🚘

الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ١٠

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي

الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ١٠

المؤلف:

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي


المحقق: مركز الغدير للدّراسات الإسلاميّة
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
المطبعة: فروردين
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٣٠
🚘 نسخة غير مصححة

قضاء فلان ، يعني : معاوية في زياد.

وقال ابن يحيى : أوّل حكم ردّ من أحكام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، الحكم في زياد.

وقال ابن بعجة : أوّل داء دخل على العرب قتل الحسن (١) سبط النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وادّعاء زياد (٢).

وقال الحسن : أربع خصال كنّ في معاوية لو لم يكن فيه منهنّ إلاّ واحدة لكانت موبقة : انتزاؤه على هذه الأُمّة بالسفهاء حتى ابتزّها (٣) أمرها بغير مشورة منهم ، وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة. واستخلافه ابنه بعده سكّيراً خمّيراً يلبس الحرير ويضرب بالطنابير. وادّعاؤه زياداً ، وقد قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «الولد للفراش وللعاهر الحجر». وقتله حُجراً ، ويلاً له من حُجر وأصحاب حُجر قالها مرّتين (٤).

وقال الإمام السبط الحسن الزكيّ عليه‌السلام لزياد في حضور من معاوية ، وعمرو بن العاص ، ومروان بن الحكم : «وما أنت يا زياد وقريشاً؟ لا أعرف لك فيها أديماً صحيحاً ولا فرعاً نابتاً ، ولا قديماً ثابتاً ، ولا منبتاً كريماً ، بل كانت أُمّك بغيّا تداولها رجال قريش ، وفجّار العرب ، فلمّا وُلِدتَ لم تعرف لك العرب والداً ، فادّعاك هذا ـ يعني معاوية ـ بعد ممات أبيه ، ما لك افتخار ، تكفيك سميّة ويكفينا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأبي عليّ بن أبي طالب سيّد المؤمنين الذي لم يردّ على عقبيه ، وعمّي حمزة سيّد

__________________

(١) في تاريخ مدينة دمشق ومختصره : قتل الحسين.

(٢) تاريخ ابن عساكر : ٥ / ٤١٢ [١٩ / ١٧٩ رقم ٢٣٠٩ ، وفي مختصر تاريخ دمشق : ٩ / ٧٨] ، تاريخ الخلفاء للسيوطي : ص ١٣١ [ص ١٨٢] أوائل السيوطي : ص ٥١. (المؤلف)

(٣) في تهذيب تاريخ مدينة دمشق : ابتزّوها.

(٤) [تهذيب] تاريخ ابن عساكر : ٢ / ٣٨١ ، تاريخ الطبري ٦ / ١٥٧ [٥ / ٢٧٩] ، الكامل لابن الأثير : ٤ / ٢٠٩ [٢ / ٤٩٩ حوادث سنة ٥٩ ه‍] ، تاريخ ابن كثير : ٨ / ١٣٠ [٨ / ١٣٩ حوادث سنة ٦٠ ه‍] ، محاضرات الراغب : ٢ / ٢١٤ [٢ / ٤٨٠] ، النجوم الزاهرة : ١ / ١٤١. (المؤلف)

٣٢١

الشهداء ، وجعفر الطيّار ، وأنا وأخي سيّدا شباب أهل الجنّة» (١).

وفد زياد على معاوية فأتاه بهدايا ، وأموال عظام ، وسفط مملوء جوهراً لم يُرَ مثله ، فسرّ معاوية بذلك سروراً شديداً ، فلمّا رأى زياد ذلك ، صعد المنبر فقال : أنا والله يا أمير المؤمنين أقمت لك معر العراق ، وجبيت لك مالها ، وألفظت إليك بحرها. فقام يزيد بن معاوية فقال : إن تفعل ذلك يا زياد فنحن نقلناك من ولاء ثقيف إلى قريش ، ومن القلم إلى المنابر ، ومن زياد بن عُبيد إلى حرب بن أُميّة. فقال معاوية : اجلس فداك أبي وأُمّي (٢).

وقال السكتواري في محاضرة الأوائل (٣) (ص ١٣٦) : أوّل قضيّة ردّت من قضايا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم علانية ، دعوة معاوية زياداً ، وكان أبو سفيان تبرّأ منه وادّعى أنّه ليس من أولاده ، وقضى بقطع نسبه. فلمّا تأمّر معاوية قرّبه واستأمره ، ففعل ما فعل زياد ابن أبيه ـ يعني ابن زنيّة ـ من الطغيان والإساءة في حقّ أهل بيت النبوّة. وقال في (ص ١٦٤) : كان عمر رضى الله عنه إذا نظر إلى معاوية يقول : هذا ابن أبي سفيان كسرى العرب (٤) ، لأنّه كان أوّل من ردّ قضية من قضايا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين هجر ، وزياد ابن أبيه أوّل من أساء إساءة تفرّد بشَينِها بين الأُمم في حقّ أهل البيت.

وقال في (ص ٢٤٦) : كان قد تبرّأ من زياد أبو سفيان ، ومنع حقّه من ميراث الإسلام بحضرة الصحابة ، فلا زال طريداً حتى دعاه معاوية وقرّبه وأمّره وردّ

__________________

(١) المحاسن والمساوئ للبيهقي : ١ / ٥٨ [ص ٧٩]. (المؤلف)

(٢) المجتنى لابن دريد : ص ٣٧ [ص ٢٤]. (المؤلف)

(٣) وانظر الأوائل لأبي هلال العسكري : ص ١٦٧.

(٤) قول عمر هذا في معاوية ذكره جمع. راجع الاستيعاب : ١ / ٢٥٣ [القسم الثالث / ١٤١٧ رقم ٢٤٣٥] ، أُسد الغابة : ٤ / ٣٨٦ [٥ / ٢١٠ رقم ٤٩٧٧] ، الإصابة : ٣ / ٤٣٤ [رقم ٨٠٦٨]. (المؤلف)

٣٢٢

القضيّة ، وهي أول قضيّة من قضايا الإسلام ردّت ، ولذا صارت بليّة شنيعة ، ومحنة فاحشة بين الأُمّة ، وأبغض الوسائل تعدّيه على أفضل الملّة ، وأحبّ العترة. انتهى.

