طلحة ـ أعطيته كذا وكذا بهاراً ذهباً وهو يروم دمي ، يحرّض على نفسي.

وأنّ طلحة لم يقل : إن قُتل ـ عثمان ـ فلا ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل ، وأنّه لم يمنع الناس عن إيصال الماء إليه.

وأنّ مروان لم يقتل طلحة دون دم عثمان ، ولم يُؤثر عنه قوله يومئذ : لا أطلب بثأري بعد اليوم.

__________________

(١) بكسر العين والميم المشدّدة مع تشديد الياء. (المؤلف)

٤٢٣

وأنّ الزبير ما باح بقوله : اقتلوه فإنّه غيّر دينكم ، وأنّ عثمان لجيفة على الصراط غدا.

وأنّ عائشة ما رفعت عقيرتها بقولها : اقتلوا نعثلاً قتله الله فقد كفر. وأنّها لم تقل لمروان : وددت والله أنّك وصاحبك هذا الذي يعنيك أمره ، في رجل كلّ واحد منكما رحاً وأنّكما في البحر. ولم تقل لابن عبّاس : إيّاك أن تردّ الناس عن هذا الطاغية.

وأنّ عمرو بن العاص لم يقل : أنا أبو عبد الله قتلته وأنا بوادي السباع ، إن كنت لأحرّض عليه حتى أنّي لأحرّض عليه الراعي في غنمه في رأس الجبل.

وأنّ سعد بن أبي وقّاص لم يبح بقوله : أمسكنا نحن ولو شئنا دفعناه عنه.

وأنّ عثمان لم يبق جثمانه مُلقى ثلاثا في مزبلة لا يُهمّ أمره أحداً من المهاجرين والأنصار وغيرهم من الصحابة العدول.

وأنّ طلحة لم يك يمنع عن تجهيزه ودفنه في مقابر المسلمين ، وأنّه لم يُقبر في حشّ كوكب جبّانة اليهود ، بعد ذلّ الاستخفاف.

وأنّ ما أسلفناه في الجزء التاسع من حديث أُمّة كبيرة من الصحابة ، وفيهم العمد والدعائم كلّ ذلك لم يصحّ.

وأنّ إمام الوقت ليس له العفو عن قصاص ، كما عفا عثمان عن عُبيد الله بن عمر حين قتل هرمزان وجُفينة بنت أبي لؤلؤة بلا أيّ جريرة.

وأنّ معاوية لم يك يتثبّط عن نصرته ، ولم يتربّص عليه دائرة السوء ، ولم يشهد عليه عيون الصحابة بأنّ الدم المهراق عنده ، وأنّه أولى رجل بأن يُقتص منه ويؤخذ بدم عثمان.

وأنّ عثمان لم يكن له خلف يتولّى دمه غير معاوية.

وأنّ عليّا عليه‌السلام هو الذي قتل عثمان ، أو آوى قاتليه.

٤٢٤

وأنّ معاوية لم يك غائباً عن ذلك الموقف ، وكان ينظر إليه من كثب ، فعلم بمن قتله ، وبمن انحاز عن قتله.

وأنّ ما ادّعاه معاوية لم يكن إفكاً وبهتاً وزوراً من القول ، متّخذاً عن شهادة مزوّرة واختلاق.

وأنّ هذه الخصومة لها شأن خاصّ لا ترفع كبقيّة الخصومات إلى إمام الوقت.

وأنّ قتال معاوية إنّما كان لطلب قتلة عثمان فحسب لا لطلب الخلافة ، وأنّه لم يك يروم الخلافة في قتاله بعد ما كان يعلم نفسه أنّه طليق وابن طليق ، ليس ببدريّ ولا له سابقة ، وأنّه لا يستجمع شرائط الخلافة ، وأنّه لم تؤهّله لها الخيرة والإجماع والانتخاب.

هب أنّ الوقائع هكذا وقعت ـ يا ابن حجر ـ واغضض عن كلّ ما هنالك من حقائق ثابتة على الضدّ ممّا سُطر (١) ، فهلاّ كانت مناوأة معاوية لخليفة وقته الإمام المنصوص والمجمع عليه خروجاً عليه؟! وهلاّ كان الحزب السفياني بذلك بُغاةً أهانوا سلطان الله ، واستذلّوا الإمارة الحقّة ، وخلعوا ربقة الاسلام من أعناقهم؟ فاستوجبوا إهانة الله ، يجب قتالهم ودرؤهم عن حوزة الإيمان ، وكانوا مصاديق للأحاديث المذكورة في أوّل هذا البحث (ص ٢٧٢ ، ٢٧٣).

إنّ معاوية لم يكن خليفة ولا انعقدت له بيعة ، وإنّما كان والياً عمّن تقدّم من الذين تصرّمت أيّام خلافتهم ، فلزمته بيعة أمير المؤمنين وهو بالشام ، كما كتب إليه بذلك الإمام عليه‌السلام ، وكان تصدّيه للشؤون العامّة والياً على أهل ناحيته محتاجاً إلى أمر جديد ، أو تقرير لولايته الأولى من خليفة الوقت ، وكلّ ذلك لم يكن ، إن لم نقل : إنّ أمير المؤمنين عليه‌السلام عزله عمّا تولاّه ، وإنّه سلام الله عليه أوفد عليه من يبلّغه عنه لزوم الطاعة واللحوق بالجماعة ، كما إنّه عليه‌السلام كتب إليه بذلك.

