المجتبى عليه السلام بين وميض الحرف ووهج القافية

المجتبى عليه السلام بين وميض الحرف ووهج القافية

المؤلف:


الموضوع : الشعر والأدب
الناشر: المكتبة الأدبيّة المختصّة
الطبعة: ٠
ISBN: 964-319-153-2
الصفحات: ٢٢١
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

الإمام الحسن مواقف وأهداف

الشيخ مهدي العوازم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الانبياء والمرسلين محمّد وآله الطاهرين واللّعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

توطئة

هناك ممّن يدّعي التحضّر من يتهم الإمام الحسن عليه‌السلام بعدم التدبير مدّة حكمه ، وضحالة سياسته في حركتهِ ضد معاوية فقالوا : إنّ معاوية كان أولى بالحنكة والسياسة ، وأدهى في تدبير الاُمور من الإمام الحسن عليه‌السلام.

وأعجب من ذلك ما نقله ابن أبي الحديد المعتزلي عن الشيخ ابن سينا في كتابه ( الشفاء ) من أنّ معاوية كان أسوس من الإمام علي عليه‌السلام وإن كان أمير المؤمنين أعلم (١).

والمبرر لتلك الكلمات الاعتماد على بعض المناطات الاعتبارية التي جعلت هي المقياس للتفصيل ، مـضافاً للـجهل بالحـقائق التاريخية والواقعية الموجب لألقاء الاستفهامات المتكررة منهم على مواقف الإمام الحسن عليه‌السلام فقالوا :

٢١

لماذا فسح الإمام الحسن المجال للعناصر المختلفة للالتحاق بالجيش الزاحف لمحاربة معاوية مع معرفته بهم ؟ ولماذا ولّى عبيد الله بن عباس على مقدمة الجيش وولّى آخرين مع معرفته بل بتصريحه بغدرهم ؟ ولماذا لم يقطع رؤوس الفساد في الجيش ؟ ولماذا لم يقدِم الإمام الحسن عليه‌السلام على الشهادة كالإمام الحسين عليه‌السلام ، بل أقدم على الصلح حفاظاً على نفسه وبعض أهله من أهل بيته ؟ ولماذا لم يقم بعد تصريح معاوية بان كل شرط اشترطه للإمام الحسن عليه‌السلام فهو تحت قدمه مع أنّ كبار أصحابه استعد لذلك ؟.

وكل هذه الاستفهامات تنبئ عن الجهل بحقائق الواقع والمقاييس الصحيحة لمعرفة حقائق الرجال وأحوالهم.

ونحن نحاول في هذا المقال التعرّف على بعض جوانب الأحداث التي دارت بين الإمام الحسن عليه‌السلام ومعاوية ، ونطلّ من نوافذ نورية على تلك الحقبة الزمنية لنرى مدى صحّة واستقامة مواقف الإمام الحسن عليه‌السلام ، ومدى سقم وفساد موقف معاوية. ومن خلال طرح تلك الومضات من تلك النوافذ نعرف أنّ هناك مقاييس خاصّة عند أهل بيت النبوّة بها يتعاملون وبها يحكمون الناس ، وبذلك يتضح الجواب على كل تلك الاستفهامات :

من هو الإمام الحسن عليه‌السلام ومَن هو معاوية ؟

الإمام الحسن أبو محمّد ريحانة المصطفى ، وقرّة عين المرتضى ، وثمرة فاطمة الزهراء ، وأحد الخمسة أصحاب الكساء ، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا ، وأحد الذين أطعموا الطعام على حبّ الله مسكيناً ويتيماً وأسيرا ، ومن أحد الثقلين اللّذين خلفهما الرسول في اُمّته ومَن باهل بهم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله نـصارى نجران ، ومـن الذين أوجب الله الصلاة عليهم ، وهو السيد والسبط

٢٢

والزكي والتقي والمجتبى.

• مولده :

وُلِدَ في الخامس عشر من شهر رمضان سنة ثلاث بعد الهجرة ، وهو قول أكثر العلماء ومنهم الشيخ المفيد والشيخ الطوسي (٢). وفي اُصول الكافي انّه وُلِدَ في السنة الثانية للهجرة (٣) ، وروى الصدوق في العلل والأمالي بأسانيده عن زيد بن علي عن أبيه علي بن الحسين عليهما‌السلام قال : « لمّا ولدت فاطمة عليها‌السلام الحسن عليه‌السلام قالت لعلي عليه‌السلام سمِّه ».

فقال : « ما كنتُ لأسبق باسمه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله » فجاءه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فأخرج إليه في خرقة صفراء فقال : « ألم أنهكم ان تلفّوه في خرقة صفراء » ثم رمى بها وأخذ خرقة بيضاء فلفّه فيها ثم قال لعلي عليه‌السلام : « هل سمّيته ؟ » فقال : « ما كنتُ لأسبقك باسمه » فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله : « وما كنتُ لأسبق باسمه ربّي عزّ وجل » ، فأوحى الله تبارك وتعالى إلى جبرئيل : « إنّه قد وُلِدَ لمحمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ابن فاهبط فاقرأه السلام وهنّه ، وقل له : ان عليّاً منك بمنزلة هارون من موسى فسمه باسم بن هارون » ، فهبط جبرئيل فهنأه من الله عزّ وجل ثم قال : « إنّ الله تبارك وتعالى يأمرك أن تسمّيه باسم ابن هارون » ، قال : « وما كان اسمه ؟ » قال : « شبّر » قال : « لساني عربي » ، قال : « سمّه الحسن » (٤).