ولا أحسب أنّ أحداً من رجالات الدين يشذّ عمّا قاله الجاحظ في رسالته (١) الثابتة في بني أميّة (ص ٢٩٣) : فعندها استوى معاوية على الملك واستبدّ على بقيّة الشورى ، وعلى جماعة المسلمين من الأنصار والمهاجرين في العام الذي سمّوه عام الجماعة ، وما كان عام جماعة بل كان عام فرقة وقهر وجبريّة وغلبة ، والعام الذي تحوّلت فيه الإمامة ملكاً كسرويّا ، والخلافة منصباً قيصريّا ، ولم يعدُ ذلك أجمع الضلال والفسق ، ثم ما زالت معاصيه من جنس ما حكينا ، وعلى منازل ما رتّبنا ، حتى ردّ قضيّة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رداً مكشوفاً ، وجحد حكمه جحداً ظاهراً في ولد الفراش وما يجب للعاهر ، مع إجماع الأمّة على أنّ سميّة لم تكن لأبي سفيان فراشاً ، وأنّه إنّما كان بها عاهراً ، فخرج بذلك من حكم الفجّار إلى حكم الكفّار. انتهى.

ولو تحرّينا موبقات معاوية المكفّرة له وجدنا هذه في أصاغرها ، فجلّ أعماله ـ إن لم يكن كلها ـ على الضدّ من الكتاب والسنّة الثابتة ، فهي غير محصورة في مخالفته لقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «الولد للفراش وللعاهر الحجر».

ـ ١٤ ـ

بيعة يزيد أحد موبقات معاوية الأربع (٢)

إنّ من موبقات معاوية وبوائقه ـ وهو كلّه بوائق ـ أخذه البيعة لابنه يزيد على كُره من أهل الحلّ والعقد ، ومراغمة لبقايا المهاجرين والأنصار ، وإنكار من أعيان الصحابة الباقين ، تحت بوارق الإرهاب ، ومعها طلاة المطامع لأهل الشره والشهوات.

__________________

(١) رسائل الجاحظ ـ الرسائل الكلامية ـ : ص ٢٤١.

(٢) راجع كلمة الحسن البصري المذكورة قبيل هذا ، صفحة : ٢٢٥. (المؤلف)

٣٢٣

كان في خلد معاوية يوم استقرّت له الملوكيّة ، وتمّ له الملك العضوض ، أن يتّخذ ابنه وليّ عهده ويأخذ له البيعة ، ويؤسّس حكومة أُمويّة مستقرّة في أبناء بيته ، فلم يزل يروّض الناس لبيعته سبع سنين ، يُعطي الأقارب ويُداني الأباعد (١) ، وكان يبتلعه طوراً ، ويجترّ به حيناً بعد حين ، يمُهّد بذلك السبيل ، ويسهّل حزونته ، ولمّا مات زياد سنة (٥٣) وكان يكره تلك البيعة ، أظهر معاوية عهداً مفتعلاً ـ على زياد ـ ، فقرأه على الناس ، فيه عقد الولاية ليزيد بعده ، وأراد بذلك أن يسهّل بيعة يزيد كما قاله المدائني (٢). وقال أبو عمر في الاستيعاب (٣) (١ / ١٤٢) : كان معاوية قد أشار بالبيعة ليزيد في حياة الحسن ، وعرّض بها ، ولكنّه لم يكشفها ، ولا عزم عليها إلاّ بعد موت الحسن.

قال ابن كثير في تاريخه (٤) (٨ / ٧٩) : وفي سنة ستّ وخمسين دعا معاوية الناس إلى البيعة ليزيد ولده ، أن يكون وليّ عهده من بعده ، وكان قد عزم قبل ذلك على هذا في حياة المغيرة بن شعبة (٥) ، فروى ابن جرير (٦) من طريق الشعبي : أنّ المغيرة كان قد قدم على معاوية وأعفاه من إمرة الكوفة ، فأعفاه لكبره وضعفه ، وعزم على توليتها سعيد بن العاص ، فلمّا بلغ ذلك المغيرة كأنّه ندم ، فجاء إلى يزيد بن معاوية فأشار عليه بأن يسأل من أبيه أن يكون وليّ العهد ، فسأل ذلك من أبيه ، فقال : من أمرك بهذا؟ قال : المغيرة. فأعجب ذلك معاوية من المغيرة ، وردّه إلى عمل الكوفة ، وأمره أن يسعى في ذلك ، فعند ذلك سعى المغيرة في توطيد ذلك ، وكتب معاوية إلى زياد

__________________

(١) العقد الفريد : ٢ / ٣٠٢ [٤ / ١٦١]. (المؤلف)

(٢) العقد الفريد : ٢ / ٣٠٢ [٤ / ١٦١] ، تاريخ الطبري : ٦ / ١٧٠ [٥ / ٣٠٣ حوادث سنة ٥٦ ه‍]. (المؤلف)

(٣) الاستيعاب : القسم الأول / ٣٩١ رقم ٥٥٥.

(٤) البداية والنهاية : ٨ / ٨٦ حوادث سنة ٥٦ ه‍.

(٥) توفّي المغيرة سنة خمسين ، وقدم على معاوية في سنة خمس وأربعين واستعفاه من الإمرة ، وهي سنة بدوّ فكر بيعة يزيد في خَلَد معاوية بإيعاز من المغيرة. (المؤلف)

(٦) تاريخ الأُمم والملوك : ٥ / ٣٠١ حوادث سنة ٥٦ ه‍.

٣٢٤

يستشيره في ذلك ، فكره زياد ذلك لما يعلم من لعب يزيد وإقباله على اللعب والصيد ، فبعث إليه من يثني رأيه عن ذلك وهو عُبيد بن كعب النميري ـ وكان صاحباً أكيداً لزياد ـ ، فسار إلى دمشق فاجتمع بيزيد أوّلاً فكلّمه عن زياد ، وأشار عليه بأن لا يطلب ذلك ، فإنّ تركه خير له من السعي فيه ، فانزجر يزيد عمّا يريد من ذلك ، واجتمع بأبيه واتّفقا على ترك ذلك في هذا الوقت ، فلمّا مات زياد شرع معاوية في نظم ذلك والدعاء إليه ، وعقد البيعة لولده يزيد ، وكتب إلى الآفاق بذلك.

صورة أخرى :

في بدء بدئها : كان ابتداء بيعة يزيد وأوّلها من المغيرة بن شعبة ، فإنّ معاوية أراد أن يعزله عن الكوفة ويستعمل عوضه سعيد بن العاص ، فبلغه ذلك فقال : الرأي أن أشخص إلى معاوية فاستعفيه ليظهر للناس كراهتي للولاية ، فسار إلى معاوية ، وقال لأصحابه حين وصل إليه : إن لم أُكسبكم الآن ولاية وإمارة لا أفعل ذلك أبداً ، ومضى حتى دخل على يزيد ، وقال له : إنّه قد ذهب أعيان أصحاب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكبراء قريش وذوو أسنانهم ، وإنّما بقي أبناؤهم وأنت من أفضلهم وأحسنهم رأياً ، وأعلمهم بالسنّة والسياسة ، ولا أدري ما يمنع أمير المؤمنين أن يعقد لك البيعة؟ قال : أوترى ذلك يتمّ؟ قال : نعم. فدخل يزيد على أبيه وأخبره بما قال المغيرة ، فأحضر المغيرة وقال له : ما يقول يزيد؟ فقال : يا أمير المؤمنين قد رأيت ما كان من سفك الدماء والاختلاف بعد عثمان (١) وفي يزيد منك خلف فاعقد له ، فإن حدث بك حادث كان كهفاً للناس ، وخلفاً منك ، ولا تسفك دماء ، ولا تكون فتنة. قال : ومن لي بهذا؟ قال : أكفيك أهل الكوفة ، ويكفيك زياد أهل البصرة ، وليس بعد هذين المصرين