__________________

(١) راجع الجزء التاسع حتى تقف على حقيقة الأمر. (المؤلف)

٤٢٥

حديث الوفود :

وفد علي عليه‌السلام الأوّل :

أوفد الإمام عليه‌السلام في أوّل ذي الحجّة سنة (٣٦) بشير بن عمرو بن محصن الأنصاري ، وسعيد بن قيس الهمداني ، وشبث بن ربعي التميمي على معاوية ، وقال : ائتوا هذا الرجل فادعوه إلى الله ، وإلى الطاعة والجماعة. فأتوه ودخلوا عليه ، فتكلّم بشير بن عمرو ، فحمد الله وأثنى عليه وقال : يا معاوية ، إنّ الدنيا عنك زائلة ، وإنّك راجع إلى الآخرة ، وإنّ الله عزّ وجلّ محاسبك بعملك ، وجازيك بما قدّمت يداك ، وإنّي أنشدك الله عزّ وجلّ أن تفرّق جماعة هذه الأمّة ، وأن تسفك دماءها بينها.

فقطع عليه الكلام وقال : هلاّ أوصيت بذلك صاحبك؟ فقال بشير : إنّ صاحبي ليس مثلك ، إنّ صاحبي أحقّ البريّة كلّها بهذا الأمر في الفضل ، والدين ، والسابقة في الإسلام ، والقرابة من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. قال : فيقول ما ذا؟ قال : يأمرك بتقوى الله عزّ وجلّ ، وإجابة ابن عمّك إلى ما يدعوك إليه من الحقّ ، فإنّه أسلم لك في دنياك ، وخير لك في عاقبة أمرك.

قال معاوية : ونُطلّ دم عثمان رضى الله عنه؟ لا والله لا أفعل ذلك أبداً.

فتكلّم شبث بن ربعي ، فحمد الله وأثنى عليه ، وقال :

يا معاوية إنّي قد فهمت ما رددت على ابن محصن ، إنّه والله ما يخفى علينا ما تغزو وما تطلب ، إنّك لم تجد شيئاً تستغوي به الناس ، وتستميل به أهواءهم ، وتستخلص به طاعتهم ، إلاّ قولك : قُتل إمامكم مظلوماً فنحن نطلب بدمه ، فاستجاب له سفهاء طغام ، وقد علمنا أنّك قد أبطأت عنه بالنصر ، وأحببت له القتل ، لهذه المنزلة التي أصبحت تطلب ، وربّ متمنّي أمر وطالبه الله عزّ وجلّ يحول دونه بقدرته ،

٤٢٦

وربّما أوتي المتمنّي أُمنيّته وفوق أُمنيّته ، وو الله مالك في واحدة منهما خير ، لئن أخطأت ما ترجو ، إنّك لشرّ العرب حالاً في ذلك ، ولئن أصبت ما تمنّى لا تصيبه حتى تستحقّ من ربّك صليّ النار ، فاتّق الله يا معاوية ودع ما أنت عليه ، ولا تنازع الأمر أهله.

فتكلّم معاوية وكان من كلامه : فقد كذبت ولؤُمت أيّها الأعرابيّ الجلف الجافي في كلّ ما ذكرت ووصفت ، انصرفوا من عندي ، فإنّه ليس بيني وبينكم إلاّ السيف ، وغضب وخرج القوم ، وأتوا عليّا وأخبروه بالذي كان من قوله (١).

وفد علي عليه‌السلام الثاني :

ولمّا دخلت سنة (٣٧) توادعا على ترك الحرب في المحرّم إلى انقضائه طمعاً في الصلح ، واختلف فيما بينهما الرسل في ذلك من دون جدوى ، فبعث علي عليه‌السلام عديّ بن حاتم ، ويزيد بن قيس ، وشبث بن ربعي ، وزياد بن حنظلة (٢) إلى معاوية ، فلمّا دخلوا عليه تكلّم عديّ بن حاتم ، فحمد الله ثم قال :

أمّا بعد : فإنّا أتيناك ندعوك إلى أمر يجمع الله عزّ وجلّ به كلمتنا وأُمّتنا ويحقن به الدماء ، ويؤمن به السبل ، ويُصلح به ذات البين ، إنّ ابن عمّك سيّد المسلمين ، أفضلها سابقة ، وأحسنها في الإسلام أثراً ، وقد استجمع له الناس ، وقد أرشدهم الله عزّ وجلّ بالذي رأوا ، فلم يبق أحد غيرك وغير من معك ، فانتهِ يا معاوية لا يصبك الله وأصحابك بيوم مثل يوم الجمل.

فقال معاوية : كأنّك إنّما جئت متهدّداً ، لم تأت مصلحاً ، هيهات يا عديّ ، كلاّ

__________________

(١) تاريخ الطبري : ٥ / ٢٤٢ [٤ / ٥٧٣ حوادث سنة ٣٦ ه‍] ، الكامل لابن الأثير : ٣ / ١٢٢ [٢ / ٣٦٥ حوادث سنة ٣٦ ه‍] ، تاريخ ابن كثير : ٧ / ٢٥٦ [٧ / ٢٨٥ حوادث سنة ٣٦ ه‍]. (المؤلف)

(٢) في المصادر الثلاثة أعلاه : زيادة بن خصفة.

٤٢٧

والله ، إنّي لابنُ حرب ما يُقَعْقَعُ لي بالشنان (١) ، أما والله إنّك لمن المجلبين على ابن عفّان ٢ ، وإنّك لمن قتلته ، وإنّي لأرجو أن تكون ممّن يقتل الله عزّ وجلّ به ، هيهات يا عديّ بن حاتم قد حلبت بالساعد الأشدّ.

فقال له شبث بن ربعي ، وزياد بن حنظلة : أتيناك فيما يصلحنا وإيّاك ، فأقبلت تضرب الأمثال ، دع ما لا ينتفع به من القول والفعل ، وأجبنا فيما يعمّنا وإيّاك نفعه.