• صفاته :

وكان الإمام الحسن عليه‌السلام أشبه الناس برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله خلقاً وهيبة ، هديا وسؤدداً ، ( وكان أبيض اللون مشربا بحمرة ، أدعج العينين ، سهل الخدين ، دقيق المسربة ، كثّ اللحية ، ذا وفرة ، كأن عنقه إبريق فضة ، ليس بالطويل ولا بالقصير

٢٣

مليحاً من أحسن الناس وجهاً ) (٥).

• نشأته :

نشأ الإمام الحسن عليه‌السلام في كنف جدّه ورعايته وتربيته سبع سنين ، فتزين بأحلى زينة وهي شبهه بجده خَلْقاً وخُلُقاً فتأدّب بأحسن الآداب ، وتخلّق بأتمّ مكارم الأخلاق ، وحصل على أوسمة من الشرف ظلت وستظل خالدة في جبين الدهر. فقد قال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله في حقه : « أمّا الحسن فان له هيبتي وسؤددي » (٦).

وأيُّ هيبة أعظم من هيبة خاتم الأنبياء ، وأي سؤدد أشرف من سيّد الكون محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله .

وقال فيه وفي أخيه الإمام الحسين عليه‌السلام : « الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة » (٧) ، فهما سيّدا شباب مخلوقات الجنّة من الأنس والجن وغيرهما وكل ما صدق عليه أنّه من أهل الجنّة. وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله : « ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا » (٨).

فأشار بذلك إلى ما يكون من الإمام الحسن عليه‌السلام من الصلح وما يكون من الإمام الحسين عليه‌السلام من القيام ، أو أشار إلى ما يكون من كل منهما من القيام في فترة والقعود عن المجابهة في فترة اُخرى. إلى غير ذلك من كلمات الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله النورانية التي هي عبارة عن أوسمة شرف وسمو وسيادة قلَّدها ابنه الإمام الحسن عليه‌السلام.

ثم كان مع أبيه أمير المؤمنين عليه‌السلام في مظلوميته ومواقفه وفي سكونه وحركته ، فمشى على منهاجه وترعرع في ظلاله ، ومشى خلفه مشية الفصيل خلف اُمّه ، فكان من أعبد الناس وأزهدهم وأفضلهم وأكرمهم وأهيبهم.

فإذا ما واجهه أحد طأطأ رأسه أمامه ، وإذا ما جلس عند باب بيته امتنعت

٢٤

المارة من السير في طريقه ، وإذا ما ترجّل في طريقه إلى الحج ترجّل الحجيج ، وما أكثر حجّه ماشياً ، ولربما مشى حافياً ليكون أحمز الأعمال.

وكان إذا ذكر الموت بكى وإذا ذكر القبر بكى وإذا ذكر البعث والنشور بكى ، وإذا ذكر الممر على الصراط بكى ، وإذا ذكر العرض على الله تعالى بكى وشهق شهقة يغشى عليه منها.

وكان إذا قام في صلاته ترتعد فرائصه بين يديي ربّه عزّ وجل ، وإذا ذكر الجنّة والنار اضطرب اضطراب السليم ( وهو من لدغته العقرب ) وسأل الله الجنّة وتعوّذ به من النار. ولم ير في شيء من أحواله إلاّ ذاكراً لله سبحانه ، وكان أصدق الناس لهجة وأفصحهم منطقاً ) (٩) ، فهذا هو الإمام الحسن عليه‌السلام.

• معاوية بن أبي سفيان :

وأمّا معاوية فهو من أخبث الناس كما جاء على لسان صديقه المغيرة بن شعبة (١٠) ، وليس فيه خصلة واحدة تقربه من الخلافة كما عن ابن عباس (١١) ، وهو اللعين ابن اللعين كما عن محمّد بن أبي بكر (١٢) ، وهو كهف المنافقين كما عن أيوب الأنصاري ( شرح ابن أبي الحديد : ٢ / ٢٨٠ ) ، والوثن ابن الوثن كما عن قيس بن سعد بن عبادة ، وانّه ممّن يطفئ نور الله ويظاهر أعداء الله كما عن عمّار بن ياسر ( تاريخ الطبري : ٦ / ٧ ).

وتاريخ معاوية كلّه أسود ملطّخ بالعار وبالدم في جميع مراحله ، وكيف لا يكون كذلك وهو ابن آكلة الأكباد ، فقد شرب من ثديها دم الجريمة ، فقتل الكثير من أصحاب أمير المؤمنين ، واعتاد منها المسكر (١٣) ، وترعرع في حضنها الماجن ، ثم يقف أمام الوثن ليـجعله إلهه الذي يمدّه بكل شرّ ويسلخ منه أي خصلة خير يمكن أن تكون فيه. ولقد كانت تربيته في بيت حافل بالوثنية متهالك

٢٥

في الظلـم والعدوان متفان في عـادات الجاهلية ، ترف عليه رايات العهارة وأعلام البغاء ، وإذا قرع سمع أحدهم دعـاء إلى وحي أو هتاف تنزيل جعل أصابعه في اُذنيه (١٤).

ولقد كان هو وأبوه في العير والنفير ممّن أجلب على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ووقف محارباً لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في يوم بدر حاملاً لواء الشرك ثم اُحد والأحزاب. وكل ذلك وهو في ضلال الشرك يعبد اللاّت والعزّى ويرى حرب الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله فرضاً واجباً.