__________________

(١) ألا مُسائِل المغيرة عن أنّ هذا الشقاق والخلاف وسفك الدماء المحرّمة في عدم الاستخلاف ، هل كان يعلمها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم؟ فلما ذا ترك أُمّته سدى ولم يستخلف ، كما زعمه هو والسياسيون من رجال الانتخاب الدستوري؟ (المؤلف)

٣٢٥

أحد يخالفك. قال : فارجع إلى عملك وتحدّث مع من تثق إليه في ذلك ، وترى ونرى. فودّعه ورجع إلى أصحابه ، فقالوا : مه. قال : لقد وضعت رجل معاوية في غرز بعيد الغاية على أُمّة محمد ، وفتقت عليهم فتقاً لا يرتق أبداً. وتمثّل :

بمثلي شاهدي نجوى وغالى

بي الأعداء والخصم الغضابا

وسار المغيرة حتى قدم الكوفة ، وذاكر من يثق إليه ومن يعلم أنّه شيعة لبني أُميّة أمر يزيد ، فأجابوا إلى بيعته ، فأوفد منهم عشرة ، ويقال : أكثر من عشرة ، وأعطاهم ثلاثين ألف درهم ، وجعل عليهم ابنه موسى بن المغيرة ، وقدموا على معاوية فزيّنوا له بيعة يزيد ، ودعوه إلى عقدها. فقال معاوية : لا تعجلوا بإظهار هذا وكونوا على رأيكم ، ثم قال لموسى : بكم اشترى أبوك من هؤلاء دينهم؟ قال : بثلاثين ألفاً. قال : لقد هان عليهم دينهم.

وقيل : أرسل أربعين رجلاً وجعل عليهم ابنه عروة ، فلمّا دخلوا على معاوية قاموا خطباء ، فقالوا : إنّما أشخصهم إليه النظر لأُمّة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقالوا : يا أمير المؤمنين كبرت سنّك ، وخفنا انتشار الحبل ، فانصب لنا علماً ، وحدّ لنا حدّا ننتهي إليه. فقال : أشيروا عليّ. فقالوا : نشير بيزيد ابن أمير المؤمنين. فقال : أَوَقد رضيتموه؟ قالوا : نعم. قال : وذلك رأيكم؟ قالوا : نعم ، ورأي من وراءنا. فقال معاوية لعروة سرّا عنهم : بكم اشترى أبوك من هؤلاء دينهم؟ قال : بأربعمائة دينار. قال : لقد وجد دينهم عندهم رخيصاً ، وقال لهم : ننظر ما قدمتم له ويقضي الله ما أراد ، والأناة خير من العجلة ، فرجعوا.

وقوي عزم معاوية على البيعة ليزيد ، فأرسل إلى زياد يستشيره ، فأحضر زياد عبيد بن كعب النميري وقال له : إنّ لكلّ مستشير ثقة ، ولكلّ سرّ مستودع ، وإنّ الناس قد أبدع بهم خَصلتان : إذاعة السرّ ، وإخراج النصيحة إلى غير أهلها ، وليس موضع السرّ إلاّ أحد رجلين : رجل آخرة يرجو ثوابها ، ورجل دنيا له شرف في نفسه ، وعقل يصون حسبه ، وقد خبرتهما منك ، وقد دعوتك لأمر اتّهمت عليه بطون

٣٢٦

الصحف : إنّ أمير المؤمنين كتب يستشيرني في كذا وكذا ، وإنّه يتخوّف نفرة الناس ، ويرجو طاعتهم ، وعلاقة أمر الإسلام وضمانه عظيم ، ويزيد صاحب رسلة وتهاون مع ما قد أُولع به من الصيد ، فالقَ أمير المؤمنين وأدِّ إليه فعلات يزيد ، وقل له : رويدك بالأمر فأحرى لك أن يتمّ لك ، لا تعجل فإنّ دركاً في تأخير خير من فوت في عجلة. فقال له عُبيد : أفلا غير هذا؟ قال : وما هو؟ قال : لا تفسد على معاوية رأيه ، ولا تبغّض إليه ابنه ، وأُلفي أنا يزيد فأخبره أنّ أمير المؤمنين كتب إليك ، يستشيرك في البيعة له ، وأنّك تتخوّف خلاف الناس عليه لهنات ينقمونها عليه ، وأنّك ترى له ترك ما يُنقم عليه لتستحكم له الحجّة على الناس ، ويتمّ ما تريد فتكون قد نصحت أمير المؤمنين وسلمت ممّا تخاف من أمر الأُمّة. فقال زياد : لقد رميت الأمر بحجره ، اشخص على بركة الله ، فإن أصبت فما لا ينكر ، وإن يكن خطأ فغير مستغشّ ، وتقول بما ترى ، ويقضي الله بغيب ما يعلم. فقدم على يزيد فذكر ذلك له فكفّ عن كثير ممّا كان يصنع ، وكتب زياد معه إلى معاوية يشير بالتؤدة وأن لا يعجل ، فقبل منه. فلمّا مات زياد عزم معاوية على البيعة لابنه يزيد ، فأرسل إلى عبد الله بن عمر مائة ألف درهم فقبلها ، فلمّا ذكر البيعة ليزيد قال ابن عمر : هذا أراد ، إنّ ديني إذن لرخيص. وامتنع (١).

بيعة يزيد في الشام وقتل الحسن السبط دونها :

لمّا اجتمعت عند معاوية وفود الأمصار بدمشق ـ بإحضار منه ـ وكان فيهم الأحنف بن قيس ، دعا معاوية الضحّاك بن قيس الفهري فقال له : إذا جلست على المنبر وفرغت من بعض موعظتي وكلامي فاستأذنّي للقيام ، فإذا أذنت لك فاحمد الله تعالى واذكر يزيد ، وقل فيه الذي يحقّ له عليك من حسن الثناء عليه ، ثم ادعني إلى توليته من بعدي ، فإنّي قد رأيت وأجمعت على توليته ، فأسأل الله في ذلك وفي غيره

__________________

(١) تاريخ الطبري : ٦ / ١٦٩ ، ١٧٠ [٥ / ٣٠١ ـ ٣٠٣ حوادث سنة ٥٦ ه‍] ، كامل ابن الأثير : ٣ / ٢١٤ ، ٢١٥ [٢ / ٥٠٩ حوادث سنة ٥٦ ه‍]. (المؤلف)

٣٢٧

الخيرة وحسن القضاء. ثم دعا عبد الرحمن بن عثمان الثقفي ، وعبد الله بن مسعدة الفزاري ، وثور بن معن السلمي ، وعبد الله بن عصام الأشعري ، فأمرهم أن يقوموا إذا فرغ الضحّاك ، وأن يصدّقوا قوله ، ويدعوه إلى [بيعة] (١) يزيد.