وتكلّم يزيد بن قيس ، فقال :

إنّا لم نأتك إلاّ لنبلغك ما بُعثنا به إليك ، ولنؤدّي عنك ما سمعنا منك ، ونحن ـ على ذلك ـ لن ندع أن ننصح لك ، وأن نذكر ما ظننّا أنّ لنا عليك به حجّة ، وأنّك راجع به إلى الألفة والجماعة ، إنّ صاحبنا من قد عرفت وعرف المسلمون فضله ، ولا أظنّه يخفى عليك ، إنّ أهل الدين والفضل لم يعدلوا بعليّ ، ولن يميّلوا (٢) بينك وبينه فاتّق الله يا معاوية ولا تخالف عليّا ، فإنّا والله ما رأينا رجلاً قطّ أعمل بالتقوى ، ولا أزهد في الدنيا ، ولا أجمع لخصال الخير كلّها منه.

فتكلّم معاوية وقال : أمّا بعد : فإنّكم دعوتم إلى الطاعة والجماعة ، فأمّا الجماعة التي دعوتم إليها فمعنا هي ، وأمّا الطاعة لصاحبكم فإنّا لا نراها ، إنّ صاحبكم قتل خليفتنا ، وفرّق جماعتنا ، وآوى ثأرنا وقتلتنا ، وصاحبكم يزعم أنّه لم يقتله ، فنحن لا نردّ ذلك عليه ، أرأيتم قتلة صاحبنا؟ ألستم تعلمون أنّهم أصحاب صاحبكم؟ فليدفعهم إلينا فلنقتلهم به ، ثم نحن نجيبكم إلى الطاعة والجماعة.

فقال له شبث : أيسرّك يا معاوية أنّك أُمِكنت من عمّار تقتله؟ فقال معاوية :

__________________

(١) القعقعة : تحريك الشيء اليابس الصلب مع صوت. والشنان جمع شنّ بالفتح : القربة البالية. وإذا قعقع بالشنان للإبل نفرت ، وهو مثل يضرب لمن لا يروعه ما لا حقيقة له. (المؤلف)

(٢) التمييل بين الشيئين : الترجيح بينهما ، وقوله : لن يميّلوا ، أي لن يشكّوا ويترددوا ، فلا يحتاج الأمر إلى المقارنة والترجيح بينكما.

٤٢٨

وما يمنعني من ذلك؟ والله لو أُمِكنت من ابن سميّة ما قتلته بعثمان رضى الله عنه ، ولكن كنت قاتله بناتل مولى عثمان. فقال شبث :

وإله الأرض وإله السماء ما عدلت معتدلاً ، لا والذي لا إله إلاّ هو ، لا تصل إلى عمّار حتى تندُر الهام عن كواهل الأقوام ، وتضيق الأرض الفضاء عليك برحبها.

فقال له معاوية : إنّه لو قد كان ذلك كانت الأرض عليك أضيق.

وتفرّق القوم عن معاوية ، فلمّا انصرفوا ، بعث معاوية إلى زياد بن حنظلة (١) التميمي فخلا به ، فحمد الله وأثنى عليه ، وقال :

أمّا بعد يا أخا ربيعة ، فإنّ عليّا قطع أرحامنا ، وآوى قتلة صاحبنا ، وإنّي أسألك النصر بأُسرتك وعشيرتك ، ثم لك عهد الله جلّ وعزّ وميثاقه أن أُولّيك إذا ظهرت أيّ المصرين أحببت. قال زياد : فلمّا قضى معاوية كلامه ، حمدت الله عزّ وجلّ وأثنيت عليه ، ثم قلت :

أمّا بعد : فإنّي على بيّنة من ربّي ، وبما أنعم عليّ ، فلن أكون ظهيراً للمجرمين ، ثم قمت (٢).

وروى ابن ديزيل من طريق عمرو بن سعد بإسناده ، أنّ قرّاء أهل العراق ، وقرّاء أهل الشام عسكروا ناحية وكانوا قريباً من ثلاثين ألفاً ، وأنّ جماعة من قرّاء العراق منهم : عبيدة السلماني ، وعلقمة بن قيس ، وعامر بن عبد قيس ، وعبد الله بن عتبة بن مسعود وغيرهم ، جاءوا معاوية فقالوا له : ما تطلب؟ قال : أطلب بدم عثمان. قالوا : فمن تطلب به؟ قال : عليّا. قالوا : أهو قتله؟ قال : نعم وآوى قتلته. فانصرفوا إلى عليّ فذكروا له ما قال فقال : «كذب لم أقتله وأنتم تعلمون أنّي لم أقتله» ، فرجعوا

__________________

(١) مرّ أنه في المصادر الثلاثة : زياد بن خصفة.

(٢) تاريخ الطبري : ٦ / ٣ [٥ / ٧٥ حوادث سنة ٣٨ ه‍] ، الكامل لابن الأثير : ٣ / ١٢٤ [٢ / ٣٦٧ سنة ٣٧] ، تاريخ ابن كثير : ٧ / ٢٥٨ [٧ / ٢٨٦ حوادث سنة ٣٧ ه‍]. (المؤلف)