ولقد أورد علماء السنة الكثير من الأحاديث في ذمّه عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله فضلاً عن ما رواه علماؤنا. ويكفيك مطالعة ما كتبه العلاّمة الفيروز آبادي في كتابه ( السبعة من السلف ) رحمه‌الله لتجد الكثير من الروايات التي نقلها عن صحيح مسلم وكنز العمّال ومسند داود وميزان الأعتدال وتاريخ بغداد ومسند أحمد وتهذيب التهذيب وغيرها.

ومن تلك الروايات : قول الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله : « لا أشبع الله بطن معاوية ».

ودعاؤه عليه وعلى عمرو بن العاص : « اللهم اركسهما في الفتنة ركساً ودُعَّهما في النار دعّا ».

وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : « لا يجتمع معاوية وعمر بن العاص إلاّ على غدرة ».

وأمره صلى‌الله‌عليه‌وآله بقتال القاسطين وهم معاوية وأصحابه.

وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : « إنّ معاوية في تابوت من نار في أسفل درك منها (١٥) وإنّه وأصحابه لفئة باغية » (١٦). وقد استقصى العلاّمة الأميني في كتابه الغدير ( ج ١٠ ، ج ١١ ) الكثير من هذه الروايات.

ويحسن بنا أن نقرأ ماذا يقول عنه أمير المؤمنين عليه‌السلام :

ففي نهج البلاغة : كتاب ٩ يقول عليه‌السلام : « إنّه امرؤ ليس له بصر يهديـه ولا قـائد يـرشده قـد دعاه الهوى فـأجابه ، وقـاده الـضلال فاتَّبعه فهجر لاغطاً

٢٦

وضـل خابطاً ».

وفي كتاب ١٠ يقول له : « دعتك الدنيا فأجبتَها وقادتك فاتّبعتَها وأمرتْك افأطعتَها ». إلى أن يقول : « ومتى كنتم يا معاوية ساسة الرعية وولاة أمر الاُمّة بغير قدم سابق ولا شرف باسق ».

وفي كتاب ٢٨ يقول : « وما أنت والفاضل والمفضول والسائس والمسوس ، وما للطلقاء وأبناء الطلقاء والتمييز بين المهاجرين الأوّلين وترتيب درجاتهم وتعريف طبقاتهم ، هيهات لقد حنّ قدح ليس منها ». إلى أن يقول : « وانّك لذهّاب في التيه روّاغ في القصد ».

وفي الكتاب ٦٤ : « وأمّا تلك التي تريد فأنّها خدعة الصبي عن اللبن في أوّل الفصال ».

وفي الكتاب ٤٤ يقول : « فإنّما هو شيطان يأتي المرء من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ليقتحم غفلته ويستلب غرّته ». إلى غير ذلك من الكلمات التي وردت في نهج البلاغة وغيره.

وقد قارن الإمام الحسن عليه‌السلام بينه وبين نفسه فقال : « أنا ابن علي وأنت ابن صخر ، وجدّك حرب وجدّي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، واُمّك هند واُمّي فاطمة وجدتي خديجة وجدتك نثيلة ، فلعن الله ألأمنا حسباً وأقدمنا كفراً وأخملنا ذكراً وأشدّنا نفاقاً » فقال له عامّة أهل المجلس : آمين. وكل مَن كتب وسمع هذه الرواية يقول : آمين ونحن نقول أيضاً آمين.

فهذا هو الإمام الحسن عليه‌السلام وذلك معاوية فهل يمكن أن يقاس الثّرى بالثريّا ؟.

فقد رأيت من خلال المقارنة بين الشخصيتين مدى التفاوت بينهما تربية وأخلاقاً وديانة وإنسانية وعقلاً ومعرفة و ... إلى غير ذلك من درجات التفاضل

٢٧

بينهما. وهذه إحدى النوافذ التي تطلعنا بوضوح على عدم إمكان تفضيل معاوية في آرائه وسياساته ...

• المدبّر المؤمن :

نتطلّع من خلال هذه النافذة إلى الشرائط التي يجب توفرها في القائد المدبّر للاُمور لنرى مدى تلبّس معاوية بها فنقول :

إنّ كلّ حركة تحتاج إلى مدبّر وإلاّ كانت فاشلة وينتج عنها السلبيات الوخيمة على المجتمع والدين ، وهذا المدبّر لا بدّ أن يتسم بصفات ينتج عنها استقامة حركته والحصول على أهدافها ، ولا سيّما إذا كانت للوصول إلى الأهداف الإلهية ، فلا بد من تحلّي المدبّر المؤمن بها. وهذه الصفات يجمعها عناصر ثلاثة يتفرّع منها بقية الصفات وهي :

(١) الإيمان بالله وبرسوله وما جاء به :

فلو لم يكن مؤمناً لم يكن عنده الميزان الذي به يميّز الحق من الباطل والعدل من الظلم.

(٢) العلم والحكمة :

فبالعلم يعرف كيف يعامل المجتمع وكيف يتعامل مع الأعداء ، فيحارب إذا علم انّ الحرب هي الحل الأمثل ، ويسالم إذا علم انّ المسالمة هي الخير كلّه له ولأتباعه ومبادئه. وبذلك تنفتح السبل إلى الله عزّ وجلّ ( ادع إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة ) والجهل بالحكمة هو الذي يوجب النقد والانتقاد.