ثم خطب معاوية ، فتكلّم القوم بعده على ما يروقه من الدعوة إلى يزيد ، فقال معاوية : أين الأحنف؟ فأجابه ، قال : ألا تتكلّم؟ فقام الأحنف فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أصلح الله أمير المؤمنين ، إنّ الناس قد أمسوا في منكر زمان قد سلف ، ومعروف زمان مؤتنف (٢) ، ويزيد ابن أمير المؤمنين نعم الخلف ، وقد حلبت الدهر أشطره يا أمير المؤمنين ؛ فاعرف من تسند إليه الأمر من بعدك ، ثم اعص أمر من يأمرك ، لا يغررك من يشير عليك ، ولا ينظر لك وأنت أنظر للجماعة ، وأعلم باستقامة الطاعة ، [مع] (٣) أنّ أهل الحجاز وأهل العراق لا يرضون بهذا ، ولا يبايعون ليزيد ما كان الحسن حيّا.

فغضب الضحّاك ، فقام الثانية ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أصلح الله أمير المؤمنين ، إنّ أهل النفاق من أهل العراق ، مروءتهم في أنفسهم الشقاق ، وألفتهم في دينهم الفراق ، يرون الحقّ على أهوائهم كأنّما ينظرون بأقفائهم ، اختالوا جهلاً وبطراً ، لا يرقبون من الله راقبة ، ولا يخافون وبال عاقبة ، اتّخذوا إبليس لهم ربّا ، واتّخذهم إبليس حزباً ، فمن يقاربوه لا يسرّوه ، ومن يفارقوه لا يضرّوه ، فادفع رأيهم يا أمير المؤمنين في نحورهم ، وكلامهم في صدروهم ، ما للحسن وذوي الحسن في سلطان الله الذي استخلف به معاوية في أرضه؟ هيهات لا تورث الخلافة عن كلالة ، ولا يحجب غير الذكر العصبة ، فوطّنوا أنفسكم يا أهل العراق على المناصحة لإمامكم ، وكاتب

__________________

(١) من الإمامة والسياسة.

(٢) مؤتنف : مستقبل.

(٣) من الإمامة والسياسة.

٣٢٨

نبيّكم وصهره ، يسلم لكم العاجل ، وتربحوا من الآجل.

ثم قام الأحنف بن قيس ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : يا أمير المؤمنين إنّا قد فررنا (١) عنك قريشاً فوجدناك أكرمها زنداً ، وأشدّها عقداً ، وأوفاها عهداً ، قد علمت أنّك لم تفتح العراق عنوة ، ولم تظهر عليها قعصاً (٢) ، ولكنّك أعطيت الحسن بن علي من عهود الله ما قد علمت ليكون له الأمر من بعدك ، فإن تفِ فأنت أهل الوفاء ، وإن تغدر تعلم والله إنّ وراء الحسن خيولاً (٣) ، وأذرعاً شداداً ، وسيوفاً حداداً ، إن تدن له شبراً من غدر ، تجد وراءه باعاً من نصر ، وإنّك تعلم أنّ أهل العراق ما أحبّوك منذ أبغضوك ، ولا أبغضوا عليّا وحسناً منذ أحبّوهما ، وما نزل عليهم في ذلك خبر (٤) من السماء ، وإنّ السيوف التي شهروها عليك مع عليّ يوم صفّين لعلى عواتقهم ، والقلوب التي أبغضوك بها لبين جوانحهم ، وايم الله إنّ الحسن لأحبّ إلى أهل العراق من عليّ.

ثم قام عبد الرحمن بن عثمان الثقفي ، فأثنى على يزيد ، وحثّ معاوية على بيعته ، فقام معاوية فقال :

أيّها الناس : إنّ لإبليس من الناس إخواناً وخلاّناً ، بهم يستعدّ وإيّاهم يستعين ، وعلى ألسنتهم ينطق ، إن رجوا طمعاً أوجفوا (٥) ، وإن استُغني عنهم أرجفوا ، ثم يُلقحون الفتن بالفجور ، ويشفقون لها حطب النفاق ، عيّابون مرتابون ، أن لووا (٦) عروة أمر حنقوا ، وإن دعوا إلى غيّ أسرفوا ، وليسوا أولئك بمنتهين ، ولا بمقلعين ،

__________________

(١) فرّ عن الأمر : بحث عنه. (المؤلف)

(٢) القعص : القتل.

(٣) في المصدر : جياداً بدل : خيولاً.

(٤) في المصدر : غير من السماء.

(٥) أوجفوا : أسرعوا.

(٦) في المصدر : ولوا.

٣٢٩

ولا متّعظين حتى تصيبهم صواعق خزي وبيل ، وتحلّ بهم قوارع أمرٍ جليل ، تجتث أصولهم كاجتثاث أصول الفقع (١) ، فأولى لأولئك ثم أولى ، فإنّا قد قدّمنا وأنذرنا ، إن أغنى التقدّم شيئاً ، أو نفع النُذر (٢).

فدعا معاوية الضحّاك فولاّه الكوفة ، ودعا عبد الرحمن فولاّه الجزيرة.

ثم قام الأحنف بن قيس فقال : يا أمير المؤمنين أنت أعلمنا بيزيد في ليله ونهاره ، وسرّه وعلانيته ، ومدخله ومخرجه ، فإن كنت تعلمه لله رضاً ولهذه الأُمّة ، فلا تشاور الناس فيه ، وإن كنت تعلم منه غير ذلك ، فلا تزوّده الدنيا وأنت صائر إلى الآخرة ، فإنّه ليس لك من الآخرة إلاّ ما طاب ، واعلم أنّه لا حجّة لك عند الله إن قدّمت يزيد على الحسن والحسين ، وأنت تعلم من هما ، وإلى ما هما ، وإنّما علينا أن نقول : سمعنا وأطعنا ، غفرانك ربّنا وإليك المصير (٣).