٤٢٩

إلى معاوية ، فقال : إن لم يكن قتله بيده فقد أمر رجالاً ، فرجعوا إلى عليّ فقال : «والله لا قتلت ولا أمرت ولا ماليت». فرجعوا فقال معاوية : فإن كان صادقاً فليقدنا من قتلة عثمان ، فإنّهم في عسكره وجنده. فرجعوا ، فقال عليّ : «تأوّل القوم عليه القرآن في فتنة ووقعت الفرقة لأجلها ، وقتلوه في سلطانه وليس لي عليهم سبيل». فرجعوا إلى معاوية فأخبروه ، فقال : إن كان الأمر على ما يقول فما له أنفذ الأمر دوننا من غير مشورة منّا ولا ممّن هاهنا؟ فرجعوا إلى عليّ فقال عليّ : «إنّما الناس مع المهاجرين والأنصار ، فهم شهود الناس على ولايتهم وأمر دينهم ، ورضوا وبايعوني ، ولست أستحلّ أن أدع مثل معاوية يحكم على الأُمّة ويشق عصاها» ، فرجعوا إلى معاوية ، فقال : ما بال من هاهنا من المهاجرين والأنصار لم يدخلوا في هذا الأمر؟ فرجعوا ، فقال عليّ : «إنّما هذا للبدريّين دون غيرهم ، وليس على وجه الأرض بدريّ إلاّ وهو معي ، وقد بايعني وقد رضي ، فلا يغرنّكم من دينكم وأنفسكم» (١).

هاهنا تجد الباغي متجهّما تجاه تلك الدعوة الحقّة كأنّه هو بمفرده ، أو هو وطغام الشام والأحلاف الذين حوله بيدهم عقدة أمر الأُمّة ، تنحلّ وتُعقد بمشيئتهم والمهاجرون والأنصار والبدريّون من الصحابة قطّ لا قيمة لهم ، ولا لبيعتهم وجماعتهم ، عنده في سوق الاعتبار ، يقول : إنّ الجماعة معه ، وإنّ الطاعة لا يراها هو ، على حين أنّهما حصلتا له ـ صلوات الله عليه ـ رضي به ابن هند أو أبى ، وأنّ الجماعة التي كانت لعليّ عليه‌السلام وبيعتهم إيّاه كانت من سروات المجد ، وأهل الحلّ والعقد من المهاجرين والأنصار ، ووجوه الأمصار والبلاد ، ولم يتحقّق إجماع في الإسلام مثله ، وأمّا التي كانت لمعاوية في حسبانه فمن رعرعة الشام ، وروّاد الفتن ، وسماسرة الأهواء ، ولم يكن معه ـ كما قال سيّدنا قيس بن سعد بن عبادة ـ : إلاّ طليق أعرابي أو يمانيّ مستدرج ، وكان معه مائة ألف ما فيهم من يفرّق بين الناقة والجمل ، كما مرّ

__________________

(١) تاريخ ابن كثير : ٧ / ٢٥٨ [٧ / ٢٨٧ حوادث سنة ٣٧ ه‍]. (المؤلف)

٤٣٠

حديثه في (ص ١٩٥) ، فأيّ عبرة بموقف هؤلاء؟ وأيّ قيمة لبيعتهم بعد شذوذهم عن الحقّ ، ونبذهم إيّاه وراء ظهورهم؟

من يكن ابن آكلة الأكباد وزبانيته حتى يكون لهم رأي في الخلافة؟ ويطلبوا من أمير المؤمنين اعتزال الأمر ، وردّه شورى بين المسلمين ، بعد أنّ العمد والدعائم من المسلمين رضوا بتلكم البيعة وعقدوها للإمام الحقّ على زهد منه عليه‌السلام فيها ، لكنّهم تكاثروا عليه كعرف الفرس ، حتى لقد وطئ الحسنان ، وشقّ عطفاه ، فكان تدخّل الطليق ابن الطليق في أمر الأُمّة الذي أصفق عليه رجال الرأي والنظر تبرّعاً منه من غير طلب ولا جدارة ، بل كان خروجاً على الإمام الذي كانت معه جماعة المسلمين ، وانعقدت عليه طاعتهم ، فتبّا لمن شقّ عصاهم ، وفتّ في عضدهم.

وابن هند إن لم يكن ينازع للخلافة كما حسبه ابن حجر ، فما كانت تلك المحاباة وتغرير وجوه الناس ورجالات الثورات بولايات البلاد؟ فترى يجعل مصر طعمة لعمرو ابن العاص ، وله خطواته الواسعة وراء قتل عثمان ، ويعهد على زياد التميمي أن يولّيه أيّ المصرين أحبّ إذا ظهر ، غير أنّ التميمي كان على بيّنة من ربّه فيما أنعم الله عليه لم يك ظهيراً للمجرمين ، وكذلك قيس بن سعد الأنصاري ، كتب إليه معاوية يعده بسلطان العراقين إذا ظهر ما بقي ، ولمن أحبّ قيس سلطان الحجاز ما دام له سلطان (١) ، وقيس شيخ الأنصار ، وهم المتسربلون بالحديد يوم الجمل ، قائلين : نحن قتلة عثمان.

ولنا حقّ النظر في قوله لشبث بن ربعي : وما يمنعني من ذلك ، والله لو أُمكنت من ابن سميّة ما قتلته بعثمان ... إلى آخره. من الذي أخبر معاوية عن عمّار وعن قتله عثمان ومولاه ناتل؟ وكان معاوية يومئذ بالشام ، ولينظر في البيّنة التي حكم بها على عمّار ، ولعلّها قامت بشهادة مزوّرة زوّرها نفس معاوية جرياً على عادته في أمثال هذه المواقف.

__________________

(١) تاريخ الطبري : ٥ / ٢٢٨ [٤ / ٥٥٠ حوادث سنة ٣٦ ه‍]. (المؤلف)

٤٣١

وإن صدق في دعواه وكان الأمر كما قرّره هو ، فلا قود عندئذ ، إذ عمّار من المجتهدين العدول ، لا يقتل إنساناً إلاّ من هدر الإسلام دمه ، يُتّبع أثره ، ولا يُنقض حكمه ، كيف لا؟ وقد ورد الثناء عليه في خمس آيات فصّلناها في (٩ / ٢١ ـ ٢٤) ، وجاء عن النبيّ الأعظم قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إنّ عمارا مُلئ إيماناً من قرنه إلى قدمه ، وخلط الإيمان بلحمه ودمه».

وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «عمّار خلط الله الإيمان ما بين قرنه إلى قدمه ، وخلط الإيمان بلحمه ودمه ، يزول مع الحقّ حيث زال ، وليس ينبغي للنار أن تأكل منه شيئاً».

وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «مُلئ إيماناً إلى مشاشه. وفي لفظ : حُشي ما بين أخمص قدميه إلى شحمة أُذنيه إيماناً».

وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إنّ عماراً مع الحقّ والحقّ معه ، يدور عمّار مع الحقّ أينما دار ، وقاتل عمّار في النار».

وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إذا اختلف الناس كان ابن سميّة مع الحقّ».

وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «دم عمّار ولحمه حرام على النار أن تطعمه».

وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «ما لهم ولعمّار؟ يدعوهم إلى الجنّة ويدعونه إلى النار ، إنّ عمّاراً جلدة ما بين عينيّ وأنفي ، فإذا بلغ ذلك من الرجل فلم يُستبق فاجتنبوه».

نعم : صدق معاوية في قوله : ما يمنعني من ذلك؟ وأيّ وازع للإنسان عن قتل عمّار إذا ما صدّق النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في أقواله هذه وقوله : «ما لقريش وعمّار يدعوهم إلى الجنّة ، ويدعونه إلى النار ، قاتله وسالبه في النار».

وقوله : «من عادى عمّاراً عاداه الله ، ومن أبغض عمّاراً أبغضه الله ، ومن يسفّه عمّاراً يسفّهه الله ، ومن يسبّ عمّاراً يسبّه الله ، ومن يحقّر عماراً حقّره الله ، ومن يلعن

٤٣٢

عمّاراً لعنه الله ، ومن ينتقص عمّاراً ينتقصه الله» (١).

وفد معاوية إلى الإمام عليه‌السلام :

وبعث معاوية إلى عليّ : حبيب بن مسلمة الفهري ، وشرحبيل بن السمط ، ومعن بن يزيد بن الأخنس ، فدخلوا عليه ، وتكلّم حبيب ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال :

أمّا بعد : فإنّ عثمان بن عفّان رضى الله عنه كان خليفة مهديّا ، يعمل بكتاب الله عزّ وجلّ ، ويُنيب إلى أمر الله تعالى ، فاستثقلتم حياته ، واستبطأتم وفاته ، فعدوتم عليه فقتلتموه رضى الله عنه ، فادفع إلينا قتلة عثمان ـ إن زعمت أنّك لم تقتله ـ نقتلهم به ، ثم اعتزل أمر الناس ، فيكون أمرهم شورى بينهم ، يُولّي الناس أمرهم من أجمع عليه رأيهم.

فقال له عليّ بن أبي طالب : «وما أنت لا أُمّ لك والعزل ، وهذا الأمر؟ اسكت ، فإنّك لست هناك ولا بأهل له». فقام وقال له : والله لترينّي بحيث تكره. فقال عليّ : «وما أنت ولو أجلبت بخيلك ورجلك؟ لا أبقى الله عليك إن أبقيت عليّ ، أحُقرة وسوءاً؟ اذهب فصوّب وصعّد ما بدا لك».

وقال شرحبيل : إنّي إن كلّمتك فلعمري ما كلامي إلاّ مثل كلام صاحبي قبل ، فهل عندك جواب غير الذي أجبته به؟ فقال عليّ : «نعم ، لك ولصاحبك جواب غير الذي أجبته به» ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال :

«أمّا بعد : فإنّ الله جلّ ثناؤه بعث محمداً صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالحقّ ، فأنقذ به من الضلالة ، وانتاش به من الهلكة ، وجمع به من الفرقة ، ثم قبضه الله إليه ، وقد أدّى ما عليه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثم استخلف الناس أبا بكر رضى الله عنه ، واستخلف أبو بكر عمر رضى الله عنه ، فأحسنا السيرة ،

__________________

(١) راجع تفصيل هذه الأحاديث في الجزء التاسع : ص ٢٤ ـ ٢٨. (المؤلف) [وانظر أيضاً : ١ / ٥٩٦ ، ٥٩٧ و ٩ / ٢٥٩ و ١٠ / ١٧٠].

٤٣٣

وعَدَلا في الأُمّة ، وقد وجدنا عليهما أن تولّيا علينا ، ونحن آل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فغفرنا ذلك لهما ، وولي عثمان رضى الله عنه فعمل بأشياء عابها الناس عليه ، فساروا إليه فقتلوه ، ثم أتاني الناس وأنا معتزل أُمورهم ، فقالوا لي : بايع ، فأبيت عليهم ، فقالوا لي : بايع ، فإنّ الأُمّه لا ترضى إلاّ بك ، وإنّا نخاف إن لم تفعل أن يفترق الناس ، فبايعتهم ، فلم يرعني إلاّ شقاق رجلين قد بايعاني ، وخلاف معاوية الذي لم يجعل الله عزّ وجلّ له سابقة في الدين ، ولا سلف صدق في الإسلام ، طليق ابن طليق ، حزب من هذه الأحزاب ، لم يزل لله عزّ وجلّ ولرسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وللمسلمين عدوّا ، هو وأبوه ، حتى دخلا في الإسلام كارهين ، فلا غرو إلاّ خلافكم معه ، وانقيادكم له ، وتدعون آل نبيّكم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذين لا ينبغي لكم شقاقهم ولا خلافهم ، ولا أن تعدلوا بهم من الناس أحداً ، ألا إنّي أدعوكم إلى كتاب الله عزّ وجلّ ، وسنّة نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإماتة الباطل ، وإحياء معالم الدين ، أقول قولي هذا ، واستغفر الله لي ولكم ولكلّ مؤمن ومؤمنة ومسلم ومسلمة».