ولذا قال الإمام الحسن عليه‌السلام جواباً على مَن سأله لِمَ صالحتَ معاوية : « أما علمتَ أنّ الخضر لما خرق السفينة وأقام الجدار وقتل الغلام كان ذلك سخطاً لموسى بن عمران عليه‌السلام ؛ إذ خفي عليه وجه الحكمة في ذلك ، وكان ذلك عند الله

٢٨

تعالى ذكره حكمة وصواباً » (١٧).

(٣) التقوى :

وهو العنصر الذي يأخذ بيد الإنسان نحو السبيل إلى الله والوصول إلى مدارج الكمال في قيادته وتدبيره. قال تعالى : ( ولو أنّ أهل القرى آمنوا واتّقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذّبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون ). ويحتاج في الحصول على هذا العنصر إلى اُمور كثيرة منها :

حياة قلبه بالموعظة ، إماتته بالزهد ، تقويته باليقين ، تنويره بالحكمة ، تذليله بذكر الموت ، تقريره بالفناء ، تبصيره لفجائع الدنيا ، تحذيره صولة الدهر وتقلّب الليالي والأيام ، تذكيره بأخبار الماضين وما أصابهم.

وإذا أردتَ المزيد فأقرأ وصية أمير المؤمنين عليه‌السلام للإمام الحسن عليه‌السلام فقد تضمّنت اُموراً كثيرة لتأديب الإنسان والأخذ بيده للوصول إلى مدارج الكمال.

فقد أوصى أمير المؤمنين عليه‌السلام ابنه الحسن عليه‌السلام قائلاً : « أي بني إنّي وإن لم أكن عمّرتُ عمر مَن كان قبلي فقد نظرت في أعمالهم ، وفكّرت في أخبارهم ، وسرت في آثارهم حتى عدت كأحدهم بل كأنّي بما انتهى إليّ من اُمورهم عمّرت مع أوّلهم إلى آخرهم ، فعرفتُ صفو ذلك من كدره ونفعه من ضرره ، فاستخلصت لكَ من كل أمر نخيله ، وتوخّيت لك جميله ، وصرفتُ عنك مجهوله ».

فجعل الإمام الحسن خلاصة كل أمر ذي بال وجميل كل حدث وعرَّفه ما هو السقيم من السليم. فإذا عرفنا كل ما ذكرناه فهل يمكن أن يكون معاوية متلبّساً بصفات هذا المدبّر وشرائطه ؟ فهل هو المؤمن حقّ الإيمان أم الإمام الحسن عليه‌السلام ؟ ومَن هو العالم بالشرائع وأحوال الماضين ؟ ومَن هو المتقي لله حقّ تقاته ؟ لا أظنّ أنّ من له شيء من المعرفة للتاريخ يساوي معاوية بالإمام الحسن عليه‌السلام في ذلك فضلاً عن تفضيله. فما أسلم معاوية إلاّ خوفاً من حدّ السيف ،

٢٩

بل لم يؤمن قلبه طرفة عين.

وأي علم كان عند معاوية ومِن أي معلم أخذه ؟ ومتى اتقى معاوية في أمر من الاُمور وهو القاتل لحجر بن عدي وأصحاب أمير المؤمنين عليه‌السلام (١٨) ، وهو المصلّي صلاة الجمعة يوم الأربعاء (١٩) ، وهو الماكر المخادع والناقض للعهود والمواثيق ، فهل من الممكن أن يساوى بسيّد شباب أهل الجنة وأحد أصحاب الكساء ، والذي معلمه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله وأمير المؤمنين عليه‌السلام الحائز على كل كرامة الذي اعترف بفضائله أعداؤه فضلاً عن شيعته ومحبّيه.

وبذلك يثبت أنّ المدبّر المؤمن هو الإمام الحسن عليه‌السلام لا معاوية الذي لا يتوفر فيه شرط من شروط المدبّر المؤمن.

• الهدف الحقيقي والمزيّف :

كلّ حركة دينية لا بدّ أن يكون وراءها هدف مناسب لها ، وإلاّ كانت عشوائية. وهذه قاعدة تشمل حتى الخلق الإلهي ، وقد بيّن الله تعالى الهدف من خلقة الخلق من جنبتين :

الجنبة العملية : وهي عبارة عن عبادة الله كما قال تعالى : ( وما خلقتُ الجن والإنس إلاّ ليعبدون ).

الجنبة العلمية : وهي عبارة عن معرفة الله تعالى كما روي في الحديث القدسي : « كنتُ كنزاً مخفيّاً فأحببتُ أن أعرف فخلقتُ الخلق لكي أعرف ».

وقد كمن هذا الهدف في كل مخلوق على وجه الوجود : ( وإن من شيء إلاّ يسبح بحمده ). فكل حركة من حي لها هدف ، وهو حقيقي تارة واُخرى مزيّف.

فإذا صار الهدف إلى ما جعله الله هدفاً من العبادة لله وحده والمعرفة فهو الهدف الحقيقي ، وإذا ما خالفه كان الهدف المزيّف.

٣٠

وإذا ما لاحظنا هدف الإمام الحسن عليه‌السلام في حركته وهدف معاوية لوجدنا أنّ هدف الإمام الحسن عليه‌السلام هدف حقيقي بخلاف هدف معاوية.

فهدف الإمام الحسن عليه‌السلام في حربه وسلمه هو نشر الدين والحفاظ عليه ، بينما هدف معاوية هو التأمّر على المسلمين وملك رقابهم وتخريب الدّين ومحو اسم الرسول والرسل والرسالة من أنحاء مملكته.