قال الأميني : لمّا حسّ معاوية بدء إعرابه عمّا رامه من البيعة ليزيد ، أنّ الفئة الصالحة من الأُمّة قطّ لا تخبت إلى تلك البيعة الوبيلة ما دامت للحسن السبط الزكيّ ـ سلام الله عليه ـ باقية من الحياة ، على أنّه أعطى الإمام مواثيق مؤكّدة ليكون له الأمر من بعده ، وليس له أن يعهد إلى أيّ أحد ، فرأى توطيد السبل لجروه في قتل ذلك الإمام الطاهر ، وجعل ما عهد له تحت قدميه ، قال أبو الفرج : أراد معاوية البيعة لابنه يزيد ، فلم يكن شيء أثقل عليه من أمر الحسن بن علي ، وسعد بن أبي وقّاص ، فدسّ إليهما سمّا فماتا منه (٤).

وسيوافيك تفصيل القول في أنّ معاوية هو الذي قتل الحسن السبط ـ سلام الله عليه.

__________________

(١) الفقع بالفتح والكسر ، البيضاء الرخوة من الكمأة. (المؤلف)

(٢) النذر : الإنذار ، قال تعالى : (فَكَيفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُر) (المؤلف)

(٣) الإمامة والسياسة : ١ / ١٣٨ ـ ١٤٢ [١ / ١٤٣ ـ ١٤٨]. (المؤلف)

(٤) مقاتل الطالبيين : ص ٢٩ [ص ٨٠]. (المؤلف)

٣٣٠

عبد الرحمن بن خالد (١) في بيعة يزيد :

خطب معاوية أهل الشام وقال لهم : يا أهل الشام ، إنّه كبرت سنّي ، وقرب أجلي ، وقد أردت أن أعقد لرجل يكون نظاماً لكم ، وإنّما أنا رجل منكم فَرُوا رأيكم. فأصفقوا واجتمعوا ، وقالوا : رضينا عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، فشقّ ذلك على معاوية ، وأسرّها في نفسه ، ثم إنّ عبد الرحمن مرض ، فأمر معاوية طبيباً عنده يهوديّا يقال له : ابن أثال. وكان عنده مكيناً ، أن يأتيه فيسقيه سقية يقتله بها ، فأتاه فسقاه فانخرق بطنه فمات ، ثم دخل أخوه المهاجر بن خالد دمشق مستخفياً هو وغلام له ، فرصدا ذلك اليهوديّ ، فخرج ليلاً من عند معاوية فهجم عليه ، ومعه قوم هربوا عنه ، فقتله المهاجر. وفي الأغاني : إنّه قتله خالد بن المهاجر ، فأخذ وأُتي به معاوية فقال له : لا جزاك الله من زائر خيراً قتلت طبيبي. قال : قتلت المأمور وبقي الآمر (٢).

قال أبو عمر بعد ذكر القصّة : وقصّته هذه مشهورة عند أهل السير والعلم بالآثار والأخبار اختصرناها ، ذكرها عمر بن شبّة في أخبار المدينة وذكرها غيره.

قال الأميني : وقعت هذه القصّة سنة (٤٦) وهي السنة الثانية من هاجسة بيعة يزيد ....

سعيد بن عثمان سنة خمس وخمسين :

سأل سعيد بن عثمان معاوية أن يستعمله على خراسان فقال : إنّ بها عبيد الله

__________________

(١) أدرك النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال أبو عمر في الاستيعاب [القسم الثاني / ٨٢٩ رقم ١٤٠٢] : كان من فرسان قريش وشجعانهم ، كان له فضل وهدي حسن وكرم ، إلاّ أنّه كان منحرفاً عن عليّ عليه‌السلام وقال ابن حجر في الإصابة [٣ / ٦٨ رقم ٦٢٠٧] : كان عظيم القدر عند أهل الشام. (المؤلف)

(٢) الاستيعاب ترجمة عبد الرحمن [القسم الثاني / ٨٢٩ رقم ١٤٠٢] ، الأغاني : ١٥ / ١٣ [١٦ / ٢٠٩] ، تاريخ الطبري : ٦ / ١٢٨ [٥ / ٢٢٧] واللفظ لأبي عمر. (المؤلف)

٣٣١

ابن زياد (١). فقال : أما لقد اصطنعك أبي ورفاك حتى بلغت باصطناعه المدى الذي لا يُجارى إليه ولا يُسامى ، فما شكرت بلاءه ولا جازيته بآلائه ، وقدّمت عليّ هذا ـ يعني يزيد بن معاوية ـ وبايعت له وو الله لأنا خير منه أباً وأمّا ونفساً. فقال معاوية : أمّا بلاء أبيك فقد يحقّ عليّ الجزاء به ، وقد كان من شكري لذلك أنّي طلبت بدمه حتى تكشّفت الأُمور ، ولست بلائم لنفسي في التشمير ، وأمّا فضل أبيك على أبيه فأبوك والله خير منّي ، وأقرب برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأمّا فضل أُمّك على أُمّه فما ينكر ، امرأة من قريش خير من امرأة من كلب ، وأمّا فضلك عليه فو الله ما أُحبّ أنّ الغوطة دحست (٢) ليزيد رجالاً مثلك ، فقال له يزيد : يا أمير المؤمنين ابن عمّك وأنت أحقّ من نظر في أمره ، وقد عتب عليك لي فأعتبه (٣).

وفي لفظ ابن قتيبة : فلمّا قدم معاوية الشام ، أتاه سعيد بن عثمان بن عفّان ، وكان شيطان قريش ولسانها ، قال : يا أمير المؤمنين علامَ تبايع ليزيد وتتركني؟ فو الله لتعلم أنّ أبي خير من أبيه ، وأُمّي خير من أُمّه ، وأنا خير منه ، وإنّك إنّما نلت ما أنت فيه بأبي. فضحك معاوية وقال : يا بن أخي أمّا قولك : إنّ أباك خير من أبيه. فيوم من عثمان خير من معاوية. وأمّا قولك : إنّ أُمّك خير من أُمّه ، ففضل قرشيّة على كلبيّة فضل بيّن. وأمّا أن أكون نلت ما أنا فيه بأبيك فإنّما هو الملك يؤتيه الله من يشاء ، قتل أبوك ؛ فتواكلته بنو العاصي وقامت فيه بنو حرب ، فنحن أعظم بذلك منّةً عليك ، وأمّا أن تكون خيراً من يزيد ، فو الله ما أُحبّ أنّ داري مملوءة رجالاً مثلك بيزيد ، ولكن دعني من هذا القول ، وسلني أُعطك. فقال سعيد بن عثمان بن عفّان :

__________________

(١) سار إلى خرسان في أخريات سنة ٥٣ وأقام بها سنتين ، كما رواه الطبري في تاريخه ٦ / ١٦٦ ، ١٦٧ [٥ / ٢٩٧]. (المؤلف)

(٢) دُحست : ملئت.