فقالا : اشهد أنّ عثمان رضى الله عنه قُتل مظلوماً. فقال لهما : «لا أقول إنّه قُتل مظلوماً ، ولا أنّه قُتل ظالماً». قالا : فمن لم يزعم أنّ عثمان قُتل مظلوماً فنحن منه برآء. ثم قاما فانصرفا ، فقال عليّ : (إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ* وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ) (١). (٢)

أنباءٌ في طيّات الكتب تُعرب عن مرمى معاوية :

هلمّ معي ننظر في شطر من كتب ابن حرب المعربة عن مرماه الذي كان تركاضه وراءه ، هل فيها إيعاز أو تلويح أو تصريح بغايته المتوخّاة في نزاعه الإمام الطاهر عليه‌السلام ، وأنّه كان يروم الخلافة ويحوم حولها وينازع الأمر أهله ، رغم إنكار ابن

__________________

(١) النمل : ٨٠ ، ٨١.

(٢) تاريخ الطبري : ٦ / ٤ [٥ / ٧ حوادث سنة ٣٧ ه‍] ، الكامل لابن الأثير : ٣ / ١٢٥ [٢ / ٣٦٨ حوادث سنة ٣٧ ه‍] ، تاريخ ابن كثير : ٧ / ٢٥٨ [٧ / ٢٨٧ حوادث سنة ٣٧ ه‍]. (المؤلف)

٤٣٤

حجر إيّاه إنكاراً باتّا نصرةً له.

إنّ النعمان بن بشير لمّا قدم على معاوية بكتاب زوجة عثمان تذكر فيه دخول القوم عليه ، وما صنع محمد بن أبي بكر من نتف لحيته ، في كتاب رقّقت فيه وأبلغت حتى إذا سمعه السامع بكى حتى يتصدّع قلبه. وبقميص عثمان مخضّباً بالدم ممزّقاً ، وعقدت شعر لحيته في زر القميص ، قال : فصعد المنبر معاوية بالشام وجمع الناس ، ونشر عليهم القميص ، وذكر ما صنعوا بعثمان فبكى الناس وشهقوا حتى كادت نفوسهم أن تزهق ، ثم دعاهم إلى الطلب بدمه ، فقام إليه أهل الشام فقالوا : هو ابن عمّك وأنت وليّه ، ونحن الطالبون معك بدمه ، فبايعوه أميراً عليهم ، وكتب ، وبعث الرسل إلى كور الشام ، وكتب إلى شُرحبيل بن السمط الكندي وهو بحمص ، يأمره أن يبايع له بحمص كما بايع أهل الشام ، فلمّا قرأ شُرحبيل كتاب معاوية ، دعا أُناساً من أشراف أهل حمص ، فقال لهم : ليس من قتل عثمان بأعظم جرماً ممّن يبايع لمعاوية أميراً ، وهذه سقطة ، ولكنّا نبايع له بالخلافة ، ولا نطلب بدم عثمان مع غير خليفة ، فبايع لمعاوية بالخلافة هو وأهل حمص ، ثم كتب إلى معاوية : أمّا بعد : فإنّك أخطأت خطأ عظيماً حين كتبت إليّ أن أُبايع لك بالإمرة ، وأنّك تريد أن تطلب بدم الخليفة المظلوم وأنت غير خليفة ، وقد بايعت ومن قبلي لك بالخلافة.

فلمّا قرأ معاوية كتابه سرّه ذلك ، ودعا الناس ، وصعد المنبر وأخبرهم بما قال شُرحبيل ، ودعاهم إلى بيعته بالخلافة ، فأجابوه ولم يختلف منهم أحد ، فلمّا بايع القوم له بالخلافة ، واستقام له الأمر ، كتب إلى عليّ (١).

وفي حديث عثمان بن عبيد الله الجرجاني قال :

بويع معاوية على الخلافة ، فبايعه الناس على كتاب الله وسنّة نبيّه ، فأقبل مالك ابن هبيرة الكندي ـ وهو يومئذٍ رجل من أهل الشام ـ فقام خطيباً ، وكان غائباً من

__________________

(١) الإمامة والسياسة : ١ / ٦٩ ، ٧٠ [١ / ٧٤]. (المؤلف)

٤٣٥

البيعة ، فقال : يا أمير المؤمنين أخدجت هذا الملك ، وأفسدت الناس ، وجعلت للسفهاء مجالاً (١) ، وقد علمتِ العرب أنّا حيّ فِعال ، ولسنا بحيّ مقال ، وإنّا نأتي بعظيم فعالنا على قليل مقالنا ، فابسط يدك أُبايعك على ما أحببنا وكرهنا.

فقال الزبرقان بن عبد الله السكوني :

معاويَ أخدجتَ الخلافةَ بالتي

شرطتَ فقد بوّا لك الملكَ مالكُ

ببيعة فصلٍ ليس فيها غميزةٌ

ألا كلُّ ملكٍ ضمّه الشرط هالكُ

وكان كبيتِ العنكبوتِ مذبذباً

فأصبح محجوباً عليه الأرائكُ

وأصبح لا يرجوه راجٍ لعلّةٍ

ولا تنتحي فيه الرجال الصعالكُ

وما خيرُ ملكٍ يا معاويَ مُخدجٍ

تُجُرِّعَ فيه الغيظُ والوجهُ حالكُ

إذا شاء ردّته السَّكونُ وحِمْيرٌ

وهمْدانُ والحيّ الخفاف السكاسكُ (٢)

جرت بين الإمام عليه‌السلام وبين معاوية مكاتبات ، نحن نأخذ من تلكم الكتب ما يخصّ الموضوع ، كتب عليه‌السلام إليه في أوّل ما بويع له بالخلافة :

«أمّا بعد : فقد علمت إعذاري فيكم ، وإعراضي عنكم ، حتى كان ما لا بدّ منه ، ولا دفع له ، والحديث طويل ، والكلام كثير ، وقد أدبر ما أدبر ، وأقبل ما أقبل ، فبايع من قبلك ، وأقبل إليّ في وفد من أصحابك ، والسلام».