ويتبيّن ذلك بالرجوع إلى كلمات الإمام الحسن عليه‌السلام في أسباب الصلح وكلمات معاوية بعد الصلح وسيأتي الإشارة إليها. فهل يُقاس معاوية بالإمام الحسن عليه‌السلام في أهدافه ؟

(٤) البعد الرابع :

من المعلوم أنّ كل جسم له ثلاثة أبعاد : الطول والعرض والارتفاع. وهناك بعد رابع لا يستغني عنه الجسم في وجوده وهو التوأم الذي يوجد معه ، وهو البعد الزمني.

فالبعد الزمني يدخل في وجود الجسم لا ماهيته ، ولا يمكن أن يتحقق الجسم إلاّ بالزمان.

ولهذا البُعد تأثير كبير على الجسم في تشكّله وتفاعلاته وآثاره. وكل حركة مادية بجميع أشكالها وكل حركة معنوية كذلك يواكبها البُعد الرابع ، فمسيرة الحركة بُعد أوّل وسعة الحركة بُعد ثان وسمو الحركة بُعد ثالث والزمان بُعد رابع. فالزمان يحتاج إليه في كل حركة ، بل انّ خلق الله للمادّة قدره الله بالزمان فخلق الأرض في يومين ( وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدّر أقواتها في أربعة أيّام ) ، ( فقضاهنّ سبع سموات في يومين ) ، ( الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ).

فنلاحظ أنّ الله سبحانه وتعالى جعل الزمان في خلقه وإن لم نعلم نحن مقدار هذا الزمان بملاحظة أيّام الأرض.

٣١

وما سنة الاستدراج والإمهال إلاّ نصيب من البُعد الزمني ( سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ) ، ( فمهّل الكافرين مهّلهم رويدا ).

كما أنّ له دوراً في توقيت الرسالة الخاتمة التي لا تحتاج إلى رسالة اُخرى في الأرض بل هي تمتد بأهدافها إلى التكامل.

وتواكب مسيرتها إلى الهدف الحقيقي الأخير وهو وراثة الأرض وانتشار العدل فيها في عهد صاحب الزمان ـ عجّل الله فرجه الشريف ..

وقد لاحظ الإمام الحسن عليه‌السلام هذا البعد كما لاحظه سائر الأئمة عليهم‌السلام في حركتهم للوصول إلى الأهداف الحقيقية ونشر الدين في ربوع الأرض وإيصال الأمانة الإلهية عبر الأجيال ليتسلمها أخيراً صاحب الأمر.

فدعوتهم وحركتهم لها بُعد رابع مقدّر لا يحيفون عنه فبمقدار ما يحفظ الدين يتحرّكون وبمقدار ما يستمر الدين يسالمون بزمان مقدّر عندهم فيسكت أمير المؤمنين عليه‌السلام إلى زمن ، ثم يتحرّك إلى زمن ثم يسكت. ويتحرّك الإمام الحسن عليه‌السلام في زمن ثم يسكت. ويسكت الإمام الحسين عليه‌السلام إلى زمن ثم يتحرّك ويسكت بقية الأئمة عليهم‌السلام.

ويسكت صاحب الزمان ثم يتحرّك.

وفي بعض كلمات الإمام الحسن عليه‌السلام : « ولا تكون علينا دولة إلاّ وتكون لنا العاقبة » (٢٠) ، مشيراً إلى ما ذكرناه ، فهل يقاس قصير النظر ببعيده هيهات.

• الهندسة الإلهية :

يخلق الله الإنسان ويزوّده بما يحتاج إليه في مسيرة حياته ويهديه النجدين ، ثمّ يكون معه الشيطان ليغويه ويزوّده بأدوات الشرّ فيقف الإنسان في مفترق طريقين : الخير كلّه والسعادة الخالدة ، والشرّ كلّه والشقاوة الأبدية ،

٣٢

فالإنسان مخيّر بين طريق الله وطريق الشيطان ، ولكن لماذا الشيطان ؟ ولماذا يقف الإنسان متحيّراً ؟ ولماذا الأنبياء وعذابهم على طول التاريخ ؟.

هذه هي الهندسة الإلهية والتقدير الإلهي فهي المحدّدة لوجود الأشياء في عالمنا المشهود ، من حيث وجودها وآثار وجودها وخصوصيات كونها بما أنّها متعلّقة الوجود والآثار باُمور خارجة من العلل والشرائط ، فيختلف وجودها وأحوالها باختلاف عللها وشرائطها ، فهي مقولبة بقوالب من داخل وخارج تعين لها من العرض والطول والشكل وسائر الأحوال والأفعال ما يناسبها ) (٢١) ( الذي خلق فسوّى والذي قدّر فهدى ) (٢٢).

قال الإمام الرضا عليه‌السلام في خبر مفصّل : أوَ تدري ما قدَّر ؟ قال : لا. قال : هو الهندسة من الطول والعرض والبقاء (٢٣).

والأنبياء والأوصياء عليهم‌السلام وإن علموا بالمقدّرات الإلهية إلاّ أنّهم لا يمكنهم أن يقفوا أمامها حيث كانت تحت المسيرة الإلهية وإلى الهدف الحقيقي.