(٣) تاريخ الطبري : ٦ / ١٧١ [٥ / ٣٠٥ حوادث سنة ٥٦ ه‍] ، تاريخ ابن كثير : ٨ / ٧٩ ، ٨٠ [٨ / ٨٥ ، ٨٦ حوادث سنة ٥٦ ه‍ وفيه : ورقّاك] ج. (المؤلف)

٣٣٢

يا أمير المؤمنين لا يعدم يزيد مزكّياً ما دمت له ، وما كنت لأرضى ببعض حقّي دون بعض ، فإذا أبيت فأعطني ممّا أعطاك الله. فقال معاوية : لك خراسان؟ قال سعيد : وما خراسان؟! قال : إنّها لك طعمة وصلة رحم. فخرج راضياً وهو يقول :

ذكرتُ أميرَ المؤمنين وفضلَهُ

فقلت : جزاه اللهُ خيراً بما وصلْ

وقد سبقت منّي إليه بوادرٌ

من القول فيه آية العقل والزللْ

فعاد أمير المؤمنين بفضلهِ

وقد كان فيه قبلَ عودته ميَلْ

وقال خراسان لك اليومَ طعمةٌ

فجوزي أميرُ المؤمنين بما فعلْ

فلو كان عثمانُ الغداةَ مكانهَ

لما نالني من ملكه فوق ما بذلْ

فلمّا انتهى قوله إلى معاوية ، أمر يزيد أن يزوّده ، وأمر إليه بخلعة ، وشيّعه فرسخاً (١).

قال ابن عساكر في تاريخه (٢) (٦ / ١٥٥) : كان أهل المدينة يحبّون سعيداً ويكرهون يزيد ، فقدم على معاوية ، فقال له : يا بن أخي ما شيء يقول أهل المدينة؟ قال : ما يقولون؟ قال : قولهم :

والله لا ينالها يزيدُ

حتى يعضّ هامه الحديدُ

إنّ الأمير بعده سعيدُ

قال : ما تنكر من ذلك يا معاوية؟ والله إنّ أبي لخير من أبي يزيد ، ولأُمّي خير من أُمّه ، ولأنا خير منه ، ولقد استعملناك فما عزلناك بعد ، ووصلناك فما قطعناك ، ثم صار في يديك ما قد ترى فحلأتنا (٣) عنه أجمع. فقال له : أمّا قولك. الحديث.

__________________

(١) الإمامة والسياسة : ١ / ١٥٧ [١ / ١٦٤]. (المؤلف)

(٢) تاريخ مدينة دمشق : ٢١ / ٢٢٣ ـ ٢٢٤ رقم ٢٥٢٠ ، وفي مختصر تاريخ دمشق : ٩ / ٣٣٥.

(٣) حلأه عن الشيء : منعه عنه.

٣٣٣

وقال : حكى الحسن بن رشيق قصّة سعيد مع معاوية بأطول ممّا مرّ ـ ثم ذكر حكاية ابن رشيق ـ وفيها : فولاّه معاوية خراسان وأجازه بمائة ألف درهم.

كتب معاوية في بيعة يزيد :

كتب معاوية إلى مروان بن الحكم : إنّي قد كبرت سنّي ، ودقّ عظمي ، وخشيت الاختلاف على الأُمّة بعدي ، وقد رأيت أن أتخيّر لهم من يقوم بعدي ، وكرهت أن أقطع أمراً دون مشورة من عندك ، فاعرض ذلك عليهم وأعلمني بالذي يردّون عليك.

فقام مروان في الناس فأخبرهم به ، فقال الناس : أصاب ووفّق ، وقد أجبنا أن يتخيّر لنا فلا يألو.

فكتب مروان إلى معاوية بذلك فأعاد إليه الجواب بذكر يزيد. فقام مروان فيهم وقال : إنّ أمير المؤمنين قد اختار لكم فلم يأل وقد استخلف ابنه يزيد بعده.

فقام عبد الرحمن بن أبي بكر فقال : كذبت والله يا مروان وكذب معاوية ، ما الخيار أردتما لأُمّة محمد ، ولكنّكم تريدون أن تجعلوها هرقليّة كلّما مات هرقل قام هرقل. فقال مروان : هذا الذي أنزل الله فيه (وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما). الآية ، فسمعت عائشة مقالته من وراء الحجاب وقالت : يا مروان يا مروان ، فأنصت الناس ، وأقبل مروان بوجهه فقالت : أنت القائل لعبد الرحمن أنّه نزل فيه القرآن؟ كذبت والله ما هو به ولكنّه فلان بن فلان ، ولكنّك أنت فضض من لعنة نبيّ الله (١).

وقام الحسين بن عليّ فأنكر ذلك ، وفعل مثله ابن عمر ، وابن الزبير ، فكتب مروان بذلك إلى معاوية ، وكان معاوية قد كتب إلى عمّاله بتقريظ يزيد ووصفه وأن يوفدوا إليه الوفود من الأمصار ، فكان فيمن أتاه محمد بن عمرو بن حزم من المدينة ،

__________________

(١) راجع ما أسلفناه في الجزء الثامن : ص ٢٥٢ ، ٢٥٣ الطبعة الأولى وص ٢٤٦ الطبعة الثانية. (المؤلف)

٣٣٤

والأحنف بن قيس في وفد أهل البصرة ، فقال محمد بن عمرو لمعاوية : إنّ كلّ راعٍ مسؤول عن رعيّته فانظر من تولّي أمر أُمّة محمد. فأخذ معاوية بهر (١) حتى جعل يتنفّس في يوم شاتٍ ثم وصله وصرفه. وأمر الأحنف أن يدخل على يزيد فدخل عليه ، فلمّا خرج من عنده قال له : كيف رأيت ابن أخيك؟ قال : رأيت شباباً ونشاطاً وجلداً ومزاحاً.

ثم إنّ معاوية قال للضحّاك بن قيس الفهري لمّا اجتمع الوفود عنده : إنّي متكلم ، فإذا سكتّ فكن أنت الذي تدعو إلى بيعة يزيد وتحثّني عليها. فلمّا جلس معاوية للناس ، تكلّم فعظّم أمر الإسلام ، وحرمة الخلافة وحقّها ، وما أمر الله به من طاعة ولاة الأمر ، ثم ذكر يزيد وفضله وعلمه بالسياسة ، وعرض ببيعته ، فعارضه الضحاك ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : يا أمير المؤمنين إنّه لا بدّ للناس من والٍ بعدك ، وقد بلونا الجماعة والألفة فوجدناهما أحقن للدماء ، وأصلح للدهماء ، وآمن للسبل ، وخيراً في العاقبة ، والأيّام عوج رواجع ، والله كلّ يوم هو في شأن ، ويزيد ابن أمير المؤمنين ، في حسن هديه ، وقصد سيرته على ما علمت ، وهو من أفضلنا علماً وحلماً ، وأبعدنا رأياً ، فولِّه عهدك ، واجعله لنا علماً بعدك ، ومفزعاً نلجأ إليه ، ونسكن في ظلّه. وتكلّم عمرو بن سعيد الأشدق بنحو من ذلك ، ثم قام يزيد بن المقنع العذري ، فقال : هذا أمير المؤمنين ـ وأشار إلى معاوية ـ ، فإن هلك فهذا وأشار إلى يزيد ، ومن أبى فهذا وأشار إلى سيفه ، فقال معاوية : اجلس فأنت سيّد الخطباء. وتكلّم من حضر من الوفود.