وفي لفظ :

«أمّا بعد : فإنّ الناس قتلوا عثمان عن غير مشورة منّي ، وبايعوني عن مشورة منهم واجتماع ، فإذا أتاك كتابي فبايع لي ، وأوفد إليّ أشراف أهل الشام قبلك».

وفي لفظ ابن قتيبة : «أمّا بعد : فقد ولّيتك ما قبلك من الأمر والمال ، فبايع من

__________________

(١) في وقعة صفّين : مقالاً.

(٢) كتاب صفّين لابن مزاحم : ص ٩٠ [ص ٨١]. (المؤلف)

٤٣٦

قبلك ، ثم أقدم إليّ في ألف رجل من أهل الشام».

فكتب معاوية : أمّا بعد ، فإنّه :

ليس بيني وبين قيس عتاب

غير طعن الكلى وضرب الرقاب

ومن كتاب له عليه‌السلام إلى معاوية : «وقد بلغك ما كان من قتل عثمان ؛ وبيعة الناس عامّة إيّاي ، ومصارع الناكثين لي ، فادخل فيما دخل الناس فيه ، وإلاّ فأنا الذي عرفت ، وحولي من تعلمه. والسلام».

وممّا كتب عليه‌السلام إليه مع جرير البجلي : «فإنّ بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام ، لأنّه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه ، فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يردّ ، وإنّما الشورى للمهاجرين والأنصار ، فإذا اجتمعوا على رجل وسمّوه إماماً ، كان ذلك لله رضاً ، وإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة (١) ردّوه إلى ما خرج منه ، فإن أبى قاتلوه على اتّباعه غير سبيل المؤمنين ، وولاّه الله ما تولّى ، وأصلاه جهنّم وساءت مصيراً.

فادخل فيما دخل فيه المسلمون ، فإنّ أحبّ الأُمور إليّ قبولك العافية (٢) ، إلاّ أن تتعرّض للبلاء ، فإن تعرّضت له قاتلتك ، واستعنت بالله عليك ، وقد أكثرت في قتلة عثمان ، فإن أنت رجعت عن رأيك وخلافك ، ودخلت فيما دخل فيه المسلمون ، ثم حاكمت القوم إليّ ، حملتك وإيّاهم على كتاب الله ، وأمّا تلك التي تريدها فهي خُدعة الصبيّ عن اللبن.

واعلم أنّك من الطلقاء الذين لا تحلّ لهم الخلافة ، ولا تُعقد معهم الإمامة ، ولا يدخلون في الشورى ، وقد بعثت إليك وإلى من قبلك جرير بن عبد الله البجلي ،

__________________

(١) في وقعة صفّين وشرح النهج : بطعن أو رغبة.

(٢) في وقعة صفّين وشرح النهج : فإنّ أحبّ الأمور إليّ فيك العافية.

٤٣٧

وهو من أهل الإيمان والهجرة ، فبايعه ، ولا قوّة إلاّ بالله».

قدم جرير على معاوية بكتاب عليّ ، فلمّا أبطأ عليه معاوية برأيه استحثّه بالبيعة ، فقال له معاوية : يا جرير إنّ البيعة ليست بخلسة ، وإنّه أمر له ما بعده ، فأبلعني ريقي ، ودعا أهل ثقته فاستشارهم ، فقال له أخوه عتبة : استعن على هذا الأمر بعمرو بن العاص ، فإنّه من قد عرفت ، فكتب معاوية إلى عمرو ، وهو بفلسطين.

أمّا بعد : فقد كان من أمر عليّ وطلحة والزبير ما قد بلغك ، وقد سقط إلينا مروان بن الحكم في نفر من أهل البصرة ، وقدم علينا جرير بن عبد الله في بيعة عليّ ، وقد حبست نفسي عليك ، فاقدم على بركة الله أُذاكرك أُموراً لا تعدم صلاح مغبّتها إن شاء الله.

فقال معاوية لجرير : إنّي قد رأيت رأياً ، قال جرير : هات. قال : أكتب إلى عليّ أن يجعل لي الشام ومصر جباية ، فإن حضرته الوفاة لم يجعل لأحد من بعده في عنقي بيعة ، وأسلّم إليه هذا الأمر ، وأكتب إليه بالخلافة. قال جرير : اكتب ما شئت. فكتب إلى عليّ يسأله ذلك ، فلمّا أتى عليّا كتاب معاوية عرف أنّها خدعة منه ، وكتب إلى جرير بن عبد الله :

أمّا بعد : «فإنّ معاوية إنّما أراد بما طلب ألاّ يكون لي في عنقه بيعة ، وأن يختار من أمره ما أحبّ ، وأراد أن يريّثك ويبطّئك حتى يذوق أهل الشام ، وقد كان المغيرة ابن شعبة أشار عليّ وأنا بالمدينة أن أستعمله على الشام ، فأبيت ذلك عليه (١) ، ولم يكن الله ليراني أن اتّخذ المضلّين عضدا ، فإن بايعك الرجل وإلاّ فأقبل. والسلام» (٢).