وإذا لاحظنا بعض إجابات الإمام الحسن عليه‌السلام نجد ذلك واضحاً منه. ففي حديث أجاب الإمام الحسن عليه‌السلام عن قول القائل : تترك يا ابن رسول الله شيعتك كالغنم ليس لها راع ؟ قال : وما أصنع يا أخا جهينة ، إنّي والله أعلم بأمر قد أدبه إلي ثقاته.

إنّ أمير المؤمنين عليه‌السلام قال لي ذات يوم وقد رآني فرحاً : يا حسن أتفرح ؟ كيف بك إذا رأيت أباك قتيلاً ؟ كيف بك إذا ولي هذا الأمر بنو اُميّة وأميرها الرحب البلعوم الواسع الاعفجاج يأكل ولا يشبع ، يموت وليس له في السماء ناصر ولا في الأرض عاذر ، ثم يستولي على غربها وشرقها ..

إلى أن قال : فكذلك حتى يبعث الله رجلاً في آخر الزمان (٢٤).

وقوله في جواب آخر : أما علمتم ما منّا أحد إلاّ ويقع في عنقه بيعة لطاغية

٣٣

زمانه إلاّ القائم ـ عجّل الله فرجه الشريف .. إلى أن قال : ذلك ليعلم أنّ الله على كلّ شيء قدير.

وقوله في جواب آخر : إنّي لو أردت بما فعلت الدنيا لم يكن معاوية بأصبر عند اللّقا ولا أثبت عند الحرب منّي ، ولكنّي أردت صلاحكم وكف بعضكم عن بعض فارضوا بقدر الله وقضائه (٢٥).

فالإمام الحسن عليه‌السلام عالم بالمقدّرات الإلهية لكنّه لا يتحرك إلاّ بقدر ما يخدم الهدف ، ولم يسالم إلاّ بعد أن رأى أنّ السلم طريق بقاء الدين. فهل يقاس معاوية بن هند بالإمام الحسن عليه‌السلام العالم بالمقدّرات الإلهية.

• القدرة في خدمة الهدف :

أكرم الله سبحانه وتعالى الإنسان بقدرات عظيمة جداً ، عقلية وروحية ونفسية وبدنية ، وخصّ الأنبياء والأوصياء ، بل كل من يطيعه بقدرات خاصّة قد تكون خارقة لما هو المعتاد فسخّر لهم كل الأشياء ، وذلل لهم الصعاب حيث يقولون للشيء كن فيكون كما جاء في الحديث القدسي : عبدي أطعني تكن مثلي أقول للشيء كن فيكون وتقول للشيء كن فيكون.

فهم خلفاء الله في الأرض ، واُمناؤه على رسالاته ، فعندهم القوّة الإلهية النافذة في جميع الأشياء.

فانظر إلى قدرات سليمان في تسخير جميع الأشياء حوله من جان وحيوان وشجر وهواء.

ولاحظ موسى وهو يرمي بعصاه التي يتوكّأ عليها فإذا هي ثعبان عظيم يلقف مئات العصي والحبال ثمّ تعود إلى حالها.

وهذا محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله وهو يشقّ بسبابته القمر ويسبِّح الحجر في يده ويأمر

٣٤

الشجرة بالمجيء والرّواح. إلى غير ذلك من المعاجز والكرامات التي ظهرت على يديه ، وهذا أمير المؤمنين وبقية الأئمة عليهم‌السلام فإنّ لهم من الكرامات الكثيرة التي تواترت عنهم عليهم‌السلام فهذه القدرات هبةُ الله لهم حيث أطاعوه حقّ طاعته.

ولكنّ هذه القدرات لا تستخدم في كل آن ، بل تستخدم في طاعته وفي سبيله على حسب المقدرات الإلهية.

فلم يستخدمها الأنبياء لجبر الإنسان على الطاعة مع مقدرتهم على ذلك بلا شك ، بل يجرون اُمورهم في الغالب على وفق الأسباب الطبيعية ، ويتحمّلون في سبيل ذلك الألوان من العذاب والظلم.

فانظر إلى نوح فقد بقي السنوات الطويلة في سبيل إطاعة الله عزّ وجل وتحقيق الهدف الإلهي ، وهكذا جميع الأنبياء.

وانظر إلى ما أصاب النبيَّ محمّداً صلى‌الله‌عليه‌وآله من أوّل الدعوة إلى آخرها ، وكم تحمّل من المصائب فهذا الذي يشير إلى القمر بسبابته فيشقّه إلى شقين ، لم يستعمل هذه القدرة في حربه مع المشركين حتّى كسرت رباعيته وجرح بجروح كثيرة وتحمّل ما تحمّل في سبيل الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.

ولاحظ أمير المؤمنين عليه‌السلام ومقدار صبره على الظلم ، فهذا البطل العظيم يرى زوجته تُضرَب ولم يحرّك ساكناً ، ولما أرادت الزهراء عليها‌السلام ان تدعو على القوم خيّم العذاب على أهل المدينة إلاّ انّ الإمام علياً عليه‌السلام أرسل إليها مَن يهدّئها ويقول لها : بُعث أبوك رحمة فلا تكوني عليهم نقمة.

ولا يخرج عن هذا القانون الإمام الحسن عليه‌السلام فهو القادر على أن يشير إلى جيش معاوية ليمحوهم من صفحة الوجود ومع ذلك لم يحرك ساكناً.