فقال معاوية للأحنف : ما تقول يا أبا بحر؟ فقال : نخافكم إن صدقنا ، ونخاف الله إن كذبنا ، وأنت أمير المؤمنين أعلم بيزيد في ليله ونهاره ، وسرّه وعلانيته ، ومدخله ومخرجه ، فإن كنت تعلمه لله تعالى وللأُمّة رضا فلا تشاور فيه ، وإن كنت

__________________

(١) البهر : انقطاع النفس من الإعياء. (المؤلف)

٣٣٥

تعلم فيه غير ذلك فلا تزوّده الدنيا وأنت صائر إلى الآخرة ، وإنّما علينا أن نقول : سمعنا وأطعنا. وقام رجل من أهل الشام فقال : ما ندري ما تقول هذه المعديّة العراقيّة ، وإنّما عندنا سمع وطاعة وضرب وازدلاف. فتفرّق الناس يحكون قول الأحنف ، وكان معاوية يعطي المقارب ، ويُداري المباعد ويلطف به ، حتى استوثق له أكثر الناس وبايعه (١).

صورة أخرى :

قالوا : ثم لم يلبث معاوية بعد وفاة الحسن رحمه‌الله إلاّ يسيراً حتى بايع ليزيد بالشام ، وكتب بيعته إلى الآفاق ، وكان عامله على المدينة مروان بن الحكم ، فكتب إليه يذكر الذي قضى الله به على لسانه من بيعة يزيد ، ويأمره أن يجمع من قبله من قريش وغيرهم من أهل المدينة ثم يبايعوا ليزيد.

فلمّا قرأ مروان كتاب معاوية أبى من ذلك وأبته قريش ، فكتب لمعاوية : إنّ قومك قد أبوا إجابتك إلى بيعتك ابنك ، فأرِني رأيك. فلمّا بلغ معاوية كتاب مروان عرف ذلك من قبله ، فكتب إليه يأمره أن يعتزل عمله ، ويخبره أنّه قد ولّى المدينة سعيد بن العاص ، فلمّا بلغ مروان كتاب معاوية ، أقبل مغاضباً في أهل بيته وناس كثير من قومه ، حتى نزل بأخواله بني كنانة ، فشكا إليهم وأخبرهم بالذي كان من رأيه في أمر معاوية وفي عزله ، واستخلافه يزيد ابنه عن غير مشاورة مبادرة له ، فقالوا : نحن نبلك في يدك ، وسيفك في قرابك ، فمن رميته بنا أصبناه ، ومن ضربته قطعناه ، الرأي رأيك ، ونحن طوع يمينك.

ثم أقبل مروان في وفد منهم كثير ممّن كان معه من قومه وأهل بيته ، حتى نزل

__________________

(١) العقد الفريد : ٢ / ٣٠٢ ـ ٣٠٤ [٤ / ١٦١ ـ ١٦٣] ، الكامل لابن الأثير : ٣ / ٢١٤ ـ ٢١٦ [٢ / ٥٠٩ حوادث سنة ٥٦ ه‍]. (المؤلف)

٣٣٦

دمشق ، فخرج حتى أتى سدّة معاوية وقد أذن للناس ، فلمّا نظر الحاجب إلى كثرة من معه من قومه وأهل بيته منعه من الدخول ، فوثبوا إليه فضربوا وجهه حتى خلّى عن الباب ، ثم دخل مروان ودخلوا معه ، حتى إذا كان معاوية بحيث تناله يده ، قال بعد التسليم عليه بالخلافة : إنّ الله عظيم خطره ، لا يقدر قادر قدره ، خلق من خلقه عباداً جعلهم لدعائم دينه أوتاداً ، هم رقباؤه على البلاد ، وخلفاؤه على العباد ، أسفر بهم الظلم وألّف بهم الدين ، وشدّد بهم اليقين ، ومنح بهم الظفر ، ووضع بهم من استكبر ، فكان من قبلك من خلفائنا يعرفون ذلك في سالف زماننا ، وكنّا نكون لهم على الطاعة إخواناً ، وعلى من خالف عنّا أعواناً ، يُشدّ بنا العضد ، ويُقام منّا الأود ، ونُستشار في القضيّة ، ونُستأمر في أمر الرعيّة ، وقد أصبحنا اليوم في أُمور مستخيرة ، ذات وجوه مستديرة ، تفتح بأزمّة الضلال ، وتجلس بأسوأ الرجال ، يؤكل جزورها وتمقّ (١) أحلابها ، فما لنا لا نستأمر في رضاعها ونحن فطامها وأولاد فطامها؟ وايم الله لو لا عهود مؤكّدة ومواثيق معقّدة لأقمت أَوَد وليِّها ، فأقم الأمر يا بن أبي سفيان ، واهدأ من تأميرك الصبيان ، واعلم أنّ لك في قومك نظراً ، وأنّ لهم على مناوأتك وزراً.

فغضب معاوية من كلامه غضباً شديداً ، ثم كظم غيظه بحلمه ، وأخذ بيد مروان ثم قال : إن الله قد جعل لكلّ شيء أصلاً ، وجعل لكلّ خير أهلاً ، ثم جعلك في الكرم منّي محتداً ، والعزيز منّي والداً ، اخترت من قروم قادة ، ثم استللت سيّد سادة ، فأنت ابن ينابيع الكرم (٢) ، فمرحباً بك وأهلاً من ابن عمّ. ذكرت خلفاء مفقودين شهداء صدّيقين ، كانوا كما نعتّ ، وكنت لهم كما ذكرت ، وقد أصبحنا في أُمور مستخيرة ذات وجوه مستديرة ، وبك والله يا ابن العمّ نرجو استقامة أودها ، وذلولة صعوبتها ، وسفور

__________________

(١) أي يشرب لبنها جميعه ، والمراد أنّ معاوية يستأثر بكلّ شيء في الخلافة.

(٢) قايس بين هذه الإطراءات الفارغة المكذوبة وبين قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لذلك الطريد ابن الطريد ، والوزغ ابن الوزغ ، اللعين ابن اللعين ، ونحن لو أعطينا لمعاوية حقّ المقام لقلنا : مكره أخوك لا بطل [يضرب لمن يحمل على ما ليس من شأنه : مجمع الأمثال : ٣ / ٣٤١ رقم ٤١١٧]. (المؤلف)

٣٣٧

ظلمتها ، حتى يتطأطأ جسيمها ، ويركب بك عظيمها ، فأنت نظير أمير المؤمنين بعده وفي كلّ شيء (١) عضده ، وإليك بعد (٢) عهده ، فقد ولّيتك قومك ، وأعظمنا في الخراج سهمك ، وأنا مجيز وفدك ، ومحسن رفدك ، وعلى أمير المؤمنين غناك ، والنزول عند رضاك.