__________________

(١) راجع ما أسلفناه في الجزء السادس : ص ١٤٢. (المؤلف)

(٢) كتاب صفّين ص ٣٨ ، ٥٨ ، ٥٩ [ص ٢٩ ، ٣٣ ، ٣٤] ، الإمامة والسياسة : ١ / ٨٢ وفي طبعة ٧٢ [١ / ٤٨ ، ٨٤ ـ ٨٥ ، ٨٦] ، شرح ابن أبي الحديد : ١ / ١٣٦ ، ٢٤٩ ـ ٢٥١ [١ / ٢٣٠ ، ٢ / ٦١ و ٣ / ٧٥ ـ ٨٤]. (المؤلف)

٤٣٨

ولمّا فشا كتاب معاوية في العرب ، كتب إليه أخو عثمان لأمّه الوليد بن عقبة :

معاوي إنّ الشامَ شامُك فاعتصمْ

بشامك لا تُدخل عليك الأفاعيا

وحام عليها بالصوارم والقنا

ولا تكُ موهونَ الذراعينِ وانيا

وإنّ عليّا ناظرٌ ما تُجيبه

فأهدِ له حرباً تُشيب النواصيا

وإلاّ فسلّم إنّ في السلم راحةً

لمن لا يريد الحرب فاختر معاويا

وإنّ كتاباً يا بن حربٍ كتبته

على طمعٍ يُزجي إليك الدواهيا

سألت عليّافيه ما لن تناله

وإن نلتَه لم تبقَ إلاّ لياليا

وسوف ترى منه التي ليس بعدها

بقاءٌ فلا تكثر عليك الأمانيا

أمثلَ عليٍّ تعتريه بخدعةٍ

وقد كان ما جرّبت من قبلُ كافيا

وكتب إلى معاوية أيضاً :

معاوي إنّ الملك قد جُبَّ غاربه

وأنت بما في كفِّك اليوم صاحبه

أتاك كتابٌ من عليٍّ بخطّةٍ

هي الفصلُ فاختر سلمَهُ أو تحاربُه

فلا ترجُ عند الواترين مودّةً

ولا تأمنِ اليوم الذي أنت راهبُه

وحاربه إن حاربتَ حرَّ ابن حرّةٍ

وإلاّ فسلمٌ لا تدبُّ عقاربُه

فإنَّ عليّا غيرُ ساحب ذيله

على خدعةٍ ما سوَّغ الماءَ شاربُه

فلا تدعنّ الملكَ والأمرُ مقبلٌ

وتطلب ما أعيت عليه مذاهبُه

فإن كنتَ تنوي أن تجيب كتابه

فقُبِّح ممُليه وقبّح كاتبُه

وإن كنت تنوي أن تردّ كتابه

وأنت بأمرٍ لا محالة راكبُه

فألق إلى الحيّ اليمانين كلمةً

عدوٌ ومالاهم عليه أقاربُه (١)

__________________

(١) في وقعة صفّين وشرح النهج :

فأَلقِ إلى الحيِّ اليمانين كلمةً

تنالُ بها الأمرَ الذي أنتَ طالبُه

تقول أمير المؤمنين أصابه

عدوٌّ ومالاهُم عليه أقاربُه

٤٣٩

أفانين منهم قاتلٌ ومحرّض

بلا ترة كانت وآخر سالبُه

وكنت أميراً قبل بالشام فيكمُ

فحسبي وإيّاكم من الحقّ واجبُه

تجيبوا ـ ومن أرسى ثبيراً مكانه ـ

تدافع بحرٍ لا تُردُّ غواربُه (١)

فأقلل وأكثر مالها اليوم صاحبٌ

سواك فصرِّح لستَ ممّن تواربُه (٢)

فأقام جرير عند معاوية ثلاثة أشهر. وقيل : أربعة. وهو يماطله بالبيعة ، فكتب عليّ إلى جرير :

«سلام عليك ، أمّا بعد : فإذا أتاك كتابي هذا فاحمل معاوية على الفصل ، وخذه بالأمر الجزم ، وخيّره بين حربٍ مجلية ، أو سلمٍ مخزية ، فإن اختار الحرب فانبذ إليهم على سواء إنّ الله لا يحبّ الخائنين ، وإن اختار السلم فخذ بيعته وأقبل إليّ ، والسلام».

فكتب معاوية إلى عليّ جواباً عن كتابه مع جرير :

أمّا بعد : فلعمري لو بايعك القوم الذين بايعوك وأنت بريء من دم عثمان لكنت كأبي بكر وعمر وعثمان ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ ، ولكنّك أغريت بدم عثمان المهاجرين ، وخذّلت عنه الأنصار ، فأطاعك الجاهل ، وقوي بك الضعيف ، وقد أبى أهل الشام إلاّ قتالك ، حتى تدفع إليهم قتلة عثمان ، فإن فعلت كانت شورى بين المسلمين ، وإنّما كان الحجازيّون هم الحكّام على الناس والحقّ فيهم ، فلمّا فارقوه كان الحكّام على الناس أهل الشام ، ولعمري ما حجّتك عليّ كحجّتك على طلحة والزبير ، لأنّهما بايعاك ولم أُبايعك ، وما حجّتك على أهل الشام كحجّتك على أهل البصرة ، لأنّ أهل البصرة أطاعوك ، ولم يطعك أهل الشام.

__________________

(١) البيت كما في وقعة صفّين وشرح النهج :

فجيئوا ومن أرسى ثبيراً مكانه

ندافع بحراً لا تردّ غواربُه

(٢) المواربة : المخادعة والمداهاة. (المؤلف)

٤٤٠