فالإمام الحسن مع قدرته صبَر ، وهذه هي العظمة في جميع الأئمة عليهم‌السلام ، فقد صبروا في طاعة الله حتى ذاقوا جميع ألوان العذاب ، فما منهم إلاّ مقتول أو

٣٥

مسموم مع ما أعطاهم الله من الولاية التكوينية فإذا كان مَن عنده علم بعض الكتاب استطاع أن يأتي بعرش بلقيس بعظمته في طرفة عين أفلا يتمكّن مَن عنده علم الكتاب كله أن يمحو جيوش معاوية في طرفة عين ؟! ولم يفعل ذلك لأنّ هدفه ليس هو الدنيا ، فلو كان للدنيا لكان غير الذي كان على حدّ تعبيره عليه‌السلام ، وإنّما هدفه الوصول إلى الغايات السامية التي أرادها الله وقدّرها ولا يحيفون عن ذلك قيد شعرة.

فإذا كان الإمام الحسن عليه‌السلام هكذا ، فهل يُقاس بمعاوية الذي لم يطع الله في حركته وقيامه ضدّ الإمام الحسن عليه‌السلام ؟!

• السياسة المهدية والسياسة النكراء :

السياسة عبارة عن تدبير الأمر ، فالسائس من له الأمر والنهي على أفراده كما هو التفسير اللّغوي لهذه اللفظة.

وقد ذكر ابن أبي الحديد : أنّ السائس لا يتمكّن من السياسة البالغة إلاّ إذا كان يعمل برأيه وبما يرى فيه صلاح ملكه وتمهيد أمره وتوطيد قاعدته سواء وافق الشريعة أو لم يوافقها ، ومتى لم يعمل في السياسة والتدبير بموجب ما قلناه فبعيد أن ينتظم أمره أو يستوثق حاله (٢٦).

إلاّ إنّه نظر إلى السياسة من زاوية ظاهرية ; إذ رأى أنّ حكّام عصره ومن سبقهم غير المسترشدين بالشريعة كانوا كذلك ، فرأى أنّ هؤلاء الحكّام لا يمكنهم سياسة الاُمور وتدبير الممالك إلاّ بإعمال آرائهم الشخصية الموجبة لتوطيد قواعدهم سواء وافقت آراؤهم للشريعة أم لا.

ولكننا إذا نظرنا إلى واقع السياسة فهي عبارة عن تدبير الاُمور أحسن تدبير ، والظاهر من كلام أمير المؤمنين أنّها وضع الأشياء في مواضعها ، فقد عرّف

٣٦

العدل بإنه وضع الاُمور مواضعها ثم قال : والعدل سائس عام. وهو تعريف واضح فتكون السياسة مساوقة للعدل حينئذ.

وقد سأل بعض الناس الإمام الحسن عليه‌السلام عن السياسة فقال : هي أن تراعي حقوق الله وحقوق الأحياء وحقوق الأموات (٢٧). وهذا المعنى مطابق لوضع الاُمور في مواضعها.

فلا بد أن تكون جميع المواقف السياسية موافقة للشريعة ونصطلح على هذا المعنى بالسياسة المهدية.

وأمّا السياسة التي لا يكون همّ صاحبها إلاّ إقامة قواعد السلطة وبقاء الملك من دون ملاحظة موافقتها للشريعة فهي السياسة النكراء ، فليس هناك عدل ولا صلاح ، بل ظلم وفساد وإنّما يحسب السائس انّه يحسن صنعاً وخرابه أكثر من صلاحه.

وبتعبير آخر : إنّ السياسة التي تنسجم مع الأهداف الإلهية الحقيقية وهي نشر الدين والدعوة إلى الله عزّ وجل ، ونقل الدين للأجيال اللاحقة بصورته الصحيحة ، فهذه هي السياسة المهدية ، وأمّا السياسة التي تخالف الأهداف الإلهية فهي السياسة النكراء وهي عين الشيطنة.

وكانت سياسة جميع الأنبياء والأوصياء هي السياسةُ المهدية ، وأمّا سياسة سلاطين الدنيا فهي السياسة النكراء التي أشار إليها ابن أبي الحديد ، إلاّ إذا تابع السلطان في حركته السياسية والعسكرية ما فرضت عليه الشريعة فتكون سياسته مهدية أيضاً.

وقد اعترف ابن أبي الحديد أنّ أمير المؤمنين عليه‌السلام كان مقيّداً في سياسته بقيود الشريعة ، مدفوعاً إلى اتباعها ورفض ما يصلح اعتماده من آراء الحرب والكيد والتدبير إذا لم يكن للشرع موافقاً ، فلم تكن قاعدته في خلافته قاعدة

٣٧

غيره ممّن لم يلتزم بذلك.

وبهذا الكلام الأخير يشير إلى ما عليه الخلفاء قبل أمير المؤمنين عليه‌السلام فإنّهم كانوا يعملون بغير ما عمل به أمير المؤمنين. فكان عمر ـ على حدّ تعبير ابن أبي الحديد ـ يعامل اُمراءه وأعداءه بالكيد والخدعة ، ويؤدّب بالدرّة والسوط من يتغلّب على ظنّه انّه يستوجب ذلك ، ويصفَح عن آخرين قد اجترحوا ما يستحقون من التأديب.

ثم دافع ابن أبي الحديد عن ذلك بأنّهم مجتهدون ويعملون بالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة (٢٨). وهو عجيب منه ; إذ كيف يصح الاجتهاد قبال الشريعة المقدّسة ، فهل يصح في الاجتهاد أن يرى ما يعلم انّه مخالف للشريعة. فلو انفتح هذا الباب لانفتح باب الظلم على مصراعيه في جميع شؤون الحياة.