فكان أوّل ما رزق ألف دينار في كلّ هلال ، وفرض له في أهل بيته مائة مائة.

كتاب معاوية إلى سعيد :

إنّ معاوية كتب إلى سعيد بن العاص ـ وهو على المدينة ـ ، يأمره أن يدعو أهل المدينة إلى البيعة ، ويكتب إليه بمن سارع ممّن لم يسارع.

فلمّا أتى سعيد بن العاص الكتاب دعا الناس إلى البيعة ليزيد وأظهر الغلظة ، وأخذهم بالعزم والشدّة ، وسطا بكلّ من أبطأ عن ذلك ، فأبطأ الناس عنها إلاّ اليسير لا سيّما بني هاشم فإنّه لم يجبه منهم أحد.

وكان ابن الزبير من أشدّ الناس إنكاراً لذلك ، وردّا له ، فكتب سعيد بن العاص إلى معاوية :

أمّا بعد : فإنّك أمرتني أن أدعو الناس لبيعة يزيد ابن أمير المؤمنين ، وأن أكتب إليك بمن سارع ممّن أبطأ ، وإنّي أخبرك أنّ الناس عن ذلك بِطاء لا سيّما أهل البيت من بني هاشم ، فإنّه لم يجبني منهم أحد ، وبلغني عنهم ما أكره ، وأمّا الذي جاهر بعداوته وإبائه لهذا الأمر فعبد الله بن الزبير ، ولست أقوى عليهم إلاّ بالخيل والرجال ، أو تقدم بنفسك فترى رأيك في ذلك ، والسلام.

__________________

(١) في المصدر : وفي كلّ شدة.

(٢) في المصدر : عهد.

٣٣٨

فكتب معاوية إلى عبد الله بن العباس ، وإلى عبد الله بن الزبير ، وإلى عبد الله بن جعفر ، والحسين بن عليّ كتباً ، وأمر سعيد بن العاص أن يوصلها إليهم ، ويبعث بجواباتها ، وكتب إلى سعيد بن العاص :

أمّا بعد : فقد أتاني كتابك وفهمت ما ذكرت فيه من إبطاء الناس عن البيعة ولا سيّما بني هاشم وما ذكر ابن الزبير ، وقد كتبت إلى رؤسائهم كتباً فسلّمها إليهم ، وتنجّز جواباتها ، وابعث بها حتى أرى في ذلك رأيي ، ولتشتد عزيمتك ، ولتصلب شكيمتك ، وتحسن نيّتك ، وعليك بالرفق ، وإيّاك والخرق ، فإنّ الرفق رشد ، والخرق نكد ، وانظر حسيناً خاصّة فلا يناله منك مكروه ، فإنّ له قرابة وحقّا عظيماً لا ينكره مسلم ولا مسلمة ، وهو ليث عرين ، ولست آمنك إن شاورته أن لا تقوى عليه. فأمّا من يرد مع السباع إذا وردت ، ويكنس إذا كنست ، فذلك عبد الله بن الزبير ، فاحذره أشدّ الحذر ، ولا قوّة إلاّ بالله ، وأنا قادم عليك إن شاء الله. والسلام (١).

قال الأميني : يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم. نعم ، والحقّ أنّ للحسين ولأبيه وأخيه قرابة وحقّا عظيماً لا ينكره مسلم ولا مسلمة ، إلاّ معاوية وأذنابه الذين قلبوا عليهم ظهر المجنّ بعد هذا الاعتراف الذي جحدوا به واستيقنته أنفسهم ، بعد أن حلبت الأيّام لهم درّتها ، فضيّعوا تلك القرابة ، وأنكروا ذلك الحقّ العظيم ، وقطعوا رحماً ماسّة إن كان بين الطلقاء وسادات الأُمّة رحم.

هيهات لا قرّبت قربى ولا رحم

يوماً إذا أقصت الأخلاق والشيمُ

كانت مودّةُ سلمانٍ له رحماً

ولم يكن بين نوحٍ وابنه رحمُ (٢)

__________________

(١) الإمامة والسياسة لابن قتيبة : ١ / ١٤٤ ـ ١٤٦ [١ / ١٥٣ ـ ١٥٤]. (المؤلف)

(٢) من قصيدة شهيرة للأمير أبي فراس. (المؤلف)

٣٣٩

كتاب معاوية إلى الحسين عليه‌السلام :

أمّا بعد : فقد انتهت إليّ منك أمور لم أكن أظنّك بها رغبة عنها ، وإنّ أحقّ الناس بالوفاء لمن أعطى بيعته من كان مثلك في خطرك وشرفك ومنزلتك التي أنزلك الله بها ، فلا تنازع إلى قطيعتك ، واتّق الله ، ولا تردنّ هذه الأُمّة في فتنة ، وانظر لنفسك ودينك وأُمّة محمد ، ولا يستخفنّك الذين لا يوقنون.

فكتب إليه الحسين رضى الله عنه :

«أمّا بعد : فقد جاءني كتابك ، تذكر فيه أنّه انتهت إليك عنّي أمور لم تكن تظنّني بها رغبة بي عنها. وإنّ الحسنات لا يهدي لها ولا يسدّد إليها إلاّ الله تعالى ، وأمّا ما ذكرت أنّه رُقي إليك عنّي فإنّما رقاه الملاّقون المشّاؤون بالنميمة المفرّقون بين الجمع ، وكذب الغاوون المارقون ، ما أردتُ حرباً ولا خلافاً ، وإنّي لأخشى الله في ترك ذلك منك ومن حزبك القاسطين المحلّين ، حزب الظالم ، وأعوان الشيطان الرجيم». إلى آخر الكتاب (١).

كتاب معاوية إلى عبد الله بن جعفر :

كتب إلى عبد الله : أما بعد فقد عرفت أثرتي إيّاك على من سواك ، وحُسن رأيي فيك وفي أهل بيتك ، وقد أتاني عنك ما أكره ، فإن بايعت تُشكَر ، وإن تأبَ تُجبَر ، والسلام.

فكتب إليه عبد الله بن جعفر :

أمّا بعد : فقد جاءني كتابك ، وفهمت ما ذكرت فيه من أثرتك إيّاي على من سواي ، فإن تفعل فبحظّك أصبت ، وإن تأبَ فبنفسك قصّرت ، وأمّا ما ذكرت من

__________________

(١) مرّ بتمامه في هذا الجزء : صفحة ١٦٠. (المؤلف)

٣٤٠