ونحن إذا لاحظنا سياسة الإمام الحسن عليه‌السلام وسياسة معاوية وقارنّا بينهما لوجدنا اختلاف السياستين كما هو واضح.

فإنّ سياسة الإمام الحسن عليه‌السلام هي السياسة المهدية ، وهي سياسة الأنبياء والأوصياء التي يكون المناط فيها رضى الله تعالى ، ووضع الاُمور في مواضعها ولا يمكن أن يعمل عملاً غير موافق للشريعة لمكان العصمة فيهم.

وأمّا سياسة معاوية فهي من أوضح مصاديق السياسة النكراء ، فإنّ السياسة التي هي الغدر والمكر ليست سياسة مهدية.

لذا قال أمير المؤمنين عليه‌السلام : والله ما معاوية بأدهى منّا ولكنّه يغدر ويفجر ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس (٢٩) ، وسيأتي بعض نتائج هذه السياسة.

• العسكري المحنّك :

للعسكري المحنّك معنيان :

٣٨

أ ـ هو واضع الخطط العسكرية في أثناء الحرب وقيادة الميدان قبل وأثناء وبعد نشوب الحرب ، فهو المهندس للحركة العسكرية.

ب ـ هو البطل الضرغام الشجاع والفارس المهاب الذي يقارع الشجعان وينازل الفرسان.

فمن هو العسكري المحنّك هل هو معاوية أو الإمام الحسن عليه‌السلام ؟

لم ينقل التاريخ انّ من حنكة معاوية معرفته بفنون القتال أو انّه هندس لمعركة ما. فانظر إلى معركة صفين ، فهل من الحنكة العسكرية عندما سيطر على مصب الماء أن يمنعه عن معسكر الإمام علي عليه‌السلام ؟ كيف لم ينتبه إلى أنّ منع الماء يعني استبسال الطرف الآخر بكلّ قدراته في الوصول إلى مادة الحياة.

وهل من الحكمة العسكرية أن يجلس في خيمته وراء المعسكر تاركاً اُمور الجيش للاُمراء ؟ وما خدعة رفع المصاحف التي كانت بتخطيط من عمرو بن العاص إلاّ وسيلة للهروب من الحرب ، وليس بالتكتيك الحربي كما يحلو للبعض أن يسمّيه.

ولم ينقل التاريخ شجاعة لمعاوية أو فروسية ، بل المنقول خلافه فان معاوية حاول الهرب بجواده من صفين لو لم يدركه عمرو بن العاص بفكرة التحكيم وكان منها على وجل.

ولقد دعاه أمير المؤمنين عليه‌السلام يوم صفين للبراز ، وقد قال له عمرو بن العاص : أنصفك الرجل ولكنّه كادت روحه أن تخرج ولم يستقرّ مكانه وقال : كلا يا عمرو أردت أن أبرز إليه فيقتلني.

فهو يعرف انّه ليس له القدرة على مواجهة أمير المؤمنين عليه‌السلام ، بل لم يحتمل ذلك قائلاً بضرس قاطع ( فيقتلني ). وكيف يكون فارساً وهو لا يستطيع مقاومة شهوة بطنه حتّى اتخم أشد تخمة فهل هناك فروسية لمتخم ؟!

وأمّا الإمام الحسن عليه‌السلام فهو العسكري المحنّك بما يتحمّل اللفظ من معنى ،

٣٩

فهو مع أبيه عليه‌السلام في مركز القيادة في معاركه الجمل وصفين والنهروان ، وهو واضع الخطة العسكرية لمحاربة معاوية ، فبعد أن اجتمع الجيش عنده أرسل مقدمة قوامها اثنا عشر ألفاً وفيها الصناديد وبقية المهاجرين والأنصار ، وخلّف في الكوفة من يدعو الناس للجهاد وليكون له مادة عسكرية تمده بالرجال.

وبقي هو في الوسط حتى يتسنّى له جمع فلول الجيش.

فلو أطاعه الجيش ، ولو لم يكن من بقايا المجتمع الذي خان بأمير المؤمنين عليه‌السلام لذاق معاوية منه ما لم يكن يتوقّعه.

إلاّ انّ سياسة الغدر التي اتبعها معاوية هي التي حالت دون الاشتباك الحربي والمنازلة الميدانية.

فهل يقاس معاوية بالإمام الحسن عليه‌السلام في حنكته العسكرية وفي فروسيته ؟

ولذا صرّح بأن عمله لو كان للدنيا لما كان معاوية بأبأس ولا أشدّ شكيمة منه.

• الحرب والسلم :

الحرب والسلم وسيلتان لتحقيق هدف ما ، فإن كانت الحرب هي الحقيقة للهدف الحقيقي كانت هي الممدوحة دون السلم.

وإن كان العكس فالممدوح هو السلم دون الحرب ، وإن كانت الحرب وسيلة للأهداف المزيفة كانت الحرب هي المذمومة ، وكذا السلم.

فالحرب ليست حسنةً مطلقاً وهكذا الصلح.

فالرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله حارب حين كانت الحرب هي الوسيلة لتحقيق الهدف الإلهي. وسالم حين كان السلم هو المحقّق للأهداف الحقّة.

فحارب في بدر واُحد والأحزاب وغيرها ، وسالم بني ضمرة وبني أشجع وأهل مكة حين انصرف من الحديبية ، والهدف من كل ذلك هو الحفاظ على الدين

٤٠